محا
م حم
+ عد
شرع
كلمه مهمة:
هذا العمل (تحويل كتاب: أوراق شمعون المصري.. للكاتب أسامة عبد الرءوف الشاذلي
الي صيغة نصية) هو بمثابة خدمة حصرية للمكفوفين. من منطلق حرص الجميع على
تقديم ما أمكن من دعم للإنسان الكفيفء الذي يحتاج أكثر من غيره للدعم الاجتماعي
والعلمي والتقني بحيت تعينه خدماتنا هذه على ممارسة حياته باستقلالية وراحة. وتعزز
لديه الثقة بالنفس والاندماج بالمجتمع بشكل طبيعي.
وبسبب شح الخدمات المتوفرة للمكفوفين حرصنا على توفير هذا الإنتاج بقناة (متميزون)
للكتب النصية. ونحن بتقديم هذه الخدمة النوعية نطمح الى مساعدة الكفيف في
المجالات التعليمية العلمية والثقافية وذلك بتسخير ما يتوفر من تقنيات خاصة لتحويل
الكتب الي نصوص تكون بين ايديهم بشكل مجاني. ويمكن لبرامج القراءة الخاصة
بالمكفوفين قراءتها.
أوراق شمعون المصري
أسامة عبد الرءوف الشاذلي
الكتاب الأول 2
(قالَ فِإِنَها مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أزبعين سَنة يتيوت في الأزض فلا تآس على القوم
القاسقِين)
(س ورة المائدة - 26)
9 _ 9 0 00 00 00 00
(أنا الرّبٌ قَدْ تَكَلَمْتْ. لأْفْعلَنَ هذا يكل هذه الْجَمَاعَة الشّريرَة الْمُتَفِقة عَلَيّ.
فِي هذا القفر يَفْنَوْنَء وفيه يموتون؟ - 1
(سفر العدد: 14)
00 00 00 00 0
الورقة الأولى
رددت جنبات الوادي أصوات الأبواق التي انطلقت من خيمة الاجتماع فوق
حيل (نبوه). تدعو الناس لاستثناف الرحيل. مضت سويعات قليلة تحركت
بعدها جموع الشعب لتقطع الشوط الأخير في الرحلة إلى الأرض المقدسة.
الرحلة التي استغرقت ما يقرب من خمسين عاما. ولم يتبق منها سوى
بضعة ايام يعبرون بعدها نهر الأردن إلى ارض الميعاد. حمل زعيم كل سبط
من الأسباط رايته وساروا في ترتيبهم المعهود. تقدم بنو (هارون الركب
يحملون تابوت العهد على الأكتاف وينفخون الأبواق بين الفينة والفينة. وقد
انسل من ورائهم مئات الالوف من شعب بني إسرائيل. يثيرون خلفهم
كانه من الرمال فق كل .ها تقى من بذ كرناك عاضيوها قوق حل الأجران:
اختلط حنين النوق وخوار الأبقار ببكاء الرجال والنساء. فلأول مرة يتحرك
الركب دون المعلم والمخلص. فقد مات النبي (موسى)؛ مات بعد أن أراه الله
الأرض المقدسة أمام عينيه من فوق الجبل الأحمر ثم قبضه إليه. تاركًا
الشعب الذي أخفق كثيرا من قبل وحده. أمام الاختبار الأعظم والامتحان
الأهم. لم يدر بخلدهم قط أنه مفارق. ولشد ما جزعهم أن يغادروا منازلهم
دوت أن يلقوا على نبيهمم النظرة الأخيرة. ودوت أن .يعلموا موضع دفنه. فقد أمر
خليفته يوشع بن نونه بألا يعلم أحد موضع قبره. وألا يوضع على قبره شاهد.
ذابت: سحابة الرمالة:تحت ظيات العرام. المتواكية التدفل السفح .. وتددة
أصوات الجموع أمام صفير الرياح المتسارعة فوق الجبل الموحش. ولم تمض
واتجه إلى باب الغار الذي آوي إليه طوال شهر مضى منذ وفاة النبي. سار
في وهن بظهر أحنته السنون إلى خارج الغار. حمل بيديه المعرقتين كومة
من الحطب أشعلها بصعوبة. ثم جلس يستضيء بنورها ويستدفئْ بنارها.
امتدت يده إلى صرة من القماش. فتحها ليخرج منها أنيسيه في عمره الذي
مضصى: : الدواة والقلم. تناول لفائفه المصنوعة من أوراق البردي بجهد يشي
بحجمها الضخم. تحسست يداه السجل الذي افنى عقودا من عمره في
كتابته في حنان. ثم فتحه برفق على صفحته الأخيرة. غمس قلمه في
الدواة وشرع يكتب بيد أ رعشتها سنوات العمر وبرودة الجو:
«وبعد. فهذا ختام ما كتبه (شمعون بن زخاري). والملقب بشمعون المصري.
عن أخبار بتي بإسرائيل. في ارض سيناء. وما كان .من أمرهم فيد غمور البدر
وحتى وفاة نبي الله موسى بن عمران: وأعلم أني ما كتبت في هذا الرقاع
إلا أحد أمرين؛ أمرا شهدته بعيني أو امرا سمعته من رجحل من الرحجال الثقات,
وأشهد الرب (إيل) أني ما بغيت بهذا الكتاب مجدا ولا شرفا. وإنها إظهار
شهادتي على جيل من إسرائيلء. اصطفاه الله وانجاه بمعجزة من عدوة. ثم
غضب عليه وأهلكه في تلك البرية القفراء بعد أن أذاقه شقاء الارتحال ومرارة
التيه. هذا كتاب لا أدري من سيكون قارئه. فأيّا من تكن أرجو أن تتذكر كاتب
هذه الأبواب بالرحمة وأن تدعو له بالغفران»
ظ الملقب بشمعون المصري.
تم في الليلة الأخيرة من الشهر الثامن لسنة ستين بعد الخروج.
00 060 06 006 6
الورقة الثانية
لم أكن قد جاوزت السابعة من عمري يوم أن حدث العبور. ومع ذلك ما زلت
أذكز عض احداف “ذلك الثوم توضوح. و كان بعدية: الفية نفاء ولفل كثزة
الترانيم التي تغنينا بها منذ الصغر تمجيدا للرب على النجاة من فرعون التي
جعلت ذكريات تلك الأيام راسخة في وجداني منذ ذلك العهد البعيد. وسأقص
ما التصق بذاكرتي عن هذا اليوم. بعيدا عن ترانيم الصلاة وأناشيد بيت
العبادة. فمهما قرأت أنت في صلاتك. فلن تتخيل مشاعر طفل صغير عاش
معجزة لم تحدث سوى مرة واحدة على هذه الارض. إن اوك ما اتذكره عن
ذلك اليوم هو ذلك الزحام الشديد من الناس الذي جاوز عشرات الآلاف من
البشر. أتذكر أيضا أبي الذي كان يتصبب عرقا وهو يسحب الحمار الذي
يحملني ويحملٍ أمي باحدى بديه. وبيده الأخرى يسحب شاة نحيفة هي
كل ما استطاع أن يحصل عليه من منزلنا السابق بأرض الجوشن. كان الجو
حارا قائظا في ذلك اليوم من أيام الصيف. ولولا غمامة من السحاب ظللت
الجموع ورافقتنا طوال الرحلة لهلكناء كنت أشعر بضمة أمي إلى صدرها
وكانها تحميني من عدو تترقبه: وبين الفينة والفينة كنت اشعر بقطرات
دفوعها تتساقط على رأتى: “فكاة. اعدف المرح بالجموع حينها علا :صوت
رؤساء العشائر يأمرون الناس بالإسراع نحو البحيرة التي تقع عند موضصع عند
البحر يقال له «فم الحيروث». انك الناس يلقون بأجولة الطحين وأمتعتهم
إلى الطريق: حتى يتنسديى الهم الإتسراء في الشير. أها أي التي اختاط
لذلك الموقف فقد شق الصفوف بحمولته اليسيرة حتى يكون على مقربة من
الصف الذي يسير فيه النبي.
سألته أمي في وجل:
هل سيتبعنا فرعون؟
لم يلتفت إليها وظل مهرولا في سيره. وقاك:
- يقولون إنه قد خرج بمركباته من حامية (إيثام).
اشتدت ضمة أمي لي إلى صدرها. وتلاحقت أنفاسها ودموعها وفي تلوج
للوب بالدعاء.
اقتربت الجموع من الموضع الذي أمر يه النبي. وبدت بحيرة الماء الهادئة
وببط الصحراء كقراة من الفضة تفكمن أشعة الشهس: :هذا السعريرونقا رينت
الصفوف مع اقتراب الجموع من مياه البحيرة. وتعالت صيحات استنكار من
بعض الناس:
- كيف ستعبير البحيرة؟ هل ستسبق النساء والأطفال والمواشي؟
رأيت الحيرة والقلق على وجه أبي الذي لاذ بالصمت انتظارا لما سيأمر يه
النبي. وفجأة علا صراخ في الصفوف الخلفية. نظر الجميع إلى الخلف فرأوا
سحابة من الرمال قد غطت السماءء وبدا أن جنود فرعون قد اقتربوا
بمركباتهم.
علا صراخ النساء. فبكى الأطفال. واشتدت صيحات الرجال:
- هيا يا (موسى)! افعل شيئا. سيدركنا جحيشس الفرعون!
تطور الأمر إلى لوم وتقريع. وأتت صيحات من بين الصفوف تستنكر الوضع
الذي آلوا إليه: '
- ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر؟
. ألم يكن بمصر قبور حتى ندفن بها؟
- ألم يكن خير لنا أن نخدم المصريين بدلا من أن نموت في البرية؟
تزايدت سحابة الرمال وحمل الهواء أصوات سنابك الخيل وصرير العجلات,
امتقعت الوجوه. وماتت القلوب بين الضلوع. فجأة جاء صوت الكليم الجهوري
يملأ جنبات الصحراء وهو يقول:
- كلا.
ثم لم نليث أن رأينا العصا تشق الهواء ثم تهبط في سرعة لترتطم بسطح
النكيرة:: اق مفهرة تلك الشف لمر يو التقمر متلها؟! لور كد تمفين الفضاا سيظه
التعيزة الساكن: حتئ, تقل ماؤها كقذر يغلي على الثان: هيت ريخ :عانية
فاشتد المد على جانبي البحيرة. ثم علا الموج وانفرق الماء إلى فرقين
عظيمين على جانبيها. بدا الطين اللزج في قعر البحيرة امام اعيننا كطريق
معبد للمرور.
وصرخ رؤساء العشائر في الجموع ليسرعوا بالمرور. تدافع القوم مهرولين
خشية أن يرتد المد عليهم. افلت ابي الشاة الوحيدة التي خرج بها من مصر
وجذب الحمار الذي يحملنا بقوة كادت أن ترقه على الطين اللازب عدة مرات.
ملأ رذاذ الماء المالح وحعي وأنفي. وشعرت بقوة الريح تكاد أن تقذف بي من
فوق الحمار. فتشبثت برداء أمي التي كانت تصرخ فزعا وهلعا وأنا أبكىئ
لبكائها. وصل الناس تباعا إلى الشاطئ الآخر. تساقط الشيوخ من الإجهاد
والتعب. وعاؤن: السماب: النستاء وال طفال: والذواب» في الوصول إلى نين الامات:
اقتربت سحابة الرمال بشدة. وصارت المركبات الحربية على مرمى البصر
والطريق لا يزال مفتوحا. رأيت بعيني الجنود فوق العربات يحملون الرماح
والأتراس» ويتأهبون للعبور للفتك بنا. تعالت صرخات الشعب الموشك على
الهلاك يرجون من نبي الله أن يعيد البحر كما كان. أغمضت أمي عيني
بعصابة شعرها حتى لا أرى ما سيحدث. ثم أحاطتني بذراعيها. وأدارت
ارتطام الماء كرد هوحنات ال 0 صم ام لي كدق كادت أن
تحطم ضلوعي. بكيت من خوف ورعب لما أشعر بها من قبل. ولكني توقفت
حينما سمعت التمجيد والتهليل من شعب بني إسرائيل. استدارت امي
ورفعت العصابة عن عيني. فرأينا البحر المتلاطم الذي أطبق على جحيش
الفرعون. وقد طافت على سطحه عربات الجيش المحطمة. وأتراس الجند
الغرقى. لم تترك الأمواج منهم أحدا. حتى الخيل والبغال. هلكت مع الجنود
والفرسان. 5 :5
وبينها! كان النا: :وقاتقوة: قرضا: الث الأمواع رقيعة احى الفوسناثة إل
ارتديتهاء. غاصت زاشدي في القبعة. عوئ احفة فيتى :كك ا انعن ؤافمى»
وانتزعها احد اقراني من فوق راسيء فهرولت خلفه وانتزعتها منه: ولقد
ظلت تلك القبعة رفيقتي لسنوات بعد ذلكء ولعلها كانت سببا في أن يطلق
على أقراني في الصبا لقب «شمعون المصري» كلما رأوها معي. فضلا عن
أني كنت الطفل الوحيد من بني إسرائيل الذي حظي بأم مصرية.
00 00 00 00 0
الورقة الثالئة
الليلة هي الليلة الثالثة بعد الخروج وهي ليلة الاحتفال والشكر. كان القمر
بدرا ققيرا و السماء الضافية. تتلذلك بالتحوم نوكانها انفشعت: عيومها ونس كيت
ريحها خشوعا لأصوات الترانيم التي شقت هدوء الليل في تلك البقعة
الاركة من ينا :أضيكت فحوة القوم بالحيور والفرخ. ولح تحت فريم أخت
(هارون) حرجا في أن تمسك الدف وتنقر عليه بيدها نقرات أيقظت الفرح في
القلوب وهي تقول: 1
- انشدوا للرب. افرحوا وارقصوا. اجعلوا الوحوش في البرية تعلم ان الرب إله
إسرائيل قد قضى على فرعون إله المصريين! ش
تبارك الغليات والفتيان في النقر على الدف وضرب الصنوج. وأنشدت بعض
الفتيات أناشيد أثارت البهجة في النفوس. ثم وزعت صحاف الطعام. وأكل
الشعب من الخبز ولحوم الذبائح التي أعدت من قرابين الاحتفال بالخروج. فقد
قدم كل سبط من الأسباط في ضماح :ذلك اليوم قريانا للشكره كيشنا أفرن:
وصحتين كبيرين أحدهما مملوء بالدقيق. والآخر مملوء بالزيت. وعشرة أعواد
من البخور. بحت الأكباش على مذبح من الحجر. وشنع الخبز من عجين غير
محمر من الدقيق والزيت. ثم أقيمت المأدبة على رائحة البخور المباركة.
فأكل الناسن: وامتلاك اليطون يعد الجوع: سكنت النفونق يقد القلق: أها
اليومان التاليان فقد قضاهما الشعب في جهد وتعب. فقد حصرت كل قبيلة ما
لديها من أغنام وأبقار وحبوب وطحين. ثم قَسّم المجموع بالتساوي على
القائل الانكي عسمرة :ته مراك الرجال اه خرجوا للحت عن الفياف ورعد
جهد مضن لم يجدوا سوى بثر ماء وحيدة كانت مصدر الحياة لآلاف الأنفس
منهم الشيوخ والنساء والأطفال.
واحتمل الناس نقص الطعام ولكنهم لم يصبروا على شح الماء. تزاحموا على
اليشتر وتنتبيت: تيتهمر العشاحتات والمعارك: وأسفر الرحامر عن بعصضي. تال
استيقظت ذات صباح على صوت بكائها. وانتبهت من تعامي على كلماتها
التي اضطربت حروفها من الغضب وهي تقول لأبي:
- أهينت زوك على مرأى ومسمع من الناس ولم ترد عنها. كان أكرم لي أن
أمسك بيديها وقال مهدنا ٠ من روعها:
اسند كاوها 531
- غادرت جنات مصر إلى تلك الصحراء القاحلة. وكدت أموت أنا وطفلي غرقا
فداء لديني. وفي النهاية أرد عن البثر. ثم تعيرني تلك الأفعى (تقصد عمتي
(باتشنيفا) بأندي مضرية! ما الذي يجعلها أفضل مني عنة الرب؟!
ضمها أبي إليه فألقت برأسها على كتفه باكية. مسح على رأسها في رفق
وقال:
- والله إنك أفضل منها عند الرب. ألم يقل نبي الله (موسى) أن كل من آمن
بالرب. وجاء بقلب نقي يكن الرب حليفه؟! وهل هناك من هو انقى منك قلبا
يا (رومانا)؟! دعي امر (باتشيفا). ولا تلتفتي إلى حديثها. فإن (باتشيفا) إن لم
تجد من تكرهه كرهت نفسها؟
والحقيقة أن حديت البئثر هذا جعلني أدرك منذ الصغر أن مختلف عن
الآخرين. وجعلني أدرك كذلك أن كترة الخضوع والمذلة لا يورتان قلب المرء
شفقة وعطا. وإنها يملآن قلبه غلظة وقسوة. واستكبارا على من هم دونه.
ومهما يكن من شيء فإن قصة ابي وامي كانت ترنيمة حب تناقلها الناس
لعقود حتى بعد وفاتها. فمن ذا الذي لا يعلم بقصة الحب التي جمعت بين
زخاري النجار والجارية المصرية «رومانا»؟ :
اسمها يرادف في قلبي الحب والعطاء. ويعني في لغة قومها «المراة
المحبة». كانت جارية في منزل السيد النبيل (بينو) في مدينة لا يفصلها عن
قرية أبي سوى يم صغير يتفرع عن نهر أعظم يشق أرض مصر اسمه النيل.
ورغم قرب المسافة بين المكانين إلا ان الفارق بينهما كان شاسعا. فشتان
ما بين الحي الفقير ذي المنازل الخربة الذي كان يقيم فيه أبي شرقي اليم.
وبين المدينة الثرية التي تقيم بها أبي غربي اليم. كان أني: :يقير اليفر وميا
مع اقرانه من بني إسرائيل بالمراكب. فيعملون في أعمال البناء مع شروق
الشمس تم يعودوت إلى فريتهم قبيل الغروب مقابل الطعام. كان آنذاك شابا
قويا في العشرين من عمره. يتقن عمله كنجار. ويبدع فيه كفنان حتى طلبه
النبلاء والأغنياء لصنع أثاث منازلهم من الآرائك وصناديق الملابس. وذات يوم
أمره ملاحظ العمال بأن يصنع أثانًا لمنزلك السيد النبيل (بينو) في المدينة
الجديدة. كان السيد (بينو) رحلا طاعنا في السن. لم يرزق بالأولاد. ويحيا مع
زوجته العجوز في منزلهما الفسيح. وعلى غير عادة النبلاء في ذلك الوقت
كان الرجل كريما عطوفا. لا يكره بني إسرائيل. ولا يقسو عليهم. فكان يجزك
العطاء لأبي ويستدعيه يوميا للعمل في المنزلك. بعيدا عن أعين ملاحظ
العمال البغيض الذي يكره بني إسرائيل.
ويشاء الرب ان يجتمع القلبان النقيان على الحب. فاحب الشاب العبراني
(زخاري) الفتاة المصرية الغيداء (رومان). واحتضن منزل السيد (بينو) ذلك
الحب, حتى نما وترعرع وصار عشقا بين القلبين اليافعين. وشعر حدي
لأمي. والذي كان يعمل كبيرا للخدم ل السيد (بينو) بما تشي به
الخلجات والنظرات بين الشابين العاشقين. فخشي أن تتزوج ابنته بالشاب
القادم من وراء اليم. وذات صباح طرق أبي الباب للدخول. فطالعه وجه جدي
من خلف الباب قائلا:
- قد أتانا ملاحظ العمال بنجار جديد. فعد من حيث أتيت!
ومزق الشوق قلب أبي. اعتكف في داره أياما لا يريد أن يخرج. وزهد في
الطعام والشراب. وتمنى لو يخرج من أرض مصر.: تلك الأرض التي لم ير فيها
سوى الذك والخضوع وفراق المحبوب. ولم يدم الأمر طويلا. فقد سرت الأنباء
بأن (موسى) بن عمران من سبط لاوي قد عاد إلى :مضر يفد أن :هرت منفا
لسنوات وأنه قد بُعث نبيا إلى بني إسرائيل. وأن الرب قد أرسله وأخاه
(هارون) إلى فرعون ليرسل معهما بني إسرائيل. وتبدلك الحال في بر مصر.
وخرى على السبنة الناسن أت تباخرا من العبيد الغبرانيين يتحدف الفرعون:
وأن يوم الاحتفال: بالجلوسن غلى الغرش سسيكوت"يوما فارقا في نحياة هذلاء
العبيد. فإما أن يأذن لهم الفرعون بالخروج. وإما يبيدهم عن آخرهم.
وتحدتني افق عن ذلك اليوم فتقوك:
- خرجت من منزك السيد بينو) عند الضحى. شققت طريقي بين صفوف
الجماهير التي احتشدت منذ الصباح الباكر لرؤية السحرة. فقد كان همهم أن
يروا لمن ستكون الغلبة. أما أنا فقد كان همي أن أرى (زخاري) للمرة الأخيرة.
فقد كنت أشعر بأني لن أراه مرة أخرى في جميع الأحوال. فلو أذن الفرعون
لبني إسرائيل بالخروج فلن أراه. ولو هُزم (موسي) أمام السحرة فلن أراه.
وصلت إلى مقدمة الصفوف بعد جهد مضن. قراينة “يققه مع شيعي يي
إسرائيل على الجانب الآخر. رآه قلبي قبل أن تراه عيناي. وشعرت برهبة ذلك
اليوم العظيم من نظرات غينيه الشاخضة إلى السهاءء لم أفق من هياضي إلا
مع صراخ الناس حينما راوا عصي السحرة وهي تتلوى كالتعابين. وكدت
اسقط فاقدة النطق. حينما رايت عصا (موسى) وهي تلقف ما صنعوا.
نساعقها. ادركتة: أن (موسى) هو تبي الله ومماعتها دعوت نرب يني إسرانيل
أن" يكفعدى :ومن حمست وظل الفراق قائما بينهما إلى أن جاء يوم حملت فيه
الزباح الغربية المتجملة بالرمالة أصؤات: التواح والتكاء إلى أرض الحوشة: فقد
انسد :دا النقامل. والمنون نيك النابسن ولم رغرق الكوية لقب فاء. كا لذ يقد
اليوم حتى يعلو العويل في بيت من البيوت. ثم تبحر المراكب إلى البر الغربي
من. النيل حاملة حنامين: الموت: معها إلى: منستقرها الأبدى:. واسقد العلق
باق وانقطر قله حشية: أن بكوت» الداء نقذ أضاف (زومانا) . ول يهدأ لقيال
حتى عبر النهر ويمم شطر منزل السيد (بينو). وهناك اشتم رائحة الموت
حول المكان. طرق الباب بأصابع مرتجفة. ففتحت له (رومانا) وهي باكية ثم
قالت:
- خطف الموت السيد (بينو). قل لنبي الله (موسى) أن يدعو الرب أن يرفع عنا
البلاء.
فأطمأن أبي. وإن اشتدت لوعة قلبه عليها بعد أن علم بإيمانها. ورآه جدي
فنهره عن العودة. قال له أبي صادقا: ستموت كل بكر في المدينة. وترجاه أن
بزوحه من أمي. قبل أن بحل العقان! لكنه لمر يجد. من الرحل, العنيد آذان
صاغية: وعاذ آبي إلى قريته كسيز التقش: مخطم الفؤاد. ؤفي مسباء. اليوم
التالي علا الصراخ في البر الغربي وبدا أن الوعيد قد تحقق. ويكى أبي بكاء
مرا. وقد أيقن أنه قد فقد حبيبته لا محالة. انتبه من بكائه على صوت طرقات
على باب داره. مسح دموعه ثم فتح الباب. فإذا بجدي واقفا بالباب ومعه امي
تحمل صرة من قماش بها بعض الملابس. قال له جدي:
- لا أخشىئى وعيد الساحر. ولكني أراك صادقا في حب ابنتي.
وفكذ] .دوج زرخارق) النجاز .من. رروهانا) الفصرنة: فى السيفة النافيف فبك
الخروج.
00 00 00 00 0
الورقة الرابعه
استمعت اليوم إلى صوت البوق للمرة الأولى في حياتي. تردد صداه في
أرجاء التَرُل بشدة. فهرولت إلى خارج الخيمة. لأجدر أطفال العشائر وقد وقفوا
ينظرون بدهشة إلى تلك الآلة العجيبة المصنوعة من قرن ثور. والتي يخرج
متها الضؤت هاذرا قويا وكانه صرحة 'مارة نفلا الفضاء تعلمف يوفها. أن 'ضوت
البوق يعني الاستعداد للرحيل إلى مكان آخر.
تحرك الركب فن: (إبليم) قبل روا الشسمسن: غيزث القافلة: كنات الشحزاء من
كية الحنوية: لم تسلك الطريرق المفياد: للقوافل فى الشبهال» حوفا من
حاميات
الفرعون القائمة هناك. فلا شك أن وعورة الطريق أهون علينا من الوقوع في
آه يا «برية سين»! كم طوينا في تراك من ذكريات من الأمل والألم؟ سالت
امي ذات يوم لماذا يسمونها «برية سين» فاجابتني بانها ارض الإله «سين»
إله القمر. وإنما سميت بهذا الاسم تيمنا بهذا الإله الذي عبده بدو الصحراء
لينير لهم الطريق في تلك الصحراء المخيفة. وليكون لهم انيسا في لياليها
المظلمة.
كانت كل أسرة تسير تحت لواء السبط الذي تنتمي إليه. كنت أنا وأبي وأمي
والعمة (باتشيفا) تنسير خلف راية سبط (رأونيق): أما زو عمتي (باتشيفا)
فرغم أنه من قبيلة (شمرون) فإنه فضل أن يسير معنا خلف راية رأوتعن: وكان
الناس من عشيرتنا يمازحونه قائلين:
- ما خطبك يا (شامري)؟ زوجناك من عشيرتنا أملا في أن ترحل عنا
(باتشيفا). إذا بها تزرعك بيننا. وتنزعك عن (شمرون) انتزاعا!
فكان لا يبادلهم المزاح. بل يكتفي بالرد عليهم بابتسامة هي أقرب إلى
الامتعاض يعزوه تخلف في طبعه. واعتداد بنفسه أمام الآخرين. وكنت ١2
أعرف لزوج عمتي هذا اسما سوى لقبه (الشامري) نسبة إلي سبطه
شمرون. ولعل بني رأوبين كان ينادونه بذلك اللقب ليذكروه دائما بأنه دخيل
عليهم. . وعلمت من أمي أنه كان أحد الكارهين للخروج من مصر. فقد كان
تحانا. تزيا فى «مديية «فثوقن»:. يتحت من أحكارها تمائيل. الفجل أبيش:
فتحملها المراكب عبر النيل إلى المعابد في طول مصر وعرضها.
أسلمتنا شمس المغيب إلي قمر البرية الذي انعكس نورهة على رمال
الصحراء. فبدت حبات الرمال كأحجار الفيروز المتلألئة. كان الخريف قد انتصف.
ونسمات الليل الباردة تجبر الناسي على إشعال النيران في الليل من أجل
التدفئة. وفي تلك الليلة جلس أي وزوج عمتي أمام خيمتنا 00 بعض
الرجال من بني إسرائيل. وقد التفوا حول جحمرات النار المشتعلة. كانت تلك
هي المرة الأولي التي أرى فيها (قورح). و (قورح) هذا هو ابن عم نبي الله
(فوشى): :رجحل معيب: الطلعة. 'أنيق. القيات..واحة الأترياء الذين :ذاقوا وقد
العيش كي مصرء ومثله مثل (الشامري) كان من الكارهين للخروج. رغم
أثارت النسهاة الهادثة وطقطقات الجمرات ذكريات ليست ببعيدة عليهم.
فكم من مرة تجمعت فيها تلك الصحبة دون والدي في منزل (قورح) المقام
على شاطئ البيلوز في مصر. تحدث رجل اسمه (دانان) فأثارت كلماته
مشاعرا كانت قد استقرت في خبيئة انفسهم منذ ان خرجوا من ارض
الجوشن. فكشفوا عنها الغطاء ولم يجدوا غضاضة في أن يبوحوا بها أمام
والدي. الذي كان حتى هذه اللحظة غريبا عنهم. قال (داتان) وهو يفرك يديه
د إنهاف الى متزلى في أذفاورؤدة: ثذاقتن أرقف درائفة: قاذ اللفوة
والبرتقال في ليالي تموز.
تنهد (قورح) وقال في حنين:
- ومن منا لم يترك قطعة من قلبه فيه..
- أما أنا فأشتاق إلى طعامها. فقد سئمت معدتي اللحم واللبن! أين رائحة
الخبز؟ أين قدور العدس الساخنة مع قضميات البصل اللاذع.
ضحك الرجالك. ونظروا إلى (الشامري) وكانه قد حان دوره ليبوح- بسره في
لعبة الذكريات. صمت الرجل لحظات ثم قال:
- أما أنا فأشتاق إلى (أبيس)»!!
الحمت كلمانه الالسنة. .ورايث الاسيكا فلي بوعة أن «ولكن الرخل انه
حديثه في هيام العاشق:
- كم تشتاق يداي إلى أن يصوغا من الطين نصبا له. أو أن ينحتا من الحجر
رسما له. كم أشتاق إلى نظرات الإعجاب في عيون أهل مصر الذين لم
يصدقوا أن رجلا من بني إسرائيل قد فاقهم إبداعا.
تنهد ثم قال وكأنه يحدث نفسه. ويجحيب اسئلة تدور في رءوسهم.
- كنت نكسن جين رع الجباه تنحني أمامه. لم أكن أرى في سجودهم
عبادة له. وإنما احتراما وتبجيلا لصنعة يدي. ٠
لم يعقب أحد على ما قاله في حين نظر (دانان) إلى أبي وقال له:
- وأنت أيها الشاب. ما الذي تفتقده في مصر؟
رايت الجد على وجه ابي وهو يقوكل:
- لم أترك فيها ما أحنّ إليه. فقد خرجت منها بمن أحب: (زوجتي) و (ابني).
ولا أتذكر فيها إلا فقرا عشته. أو ذلا عانيته.
لم ترق حماسته إلى (أبيرام) البدين فقال ساخرا:. ما زلت يافعا أيها الشاب.
وعذرك أنك لم تعش في مصر أياما كان أهل مصر يقتسمون فيها طعامهم مع
جيرانهم من بني إسرائيل.
رد ابي مدافعا:
- رأيت من عطف السيد (بينو) ومن زوجتي المصرية (رومانا) ما يشفع لي
حداتة سنى: .وما كرة القضيين أاشكة بل اتعدف .عن إذلاك الفرفون:لنا. :فأي
عار قد لحق بنا وقد كنا نبني لهم المعابد ونصنع لهم تمائيل الآلهة! ونحن
أحفاد (إبرام) و (اسحق) و (يعقوب)! ٠
عبس وجه (الشامري). في حين لاذ (دانان) واخوه بالصمت,. ومضت لحظات
من الصمت قطعها (فورح) بقوله:
- قل لي أيها النجار الشاب؛ لأي شيء تركت صنعتك وبيتك؟
: اماد الرب.
قال (قورح):
- بل قل لأمر (موسى)! فقد عاش آباؤنا في تلك الأرض منذ أن هاجروا إليها
مع يوسف وأخوته. ولم يأمرهم الرب بالخروج.
قال أبي:
- هكذا قال السيد الرب: ندخل الأرض المقدسة. ونرث الأرض التي تفيض لبنا
وعسلا.
ضحك (قورح) ساخرا ثم قال: ٠ش
- اللبن والعسل!! هذا ما غرّ به (موسى) امثالكم ليصنع لنفسه ملكا.
ثم اردف:
- لعلك تعلم أيها النجار بالمثل القائل «لا تعد بصنع الصندوق قبل أن تقطع
الخشب من الشجرة». وهذا ما فعله (موسى) بكم. وعدكم بالأرض
المقدسة التي تفيض لبتا وعسلا وهو لا يعلم الطريق اليها.
ثم قام واقفا وقال:
- لو أن هناك أرضا تفيض لبنَا وعسلا فهي تلك الأرض القايعة خلف ذلك البحر.
وسيأتيٍ يوم يندم فيه بنو إسرائيل أن تركوها في سبيل أمل كاذب!
رد عليه دع وهو يقوم من مجلسه أيضا ويستعد للانصراف:
- لو ملأ الإيمان قلوبكم لرأيتموه كما أراه. فبحق الرب إيل. إني لأرىقى الأرض
المقدسة بقلبي قبل أن أراها بعيني.
ثم انصرفوا كلّ من طريق. وقد تركوا في نفسي سؤلا ظل يحيرني بعدها
0 لماذا هذا الصراع الدائم ما بين العقل والايمان؟
0 00 00 00 00
قطعنا اليومين التاليين في صعوبة بالغة. فقد كانت الأرض قاحلة لا ينبت فيها
إلا بعض الكل والعشب الذي يكفي بالكاد لإطعام الأغنام والماشية,. كادت
حصص الماء أن تنفد. ولم تعد ألبان الماشية التي جفت ضروعها وهزلت
شحومها من قلة المرعى وشح المياه قادرة على سد الجوع. ورى الظما.
توقفنا عند «دفقة» ثم «الوش» وفي كل مرة كان بعض الرجالك يتفرقون في
الصحراء ينقلون أبصارهم ما بين السماء والأرض. علهم يببصروت سحابة حبلى
بالغيث, أو عين ماء ترؤي ظما الشعت المجهد من الارتحال.
وفي اليوم الثالث وبينما كان العطش يبلغ ببعض الناس مبلغه لمح احدهم
صومعة فوق إحدى قمم الجبال يحيط بها بضعة منازل خشبية. ويقبع على
مقربة منها بيت من الحجر. توقف المسير. وصعدت مجموعة من الرجاك إلى
صومعة الجبل لعلهم يجدون فيها من يرشدهم إلى عين ماء قريبة. كانت
الصومعة خالية من البشر. وبدا أنها مخزن لأحجار الفيروز. وأن المنازل
المحيطة بها هي منازلك عمال المناجم بتلك المنطقة. طرق الرجال نوات
المنار لق فلور بكرو أحذا يعفوا تيظر البوت الحهرع: ؤهناك وحدوا العمال فى
صحن البيت وقد عكفوا على صنم هائل على شكل بقرة عظيمة تحمل بين
كونيقا كره ماقي وقلى العدرات ترسهة صور خرف لامر ا فثفاسة لها فزبات:
ويبرز من جسدها الأغصان التي تظلل على الناس وتسقي الظمانين. علمت
من أمي فيها بعد أنها كانت الإلهة (حتحور) ربة الحب والحنان. ورمز العطاء
والتماء همد اقل مضرد
اننظر الرحال حتئ فرع العمال من .كلاتون :تدبا لوهم عن فين ماء قررية:
فأكاوهم :نما ادهف يأسا:
- لم نزل عاكفين غلى ربة الكنات من شنهن فلم يوبَط غلينا المطر.
عاد الرحاك محملين بالياس.والقنوط :وسرعات: ما تحول .ذلك الباسن إلى :دمر
في نفوس الناس بعد أن شعروا بتزايد المحنة دون بارقة أمل. وتساقط البعض
في براثن الريبة. قالوا هذه أرض الإله (سبين) والآلهة (حتحور). ولن يسقط
المطر إلا برجائهم. لماذا لا يجعل لنا (موسى) الهة كما لهم الهة؟ وتهكم
الشامتون منهم والكارهون للخروج. قالوا: عشنا اربعين عاما في مصر. نتقي
كات الفط يسعف التجل: :وتعترف الماء هئ تكن أقداقها, :ذها تحن نوت
ووضلف تلك الكلقات الع ادي :قار رهن قولة:
- إنهم قوم يجهلون.
وفي اليوم الرابع كنا قد اقتربنا من وادي رفيديم. كنت أمتطي ظهر الأتان
فخلفي أمى نتارجة قلي طهرة نكاد تسنقط من" الزعياء. ها أبي «فكان يشير
إلى جوارنا يتظاهر بالتماسك. وتفضحه خطواته الثقيلة وجفناه اللذان تهدلا
من سندة التعن: والإجفاد والكئ: انيما ال يتزوقا الطغام أو القاء: من تركنا
«إيليم».
فقد كانا يُوْقرَاني ريما مخوذانية الشاة .من لبن. .وكات تذرا 'يليديرا: وستقطت أمي
من فوق ظهر الأتان فتلقفها أبي قبل أن ترتطم بالأرض. وأراح رأسها على
الرمال: كان لونها شتاحيا وقد غارت عيناها وتشتققت.سشفتاها. التسمت فى
إعياء وقالت:
- يبدو انها نهاية رحلتي يا (زخاري).
دلك يدها براحتيه وقال لها:
- تماسكي يا أم (شمعون) فها قد وصلنا إلى رفيديم.
قالت في وهن: :
- كم كنت اشتاق إلى رؤية الأرض المقدسة.
قال لها في يقين: '
- سترينها يا نقية القلب فمن أنجانا من فرعون لن يهلكنا في البرية. ثم عصر
على شفتيها بعضا من لحاء العشب. وأسقاها رشفة من اللبن. ثم حملها
مرة أخرى فوق ظهر الأتان.
وصلنا إلى رفيديم قبل حلول المساء. نظر الناس إلى الوادي الفسيح فلم
يجدوا جدولا ولا بئرا. بلغ بهم الغضب مبلغه. علت صرخاتهم على (موسى):
- لماذا اتيت بنا إلى ذلك الوادي هل جنت بنا لتهلكنا؟
رايت الخوف على وجه ابي وسمعته يلوج بالرجاء إلى الرب إيل. وتعلقت
عيون الصالحين بالنبي الذي ترك الجمع وصعد باتجاه الجبل. خشعت الأصوات
فلا صوت إلا دقات القلوب. وهمس الأنفاس. وتعلقت الأبصار بعصا المعجزات
التي حملها النبي في يده عندما ارتفعت العصا في السماء ثم هبطت في
قوة فوق الصخرة الصلدة فإذا بالماء ينفجر من بين ثنايا الحجر كالبركان.
تتابعت الينابيع الواحدة تلو الأخرى. اثنتا عشرة عينا يتدفق منهن الماء عذبا
رقراقاء وكانما يصبه ملك من السماء. قفز الناس في المياه وسبحوا في
الينابيع فرحاء شربوا وارتوا بعد المشقة والحرمان. وبينما كان أبي يصب الماء
فوق راشي فرحا تذكرت قوله «إن من أنجانا من فرعون لن يهلكنا في
البرية». وأدركت على زُ
صغري أن الإيمان والعقل قد لا يجتمعان احيانا!
00 00 00 00 0
الورقة الخامسة
«رفيديم» اسم يعني بلغتنا «الراحة». ولا أدري إن كان هذا الاسم قد أطلق
عليها من قبل أن نطأها أمم إنه اسم ابتدعه قومي حينها. والحق أن الأيام
الأولى التي قضيناها في ذلك الوادي الفسيح هي أسعد الأيام التي
قضيناها في سيناء وأكثرها راحة على الإطلاق. في اليوم الأول جمع الرجال
الحجارة. ثم قاموا ببناء الآبار وظللوا جدرانها بالطين والجص حتى لا يغيض
الماء في الرمال. ورغم ذلك وجد بعض الماء طريقه بين الشقوق فتلقفته بذور
عطشى اختبأت بين طيات الثرى بمنأى عن أيدي الرياح العابئة فنبت
العشب والكلأ. ونمت بضع شجيرات من الطلح والأراك ونبات العوسج. وقام
بعض الزراع المهرة بنشر بذور العوسج في الرمال وسقوها بمياه الآبار فلم
تمض أسابيع حتى نبتت تلك البذور. ثم استطالت إلى شجيرات بلغ طولها
الدراعين» واكشترت: ثمارها الخفراء البائعة يفضير خلو اهداق وكاأنه الفتسل
المصفى.
ووجد أنعن ضالته في شجر الغاب. وصارت بينه وبين أعواد البوص ألغه. فكان
يجوب الواحة في النهار يجمع أغصان البوص الخضراء. ثم ينزع عنها لحاءها
ويتركها لتجف في أشعة الشمس. ثم يأخذ العيدان الجافة فيطوعها بيديه
ويحدها معا ليصنع منها المشاني والصناديق. وبرع ابي في تلك الصنعة
وعلمها لي ولأمي. فكنا نقضي الأيام والليالي نجدل الحبائل ونحيك الأغصان
معا. حتى تجمع لدينا الكثير من المشاني والصناديق. حملها أبعي إلى سوق
النْرّكَ وقايضها بالسفف:واللين:فامتلات” قدؤرتا رالظعا م«وتكييينت” أحوالها رعذ
الفاقة والجوع.
واستطاع أبي أن يصنع لنا كوخا من أعواد البوص تميز عن باقي الخيام في
اتوك بالدفء والسعة. وأثثه بسرير من الغاب كنا ننام عليه معًا. وتباهت أمي
بمنزلها على نساء السبط. ولم تخف فخرها به أُمَامعن وبالأخص أمام العمة
(باتشيفا). فالمرأة بفطرتها لا تنسى الكيد لها. حتى وإن كانت تحمل قلبا
عطوفا مثل (رومانا). كنت أرى الحب رفيقا رابعا لنا في كوخنا الجميل. فقد
كان انف يبذل ما في وسعه لإسعاد امك يحوطها بعطفه وحنانه. ويعوضها
عن فقدان الأهل بالمودة والتدليل. أحضر ذات يوم عودا سمينا من البوص. ثم
شذبه وأثقبه. وتركه في الشمس حتى يجف. سألته حين رأيته في يده:
قا نهدا نا | ؟
قال مبتسما في ماسم
وحين قدمه إلى (رومانا) 0 من الفرحة. فقد كانت أمي تعشقٍ العزف على
الناي مثلها مثل أي جارية مصرية شبث في منزل أحد النبلاء. أمسكت أمي
بالناي وهمست في طرفه بشفتيها ثم داعبت أناملها الثقوب. فإذا بالنغمات
تخرج وكأنها تسابيح طير. تهب للجماد روحا وتضفي على حياة الصحراء دفئا
وشجونا. وحمل النسيم صوت الناي في ارجاء الحي فصارت النساء يفدن
إلى
منزلنا في كل ليلة. ليسمعن نغمات (رومانا) الساحرة.
كقيذ | فن الكو الذى أطلنة الظعانية والوضي وعتذا عت انف الفقه قات
يستقيل الحياة الحديدة يغلي يعافر بالإيمات. كان هناك .صنف من .يدي
إسرائيل ينظرون بأسف إلى حياة مضت. يتربصون في قلق لما ستسفر عنه
أيامر الارتحال» :ويضحون بالشكوؤى عند أي بحادنة. استيفظت ذات ضياع على
جلبة عالية في ساحة السوق التي تتوسط النزك. امرأة من سبط «افرايم»
كانت تقايض رجلا من سبط «زبولون». صاعا من الدقيق مقابل فدح من
الستهنن: .راف الرحل ضاع: الدقيق فشاك لعازف :فقد :نفد 'الدقيق من النزك
بأكمله منذ أن غادرنا «إيليم». ومرت شهور بأكملها لم يذق فيها أحد طعم
الخبز أو الفطير. تتبع الرجل المرأة إلى حيها وتربص بها لحظات غفلت فيها
عن الخيمة. ثم دخل وسرق قدرا مملوءة بالدقيق. كان من الممكن ألا تعلم
العذاة :وروسها 'كوية 'السنارف. لول أن فمكرة | نحط اليه القت تماعدت من
خيمته في كل ليلة, فجمع زوج المرأة رجالا من عشيرته وذهب إلى الرحجل
في حيه يريد ان يسترد دقيقه أو ما يقابله. وكادت معركة ان تنشب بين رجاك
السبطين في الساحة. واستغل المرحفون والحاقدون تلك الواقعة فنفتوا في
نارها ووقف (داثان بن ألياب) بينهم قائلا:
- علام تتقاتلون؟ على صاع من دقيق!! لبئس ما غنمتم من خروجكم وراء
(موسى). :
ل 0 إذ كنتم تجلسون على قدور اللحم
فأ وى الحير: تاكلوث منقه الى سنيقوا. '
نكس الرجال رءوسهم. ثم نفثوا متذمرين وقال احدهم:
- صدقتما فقد اخرجنا (موسى) إلى هذا القفر كي يميتنا جوعا!
كان (يوشع) فتى (موسى). يقف غير بعيد يستمع إلى ذلك الحديث ويشعر
مثل أبي بأن نارا توشك أن تندلع وعليه أن يطفئها. لم يجادل البدين ولا أخاه.
وراللمهكر ات 0 أخراها! الر كل ةيةه من احا دنهت ا مرائقل فغال
ل
- يا 'قوعرا لا ففتجلوا التشكوف والسغط عبد أول:تازلة فكل قزبيا متكم!
وتذكروا أن من أخرج لكم الماء من بين ثنايا الحجر. قادر على أن يطعمكم من
فوقكم ومن تحت أرجلكم.
استخف النابن. بكلام القت 'ؤَقَال 'إذانات) قي»«سكرية:
- ها قد ارسل لنا (موسى) غلام سبط (لاوي) كي يمن علينا بنعيم سيده
الزائف.
تم صرخ في غضب هادر:
د اذفي نا علام الى سيك وقل له إن الناين قد اوقنقيت ناكل الومالةنذنا
من الطحين.
وكأنها جمعت كلماته المتعاركين وألغت بين قلوبهم. فقالوا في صوت واحد:
بل نذهب نحن إليها.
ولم تمض لحظات حتى أحاط المئات بخيمة النبي. تتعالى صيحاتهم الثائرة.
غير ناظرين أن يخرج إليهم المشايخ الذين اجتمعوا بموسى وهارون. وبعد
وقت طويل خرج المشايخ من الخيمة صامتين. انتظر الناس أن ينطق أحدهم
بما قاله (موسى). ولكنهم لزموا الصمت إلى أن خرج (يوشع) من الخيمة.
وكانما امرهم (موسى) بالا يتكلم احد غيره.
قال يوشع: 1
يا دي الستراك 1 اايقوك الككير تي كي قنن العيد لاشديها كلوه انحط اظررا + وف
الصباح ستشبعون خبرا حتى تعلموا ان الرب إلهكم يرعاكم. ,
لم يدف الرحات قا قبل لوم ولحدهم لح مدر بدا من أل وشظروا شدي
الغروب. فانصرفوا إلى خيامهم. على ان يجتمعوا في الساحة مرة اخرى قبل
الكروم
سناه من فوق رءوس ٠ الجبال. فألقي اليا 00 الرادي ا اكتظت
آخرها بأبناء ا ووقف أبي وبعض المؤمنين من الرجال والنساء ليشهدوا
كنا في ا الخريف و 5 ذلك لم تشعرنا الريح الساكنة ببرودة الجو المعتادة
في ليالي شهر آب. ومع اختفاء آخر ضوء للشفق هبت ريح من جهة
الشمال. شعرنا معها بالإثارة والترقب. ومع اشتداد الريحت سمعنا سجعا يملأ
الفضاء وكأنه زقزقات مئات العصافير. وفجأة هبطت على الساحة مئات الطيور!
كانت طيور بنية اللون منقوشة الريش لم ير شعب إسرائيل مثلها من قبل.
كان الطائر يحط على الأرض فلا يرتفع حتى يمسك به الرجل من بني
إسرائيل.
وكأنما بذل الطائر نفسه طاعة لأمر الرب. وهلل أبناء الشعب ومجدوا الرب
الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.
وبينما كانت اللحوم تنضج في القدور. وسماء التنزك تتعبق برائحة المرق
ودخان الطهو نادى منادٍ في أرجاء النزك:
- يا بني إسرائيل إن نبي الله (موسي) يقول لكم كلوا من سلوى الرب. ولا
تدخروا منها لحما في بيوتكم. ولياخذ كل إنسان كفاية يومه فإنه اتيكم في
كل ليلة. إلا يوم السبت فإنه لا ياتيكم. ش
وقضى الناس ليلة من الدفء والشبع. نام فيها الجوعى ببطون هانثئة. اثقلت
رءوسهم فلم يستيقظوا لرؤية الآية الأخرى. أما أنا وأبي وقليل من الناس فقد
ابي:
- كيف سيهبط علينا الخبز من السماء؟
فأجابني وهو يشخص ببصرهة إلى السماء:
- إذا تعلق الأمر بالرب فلا تسأل ب- (كيف).
انحسرت دجى الليل أمام أشعة الشمس المنبثقة من خلف الجبل. وتكثفت
حبات الندى على اوراق الشجر وعلى الأرض الفسيحة في منتصف النزك.
وارتفعت الشمس رويدا رويدا ومع ذلك لم نر علامات لنزول خبز الرب..
طال الانتظار حتى شعر الناس بالملل وكاد بعضهم أن ينصرف. ولكن فجأة علا
هتاف الأطفال وهم يشيرون إلى رقائق بيضاء غطت الأرض والأشجار بعدما
تبخرت قطرات الندى. كانت الرقائق تبدو كقطع البرد الصغيرة. امتدت يدي
إلى إحداها وتذوقتها فوجدتها كالخبز المحلى بالعسل. فهتفت:
- ما أحلى خبز الرب يا أبي؟ '
وتهافت الرجال والنساء على الرقائق. حتى أايقظ ضجيجهم من في النزك.
فهرول الناس من خيامهم إلى الساحة. وتسابقوا على جمع الرقائق في
القدور.
فإذا بصوت (يوشع) يرتفع مرة اخرى وهو يقولك: _
- يا بني إسرائيل! يقول لكم نبيكم كلوا مما «من» به الرب عليكم. ولا تدخروا
منه في قدوركم. فإنه يأتيكم كل صباح إلا يوم السبت فإنه لا يأتيكم.
ولم يشعر بنو إسرائيل من بعد ذلك بالجوع أو العطش فقد كان يأتيهم
«المن» في الصباح و«السلوى» في المساء. وأكلوا من فوق رءوسهم ومن
تحت ارجلهم كما قال لهم (يوشع بن نون) من قبل.
00 00 00 00 0
الورقة السادسة
الأيام التي لا تنسى كثيرة. ولكن القليل منها يتعلق في ذهن المرء بكل
تفاصيلها. وحينها نتذكرها تعش أحداثها مرة أخرى وكأنها حاضرة أمامنا رأف
العين. في ذلك الصباح خرج أبي إلى ساحة السوق ليقايض يضاعته بينما
اسنتصافت أمي :صتارمتها المكربة إلى قليها سبؤلاق .انها الصفيو رسيحون)
في كوخنا الصغير. جلست (سولاف) على اريكة صنعها اي من جذوع الاراك
وإلى جوارها جلس الطفل (سيحون) الذي يصغرني بسنوات قليلة يعبث في
ثمرة عوسج كبيرة. يلطخ بعصيرها وجهفه وملابسه. كان الطفل غريب الأطوار.
كتير الضوضاء. تتشنج أطرافه :ويصرخ كلما حاولت والدته أن تأخذ منه تمرة
العوسج او ان تساعده في أكلها. علمت فيما بعد أن (سيحون) هذا هو
الطفل الوحيد الذي نجا من الموت في أحشائها. فقد كانت الأجنة تموت في
رحمها قبل أن تلدهم.
رانف في عيني والدته نظرات الاعتذار والأسى وفي تقول لأمي:
- لم يفلح معه التداوي ولا القرابين. وقد سئم أبوه الحياة معنا.
قدمت إليها امي قدحا من المن المذاب في اللبن الساخن. وكانت تلك
الوحبة إحدى أفكار أمي المتعددة في الطعام. ثم قالت لها:
- وما ذنبك أنت 00 ذلك يا (سولافق) حتى ينامر (أشكول) من الحياة معك؟
إنه عطية الرب لكما
قالت حزينة:
لد لم أتزوج (أشكول) يا (رومانا). اكبرتني أمي على الزواج به إرضاء
: وهي تعلم ان اخاه كان مصابا بذات الداء ومات صغيرا في معده.
واستها أمي قائلة:
- تلك مشيئة الرب يا (سولاف). ولا تسيئي الظن يا صديقتي. فقد كان
(اشكول) متيما بك.
- صدقت «كان» متيمًا! أما الآن فلم يعد كذلك.
ثم حبست دمعتها وفي تقوك:
- تدفعه أمه للزواج من احرف وقد كيوقي إحداهن أنه دائم التردد على
منزك في سبط دان.
ربتت امي على كتفها وقالت:
- لا تحزني يا (سولاف) سيجعل الرب لك فرجا.
ثم قالت ملطفة:
- ألن تتذوقي هذا المزيج الذي صنعته. لقد كاد اللبن أن يبرد؟!
رشفت (سولاف) منه رشفات فاستطابت طعمه. ثم قالت ممتنة:
- ما اروعك يا (رومانا)! لم اجد في بنات إسرائيل من تحمل قلبا رقيقا مثل
قلبك. وما زلت تبدعين في العزف والطعام حتى غارت منك نساء التُزد
ضحكتا من القلب. واستأنفتا الحديث لبعض الوقت. تم استأذنت (سولاف)
للانصراف. فقد كانت خيمتها في طرف النزل من جهة الجبل. ولعلها اختارت
ذاك المكان حتى تناى بطفلها الدائم الصراخ عن باقي سكان النزك.
وفي المساء أيقظنا صوت ينادي علينا من وراء الكوخ:
- يا أهل الدار! يا أهل بيت زخاري النجار!
استيقظ أبي من نومه. ثم استيقظت أنا وأمي. خرج أبي من الكوخ ليستطلع
الأمر. فإذا به (اشكول) زوج (سولاف) يقف مرتعشا من البرد ويبدو عليه
القلق. دعاه ابي للدخول من البرد. ولكنه اعتذر شاكرا وقال له:
. معذرة يارب الدار. ولكني اتساءل: هل تبيت عندكم زوجتي (سولاف) وولدي
!؟)نوحيس(
انقبض قلب امي وقالت ملتاعة:
- لقد انصرفا منذ الصباح.
بان الياس والحزن على وحمهه,؛ فقالك: 1
- لم أجد لها أثرا في النُرْك كله. وكنتم أنتم الأمل الأخير.
وفي الصباح شاع خير الاختفاء في النزك. وخرج بعض الرجال للبحث عن
المفقودين. فسارت مجموعة منهم في اتجاه الوادي. بينها صعد أنئ
و(أشكول) وبعض قصاصي الأثر إلى الجبال. وقبل أن ينتصف النهار عاد الرجال
من الجبل محملين ينبا عظيم أضج مضجعنا وزلزك الحياة في «رفيديم». فقد
خطف «العماليق» (سولاف) وذبحوا ولدها (سيحون).
كان يوما عصيبا اختلط فيه الحزن بالألم. في الصباح شيعت جنازة الطفل
(سيحون) تم دفن في الصحراء في حفرة في الرمال. وحسبما اذكر فإن
(سيحون) كان أول قتيل لبني إسرائيل أسمع عنه. وكانت جنازته أول جنازة
أراها أيضا. فأنا لم أشهد جنازة أخرى قبل ذلك اليوم. ولم تكف أمي عن البكاء
على صديقتها (سولاف) طيلة ذلك اليوم. وتمزق قلبها حزنا على ولدها
المسكين. أما أبي فقد مكث اليوم بأكمله في منزك العم (أشكول) يتلقى
العزاء معه في الولد الفقيد. ويشارك باقي الرجال في أداء الصلوات
والتسابيح. ورغم الحزن والبكاء والانهماك في الصلاة والدعاء. وجد الرجال
متسعا من الوقت للحديث عن ذلك الخطر القابع خلف الجبل. ودارت بينهم
احاديث ملأت القلوب هلعا من هؤلاء العماليق. كان العماليق شعبا بدويا.
يتجول في الصحراء ويسكن الجبالك والوديان. يمتهنون الصيد والحرب. ولا
يتورعون عن قطع الطريق وسلب الغنائم والقوافل. استفاض الشيوخ في ذكر
مثالبهم. ومزجوا الحقيقة بالخيال والروايات الصادقة بالأساطير. فقالوا إن
الواحد منهم يناهز طوله شجرة الارز. وإنهم ياكلون اكباد اعدائهم. حتى تمكن
الرعب من القلوب وشعر الناس بنذير شر يقترب. وبدا انه لا سبيل إلى النجاة
منه إلا بمعجزة يجريها الرب على يد نبيه كما اجرى الكثير من المعجزات على
يديه من قبل. 2 .
وقبل المساء عاد اي إلى الكوخ وفي صحبته العمة (باتشيفا). كانت الصرامة
بادية على وحه العمة العجوز. . وببيدو أنها قد بدأت حديتا مع أبي بالخارج
وأرادت أن تكمله داخل القدرن القت بجسدها المترهل فوق أريكة الأرك التي
آنت عيدانها تحت وطأة الجسد المهول. رمقت أمي الباكية بناظريها ولم تلق
عليها تحية المساء. ولم تكن امي في حال يسمح لها بتحمل غلظة عمتي
ونظافتها. فجففت دموعها وتركت الكوخ دون استئذان أو تحية.
رمقتها عمتي بغير اكتراث ثم قالت لابي:
ا ص ا ار ا المقربة لم تنج من فالها
بان الغضب على وجه أبي. ولكنه لم يفصح عنه. خشية لسان عمتي
السليط.
واكتفى بقوله متبرما:
- دعي عنك أمر (رومانا) يا (باتشيفا). فيكفيها ما في قلبها من أحزان.
اتكسى بما عزم عليه الرجال في «رأوبين».
قالت:
اما تتقفف يو ااروؤز قى الل فد تريضنينا لتم كلف ذه الحيل.
وقريبا يغير علينا شعب عماليق لا محالة.
قال أبي في غير اكتراث: .
- علمت بالأمر. ونبي الله بين أظهرنا. ولن يضيعنا الرب.
قالت مقاطعة - تريد أن تفاجته:
- لن يكون بين أظهركم. فقد عهد (موسى) لفتاه (يوشع) بجمع الرجال
والخروج لحرب عماليق. وقد أخبر شيوخ الأسباط أنه لن يخرج هو وأخوهة
(هارون) للحرب.
فوجئ بقولها. فصمت قليلا ثم قالك:
- ما دام قد أمر الوجذرهذا. :قسمها لفوظافة:
اما ,اند رع .فق قهن القهالر ؟" لف سوففة كنا رعولة" الرعاله! الأمكل قلناء
بالرعب.
قال أبي متبرما:
- وماذا تريدين مني يا (باتشيفا)؟
قالت وقد اخفضت صوتها قليلا:
- غدا قبل شروق الشمس ستخرج عير من النُرُل سرًا. فيها كبراء القوم من
«شمرون» و«راوبين». وستتجه شمالا إلي «ألوش». وستأخذ معنا ما يكفي
من الطعام والشراب فنمكث فيها عدة أيام. فإذا انتصر (يوشع) عدنا إلى
التُرّك.
وإن هزمه عماليق هربنا شمالا إلى «برية سين». ومنها إلى «إيليم» ثم إلى
مصر. ولا تقلق فمعنا دليل يعلم الطريق في الصحراء!
فغر ابي فاه وقال مشدوها:
- تعودون إلى ارض مصر؟! هل اشتقتم إلى ذل الفرعون وعذابه.
قالت مدافعة:
- بل اشتقنا إلى الأمن والطمأنينة! فماذا جنينا من الخروج مع (موسى)
سوى ان صرنا مطاردين. يتخطف الناس من بيننا. وتذبح نساؤنا واطفالنا
كالخراف. ثم يأمرنا (موسى) بعد ذلك بالقتال!
قال مستنكرا:
- هل عسيتم إن كتب عليكم القتال يا بني «شمرون» و «رأوبين» ألا تقاتلوا؟
قالت متهكمة:
- والله لو نعلم قتالا لاتبعناه. ولكننا قوم لا نعرف سوى الزراعة والتجارة ولا قبل
ليا بحري العهاليق:
تافف من حديتها. وقال:
- بئنس ما تقولين يا (باتشيفا)! رايتم معجزات الرب باعينكم. ثم تتولون عنها.
وحق الرب إيل إنكم جحاحدون!
يئنست منه عمتي فقامت في حدة ارتجت معها أجزاؤها. وقالت:
- قد أخبرتك يابن أبي بما عزمنا عليه! فإن شئت لحقت بنا عند طرف النُرُك
قبل الشروق. وإن شئت مكثت في حضن جاريتك المصرية. وأرجو ألا يصلني
نبا مصرعكما عما قريب.
00 00 00 00 0
الورقة السابعة
وفي الأيام التالية استعد الشعب لحربه الأولى. جاد كل بيت في النُرُْك بكل
ما يصلح أن يكون سلاحا في الحرب. امتلأت ساحة التَرّك بالخراب والسهام
والسيوف والفئوس والبلط والسكاكين. وشحذ أني هفمتهك وصنع وحدة
عشرات الحراب والسهام والأقواس من الأغصان الخشبية. وتعاون مع
الحدادين في صنع الأتراس والدروع التقيهم ضربات العماليق. وأمر نبي الله
فتاه (يوشع) بأن يصنع أبواقا من النحاس كي ينفخ بها الجنود حين يبدأ النزال.
حتئى بعلم العفاليق: انبتك اسرائيل أكتز :قد ضار لقم ثفيرة
ودقت طبول الحرب. وخرج الرجاك للاصطفاف في ساحة النزال استعدادا
للمسنين "ارتذكه امي سدرة :من جلك" النقرم :وطق خراض :ندلت فته بلظة
مشحونة. وعلق على كتفه قوسا وكنانة بها عشرات السهام الخشبية.
احتضنته افق طويلا. وودت ألا تفارق حضنه لولا أن أزاحها برفق وهو يقوك:
- قد حان وقت الرحيل يا (رومانا). فإما احتفال بنصر. وإما لقاء في الجنة.
- لا تبك 0 ارين «رأوبين». فالرجال لا مكو
تذكرت شيئا كنت أنوي أن أهديه له. فنزلت أسفل السرير. وإخصضوت قبعة
الفارس المصري التي قذفتها الأمواج عند العبور. أعطيتها له فارتداها مبتسما
وقال:
- أعدك أن أحافظ عليها حتى أعود.
ثم قبلني وانصرف.
والحق أن ما سأذكره الآن لم أشهده بعيدي. ولكني سمعت انئ يقصّه على
مسامة امي تكل: تفاصيلة فشفرت: وكاني ارف سياحة: الكرب: أمافى :راف
الفين:
خرج الجيش من وادي «رفيديم» وسار الأسباط جميعا خلف راية واحدة
حملا النمات (كالتكين يفنه) من بيسط ««زتهوذ | ببتما سيار في المقدمنة
قائد الجيش الشاب (يوشع بن نون) من سبط «إفرايم». جاوز الجيش جبال
«رفيديم» قبل حلول المساء. ثم عسكر الجنود في ارض فسيحة لا تبعد
كثيرا عن أرض العماليق حتى انبلج الصباح.
وفي الصباح وصل نبي الله (موسى) وأخوة (هارون) وزوج أخته (حور). فخطب
في القوم. وحث الصبر والجلد. ثم صعد ثلاثتهم إلى رأس التلة. ورفع
(موسى) بده بالعصا إلى السماء. فهلل الناس. وصاح (يوشع) في الجنود:
١ 1 بدي اسرانيل 1 هذا ازنك ينظو البكم :وه عضاو الما اجا تمر يها الرب
الك العما هن ند الكليم إلا وذة تعطر ها عهاليى وانيمية..
وامتلأت السماء ببصوت النفير. ودقت الطبوك. وعلت صيحات الرجالك. واشتعلت
الصحراء بحماس لا مثيل له. ولم تمض لحظات حتى امتلأت السماء بالغبار.
وسمع الرجال طرق العماليق لأتراسهم بنصال السيوف. وأصوات أقدامهم
التي تزلزك أرضا الصحراء. فصاح (يوشع) في جنوده:
- اثبتوا أيها الرجال. فأي ما يأتي من خلف تلك الكثبان فنحن قاتلوه بإذن الله.
وانشعت» سبحابة 'الومال:وبات خيس الغماليق» وأدرك:تتسباب بدي إستراثيل ان
شيوخهم قد خدعوهم أعواما طويلة. وأن ما رواه الشيوخ عن العماليق كان
وهما وخيالا! لم يجدوا مسوخا تطاول قاماتها أشجار الأرز. ولم يجدوا وحوشا
تأكل لحوم البشر وأكبادها. وجدوا فقط فرسانا يمتطون الخيول, ومشاة
يترجلون ويحملون السيوف والأتراس. وكان ذلك كفيلا بأن يستبشر به الرجال
من بني إسرائيل. فصرخ (يوشع):
- الآن يا بني إسرائيل! رجل برجل. وترس بترس. وسيف بسيف!
والتخم الجيشات >الموخ العتلاطم. تكسرت النصال على النطال: واعترقت
السهام القلوب والحناجر. شجت الرءوس بالفئوس. وبقرت البطون بالحراب.
واختلطت:صضيحات الفنال بضراة القتلى واناك المحروحين. كل هذا ورسول اللة
قوق الثلة يسفن غخضاة فى السماء فيراها كل منسناجة القتال .من بننىئ
إسرائيل. فتشتعل قلوبهم بالحماسة. ونفوسهم بالثقة في وعد الرب. ومالت
الشمس إلى المغيب. وأدرك شعب عماليق أنهم هالكون لا محالة. فألقوا
أسلحتهم واتراسهم. وفرت فلولهم هاربة إلى ديارهم. وتبعتهم جنود
(يوشع). ورأى أبي العم (أشكول) يقفز على صهوة فرس. ويعدو به خلف
الفلول الهاربة. فامتطى أبي فرسا آخر وتبعه. كان (أشكول) يسابق الريح
بفرسه. عله يصل إلى ديار العماليق. فيجد زوجته (سولاف) ما زالت حية.
ودخل جيش (يوشع) ديار العماليق دخول الفاتحين. تساقط امامهم رجاك
العماليق .كالذياب. واشغل: الفماليق الثيرات يمنازلهم: ختى الآ :يسكدها نه
إسرائيل. تم فرت شراذمهم هاربة. تاركة اموالهم وامتعتهم غنيمة لجيش
(يوشع) المنتصر. واقتحم (أشكول) المنازك والدروب كالمجنون. يبحث عن
زوجته المخطوفة في كل ركن ودرب. وأخيرا وجدها تختبئ في ركن آمن
كيدا فق اعم الفقرسنات: والسنة" التراف فما تاها "عدي قرفل نحوها.
وحملها من مخبئها وضمها إلى صدره في قوة. فاختلطت دموعها ودقات
قلبيها. وقالت وهي تبكي مرتجفة:
- قتلوا ولدنا (سيحون). ذبحوه ما يا (أشكول).
احتضنها أكثر وقال في صوت يلوج بالبكا
«حمدا للزب أنك فارلف نية. ل ليمنت د
ثم ألقى (أشكول) سيفه وترسه. وحمل زوجته وخرج معها وهو يقوكل:
- اشهدوا يا بني إسرائيل. اشهدوا يا شعب إيل. قد حارب (اشكول) العماليق
وأعاذ روحتة المخطوفة الى ذيارها:
وبينما كان يتغنى فرحا انطلقت حربة غادرة شقت طريقها في الهواء في
سرعة. ثم شقت صردره. لتقضي على فرحة قلبه المكلوم. وسط صراخ
زوجته. وامام عيني والدي المذهوك.
00 00 00 00 0
وعاد المحاربون محملين بالغنائم وفرحة النصر. تعانق الناس. وتغنوا وابتهلوا.
اتصلت ترانيمهم بالسماء. وملأت تسابيحهم جنبات الوادي في «رفيديم».
مجدوا الرب في السماء...
مجدوا الشعب في البرية..
هزم (يوشع) عماليق بحد السيف..
وغدا يهزمهم من دور إلى دور..
وأقام (موسى) مذبحا للرب في وسط النُرْك لم نشهد مثله من قبل. وساعد
أبي في صنعه من خشب السنط. كان ارتفاعه تلاث أذرع. وعرضه خمس وله
غطاء من النحاس. توضع عليه الذبيحة. تم توقد النار اسفلها حتى ينضج
لحمها. ولم تنطفئ نار المذبح لأسابيع عديدة بعد ذلك اليوم كي تقدّم
القرابين شكرا للرب على ذلك النصر الكبير.
ورغم الفرحة التي كانت تعم أرجاء التثزل. كان الحزن يخيم في كوخنا الصغير.
فبعد أن عادت (سولاف) من أرض العماليق لم تنزل في حيها. ولا في دار
زوجها المقتول. بل طلبت أن تمكث عند صديقتها (رومانا). فاستضافتها أمي
في كوخنا. فكانت تبيت إلى جوار أمي. نندما كنت ابت آنا واي في عريسية
صنعها لنا وألحقها بالكوخ
ومرت الأيام والحزن والستواة لا يفارقان (سولاف). ذيل جحسدها. وشحب
لونها. بعد أن عزفت عن الزاد. وكانت لا تخرج من الكوخ إلا لقضاء الحاجة.
وتصوم عن الكلام إلا من همهات يصدرن عنها من حين إلى آخر ثم يتبعها
بكاء حار وكانها تذكرت ولدها وزوجها القتيلين. فتضمها امي إلى صدرها.
تواسيها وتدعو لها بالصبر والسلوان.
وطال بقاء (سولاف) في بيتنا حتى جاء وقت استشعرت فيه الحرج وطلبت
من امي أن تعود إلى حيها. ولكن امي رفضت واصرت على أن تبقى
(سولاقم 0000000 2
إلى جوارها. ثم اوحت امي إلى ابي بان يقيم ل- (سولاف) كوخا في حينا.
تمكث فيه وحدها وتكون تحت رعايتنا. فاستحسن أب الفكرة. وشرع في
بناء الكوخ وتأتيته وعاد ذات ظهيرة. ليأخذ (سولاف) إلى كوخها الجديد.
واستعادت (سولاف) نبض الحياة في الكوخ الجديد رويدا رويدا. وشعرت
بالامتنان لصديقتها الوفية. وزوجها المخلص. فقد كان لا يمر اليوم دون ان
تمكث أمي معها بعض الوقت. تتحدث إليها في شئون النساء. وتهديها من
ثيابها. ومن طعامها. أما آبي فقد كان يرعاها بأكثر مما كان يفعل زوجها
الراحل (أشكول). يحضر لها قدر المن في كل صباح. ويأتيها بنصيبها من طائر
السلوى عند المساء. وقد يمر على كوخها في منتصف النهار ليملا لها جرار
الماء من البئر أو ليعطيها قدحا من السمن أو اللبن.
ويوم بعد يوم تبدل الحال بالأرملة التكلى. فخلعت السواد. وصارت أكثر إشراقا
وإقبالا على الحياة عن ذي قبل. والحق أن العمة (سولاف) كانت امرأة
حميلة. تشع بياضا. وكانما سقيت بشرتها بلبن. أما عيناها فكانتا في زرقة
البحر قبل الغروب. ويلمع شعرها المتموج فوق رأسها كحيوط من الذهب.
تنسدل الى كتفيها سلسة بغير جدائل ولا تصفيف. كنت كنت رافق انين .فى
عمله ذات يوم. وعند الظهيرة حمل جرتي الماء الفارغتين إلى البئر فملأهما
بالماء. ثم خلع قميصه حتى لا يبتل. وحمل الجرتين الثقيلتين على طرفي
عصا أسندها على كتفيه العريضين. وسار بها إلى كوخ العمة (سولاف).
استقبلتنا العمة سولاف) مرحبة وشاكرة. وخيل إلى انها قد ارخت اهدابها
فوق خديها خجلا حين رات صدر ابي العاري. ولكنها اختلست النظر إلى
ظهره حين مال كي يضع الجرتين على الأرض داخل الكوخ. انبعئت داخل
الكوخ رائحة طعام شهي. وبدا أن العمة (سولاف) كانت توقد النار على طعام
تطهوه. ثارت رائحة الطعام شهيتي. فسألت العمة:
- ماذا تطهين؟
ضحكت ضحكة مشرقة ابدت جمال تنيتيها وقالت:
- هل انك جائع يا («شمعون)؟
قلت مسرعا:
- نعم. إني أتضور جوعا وأني يريد ان يعود في العمل دون غداء..
تحرج انى:قما قلته فوكزني في مؤخرة راسد بلطف وقال:
> الم تكبر على :يذلك؟ لمرييق أمافنا سبوى سناعة فى العمل تفؤة رعدها إلى
الكوخ.
قلت محتجا:
: - إني جوعان. ولا استطيع العمل دوت طعام.
اشفقت علئ العمة (سولاف) وقالت: ,
- قد فرغت من طهو الطعام يا (زخاري). امكثا برهة من الوقت لتاكلا شينا.
شكرها ابي ورفض متحرجا.
ولكنها أصرت قائلة:
- إن بيتي اقرب اليكم من بيت (رومانا). وحرام أن يعمل (شمعون) في
الحر وهو جائع.
فلم يجد اب بدا من أن يرضخ لدعوتها أمام إالحاحي وإصرارها. وكانت تلك
المرة الأولى التي أجتمع فيها أنا وأبي والعمة (سولاف) على مائدة طعام
وحدنا. ولكنها لم تكن الأخيرة. فقد تكرر الأمر بعد ذلك أكثر من مرة. وفي كل
مرة كانت العمة (سولاف) تتفنن في إعداد المائدة بأصناف من الطعام تفوق
سابقتها. حتي صرت أترقب تلك المرات التي نأكل فيها عند العمة (سولاف).
شيء ما لم أكن أفطن إليه في تلك السن الصغيرة. وهو لماذا تتزين العمة
(سولاف) وتبدو اكثر إشراقا وجمالا حينها تدعونا إلى الغداء في بيتها. ولا تبدو
كذلك حينها تاتي إلى منزلنا؟" .
وفي ليلة قمرية من ليالي شهر ايار. استيقظت فزعا من نومي على صراخ
امي
(رومانا) وهي تلطم خدها بكفيها. وتبكي بكاء أشبه بالعويل. فقد أخبرها أبي
برغبته في الزواج من العمة (سولاف).
00 00 00 00 0
الورقة الثامنه
وفي الليلة التي بنى فيها (زخاري) بزوجته الجديدة (سولاف). كنت أنا وأمي
نبيت وحدنا في الكوخ للمرة الأولى منذ الخروج. جلست (رومانا) على اريكة
الأراك. وقد احاطت ركبتيها بذراعيها. انكمشت على نفسها كطفل يرتعد
خوفا من الظلام. حدقت في الفراغ بعينين لا يطرفان وكانها تتصفح لوحا
شطرت عليه ذكريات سنواتها الفائتة. ومضت اشعة القمر المتسللة عبر
وجنتها في هدوء يحترم صمتها الحزين. كنت اتظاهر بالنوم وانا اتطلع إليها
مفطور القلب. لم افهم سبب جرحها. ولكني كنت اراه يدميء. تسللت من
فراشي في هدوء وجلست إلى جوارها مست يدي يداها. فوجدتها باردة
كالتلج. قبَلت يدها وقلت لها في براءة:
- لا تخافي انا إلي جوارك.
كان الوقت بين عتمة الليل والسحر حينها سمعنا طرقا خفيها على باب
الكوخ وجاءنا صوت ابي مناديا في رفق:
- يا ام (شمعون)!
مسحت أمي - التي كانت لا تزال متيقظة - دموعها على عجل واعتدلت في
جحلستها. أما أنا فقد انتبهت من غفوني على حجرها وقمت مسرعا لأفتح
النات تلففدي: أن في حضنه. ودخل بي إلي الكوخ. أضاء شمعة أنارت
الظلام. ثم نظر إلى أمي في عطف وإشفاق. أشاحت بوجهها عنه. وارتفع
انفها في شمم ليخفي انكسار عينيها اللتين تورمتا من شدة البكاء. قال ابي
في صوت ما بين الخجل والاعتذار:
- كيف حالكما؟ لم احتمل الانتظار حتى بزوغ النهار.
لم ترد عليه. فتقدم منها ثم قبل راسها في رفق وقال معتذرا:
- سددت بابا قد دلفني الشيطان منه.
انهالت دموعها غصبا عنها وقالت:
- بل فتحت له بابا ودعوته للدخوك.
قال في صدق:
- كنت أكرمها لأجلك.
قالت مؤنبة: 2 .
- وهل تزوجتها لاجلي؟!
همهم في خفوت:
- تزوجتها على شريعة الرب.
- لا يامر الرب بالخيانة.
قال متعجبا:
- الزواج خيانة؟!
- واشد منها الغدر مع الصديقة.
قال متراجعا أمامر دموعها:
- أخبرتك قبل أن أتزوج بها؟
قالت باكية:
- كمن أخبر الذبيح متى يحين موعد ذبحه!
ثم أجحهشت في حرقة. فاقترب منها ومسح رأسها في رفق ثم قال:
- هوني عليك يا أم (شمعون). فقد تزوج أبونا (إبرام) من جارية مصرية على
أمنا سارة. وتزوج (إسرائيل) من راحيل على أنتاليا. وتزوج أبي من أمي على
أم (باتشيفا)
لم ينقطع بكاؤها فضمها إلى صدرهة وقال:
- لها مني رعايتها كما كنت أرعاها من قبل. أما قلبي فهو لك يا أم شمعون).
ومن يدري لعل الرب يبدلك بالصديقة أختا. تكون لك عونا في يوم من الأيام.
ولم يتخلف أبي عن المبيت في كوخنا منذ تلك الليلة. ومرت الأيام وتعلمت
منها أن الأحزان لا تدوم. وأن الجروح مهما غارت لا بد لها من التئام. وأن
الهموم التي تولد كالجبال لا تلبث ان تجرفها موجات النسيان. كبحر ينحر في
شاطئ من الرماك. فلا يتبقى منه سوى ذرات تعلق في الماء..
فبعد أسابيع أتت العمة (سولاف) لزيارة والدتي فلم تقابلها. ثم عاودت الزيارة
ثانية. فقابلتها ولكنها لم تحدثها. ثم كانت الثالئة في وجود أبي فتباكيا وتعاتبا
واحتملت زلات امي الغاضبة ثم افترقا. وقد تجددت بينها شعرة من الود
سرعان ما صارت حبلا وصل ما انقطع بينهما من قبل. وأصبح مجلس العمة
(سولاف) في دارنا ممتدا طيلة النهار. تعاون امي في اعمال البيت وتطهو
معها الطعام فإذا انتصف النهار جمعتنا جميعا مائدة واحدة ناكل عليها
ونشرب. ونتبادل الحكايات والضحكات. حتى إذا مالت الشمس إلى المغيب
استاذنت هي للعودة إلى كوخها فتبيت فيه وحدها بينما نبيت نحن في
كوخنا الدافئ الجميل كما كنا نفعل في الأيام الخوالي.
والحق أن العمة (سولاف) كانت شديدة الامتنان لأمي. وشديدة الرضى
كذلك بحياتها الجديدة معنا. لم يسؤها أن تكون حياتها فرعا لأصل. ولم تشك
يوما وحشة المبيت في الكوخ وحدها. كان يرضيها أن تنعم بدقفء الحياة بيننا
وأن تلقى الرعاية من رجل عطوف كأبي من بعد وفاة زوجها (أشكول). وظل
الأمر كذلك إلى أن جاء يوم تحركت في احشائها علقة منه. أعادت إلى
أذهانها ذكريات من الحزن والألم كانت تتمنى ألا تعيشها مرة أخرى. فقد
تذكرت مرات حملها السابقة. وأصابها الهلع من أن يغيض رحمها بمسخ كما
كان يحدث من قبل. أو أن ياتي طفلها إلى الدنيا مريضا كما كان ولدها
(سيحون). ومرت الأيام عليها ثقيلة بطيئة. وأصابها الحمل والهم بالضعف
والهزال. فظلت في كوخها بئيسة وحيدة تترقب الأيام كمن يترقب سبيلا
للنجاة.
00 00 00 00 0
وعادت العمة (باتشيفا) وزوجها (الشامري) إلى المنزل بعد غياب دام عدة
أسابيع. كنا قد ظنا أنها قد وصلا إلى أرض عضر لا سيفا بعد أن«ظالت مدة
غيابها. ولكنهما رجعا مرة أخرى إلى المنزل محجلين بالخزي والعار ومحاطين
ينظرات: الشهانة والاستوحات من “سكان» العي خاصة .من الشيات الدين
شاركوا في الحرب ضد العماليق:
واصحبني ابي لزيارة العمة (باتشيفا) وزوجها (الشامري). استقبلتنا العمة
يوجه مرهق يعلوه الشقاء وقد بدث أكبر عمرا من وجهها الذي خرجحت به منذ
اهز ملأ جسدها ركن الخيمة بينها جلس زوجها في الطرف الآخر يمسك
في يديه قنينة من الزجاج الملون استقرت بها حفنة من الرمال بمقدار قبضة
اليد يقلبها بين يديه في اهتمام ويتأملها في شرود أذهله عنا.
قال أبي بعد لحظات ليقطع الصمت الثقيل:
- حمدا للرب على تسلامتكما يا (باتشيفا).
همهمت شاكرة ثم بادرته قائلة:
شهمفنا نثبا زواحك من أزملة (اشكول):
قال مؤكدا:
- هو صحيح.
قالت مستهجنة وقد استدعت روحها الشريرة:
- ليس لك حظ في النساء يا (زخاري) جارية مصرية خبيثة ثم أرملة تعيسة
تلد مسوخا ومهابيل.
أراذ أي أن يصرفها عن دنه ففال: '
- لا تبك على حظى با (باتشيفا) فإني سعيد به. واخبريني هل ضللتم
الطريق إلى مصر؟
عبس وجهها فاضاف إلى عمرها اعواما اخرى. وقالت وهي تنظر شذرا إلى
(الشامري):
- كلا بل وصلنا إلى فم الحيروث مع القافلة. وكدنا ندور حول البحر ونصل إلى
بر مصر. لولا أن تراجع هذا المخبوك وأصة على أن يبعود بنا إلى «رفيديم».
تطلع أني تتعجب الى (الشامري) الذف ظل محدقا الى قبينة: الرمال دوث أن
يكترث لحديثها فتابعت العمة (باتشيفا):
- لم تكد نصل الى-.فقم الحيروت حتى أفلت'من القافلة وعاة بعد ساعات تلك
القنينة ولا يزال يتطلع إليها كالمسحور منذ ذلك الحين.
بدأ الاهتمام على وجه أبي بينها أردفت هي في غيظ:
- غيرت الفافلة إلى ضر من :دوننا وذففنا أموالا :طائلة للدليل دى يقوة ينا
إلى «رفيديم».
تعجب ابي من حديثها ثم قال ساخرا وهو يتطلع إلى (الشامري):
- لعله وجد كنزا من كنوز الفراعين؟
هنا استدار (الشامري) واعتدل في جلسته ليواجه أبي ثم قال:
في أكبر من ذلك نا تجا ريدي إسرائكل» تل فى أعظم من عضا كيك الف
تأتيه بالمعجزات.
- هذا ما نوذدة 5 فم الحيروث.
ثم تابعت في غضب:
- أقسم بالرب إيل إنها لسحر أسود ألقى به أحدهم في الصحراء. ووقع في
يد هذا المتعوس ليكدر به حياتنا. 5
انتابتني القشعريرة من قولها بينها ساله ابي مستفهما في صدق:
- هل حقا عدت إلى المنزل من اجل تلك الحفنة من الرمال يا (شاعري)؟
فاجاه بقوله: ش
- بل خرجت يوم خرجت من اجلها!
ثم أوضح في ثقة أرعبتني:
- بصرت يوم الخروج بها لم تبصروا به. رأيت أثره على الرمال. وشعرت به وأنتم
اه
- ما الذي بصرت به؟
لم يتوقف عند سؤاله بل تايع كالمفتون:
- كان بيننا لم يفارقنا لحظة. هوا الذي عبر بنا وليس (موسى). كنت ارى
جنود الفرعون يتساقطون تحت أقدام فرسه المهولك. كنتم تسيرون خلف
(موسى). وكنت | عير أنا وراء آثار أقدامه.
استحوذ على عقولنا فلذنا بالصمت. حتى العمة (باتشيفا) لاذت بالصمت.
قتايع فون وها . !
كت أراةفى الكلافهي وا نكر البامر الذكع اموت فيه لوقي الخيروت لاتحم
مما رايته. فلما وصلنا إلى هناك وجدت اآثاره كما هي لم تمحها ريح ولم
تطمسها الرمال وهذه قبضة من اثره.
نظر إليه أبي في إشفاق بينما ندت عن عمتي صرخة استنكار وقالت:
- وحق الرب إنك لمجنون أو ربما اصابتك شمس الصحراء بلوثة.
لم يبد عليه الاكتراث لإهانتها. فقال والدي اسفا:
-تولية عن تحرب العماليق وقضصيت افر الرة :من اخ حففة من الومال:لااتضز
ولا تنفع؟
قال (الشامري) في شرود كمن بتوعد:
- هذا ظنك يا نجار النُزْك وسياتي يوم يعلم فيه بنو إسرائيل أنها تضر وتنفع.
وستعلم حينها من أشد إعجازا. أنا أم صاحب العصا!
6 مه مه مه مه
وحان وقت الرحيل من «رفيديم». جلجلت أصوات الأبواق في أرضن الواحة
وكأنها تنعى ذكريات سيطويها النسيان عما قريب. شعرت بالوجد حينما شرع
أي في حل أعمدة الكوخ. وطي جدرانه المصنوعة من الحصير والخوص
نقلت بصري في أركان المنزك الذي دخلناه صحراء جرداء وتركناه واحة ا
تتفجر منها الينابيع والجداوك. فارتتسمت في مخيلتي صورة أخيرة للنزك ما
زلت اذكرها حتى الآن. وتشكل في وحداني أول إحساس بالحنين إلى
المكان. وشعرت وقتها رغم الصغر- بقسوة حياة التنقل والترحال. واشتاقت
نفسي إلى الاستقرار في ارض الميعاد.
والحق أن الناس من بني إسرائيل قد تثاقلوا في بادئ الأمر عندما جاءهم
الأمر بالرحيل. لكنهم أسرعوا في تجهيز متاعهم حينما تردد في التُرُل أن
منزلنا القادم سيكون عند جبل الرب بالوادي المقدس. وحين علموا بأن نبي
اله (موسى) على لقاء مع ربه فوق جبل حوريب.
خرجنا من وادي «رفيديم» إلى «البرية» قبل زوال الشمس. كنا هذه المرة
أفضل حالا. فقد حمل أبي متاعنا كله فوق راحلة كراها من بعض جيران التُدُل
وسار بها في المقدمة. بينما امتطت أمي حمارا وكذلك العمة (سولاف) التي
انتفخت بطنها وبدا عليها وهن الحمل وإرهاقه. أما أنا فقد سرت خلف قطيع
فن: الفافر والاعنافر أهسٌ على الشازذة .نوم واذفعوور دقها للنسيو خلى
الركب.
وبعد ثلاثة أيام وصلنا إلى أطراف الوادي المقدس. وبدا جبل حوريب أمامنا
ساهعا ناسها. كان السكوة حيمر حوك الوادى المفذس» وكاتقة فلوينا تدا
رهبة وسكينة كلما اقتربنا منه. حتى البهائم والنوق كففن عن الحوار والرغاء
وكأتها أرهبها الؤادف: المعييم. أمزنا نوي الله ان بحط الرجال على بول ضيق
على طرف الوادي يقع إلى الشمال من الجبل. وجاء التحذير جليا واضحا:
- كل من تخطو قدمه إلى الوادي المقدس او تمس يده صخرة من الجبل
قتلا إنسانا كان أم بعيمة.
وتحسبا لذلك الأمر عكف الرجال منذ اليوم الأول على بناء سور من الحجارة
حول المترل كدي لا يكرد بميقة: الى الوادى أواسفنى احة من الناسن تحد يو
الكليم. ولم يسمح ضيق النُرْك الجديد برفاهية التوسع في ضرب الخيام
والأكواخ. فنصب أني كوخا وحيدا جمع فيه زوجتيه وأالحق به عريشا كنت
أتبادل معه المبيت فيه إلى جوار الماعز والأغنام.
واقترب موعد الميقات. فجمع نبي الله (موسى) الناس في الثنزك وخطب
فيهم وأخبرهم بأن الرب قد وعده بأن يأتيه بكتاب من عنده فيه شريعة بني
إسرائيل وأحكام حياتهم. وذكرهم بفضل الرب عليهم. وكيف أنجاهم من
عدوهم ورزقهم باطيب الطعام والشراب وذكرهم بوعد الرب لهم بدخوك
الأرض المقدسة شريطة أن يطيعوه وان يكفوا عن التذمر والمعاصي. ثم
اخبرهم بانه سوف يصعد فوق الجبل وسيظل فوقه ثلاثين ليلة يتلقى فيهم
الشريعة من الرب ثم يعود إليهم في اليوم الثلاثين. حاملا معه ألواح الرحمة
والهداية. وأوصاهم بأن يطيعوا أخاه الكاهن (هارون) وأوصي أخاه بأن يصلح
بيننا وألا ينصاع للمفسدين 1
وفي اليوم الموعود بيت ضلأة حافيدة: را يور ولايها لويم ثم وهنا مدت الله
(موسى) قبل أن يهبط وحده إلى الوادي المقدس ميمما شطر الجبل
العظيم. ومرت الأيام الأولى وكأن نبي الله بين أظهرنا. نستيقظ في الصباح
فنجمع رقائق المن في الأقساط. وفي المساء تأتينا السلوى في ساحة
النزك. فيجمع كل فرد منا مقدار حاجته في القدور. إلى أن وقع حدث صبيحة
يوم من أيام الآحاد 3 اللغط في النزك. استيقظنا فوجدنا المن وقد أكلت
معظمه الديدان. وتقلصت حوله يرقات مقززة تثير الغتيان. فعافت أنقنين الناس
عن جمعه ولم ياكلوا المن في ذلك الصباح وانتظروا هبوط السلوى في
المساء. فأتي المساء واذ بطيور السلوي تهبط نافقة وقد أنقنت لحومها
وكأنها تقيأتها حدتثات من السماء.
وتعجب الناس مما حدثْ! وذهبوا إلى الكاهن (هارون) يشكون إليه ما حدث.
فجمع الكاهن شيوخ الأسباط. وأخبرهم يأن ما حدث إنما هو عقاب من الرب؛
لأن هناك من بني إسرائيل من جمع أكثر من حاجته من المنّ والسلوى
وخزنه في بيته ليوم السبت. تم أمر بإقامة محرقة وتقديم القرابين والصلوات
حتى يرفع العقاب ففعلوا مثل ذلك. فرفع العقاب عنا. ورجع نزول المن وطيور
السلوى كما كان. وكان ثمة ما يدل على حقد بعض كبراء بني إسرائيل على
الكاهن (هارون). ولريما استضعفه بعضهم ورأى نفسه أحق بالزعامة منه
على بني إسرائيل. وكان (قورح بن إليصهار) يتربص بتلك اللحظة فصار يقلب
الناس على (هارون). وكلما اشتبك اثنان في أمر قي امود الدنيا رفعوه إلى
(هارون). فإذا حكم لأحدهما لم يرض الآخر بحكمه. ثم يذهب المحكوم عليه
إلى زعيم سبطه فيشكو إليه الغبن الذي أوقعه عليه (هارون). وهكذا تفشت
الفتنة بين الأسباط. وكادت أن تحدث فرقة بين بني إسرائيل. واتعم بعض
المغرضين الكاهن (هارون) بمحاباة أقاربه من سبط لاوي. فجمع (هارون)
القوم وخطب فيهم. وأوصاهم بأن يحفظوا العهد وأن يتجنبوا الشقاق حتى
يتحقق لهم وعد الله ويعود (موسى) إليهم بالألواح-» ولكن هيهات فقد شرد
بنو إسرائيل كالخراف التي رفعت عنها عصا الراعي.
وتجرا بعض البغاة منهم على يوم السبت. وامتنع الناس عن تقديم الذبائح
والقرابين حتى كادت نار المحرقة ان تنطفئ. وتفشت السرقة بين الناس
بحجة استرداد الحقوق. وصارت الحياة في التزك من بعد (موسى) كحياة
الغاب. فاعتزل الصالحون من بني إسرائيل الفتن. ودعوا الرب بأن يعجل لهم
بعودة (موسى) حتى يعيد خراف بني ؛ إسرائيل الضالة إلى حظيرة الإيمان.
وكان الي شديد التعاسة في تلك الأيام. أصابه الغم ما حاق ببني إسرائيل.
فكان يمكث في الكوخ حزينا ويقول لأمي وللعمة (سولاف):
- بئنس هؤلاء القوم وكانها اقام لهم (موسى) منزلا من قش. إن لم تشعله
شرارة من نار. ذرته هبة من الريح! كيف لم يصبروا على فراقه شهرا واحدا؟
وكان يبكي ويقول: ا
- يا لخوفي من أن يحل علينا عقاب الله!
وعلى العكس من ابي. استعاد زوج عمتي (الشامري) نشاطه ودبت فيه
الحياة كنبتة غمرتها قطرات المطر بعد طول الجفاف. فصارت خيمته قبلة
لكبراء بني إسرائيل وزعمائها الجدد. حتى إن العوام من الناس كانوا يحكمونه
وصحبه فيما شجر بينهم ويتركون خيمة الكاهن الذي استخلفه نبي الله
عليهم. واتفقت تلك الجماعة على ان يراجعوا (موسى) في أمر الكهانة إذا
عاد. فهارون ليس أحكمهم. وقد فرق في حكمه بين بني إسرائيل. ولم يحكم
بينهم بالعدلك. كما امره (موسى).
وجاء اليوم الثلاثون. فاستيقظ كل من في التُرّل قبل شروق الشمس. وامتلأ
السفح بالالاف من بني إسرائيل يجمعهم هدف واحد وقلوب وضمائر شتى..
0 وجوههم شطر الوادي المقدس. وتوجهت انظارهم صوب الجبل
والكل في انتظار اللحظة الحاسمة التي يهبط فيها الكليم من فوق الجبل
حاملا
معه الألواح التي أنزلها الله رحمة لبني إسرائيل.
00 00 00 00 0
الوركة التاسعهة
مرت الساعات ثقيلة بطيئة وكأنها صفدت أقدام الزمن بسلاسل من حديد,
وكلما خطا النهار المكبل بالأمنيات خطوة في طريقه نحو المغيب. كليا ثار
القلق في النفوس. وعبست وجوه قوم تلهفوا لرؤية نبيهم عائدا إليهم بألواح
الرحمة والهداية بعد طول الغياب. جلسنا جميعا على أرض السهل لا نحرك
ساكنا. كتماتيل نصبت على الحرف الوادي تنتظر أن تاتيها نفخة الحياة من
فوق الجبل المشرف على الوادي الحزين. احتجبت الشمس خلف الجبل.
ولملمت ما تبقى من أشعتها في شفق أحمر باهت تأكلت أطرافه بظلمة
المساء. ومع اختفاء آخر شعاع للشفق. ارتفع صراخ النسوة في الوادي
وانهار ثبات الرجال. وعلا البكاء والنحيب. وثار بعض الشباب وأرادوا أن يتجاوزوا
سور المنزلك إلى أرض الوادي المقدس ليبحثوا عن نبيهم المفقود. ولكن
(يوشع) واصحابه دفعوهم عن ذلك دفعا وذكروهم بوصية نبيهم وهتف
(يوشع) قائلا:
- اثبتوا يا رجاك وتذكروا وصية نبيكم كل من تمس قدمه ارض الوادي فإنه
يقتل قتلا.
ومع هبوط الظلام اشتدت الريح في فضاء التزل. وتكائتفت السحب في
السماء. وتساقطت زخات من المطر. سرعان ما تزايدت قوتها. فاحتمي
الناس بالخيام. وقد ضاعف الطقس كابتهم. وقضوا ليلة حزينة ممطرة وكانما
بكت عليهم السماء.
واستيقظنا في الصباح لا ندري ماذا نفعل؟! كان شعورا لم نختبره من قبل!
فقد عشنا قرونا عبيدا لفرعون يامرنا فنطيع. ثم اتانا بعد ذلك نبي مؤيد
بالمعجزات ويتصل بالسماء. فكان ايضا يامرنا فنطيع ويحمل عنا مشقة التفكير
وتبعة تقرير المصير. ولكن هكذا صارت الأمور! وأصبح لزاما علي الشعب الذي
عاش مدللا في كنف نبيه كالرضيع أن يذوق مرارة الفطام وأن يتحمل تبعة
اختياره. ويا لها من تبعة!
تجمع الناس في ساحة النْزْك التي ركدت فيها مستنقعات صغيرة من مياه
أمطار الأمس. وتشبعت رمالها بالماء فتعسر عليهم الجلوس. وقفوا لساعات
في انتظار ما يسفر عنه اجتماع المشايخ مع الكاهن (هارون) في خيمة
الاجتماع. كنا نقف انا واي والعمة (باتشيفا) على مقربة من الخيمة. بينما
جلس (الشامري) على الأرض غير مبالي برطوبة الرمال. وقد أمسك في يده
اليسرى بصخرة ملساء غسلتها مياه الأمطار. وأمسبك في يده اليمني
بشفرة من حديد أخذ ينقش بها على الصخرة رسما لم أفهم له معنى.
وبعد ان انتصف النهار خرج (هارون) ومعه المشايخ من خيمة الاجتماع. وقد
بدا أن شقاقا قد وقع بينهم. صعدوا إلى تبه عالية من الرمال. ونادى (يوشع)
في القوم. فتجمع الناس ليسمعوا ما يمليه عليهم كاهنهم. قال (هارون):
ايها الناس! قد اظلتنا ايام فتنة وبلاء. ولا نجاة منها إلا بالتوبة والاستغفار.
فمن كان منكم على خطيئة فليدعها. لا يمدن احدكم عينيه إلى زوجة جارة.
وت عنصب مكو اللاتقليوة مسق الدب إن كسرهم عه ذلك اليلد
لم يكد يكمل كلامه حتى ضح القوم احتجاجا عليه. وعلا صوت من بين
الصفوف ميزت فيه صوت (جدعون) الحداد. فقد كان صوته |احجش كناقة ترغي
على وليدها وهو يقوك:
- دع عنك النصح ايها الكاهن وقل لنا متى يعود (موسى)؟
استنكر (هارون) السؤال فقال:
- هل طال عليكم العهد؟! قال (جدعون):
كلا -ولكنا في انتظار المعت فاضوبي لعا فوهد | بأقنا'فية بالالواته
قال (هارون): ْ
- العلم عند ربي. وهل عسيتم إن هلك (موسى) في البرية ان تضلوا بعده
وتعصوا امر ربه!
ثار الناس اكثر. وتحدث رجل من سبط زوبلون بفم يفيض قبحا قائلا:
- بل ضللنا يوم تبعناكم إلى ذلك القفر.
وعقب عليه رجل من سبط يساكر: 2 . 1
سدقت ند | مل نا [نا عمران. ثم درقنا أحدهها لخن كاترورت الكل فيه
تم نادف الرحلا في قوم ١
- يا بني يساكر! قد وعدنا (موسى) فاخلف موعده. ولا طاعة لأخيه علينا
حتى يعود بالألواح, ولاقت دعوته استحسانا من بعض الناس. وغضبا من
اخرين. وقال (هارون) مستنكرا:
- اتريدون أن تفرقوا بين بني إسرائيل؟
قال (عزرا) من سبط جاد:
- بل فرقتم انتم بين بني إسرائيل يوم جعلتم الكهانة في سبط لاويء. ثم
اردف في تهديد: 1
- لكم منا ثلاثة ايام فإن لم يعد (موسى). اقيمت محرقة للرب وقدم كل سبط
قربانه. ومن تاكل النار قربانه تكن له الكهانة على بني إسرائيل.
غضب (هارون) وقاك: :
- كيف تحتكمون إلى الرب وانتم تعصون امر نبيه؟ ان يستخلفني (موسى)
عليكم؟
قال (عزرا) في تحك: , 5
- إن الله قد عهد إلينا الا نؤمن لكاهن ولا رسول حتى ياتينا بقربان تاكله النار.
د 7 1 5 ِ ِ
- قد جاء كم (موسى) باكثر مما قلتم. وهانتم ترتدون على اعقابكم. وتكفرون
با وعدكم به.
قال الرجل: 00
. اطعنا (عوسيفق )ها ذامفرقييا. أما انث فلتطافة لك غزينا.
قال (هارون) اسقًا:
- قد ضللتم إذاء وحق عليكم البلاء من الرب!
وهنا برز (الشامري) من بين الصفوف. وهرول صاعدا إلى التبة وهو يهتف:
- يا بني إسرائيل! اسمعوا إلي! اسمعوا إلي!
تعجب فكي حينما رآه. وشهقت عمتي (باتشيفا) التي كانت تقف إلى جوار
ابي وقالت في قلق:
- ماذا يفعل هذا البائنس؟
صمت الناس استجابة لندائه. فقالك: ش
- اتدرون لماذا نسي (موسى) ميقات ربه؟ ولماذا اخلف موعده؟ لأنكم
استنكر الناس قوله. وضحك بعضهم ساخرا. وتمتمت عمتي قائلة في خفوت:
- حلت عليك اللعنة ايها التعس! فضحتنا امام القوم!
ولكن (الشامري) بدا اكثر إقناعا وهو يقول:
- قد حملتم اوزارا من حلى جيرانكم المصريين وذهبهم عند الخروج. وما من
بيت من بيوت النزك إلا وفيه ما اغتصبه احدكم من جاره المصري. فكيف
ترجون من الرب ان ينزك عليكم الواحا من السماء وقد دنستم بيوتكم بذهب
مسروق!
صمت الناس تم نكسوا رءوسهم. فقد صدقوم الرجل القول. فتابع الشامري)
وقد فارت حماسته:
- طهروا بيوتكم من الدنس. احرقوا الذهب المسروق واجعلوه قربانا للرب. من
سرق قرطا أو اسورة فليلق بها إلى النار. ولكم عليّ ان اقيم محرقة لم
يشهد بنوإسرائيل مفلها. 0 2 ٠
استحسن (هارون) ومشايخ الأسباط رايه بينما تنظر إليه اي متشككا. وقالت
العمة (باتشيفا) في قلق:
- يا لخوفي منك يا (شامري). :
وعاود المطر سقوطه فعدنا إلى الكوخ قبل أن يشتد هطولها.
كانت أمي تنتظرنا في قلق. بينما كانت العمة (سولاف) تنام جالسة إلى
الحائط. فقد كانت لا تقوى على النوم على ظهرها منذ ان كبرت بطنها وصارت
تطبق على صدرها أثناء النوم. باذرة ابي بقوله وهو يخلع رداءه المبتل:
- شعب لح يستحق إلا ذل المصريين 1
ابتسمت أمي لتخففٍ عنه عبوسه ا تناوله رداء جافا:
- أهذا ذمٌ في قومك أم فدح في قومي؟
قال حانقا وهو يرتدي الرداء. بينما كانت أمي تبدل ثيابي المبتلة:
- يثورون على الحليم (هارون). ويصمون اذانهم عنه. ثم يستمعون إلى
(الشامري). فيأمرهم بأن يحرقوا ذهب المصريين حتى لا تحل اللعنة عليهم!
قالت متعجبة:
- أحقا قال هذا؟
قال ساخرا: 0 2
- نعم. والأدهى أنهم أطاعوه؟
رايت في عينيها تصديقا وخوفا ثم قالت مترددة:
- قد يكون محقا!
نهرها غاضبا: ش
- أي لعنة؟ واي آلهة؟ إنها أصنام لا تضر ولا تنفع!
- هي لا تضرٌ. ولكن نكر الكوفة قد وضةا
قال مستخقا:
- هراء! قد رأيت بعينيك عجز السحرة أمام آيات الرب إيل.
ثم اردف:
- والتهدما "قال التتنا مرف :فلك القولة الأوهو سقف :ف قزاتها ناظلا.
قالت ملطفة:
- هون عليك يا (زخاري) فغدا نعلم ما يبتغيه.
ثم أردفت باسمة:
-وإياك أن تمد يدك على ذهبي. وإلا حلّت عليك لعنتى.
حاهن نقيئة ليتتشع لكتة لم يسيظة تخرس أ لها:
- هل تملك (سولاف) شيئا من ذهب المصريين؟
- كلا. فقد تركته كله في دار أم (أشكول).
فقال في وجوم:
- حمدا للرب ان جعل بيتنا محفوظا من الوزر والخطيئة.
00 00 00 00 0
الورقهه العا سرة
وفي الصباح خرج الناس تباعا إلى الموضع الذي أقام فيه (الشامري المحرقة.
حاملين في أيديهم أقراط وأساور وسلاسل من الذهب والفضة. تعجبت كثيرا
من هذا الكم من الجواهر التي اعارها المصريون لجيرانهم من بني إسرائيل
عن طيب خاطر ليتزينوا بها في عيدهم. وتردد في راسي سؤال: إن كان
المصريون بهذا العطف. فلماذا كان يكرهنا الفرعون إلى هذا الحد؟!
صعدنا إلى هضبة فسيحة عالية خارج التزك اقام فيها (الشامري) محرقته.
كانت المحرقة في فجوة بين صخرتين عاليتين فوق الهضبة. ملأ (الشامري)
الفجوة بالحطب. وبنى سورا بين الصخرتين من الحجارة. ثم صنع سلما يصعد
به إلى الفوهة علق في نهايته حلقة تتدلى منها سلسلة إلى داخل
المحرقة. فبدت المحرقة كمرجحل مهولك تتصاعد منه السنة اللهب واعمدة
النار والدخان. وقف (الشامري) إلى جوارها يغذي نارها بالزيت والخطب. وقد
ثار شعره. وتعفرت لحيته. واحمرت عيناه حتى بدا كشيطان مريع.
متى وكيف أعد (الشامري تلك المحرقة؟! كانا سؤالين يجولان بخاطر كل من
في التُرل. ولكن لم يكلف أحد نفسه عناء الجهر بها. صعد الناس الواحد تلو
الآخر إلى سلم المحرقة. يعطون (الشامري الواقف أعلى الدرج الحلي.
فيلقي بها في اتون النار وهو يقوك:
- طهروا أنفسكم من الخطيئة حتى ياتيكم الرب بوعده.
وظل الناس يتبادلون الصعود حتى كاد النهار أن يزول. وألقى آخر من في
الثزك بحمله من الذهب في المحرقة فنادى (الشامري) في الناس: - أبشروا
ايها الناس غدا ياتيكم الرب بوعده. فنادى عليه (جدعون) الحداد بصوته
- وانت يا (شامري) الن تتطهر من خطيئتك؟!
قال (الشامري):
- بلي أتطهر منها؟
ثم أخرج من جيبه القنينة الملونة. فظنها الناس لؤلؤة من جواهر المصريين.
فأمسك بها وقال (لهارون):
- يا اخا (موسى)! هل القي ما في يدي؟
تعجب الناس من سؤاله. فقال (هارون):
- نعم. ألق.
فتمتم عليها (الشامري) بكلمات لم نسمعها ثم ألقى بها في النار. فهلل
الناس ومجدوا الرب. وبات الناس على أمل أن يأتيهم الرب بوعده في الصباح.
وحدها من دون الناس. كانت في حزن وكرب عظيمين. ثناء كاهلها بالسر
الذي عرفته قبل تلك الاحداث بايام. وتمنت لو تصرخ كي تحذر الناس منه.
لكنها لم تستطع. كانت حزينة لما آل إليه حال زوجها منذ عادا إلى «رفيديم».
أقلقها ولعه بتلك القنينة المسحورة. وذهوله عن كل شيء سواهاء ثم
ساورها الشك حينما رأته يكثر من الخروج إلى تلك الهضبة التي أقام فيه
محرقته. دفعها الفضول إلى أن تتبعه ذات يوم إلى تلك الهضبة. فوجدته يلجأ
إلى غار. يمكث فيه طيلة النهار. شعرت بأن سرًا ينتظرها هناك. تركته نائما
ذات ظهيرة وذهست إلى الغار, وحين دخلت شعرت بالعجب والغضب والشفقة
في آن واحد. وحدت على الأرض أدوات النحت التي كان يعمل بها في مصر
قبل الخروج. . الإزميل. البراغي. المطرقة. سبائك النحاس والألوان! تعجبت
يف اخفى عنها زوجها تلك الأدوات طيلة تلك المدة دوت أن تعلم. على
00 الغار وحدت نقشا ضخما للإلهة حتحور وقد طلي بألوان بديعة خلابة.
والى جوار الحائط وجدت عدة أيقونات وتمائثيل صغيرة للعجل أبيس منحوتة
بإتقان من قطع صغيرة من الحجارة والرخام. ولا تزيد الواحدة منها عن قبضة
اليد. ولكن أشد ما أثار دهشتها كان ذلك القالب الأجوف الضخم المصنوع من
النحاس والذي سبك على شكل تمثال العجل أبيس. أصابها الذهول. ودار
في ذهنها سؤال متى صنع زوجها تلك الأشياء؟ والأهم لماذا صنعها؟ إنها
على يقين بان زوجها يعبد الرب إيل. فلماذا يدنس قلبه بهوى ذلك العجل
اللعين؟!
عادت إلى التُرْك كسيرة النفس حزينة. فوجدته قد استيقظ من نومه. لم
تستطع ان تواري عنه ما في نفسها من ثورة فواجهته غاضبة:
- ألا يزال قلبك معلق بالعجل يا (شامري)؟
ا فقال في حدة:
كلا. ولكني أشتاق إلى حجر أنتحته.
5 لائمة:
- ولم تجد سوى العجل لتنحته.
قال في حسرة:
- لم ائحت غيره منذ كنت في العاشرة من عمري.
أشفقت عليه. فقالت:
- احذريا (شاعري). فلو علم (موسى) بما تفعله لقتلك قتلا.
قال غير مبال:
- صنعت منه في مصر المئات. وكان الناس يسجدوت لما اصنع على مراى
ومسمع من (موسى).
صرخت يائسة:
- ما لنا والمصريين! تركنا لهم ديارهم وعجولهم.
تم قالت مستعطفة: 1
- دع عنك أمر الماضي يا (شامري). انزع من عقلك تلك الاوهام. ويكفينا ما
لحقنا من خزي يوم هربنا من التزك قبل حرب العماليق.
رفع يديه امام وجهه وقال صارخا:. 50
- نزعته من عقلي. ولكني لا استطيع ان انزعه من قلبي! هاتان اليدان
تموتان إن لم يمسسها حجرا!
ثم انهار جالسا وهو يقول:
- بلغت الستين من عمري. لا شباب ولا مال ولا ولد. قبيلتي (شمرون). هم
أضعف الأسباط وأحقرهم. ثم تقولين دع عنك أمر الماضي وانظر للمستقبل؟!
تم طفرت الدموع من عينه وقال: 1
- مثلي لا يحيا إلا في الماضي يوم أن كانت لي في مصر مكانة صنعتها
بموهبتي.
تلك الموهبة التي يحتقرها قومك الآن!
يئست من الكلام معه ووخزتها إشارته لعدم إنجابها. فقالت متبرمة: 5
- عش معزولا عن الناس. وانتش بسكرة الفن حتى يكشف (موسى) امرك
ثم يجعلك عبرة لمن لا يعتبر.
00 00 00 00 0
أما أبي فقد ذكرته قنينة الرمال التي ألقى بها (الشامري) في المحرقة
بحديثه الذي أفصح عنه من قبلٍ. ترددت في ذهنه عبارة (الشافري) سسياتيى
يوم يعلم فيه بنو إسرائيل ل أينا أشد إعجازا وأقوى. أنا أمم «صاحب العصا». لم
يدمر أب في تلك الليلة. كان يتقلب في فراشه كالمحموم. ترك الفراش
واستلقي في العريشة المجاورة للكوخ. خرجت إليه امي وتبعتها العمة
(سولاف). وقد اقلقها خروجه في ذلك البرد القارس
قالت امي:
- ما الذي اضحّ مضجعك يا (زخاري)؟
قال في اقتضاب:
- لا شيء
جلسنا إلى جواره. وقالت العمة (سولاق):
- تبدو حزينا قلقا منذ عدت مع القوم عند المساء.
زفر في قوة ليزيح عن صدره ها كالجبال ثم قال: .
- لا مقام لنا في هذا التزك حتى يعود إليه (موسى). أو تنكشف تلك الغمة!
نكت عن امي شهقة. وقالت العمة (سولاق):
- نترك التزك! لماذا؟
قال أبي:
- تحوم الفتنة حول التُرُل. ولا أدري ما الذي ينتظرنا عند الصباح؟
قالت أمي:
- متلك لا يخشى الفتنة وقد غمر قلبه بالايمان..
قال في صرامة:
- بل أفرٌ منها. كما يفر المرء من الأسد.
قالت العمة (سولاف):
- وإلى اين نذهب؟
- سمعت عن موضع يقال له «رسه» يبعد عنا مسيرة بضعة ايام إلى
الشمال. .
وحمت المراتان وقد اذهلها كلام ابي. ثم قالت امي في شيء من الخوف:
- نعيش في الصحراء وحدنا. بلا اهل ولا كاهن يرعانا.
- سنفر بديننا حتي يعود إلينا (موسى).
قالت (سولاق):
حَ وكيف ستعلم بعودته؟
قالد . ٠ ٠
اسررت بامري إلى «إيليا» ابن عمي. وسياتي إلينا ليخبرنا بعودة (موسى) او
انكشاف الغمة.. |
ساد الصحت لحظائف م قالك | ف
- افعل ما يريح قلبك.
نظر أبي إلى العمة (سولاف) فقالت:
- لا يربطني بالتل شيء سواكم. وانا معكم اينما كنتم.
تنهد في ارتياح ثم قال:
- على بركة الله غدَا نخرج قبل الشروق.
وبينما كان قرص الشمس يتلصص صاعدا من وراء جبل حوريب. كانت الراحلة
تبتعد عن الوادي المقدس إلى قلب الصحراء. استدار أبي وألقى نظرة على
حوريب والوادي الساكن أمامه ثم قال:
- اللهم عجل لنا بعودة (موسى). واحفظ بني إسرائيل من فتنة يبغيها
(الشامري)؟
00 00 00 00 0
الورهه الحاديه عسرة
هذا ما فعله أبي في ذلك اليوم الفارق في حياة بني اسرائيل. لم يطق
الرجل البقاء في المنزل وقد أوشك البلاء على الوقوع. ولم يدفعه إيمانه إلى
أن يظن في نفسه المقدرة على التصدي للفتنة حال حدوثها. فجمع زوجتيه
وولده وجنينا في رحم أمه. تم خرج فارا بدينه بعيدا عن أرض النفاق. سارت
بنا الراحلة بلا انقطاع بين عواصف الرمال الثائرة كسفينة تتأرجح على أمواج
أثارتها لطمات الرياح. وصلنا إلى «رسه» قبل حلول مساء اليوم التالي. بلغنا
منزلا يقطن فيه بعض الأعراب. فاستأذنهم ابي للمكوث إلى جوارهم بضعة
أيام فأذنوا له. ولعلهم أشفقوا علينا من .وعتاء السفر في ذلك اليوم الزمهرير.
أناخ أبي الناقة فهبطت من فوقها المرأتان. وقفزت أنا متدثرا برداء. أحكمت
أمي أطرافه حول رأسي. حتى يقيني لفحات الهواء الباردة. تخير أبي مكانا
منزويا خلف عاصفة الصحراء. ثم شد أطراف الخيمة على أوتاد أحاطها بقطع
من الأحجار حتى لا تجرفها رياح الليل المتسارعة. اصطلينا بجذوات الحطب
أشعلها اك في قصعة وقضينا ليلتنا الأولى في «رسه» بين صفير الريح
وطقطقات الحطب ولطمات الهواء على جدران الخيمة.
وفي الصباح هدأت العاصفة قليلا. سمعنا صوتا ينادي خارج الخيمة. فخرج
أبى لبتحدة اين نتسية الفييلة: تحمل صحيفة :من الطفاي تحخدت: اليه آبئ قليلا
ثم عاد إلينا حاملا في يديه صحيفة الطعام. فوضعها بيننا وهو يقول:
- هلموا إلى الطعام فقد رزقنا الرب ثريدا وجيرانا ذوي قربي. , .
اتهلنا على الظعام في نهم فقد كنا تشعر بالجوع الشديد: وسألتة أمى:
- من هؤلاء الأعراب؟
- هم من بني إسماعيل).
قالت العمة (سولاف) '
- عجبا ما الذي أتى بهم إلى هنا؟ ألا يقطنون في وادٍ بعيد اسمه بكة!
- نعم ولكن بطونهم تنتشر في ربوع الأرض. وهؤلاء القوم من بني يطور بن
(إسماعيل). هم يعملون في التجارة والرعي. وينزلون حيث يكون الماء.
سألته أمي متعجبة:
- ولماذا يضيفونا؟
قال أبي:
- هجر أبناء عمومة يا (رومانا). ويعبدون الرب إيل على ملة أبينا (إبرام).
لم أفهم حينها' كيف يعبد :الرب: .ايل بدين غير .دين .بذي إسرائيل:-ولكني
استمعت بشغف إلي حديث انق عن حياة (إسماعيل) و (إبرام). وشعرت
بالاثارة حنيها علقت أن أمر (اسيماعيل ) كانت جارية فضرية مدل امي (رومانا).
وقضينا يؤمنا الأول ضيوقا 'على. هؤلاء الأغراب. كانت ساحة تزلهم فسيعة.
يتوسطها بئر كبيرة يشرب منها الناس والدواب ويحيط بها بيوت بنيت بالحجر.
والحق أننا لمسنا من هؤلاء القوم كرما وجودا. لم نر مثله من بني إسرائيل.
دعانا شيخ القبيلة وكان رجلا حكيا يدعى «عابر» إلى داره وقص ابي عليه.
ما كان من امر (موسى) وكيف خرج ببني إسرائيل من مصر حتى وصل بهم
إلى من الوادي المقدس. ثم ما كان من صعوده إلى جبل حوريب واختفائه
بعد ذلك.
اي ع 5 سيعود.. سيعود إليكم نبيكم.
ثم حكي لنا الرحل أن جده يطور بن (إسماعيل). قد ترك بكة مع أهله وأتى
إلى هذا المكان. وانه أول من رعى الإبل في ذلك الجبل. حتى إن الأعراب قد
اسموه جبل «الطور» نسبة إلى جده. وان جده هو من قام بغرس اشجار
التين والزيتون فوق الجبل حتى يستظل بها الرعاة والأنعام. وحين نصب الماء
فوق الجبل. هبط اجداده إلى تلك القرية حيث اقاموا بها وعملوا في التجارة
والرعي.
وشعرنا بالألغة مع هؤلاء القوم. وقضينا أياما لا تنسى في صحبتهم. وكان
للشيخ «عابر» حفيدة تصغرني بسنوات قليلة اسمها (أروى). سمراء
البشرة. جميلة المّحيًا ونحيفة القوام. سألتها عن معنى اسمها فأجابتني
أنها تعني الرشيقة الحركة كأنثى الوعل! والحق أنها كانت في خفة النسيم
وسرعة الريح. كنا نلهو ونتسابق إلى الجبل في كل صباح. فتنطلق قبلي
إلى اعالي الصخر بينما لا أزال انا في اسفل السفح تتعثر اقدامي في
الرمال! وذات يوم كنا نلهو فوق الجبل. فإذا بالسماء وقد تلبدت بالغيوم.
وتكاثفت بها السحب حتى دنت من الرءوس. وبدت بطون المزن حبلى
بالمطر. وكان الأعراب يخشون المطر في تلك المنطقة. فقد كانت السيوك
تجرف كل شيء في طريقها. فلما راوا المطر وقد اوشك على الهطول جمعوا
الخيام المتنائرة ومن بينهم خيمتنا. وساقواً المعز والأغنام إلى ربوة قريية
بمناىك عن مجرى السيل. وظنت أمي أني الهو في ساحة التزك مع ابناء
الحي. فلما بدا الجمع في التحرك. فطنوا إلى غيابي وغياب :
(اروىك). وعلموا من ابناء الحي اننا كنا نلهو فوق الجبل. وفقدت امي صوابها
وظلت تصرخ خوفا عليّ. وانطلق ابي ومعه والد (اروى) للبحث عنا. ولم تمض
لحظات حتى تقاطر الماء من السماء. وغامت الشمس خلف السحب وكاد
النهار أن يظلم.
شعرت (أروى) بالخوف وقالت:
- هيا بنا نعود يا (شمعون). لم نكن نتحرك بضع خطوات حتى تزايدت حدة
المطر. وانزلقت الأرض
من تحت أقدامنا. وكدنا نتعثر عدة مرات. بكت (أر وى) من الخوف وتمسكت
بيدي في قوة حتى لا تنحدر على الأرض الزلقة. ا المطر يتزايد. وشعرت
أنه من المستحيل أن نصل إلى أسفل الجبل سالمين. وهداني عقلي
الصغير إلي أن البقاء على قمة الجبل أكثر أمانا من النزول إلى السفح
المنجرف. اطبقت يدي على يد (اروى) في قوة وسرت بها في حرص على
الصخر اللازب حتى بلغنا فجوة بين صخرتين على قمة الجبل. انكمشنا في
الفجوة بعيدا عن الأمطار الجارفة. والصقت (اروى) نفسها بجسدي وهي
تبكي من الذعر. بينما كانت انفاسي تتلاحق من الخوف والتعب. توقف المطر
بعد دقائق. ثم هدات الرياح وانقشعت الغيوم في بطء. وعادت الشمس
للظهور. ونظرت إلى السماء فوجدتها وقد تلونت بقوس قزح وكانها لم تغضب
علي اهل الأرض منذ قليل.
هدأ روعنا وقمت لأرى سبيلا للنزول من الجبل. عترت على غصن شجرة
سميك كسرته الأمطار. فوجدت فيه ضالتي. شذبت الغصن من فروعه بحجر
حتى صار كالعصا. طوقت (اروى) بذراعي ثم شرعنا في الهبوط في حرص.
كنت أغرس الغصن في الأرض بين الصخور واطمئن لتباته. قبل أن أخطو
خطوة جديدة على الطريق المنحدر. مضي وقت طويل حتى وصلنا إلى
السفح. تنفسنا الصعداء. وأسرعنا إلى خيمتنا فلم نجدها ولم نجد أحد
حولها. شعرنا بالخوف وبكت (أروى) مجددا ولكن فجأة جاءنا صوت اف مناديا
من بعيد:
أي انك يا (شمعون)؟ اي أنت يا (أروي)؟
فهرولنا ناحية الصوت. لنجد أبي ووالد (أروى). وقد ابتلت ملابسها تماما. ومع
ذلك ألقينا بجسدينا أنا وأروقف في حضنيعما. قبل أن يعودا بنا إلى التزل:
والحق أن تلك الحادثة ظلت عالقة في ذهني لسنوات بعدها. وكنت بين
الفينة والفينة أتذكرها وابتسم وأتساءل في نفسي عما فعلته الأيام بفتاة
سمراء رشيقة الحركة من نسل (إسماعيل) اسمها (أروى). ربط القدر بين
مصيرينا في يوم من الأيام ثم افترق كل منا في طريق.
6 مه مه مه مه
ومرت الأيام تلو الأيام دون أن نات إلينا خبر من حوريب. كان أي يحدوه الأمل
في كل صباح في أن يرى (إيليا) ابن عمه آتيا من جهة الصحراء بالبشرى.
فيمر النهار دوت أن يظطهر البشير في الأفق فيزداد ابي بؤسا وحزنا. وأشفقت
عليه أمي مما يعانيه. كانت تحلب الشاة ذات يوم حينها رأته معموما حزينا.
- جسدك في «رسة» وقلبك في حوريب إن شئت عدنا إلى حوريب لنقف
على حقيقة الأمر.
قال في إصرار:
- لا أعود إليهم ونبي الله غائب. ولو عاد (موسى) لأتي إلينا (إيليا) بالخبر.
ومكثنا في «رسة» قرابة الشهر. علمنا فيه الكثير عن حياة هؤلاء البدو من
بني (إسماعيل). وعرفنا اشياء كتيرة عن ملة (إبرام) التي يتبعونها. فقد كانوا
يختتنوت متلنا. ويتجهون في صلاتهم إلى الرب إيل. ويقدموت له الذبائح
والقرابين. ولكنهم لا يقدسون يوم السبت مثل بني إسرائيل. ويتحدثون دائما
عن بيت بناه أبونا (إبرام) وجدهم (إسماعيل) في واد بصحراء فاران, ا
ويرحلون إليه بين آن وآخر للتبرك والتجارة. وكان أبي رغم تعظيمه لكرمهم
وسماحتهم. يستاء كثيرا من عدم تقديسهم ليوم السبت. وحين دعاه شيخ
القبيلة لأن يترك خيمته. وأن يمكث في دار حجرية داخل النزل. رفض أبي
كي لا تستاء عينه بانتهاكهم ليوم السبت. فكان يمكث في خيمته ويقول:
- ألا ييخكتشى هؤلاء القوم أن تحل عليهم اللعنة ووهشم بعتدونت على حرمة
السبت.
أما أنا فقد كان يثور في رأسي سؤال آخر لم يجبني أبي عليه وهو:
- لماذا حرم الرب السبت على بني إسرائيل. ولم يحرمه على باقي بني
(إبرام)؟
وفي يوم من الأيام سمعنا صوتا ينادي على أبن :من خارج الخيمة. فإذا به
(إيليا) ابن عمه قد أتي إلينا من حوريب. احتضنه أبي. وتهلل لمقدمه كثيرا.
وقبل ان يدعوه للجلوس ساله في لهفة:
- هل عاد نبي الله (موسى)؟
قال (إيليا) واجما:
- نعم قد عاد إلى النزك منذ قرابة الشهر.
تعجب ابي من ذلك وتوجس شرا من الحزن البادي على وجه (إيليا). فقال
له:
- ولماذا لم تأت إلينا فورا كما وعدتنا؟
فال (ايليا) في وجوم:
- قد وقعت أحداث جسام في النُرُل. ولتحمد الرب أن أنجاك منها.
وقع الذعر في قلب أبي.. فجلس على صخرة إلى جوار الخيمة وأجلس (إيليا)
إلى جواره ثم قال:
فض علةةيا (إيليا) ما وقع في النرك منذ خرجنا وحتى الآن.
تنهد (إيليا) تنهيدة طويلة كمن يلقي عن صدره حملا ثقيلا. ثم قال:
عودوت لو نستتك :ها حدن!! ولكن هنا اليا القع تسيافة وقد هار مكدونا
في قلبي! .
صمت أبي. وأنصت بكل جوارحه إليه. وقصّ علينا (إيليا) هذا الحديث: .
كان الؤقت: بين الصحى والظهيرة حيتما توافد الئاس على الوضية التعن. أقام
فيها (الشامري) محرقته. كانوا على حال ما بين الشك والفضول. شك فيما
وعدهم به (الشامري). وفضول لمعرفة السرّ الذي يخفيه. لم يبق احد في
النزل. خرج الجميع إلى الهضبة حتى (هارون) وسبط لاوي خرجوا مع الناس.
كان (الشامري) يقف إلى جوار المحرقة مرتديا حلة تشبه خلة الكهنة
المصريين. وقد حلق راسه بالموسى. وقصر لحيته وشاربه حتى بدا ككاهن
من كهنة امون.
تعجب الناس من هيئته. وسخر البعض منها. ولكن الرجل كان يشرف من
مكانه على الناس في خيلاء وتبرق عيناه في ثقة كمن يحمل خبيئة يعلم
مقدارها جيدا. مضي وقت طويل حتى تجمع الناس فهتف احدهم مضطجرا:
- فيم جمعتنا يا (أشامري)؟
تحدث في صلف وغرور
«جمعبكم حكني اهدركةر تتفل الوقفا:
قال الرحل مستنكرا:
لا تتعال علينا يابن راحيل فلست كاهنا ولا نبيا
- اضحكوا واسخروا الآن. فغدا تبكون كما تبكي النساء. وتدعونني فلا
استجيب : 5
نم ذهب إلى السلسلة التي تدلّت فوق المحرقة. ثم جذبها في قوة أوحت
الإثارة. حتى طهر لبني إسوانيل ما كان مطمورا فَفٍ جوف المحرقة. ره
لهم (الشامري) عجلا ذهبيا مهولا يتلألأً جسده الذهبي الأحمر تحت ضوء
الشمس وكأنما تسري به دماء الحياة. شهق الناس شهقة عالية جمعت ما
بين الذهول والرهبة فقد أذهلتهم مفاجأة (الشامري) التي لم تدر بخلدهم.
وأرهبهم أن يخرج إليهم إله المصريين من بين الحلي التي اغتصبوها. وكأنما
عاد إليهم العجل من أجل الانتقام. وأدار الهواء الجسد الذهبي المتدلي من
السلاسل. وتارجح فوق الرءوس التي انحنت من الخوف والرهبة. وواجه فمه
مهب الريح فصدر منه خوار. زلزلك اجساد الناس رعبا وفرقا. فخروا له
انتشي (الشامري) فوق الصخرة وظل يصرخ في جنون:
اسجدوا له. ابكوا على خطاياكم. هذا إلهكم وإله (موسى). هذا إلهكم وإله
(موسى)! ش
اشتد الغضب ب- (هارون) وزوج اخته (حور) وصرخ (هارون) قائلا:
- كذبت يا عدو الرب! إنه عجل حسد له خوار! ثم التفت الى الناس وصرخ
فيهم قائلا:
- يا قوم لا يفتنكم (الشامري) عما جاءكم به (موسى).
لم يستمع إليه أحد. فقد تعلقت أبصار الناس بالإله المتأرجح. وأفسحوا له
موضعا في قلوبهم. وتحمس بعض الشباب من سبط لاوي. وأرادوا أن يصعدوا
إلى الصخرة حتى يفتكوا ب- (الشامري). ولكن حال الدهماء من باقي
الأسباط بين الشباب وبين (الشامري). ووقعت بينهم معركة بالحجارة
والعصي حتى اوشك بعضهم على الهلاك. فصرخ (هارون) في الناس:
- يا بني إسرائيل! اتقوا الربُ. ولا تتفرقوا. ولا يقتلن بعضكم بعضا.
وتدخل بعض مشايخ الأسباط. وحالوا بين المتقاتلين حتى توقف العراك. وعاد
شباب لاوي إلى جوار الكاهن (هارون) وقد سالت دماؤهم. وتقطعت ثيابهم.
ووقف (عزرا) من سبط جاد متحديا. وقال:
- إن شئتم قتالا لقاتلناكم. وانتم من بدا بالعداء!
قال (هارون) يائسا بائسا:
- كفاكم غِيا يا بني إسرائيل. وحق الرب إيل لقد فتتم به. وأضلكم
(الشامري).
قال (الشامري) مدافعا:
- بل أضلكم (موسى) وأخلف موعده!
ثم انبرى قائلا:
- اليس هذا الإله الذي لبثتم إلى جواره من عمركم سنين؟ اليس هذا الإله
الذي كان يمد المصريين ويمدكم بالقوت والرزق في بر رّ مصر؟ ألم تكن لكم آية
أن عاد إليكم ليرعاكم في هذا القفر بعد أن خذلكم (موسى) وأضلكم في
الصحراء. استمعوا إليه بقلوبكم وهو يتحدت بخواره اإليكم.
هتف (حور) زوج (مريم) غاضبا:
- كذبت يا ممضل!
ثم قال للناس:
- لا يفتنكم الكذاب به. إنما هو صنم صنعه بيديه كما كان يصنع التماتيل في
فيثتوم. أفلا ترون أنه لا يرجع القول إليكم!
وعم الصمت على المكان إلا من خوار التمثال الذي كان يعلو كلما هبت الريح.
وسكت الشيطان الذي تحدث على لسان (الشامري). وسكت الحق الذي
حرىك على لسان (هارون). وكان على بني إسرائيل أن يختاروا بين حقي
وباطل. ومرت لحظات كالدهر جاء بعدها صوت (جدعون) الأحش من بين
الناس كأقبح ما يكون وهو يقوك:
0 نبرح عليه عاكفين حتى يرجع (موسى). فلن نحيا في هذا القفر دون
ا
فهلل له الناس مؤيدين. وانفرجت اسارير الشامري). بينها نكس (هارون)
رأسه وهو يقول:
. أما أنا فأعتزلكم وما تعبدون من دون الله.
ثم انصرف وتبعه الكثير من سبط لاوي والقليل من باقي الأسباط.
0 00 00 00 00
وفي المساء أقيم قداس عظيم للإله أبيس فاق ما كان يصنعه المصريون في
الرامسيوم. فقد وضع (الشامري التمثال فوق بناء من الحجر وواجه به الريح
حتى يظل خواره متصلا أمام الناس. وأتى (الشامري) بجوار من أقاربه كن من
المنشدات في معابد مصر. يجدن الرقص والعزف على الكارة والطبوك.
وضعت المباخر حول التمثال فتصاعدت منها رائحة الطيب المعطر. ووزع
شراب من العوسج المخمر في كؤوس دارت على كبراء القوم ومشايخهم.
لامست الألحان أوتار القلوب. وانتشت العقول بالخمر والطيب. وحركت
الجواري الدماء في العروق. وتسللت الترانيم العذبة إلى النفوس:
وانت لا تزال على قيد الحياة
ضع العطور على رأسك
وارتد افضل ملابسك
وضمخها بالعطور الجميلة
فتلك اشياء الإله الأصيلة
وزد كثيرا فيما يفرحك
اتبع ما تشتهي وما يطيب لك
قبل ان ياتي يوم مغيبك
حين لا يسمع صاحب القلب الساكن نعيهم
ولا الذي في القبر إلى عويلهم
اغتنم التمتع بيومك
ولا تحهدت نفسك فيه
فلم يأخذ إنسان متاعه معه
ولم يعد أحد ممن رحلوا إلى دنيانا
ومست كلماتون شفاف الغلوية: التئ اام السقاء والتضية::قهامت النقوسن
المشتاقة إلى الراحة في رحاب الإله الذي يدعوا السعادة والمرح. ويبكى
الناس بكاء الوجد إلى الرب الأبكم الأصم. الذي يغفر الزلات. ولا يكلف
بالتبعات. فأهرقوا الدماء قربانا له. وعقروا الخدود والجباة مذلة لرضاه.
وشهدت الليلة التالية قداسا أكثر مجونا مما حدث في الليلة السابقة.
افئلات سفاحة الترك: بالؤانة الكهون من عصير القمر:وغصير السكير ورات
العوسج والنبيذ. واندفع الناس في رقص محموم على إيقاع الطبول والمزامير.
تلاحمت الأجساد العارية. وتعالت الصرخات. وانتثرت الأرواح الفانية في
النشوة كذرات تسبح في الهواء. وطافت مع أريج البخور في أجواء التُرُل.
وبينها .فهر كذلك: إذا! بالغيومر تتكائفة واذا بالسيماء ترعث :واذا بتي الله
(موسى) فوق رءوسهم. يقف كالجبل الشامخ. ويطل عليهم في حسرة
وعصب.. 1
صرخ (موسى) صرخة. زلزلت أرجاء النُزْل. فتوقفت المعازف. وتجمد الراقصون
عرايا. وطارت نشوة الخمر من اذهانهم وتنبهوا من غفلتهم. فتواروا عن عينيه
كمن يواري سوءته. القى (موسى) لوحين من الجص كانا بحوزته في غضب
فتبددا ترابا. ثم هبط إليهم كالسيل الهادر يشج رءوسهم بعصاهء. ويركل من
تطولة قدماة:-والناس'تقٌ من أماعه كما تقر الحراق موبراعيها:
وجاء (هارون) إلى ساحة الترف حينما علم بعودة (موسى). حملته قدماه
الى أن يفف أمامر اكنه الثائر كالتركان: فافتدت الية القوبة: الى التكيفة وراسة:
ره
من الأرض انتزاعا. وتجره على أرض النُرْك أمام أعين الناس الذين ارتعدوا
خوفا. ثم صرخ (موسى) كليث يوشك ان يفتك بفريسته:
جاء صوت (هارون) باكيا متالما مخنوقا وهو يرفع يد اخيه عنه قائلا:
- دع لحيتي.
وكأنما افق (موسى) على أخيه من الألم فخفف عنه قبضته. وتركه ليدافع
عن نفسهء. مسح (هارون) التراب عن رأسه وقال كسير النفس حزينا وهو
يجلس على الأرض:
ثم اشار بيده نحو (الشامري) وقالك:
سل ذلك الرجل الذي اضلهم بعجله الذي صنعه بيده.
لم يلتفت (موسى) نحو (الشامري) بل التفت إلى الجموع التي وقفت
منكسرة تستر اجسادها العارية بايديها. ويختبئ السكارى منهم خلف
الزحام.
ثم قال مذهولا:
. أهذه هي الوصية؟! أهذا هو الوعد؟!
نكسوا رءوسهم. وارتعدت فرائصهم. وتحدث (جدعون) الحداد وقد ارتعش
صوته الأإجش حتى صار كنباح جرو قائلا:
- وماذا عسانا أن نفعل يا (موسى)؟!
نظر اليه (موسى) غاضبا. فتراجع (جدعون) خطوة إلى الوراء حتى ل١ تناله
صفعة من اليد الغاضبة. وقال وقد ارتعش صوته اكتر:
- لقد وعدتنا بالعودة بعد تلاثين ليلة. ولم تعد.
قال (موسى مذهولا:
- عشر ليال! لم تحتملوا الصبر على وعد الرب عشر ليالي!
ثم قال حسيرا كمن بنى بنيانا من القش. عصفت به الرياح:
- بئسا خلفتموني من يبعدي!
قال (عزرا). وكان أحد كبراء سبط رأوبين ويجيد الحديث:
- يا (موسى) لقد وقعنا في الفتنة. وأضلنا ذلك (الشامري). قال إننا قد حملنا
خطيئة من ذهب المصريين وأوصانا بالتكفير عنها بحرقها! فإذا به يخرج لنا
ذلك العجل من محرقة النار ليسحرنا به الرجل وسحرنا بسحر المصريين..
هتف الناس وكانها وجدوا في إلقاء التبعة على الشامري سبيلا للنجاة:
- نعم لقد اضلنا (الشامري)! لقد اضلنا (الشامري)!
كان (الشامري) يقف إلى جوار العجل غير عابئ بهتاف الجماهير. فقال له
(موسى): ,
- ما خطبك ايها الرحل؟!
انتبه إلى سؤال (موسى) وكانما كان في غفلة عن الحديث. فرفع كتفيه تم
قال في اعتداد وكبر:
- خطبي أنا؟! لا أظنك تجهلني يا ربيب الفرعون! أنا (الشامري)؛ فنان فيتوم
ومبدعها! أنا من يخلق من الحجارة آيات من الجمال. وأنا من إذا مسّت يداه
التراب صار حيا. اتريد ان تعرف ما خطبي؟ قد بصرت بها لم تبصروا به ومست
يدي اثر الرسوك.
ثم انحنى براسه نحو (موسى) وقال:
- الرسول الذي عبر بنا! وليس انت يابن عمران..
ثم قبض أصابعه في قوة وهو يقول بصوت عال:
- رايت اثره في الرمال. فقبضت منها قبضة صنعت منها ما لا يقدر بشر على
صنعه. حتى أنت يا صاحب العصا.
ذهل الناس مما يقوله (الشامري). ساورهم الشك في أن يكون الرجل لا
يزال يحتفظ بعقله. وتاكد لديهم ذلك حينما تحسس الجسد الذهبي في
عطف وحنوؤ. وقال كالمجذوب:
- انظروا إلى صنعة يدي! أرأيتم في بر مصر تمثالا بهذا الجمال ألا يستحق
هذا الجمال أن يُعبد. ألا يستحق أن يكون إلهك وإله بني إسرائيل؟!
قال (موسى): !
- بل انظر انت إلى إلهك. حين نحرقه امام عينيك!
صرخ 0000 «المو.
قال (موسى):
- اصرخ كما شئت.
صرخ (الشامري):
- قلت لك لا مساس.
قال (موسى):
ثم اشار إلى (يوشع). فانطلق (يوشع) ومعه الرجال من سبط لاوي يحطمون
التمثال بالمعاول. و (الشامري) يجري كالمجنون وهو يقوك:
- لا مساس! لا مساس! 1 1 :
ثم حمل الرجال حطام التمثال. واحرقوه في منتصف التزّلك أمام أعين بني
إسرائيل.
وحانت لحظة الحساب اجتمع رءوس الفتنة في حضرة (موسى). نكسوا
وأسقط ما في أيديهم. وعلموا أنهم قد ضلوا. قدموا (عزرا) للحديث. ففضلا
عن كونة مفوها طييا كان هو من تزعم النورة. كذ زهاروت) من: قبل فوقى
أمام (موسى). وقال في ذلة وانكسار:
- يا نبى الله! قد فتنًا. وضللنا. وظلمنا قينا بعبادة العجل. فادع لنا ربك يغفر
لنا ذنوبنا. فقد اعترفنا بها.
قال (موسى): .
- نعم قد ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل.
قال (عزرا) وقد تهلل وجهه وظن ان (موسى) قد عفا عنه:
- إن شئت قدّم كل واحد منا قربانا حتى يغفر الرب لنا. ويتوب علينا.
قال له (موسى):
- اتريدون أن تتوبوا إلى بارتكم؟
قال (عزرا):
00
قال (موسى):
- اقتلوا انفسكم!
بهت (عزرا) وقال:
- ماذا؟
قال (موسى):
- كل من سجد للعجل يُقتل. فيتوب الرب عليه وعلى بني إسرائيل؟
0 عزرا ومن معه مذعورين فوقف (موسى) على باب الخيمة ونادى في
سس:
- من كان مخلصا للرب فليات إليّ.
فتجمع اليه سبط لاوي. وقد تمنطق بعضهم بالسيوف والخناجر. فقال
(موسى):
- هكذا قال السيد الرب: لا يحنو أحد منكم على قريب أو بعيد. كل من عبد
العجل يقتل فتكن كفارة له ولمن بقي من بني إسرائيل.
وشعر عبدة العجل انهم هالكون لا محالة. فرفع بعضهم السلاح. بينها فر من
كان منعم دوت سلاح هاربا في طرقات النزك. ووقعت مقتلة عظيمة في
الساحة. لم ينج فيها رجل أو امرأة ممن عبدوا العجل من القتل. قطعت
الرءوس والرقاب. وامتلأت الساحة برائحة الدماء. وقبل أن يحل المساء كانت
الجوارح تحلق في سماء الترك. وهي تتطلع بنهم إلى وليمة عظيمة من
ورغم أني لم أرَ تلك الواقعة. ورغم صغري. فإنني شعرت حينها بأن إله بني
إسرائيل قد ضاق ذرعا بشعبه المفضل. وبدا أن الشعب الذي افسده
التدليل. قد حق عليه أن يذوق قسوة العقاب. ويا لها من قسوة!
ولما فرغ (إيليا) من حديثه. بكى أبي بكاء شديدا. وسأله:
- وماذا حل ب- (الشامري)؟
قال (إيليا):
- اصابه داء في جسده. فامتلأً جلده بالبثور. وفقد نور عينيه. وظل يهيم في
الصحراء وهو يقولك: لا مساس. لا مساس. حتى فقدنا اثره.
قال ابي متوجعا:
- وكيف حال (باتشيفا)؟
قال (إيليا):
- هزلت. وانكسر فؤادها. وقوي اع قي ةسل نمك من نوت زا ونع
قال ابي حزينا: 2 .
- لهفي عليكي يا اختاه. ليتني ما تركتك في النزل وحدك.
ثم نادى ابي على زوجتيه وقال:
يا أهل الدار اجمعوا المتاع. فقد آن وقت الرحيل.
00 00 00 00 0
الورقهه التا نيه عكسشسرة
عدنا إلى :وادي حوريب قبل مساء اليوم الثاني. استقبلتنا وجوة يكسوها
الخزي والألم ونفوس ترزح تحت وطأة الذل والانكسار. تكلف الناس الابتسام
للترحيب بقدومنا. وافسحوا الطريق للرجل الوحيد الذي الم تقع عيناه على
فل (التمامزف): اناج أي الراحلة إلى ججوار الكو نتم | خذنى واتطلق الى
دار ابن عمه (ملاخي) التي حلت عليه العمة (باتشيفا) ضيفة بعدما اختفى
زوجها (الشامري) في الصحراء. نادي ابي على اهل الدار. فخرجت إليه زوجة
ملاخي الغريبة الأطوار وقد عصبت رأسها بعصابة سدداء. وتعفر وجهها
وجلبابها بنخالة الدقيق. حياها أبي قائلا:
- مرحبا يا ام (إلياس). اين (ملاخي)؟
لم ترحب بنا وكاننا لم تفارق الحي شهرا. وقالت بصوتها الحاد:
- هل جئت لتبحث عن (باتشيفا)؟
اجابها متلهفا:
- نعم.
أشحارث عدها 'تخو الفحراء: ثم قالت:
- تخرج مع الضحى إلى طرف الصحراء وتعود عند المساء. ما زالت تأمل في
عودة زوجها المعتوه. لعنة الرب عليه؟
رأيت الألم يعتصر وجه انك ثم قال في حزن:
- وأين (ملاخي)؟
قالت:
د فى ذه مغ "الرجال الى كيمة: الكليم: "نفولوؤت) أن ( ماش ) تمعكار فت
الأسباط سبعين رجلا. سيصعد بهم إلى جبل الرب للاعتذار عن عبادة العجل.
تعحب من حديتها وأراد أن يستوضحها أكثر. ولكنها شما رك إلى امرأة ترتدي
الشواذ: دخلة-قبالتنا من يات الحي وقالت:
- ها قد عادت (باتشيفا)
فالتفتنا ورأيناها.. امرأة ترفل في رداء أسود. شديد الاتساخ. وقد انحنى
ظهرها. ونحف جسدها. وبدت أكبر من عمرها بعشرات الأعوام. لم أر حزنا
وشفقة على وحه انف متلما زايت» في تلك اللحظة. سالت دموعه فياضة.
حينما رأى أخته الوحيدة. وقد وطئتا أقدام القدر. فتبدل غناها فقرا. وعزها ذلاء
وتحطم كبرياؤها على صخرة الفاقة والجوع.
هروك ابي نحوها وناداها: 1 :
- لهفي عليك يا أختاه. بأبي أنت وأمي يا (باتشيفا)! - . ٠
انتبهت إليه. تمعنت في وجهه لحظات. وكأنها لا تصدق أنها تراه. ثم ألقت
بنفسها على صدره باكية. وانتحبت في شجون وهي تقول من بين دموعها:
- آآه يا (زخاري). خسرت أختك زوجها وحياتها. وسئمت العيش. حتى صار
الموت أقصى أمانيها.
احتضنها باكيا وقال:
- حفظك الرب يا (باتشيفا). هوني عليك. فإنها هي الأقدار. ولا يظلم ربنا
احدا.
ار ّْ 00
- ادع الرب لنااءزاا قارع ادانها وجل سارف آنه أن .يفضي علي .وعالى
(الشامري) بالموت. فإنني اموت في اليوم ماثة مرة كلما تذكرته هائما على
وجعه في الصحراء. يفر من الناس كلما اقتربوا منه ويقوك: لا مساس.
ربت على كتفها وقال:
- بل أدعوه أن يغفر لنا جميعا. ثم سحبها من يدها قائلا:
- هيا (باتشيفا). فلا مقام لك إلا في دار أخيك.
ترددت بعض الشيء. فقال مشجعا:
- هيا أختاه. ولا تحملي هم (رومانا). فإن في قلبها رحمة. لو وزعت على بني
إسرائيل لكفتهم!
فتبعته إلى الدار. واجتمع في كوخنا نساء ثلاث. ما كان ليجمعهن على
تناقضهن سوى قلب عامر بالصدق. مثل قلب زخاري). وامراة شديدة
التسامح مثل (رومانا).
وفي اليوم التالي اجتمع الشعب في ساحة النزك. فقد اختار (موسى) من
بني إسرائيل سبعين رجلا ومعهم (هارون) وولداه (ناداب) و (ابيهو). حتى
يصعدوا إلى الجبل لطلب المغفرة لبني إسرائيل. والاعتذار عن فتنة العجل.
أمرهم (موسى) أن يغتسلوا وأن يطهروا تيابعم. وأن يصوموا عن الطعام
والشراب. وألا يكف لسان الواحد متهم عن التوبة والاستغفار. ودع الشعب
البعثة المباركة بالدعاء والأمنيات الطيبة.
ورانك من بين المختارين للميقات (ملاخي) وأبي. يسير مختالا فرحًا وزوجته
غريبة الأطوار أم (إلياس) تودعه بالزغاريد وتقول له: .
- هنيئا لك رؤية الرب يا (ملاخي)!! هنيئا لك يا شيخ راوبين!! :
وتجاوزت بعتة الاستغفار الوادي المقدس ووصلت إلى سفح الجبل. فاوقفهم
(موسى) عند سفح الجبل المقدس. وطلب منهم ان يسجدوا للرب. والا
يكفوا عن طلب العفو. والمغفرة مها حدث ومها سمعوا. في حين سيصعد هو
إلى قمة الجبل المناجاة ربه. والاستغفار لهم. ونهاهم عن تتبعه. او ان يبرح
احد منهم مكانه حتى ياذن الرب له
يقولك (ملاخي):
- ففعلنا مثلما امر (موسى). وظللنا نلهج بالدعاء والاستغفار. ومرت الساعات
حتى جاوزت الشمس سفح الجبل. وبدا الجو يبرد. والسحاب يتثاقل على
قمة الجبل. ولم نلبث أ رأينا بروقا وسمعنا رعودا في السماء فخاف الناس
وارتعبوا. فقد كانت الصواعق على مقرية منا. وصوت الرعد يزلزك الجبل من
أسفلنا. فشدد (هارون) علينا قائلا:
- لا يبرحن احدكم مكانه. ولا تكفوا عن التسبيح والاستغفار.
فهمس إلى (شافاط بن حوري) من سبط (شمعون) وكان يجاورني في
السجود قائلا:
-هل أتى الرب إلى الجبل؟
- لا ادري؟
حاء صوت (نحيا) من ورائنا مشاركا في الحديث الهامس:
- لا بد انه موكب الرب. ألا تسمعوت صوت الرعد الذي يشبه صوت الأبواق.
قال (شافاط) متمنيا:
- لنجه يتجلى لنا جورةة إلأه الأ غارفا فطل لجريالة اح مزج ننق تافل
قد اتينا للاعتذار وطلب المغفرة. فهل يتجلى الرب على قوم من العصاة؟!
قال (نيمي): > | ْ 00 ٠
- وما الضرر إذا سالناها كما سالها (موسى)؟! الم يسالك (موسى) ربه أن
يتجلى له؟
قال (شافاط):
- بلى! ولكنه لم يقو على رؤيته.
قال (شافاط):
- نحن ستراه.. فمهما كانت قوة (موسى). فهي لن تبلغ قوة سبعين رجلا
من بني إسرائيل.
جاءنا صوت (مائير) خفيفا لئثيما كالفحيح:
- وحينها سنعلم إن كان (موسى) صادقا. أمم كاذيا..
بهت السامعون من كلام (مائير). وتلاقت نظرانوظ في توجس. وقلت انا
مستنكرا: 1
حذار با رجال. نحن في حضرة الرب ولا بد انه يسمعنا ويرانا..
قال (مائير) في لهجة ذات مغزى:
- لا تخف. فالرب يستمع فقط لموسى ويراة!
ثم اردف:
- ويوحي إليه بقتل تلاثة آلاف من رجالنا..
ادارت كلماته رءوس الرجال. والقت في نفوسهم الساكنة باحجار من الشك.
فسكتت همهمات التسابيح والاستغفار. وشعر (هارون) بذلك فنادىك على
القوم:
- اسألوا الرب أن يرفع مقته وغضبه عنا. ولا تغفلوا عن التسبيح والاستغفار.
ولم تمض دقائق حتى سكنت السماء. وانقشعت السحب. وتوقففت الرعود
البروق. وعادت الشمس للظهور. ثم تلتها ساعة أخرى. قبل أن نرى
(موسى)
هابطا من فوق قمة الجبل إلى السفح. وقد تهلل وجهه. وبدا عليه الفرح
والحبور. وحينما وصل إلى السفح بادرنا بالبشرى قائلا:
- ابشروا! ابشروا! قد غفر الرب لبني إسرائيل. وتجاوز عن فتنة العجل.
هلل بعض المشايخ فرحين. وكبر (هارون) وولداه. ثم خروا للرب ساجدين.
وبعد أن هدات الجلبة. قال (مائير) متخابنا:
- وددنا لو سمعناها بآذائنا كما سمعتها أنت يا نبي الله.
لم يعلق (موسى). فقال (شافاط):
: - والله لقد استبشرنا .0 حيتما 'رأينا موكب الربي:في السماء: وستمعنا
قال 00
- ليس هذا بموكب الرب. إنما الرعد والبرق جنديات من جنوده. ولتعلم يا
(شافاط) انه لا يرى موكب الرب إنسان فيعيش..
قال (نحيا) في سذاجة: ش
- يا نبي الله قد وعدتنا بالمغفرة من قبل. وامرتنا بان يقتل بعضنا بعضا حتى
يتوب الله عليهم. فقتل الأخ أخاه. وقتل الأب ابنه. وظننا أن الله قد غفر لنا
ذلك. ثم أمرتنا بالصعود إلى الجبل حتى يتوب الرب علينا. فهلا أسمعتنا عفو
الرب بآذاننا؟
غضب (موسى) وقاك:
- اتكذيونني فيما أقول؟
قال (شافاط): 5
- حاشا لله ايها الكليم. ولكن لتطمئن قلوبنا. ولا تغضب! فقد سالت انت ربك
ما هو اكبر من ذلك. 1
ومضت السماء بسنا برق خاطف ثم ارعدت لحظات. ثم قال (موسى) في
- قد سألتها وقلبي عامر بالإيمان. أما أنتم فتسألونها وقلوبكم ملأى بالشك!
قال (ماثير) وقد كشف عن وجهمه القبيح:
- وكيف يؤمن المرء بما تكذبه عيناه!!
قال (موسى) محتذا:
- وماذا انكرت عيناك يا (مائثير)؟
قال (مائير): :
- تركتنا عند السفح. وصعدت وحدك الى الجبل. ثم عدت لتخبرنا ان
الرب قد تحدث إليك وغفر لبني إسرائيل. فكيف نشهد على ذلك ونحن لم
نسمع له صوتا. ولم نر له اثرا. 1
اشتدت البروق والرعود. وجاء صوت (موسى) هادرا:
-- ويحَكُم!! إنكم سفهاء بلا عقولء أبعد المغفرة تنكثون؟
قال (مائير) متحديًا وقد انعكست على وجهه أنوار البرق التي ملأت السماء:
- اسمع يابن عمران قد صدقناك فيما مضىء, أما الآن فلن نؤمن لك حتى نرى
الله جهرةء و... لم يكمل (مائير) حديثه؛. ولم نشهد نحن ما حدث بعدهاء فقد
انقضت علينا صاعقة البرق من السماءء انتفض جحسدي كله كمن لسعته
مئات السياطء وسقطتث صريعا ومعي سبعونت رجلا من بني إسرائيل في التو
واللحظة.
5 ولك (هارون) أخبرنا بما حدث أثناء ذلك, فقد أصابه الذهولء وكاد أن
يسقط مغشيًا عليه حينما رأى سبعين رجلا من شيوخ بني إسرائيل
يسقطون صرعى في لمح البصرء أما (موسى) فقد جثى على ركبتيهء وانهار
باكماء لمر يسدق أن بحدث هذا ببعد: أن مال العموفين الرب على بتي اسبرائيل:
وبدلًا من أن يعود إلى شعبه بالبشرى. سيعود إليهم بجثامين شيوخهم
صرعى مرة أخرىء رفع يديه إلى السماء. وعلا صوت تضرعه في السماء
حتى فاق صوت الرعد وظل يصرخ في رجاء:
- إلهيء رجوتك أن تغفر لهم خطيئتهم وإلا فلتمحني من كتابك الذي كتبت,
فغفرت لهمء وقبلتهم كما قبلتهم من قبل.
ألم تنجهم من سنابك الفرعون؟
ألم تنجهم من الغرق في اليم؟
ألم تنجهم من الهلاك في برية سين؟
إن شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا الآن بما فعل هؤلاء السفهاء منّا؟
أليست هي فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي بها من تشاء؟
اغفر لنا أيها السيد وارحمناء اغفر لنا فأنت خير الغافرين.
وظل (موسى) يبكي ويتضرع حتى ارتجفت أجسادنا مرة أخرى؛ وأفقنا من
صرعتناء وقد علمنا أن الرب إله إسرائيل. قد صار عدله أقرب إلينا من رحمته!
00 00 00 00 0
الورقة الثالئة عشرة
وبدأ العام الثالث من الخروج بحدث مثير في كوخنا الصغيرء فقد أنجيت العمة
(سولاف) بننًا جميلة, أسماها أبي (باتيا). والتي تعني في لغتنا (أمة الله):
كانت (باتيا) فائقة الحسنء مثل أمها (سولاف).: بياضها كفلقة الصبح؛ وعيناها
في زرقة السماء ووجهها لا يكف عن الابنتسامي لا تنفر من الغرباء, وتنستحيب
لكل مداعب بمناغاة وضحكات ترقق القلوب, وتملأ الوحدان فرحا وبهعجة:
وأثارت الطفلة الحسناء مشاعر شتى في نفوس نساء الدار. فقد شعرت
أمي (رومانا) التي انقطع حملها بعدما أنجبتني بالغيرة والحنين إلى الولد,
وازدادت العمة (باتشيفا) حزنا على حالها وعزلة في الدار. وكانت تبكي على
مصيبتها التي اصابتها على الكبر وتركتها بلا زوج ولا ولدء اما (سولاف) فقد
اصابتها الفرحة بطفلتها - التي جاءت بعد طول اشتياق - بهوس الخوف على
الرضيعة من كل شيء. فكانت تخشى عليها من البرد والحر والإنسان
والحيوان. بل صارت تخشى عليها من نفسها. وتسبب ذلك الخوف في
مشاحنات شتى بينها وبين العمة (باتشيفا). وفتور بينها وبين والدتي
(رومانا). واستبد القلق بها حتى أصابها الشك فيمن حولها بالجنون وسوء
الظنء عدنا أنا وأبي ذات ظهيرة إلى الكوخ, فاستقبِلَْا صراحًٌ يمتد إلى طرف
الحيء وقد تجمهر بعض النسوة مام الكوخ. دخل 5 فوجد العمة (باتشيفا)
تبكي في انهيارء بينما كانت أمي تحتضنها مواسية: و(سولاف) تصرخ كالنمرة
الهائجة. ونساء الحي يمنعنها عن (باتشيفا) في صعوبة؛. صرخ ابي ناهرًا:
- كفي عن ذلك يا (سولاف).
صرخت في هياج:
- بل مرها أن تكف عن ابنتي الوحيدة.
قال أبي متبرمًا وقد اعتاد شكها في كل ما تفعله (باتشيفا):
- بل كفاك أنت سوء ظن فيمن حولك.
قالت مصدومة من قوله:
ثم انهارت باكية وقالت:
- ومن يسمع للمرأة الغريبة في هذه الدارا!
أشار أبي للنسوة بالخروج؛ ثم اقترب من (سولاف) وربت على كتفها قائلا:
- اهدئي يا (سولاف): فلن يؤذي (باتيا) إلا خوفك عليها.
قالت محتدة:
- أريد دارًا أقيم فيها وحدي.
نظر أبي إلى أميء فأشارت إليه أمي خلسة بالنفي.
فقال أبي:
- ومن يرعاك ويرعى (باتيا) يا (سولاف) إذا ما مكثت وحدك.
قالت كمن تتيقن من أمر تشعر به ولا تصدقه:
- هل أصابني الجنون يا (زخاري)؟
احتضنها قائلًا:
- كلّا يا أم (باتيا) فقد سألت اليوم الطبيب (يعقوب), وأخبرني أنه قرأ في
أوراق (امحوتب) أن نساء قد يصيبهين عصابا بعد الولادة, وأعطاني حنطة
وخميراء ويوصيك بشربهما في كل صباح.
هدأت ثم استكانت نائمة إلى جوار ابنتهاء فقام أبي وأخذ بيد العمة
(باتشيفا)ء وتبعتهما امي إلى خارج الكوخ.
قالت (باتشيفا) باكية وهي تدافع عن نفسها:
- كانت الطفلة تبكي من شدة الجوع؛: فهي لم ترضعها منذ الصباح. فأسقيتها
رشفات من لبن الماعز ليسد رمقهاء فرأتني وظنت أني أضمر الشر للطفلة.
رنث أن عن كتفها وقال:
الس لكي 1م ا لا الا
وحدها.
قالت أمي:
]نكما هنا :ذكزة الطمنت (تفقون ؟
قال:
- نعم؛ كما أخبرني أن أعزلها عن ابنتها حتى لا ينتقل إليها الجنون.
شهقت أمي فزعة. وقالت عمتي (باتشيفا) وقد استعادت شيئًا من طبعها
القديم:
- ظننا الجنون في (سيحون) عصبًا لأبيه. فإذا به رَحمًا لأمه!
لم يعلق أبي وأوصاهما بألا يغفلا عن الطفلة وأمها حتى يقضي الله أمرًّا كان
واستيقظنا ذات سبت على بكاء الطفلة (باتيا) الذي استمر طويلًا بلا انقطاع:
أطلت أمي عليها فوجدتها وحدها ولم تجد (سولاف) في فراشها الذي كان
باردا وكأنها لم تبت فيه استيقظنا جميعا على نداء أمي وفي تقوك:
: أدرك (سولاف) يا (زخاري) فقد خرجت وحدها وتركت الطفلة.
هرولت وراء أبيء ودرنا حول الكوخ لعلنا نعثر عليها فلم نعثر لها على أثر,
تمحهن: وان اد فعاف دامر افكت ان لقلقم لفلف نهر اكد دي مق لحت
عن (سولاف) في النزل. طفنا شوارع النزل الخالية في تلك الساعة المبكرة
من يوم الراحةة نالنا أقاربهاء وجيراتها القذافىء فلم يدلنا احد:منهم على
خبر بخريضنا للبحث عقوا جار النزل» مررنا يدعل قويب به افيف من الأشتجار
الصغيرة وقد انبسقت أمامه شجرة ملتفة الأغصان من أشجار الطلح؛ اقترينا
من الدغل بعدما شعر أبي بأن شينئا يتأرجح بين فروع الشجرء وما إن اقتربنا
حتى شهق أبيء وكدت أسقط مغشيا عليّ. فقد كانت العمة (سولاف)
تتدلى من افرع الشجرة وقد تعلقت رقبتها برداء من الكتان؛. ويتارجح جسدها
في الهواء كدمية لا نحياة فيها:
00 00 00 00 0
الموت... كلمة قصيرة الحروف سهلة النطقء ولكنها قادرة على هز الوجدان:
وقض المضاجع.ء تعجبت اننا لا نشعر به ولا نتذكره إلا إذا اختطف عزيرًا لديناء
أو قريبًا كانت بيننا وبينه مشاهدات وحياة.
كانت الفجعية عظيمة,. بكى فقن وأمي على وفاة (سولاف) بكاءَ صادقا مرّاء
وشاركتهما عمتي (باتشيفا) الحزن رغم ما كان بينها وبين 00 من نكد
ومشاحنات, وشعرتث رغم صغري أن الأقدار فد تقسو أحيا نا على بعض
البشرء فتمنحهم السعادة في وعاء من الكدر, وذلك لعلم وله وحكمة لا
نستقيهاء وكانت (باتيا) الصغيرة هي تلك السعادة التي منحناها من رحم
الألم: والمعزي الذي سبق إلينا بالعزاء قبل أن يبدأ الحداد.
ولم تمض سوى بضعة أيام على وفاة (سولاف). حتى علا صوت البوق في
النزل. ولم يكن الوقت وقت ارتحال فعلمنا أن أمرًّا جللًا قد وقع, تجمع الناس
في ساحة النزل»؛ ولبثنا ساعة أو بعض ساعة قبل أن يخرج إلينا كليم الله
بالشتركى: ققد أفحى: الله اليه نسكة من الألواح التي ققدت يوم قدزة
(الشامري)., فهلل الناس فرحين بنزول الشريعة. وانهالت دموعهم غبطة
حينما سمعوا كلمات الرب في وصاياه العشر لشعب إسرائيل, أحتسن كل
امريئ منهم بأن الرب يخاطبه وحده قائلًا:
ونا الرف] لمك الدع | كوكلك ون ارهن سنن ديف القدوضة اتيك لك الهة
أخرى أمام وجهي». «أكرم أباك وأمك لكي يطول عمرك», «لا تقتل», «لا
تزن», «لا تسرق», «لا تشهد على قريبك شهادة الزور».
تسامت نفوس القوم وحلت عليهم السكينةٌ خشعت قلوبهم: ٠ وصغت آذائهم
أقام كلهات التور التي هيظت علينا من السيقاء» وشعر :ا لول هزة. بان الرت
فد اختضا وعدا ستديء عن العالسين: تدر أخيرنا كليم اللكديات الريا فق أمرة
بأن يقام له بيت للعبادة في وسط بني إسرائيل.
قال:
- لا تطثوا موطنًا ولا تنزلوا منزلاء إلا وبيت الرب قائم في وسطكم.
ثم دعا كل واحد من بني إسرائيل للجود بما يستطيع من ذهب وفضة
ونحاس أو حتى مسحة من دهن او قنينة من عطر حتى يتسنى بناء بيت
الزب الدى أشيماء بحيمة الاحتفاع» فاتستعلت:قلوت: الناس حذانيية؛ وتسنابق
الناس في الجود بما يملكون من ذهب وفضة واحجار كريمة.
وعهد (موسى) إلى رجل صحيح الإيمان. شديد الحنكة. والمهارة اسمه
(بصلئيل بن حور) بمهمة بناء خيمة الاجتماع. وكلفه بان يختار من بني
إسرائيل أمهر النجارين والنساجين وصثاع الذهب والنقشء ليقوموا ببناء بيت
لوت
كان الوقت وقت ظهيرة حينما جاء (بصلئيل بن حور) إلى كوخنا في حي
رأفتش: كانت أمي تفلت الدقيق في الماء المغليء وقد ارتدت السواد الذي
لم يفارقها منذ أن ماتت العمة (سولاق).
بينما كانت العمة (باتشيفا) تسقي (باتيا) الصغيرة رشفات من لبن الناقة, أما
أبي فكان يبني جدارًا من الحجر ليحجز وراءة الناقة التي شردت قبل ذلك
بيومين في النزك وكادت أن تقتل طفلا من أبناء الحي, ناولث أبي حجرا
انتفخت تحت وطأة ثقلهِ عضلات ساعدي الصغير, فالتقفه أبي في يسرء ثم
لطّخه بالطين اللازب: ورصّه فوق البنيان الذي علا حتى حاذى ارتفاع رأسيء
ثم قبض قبضة من الطين وسد بها الفرجات من حول الحجرء ومسحها بيديه
حكن ضار سطة الكذار.مشتو نا تحاءنا صوث (تصلتيل :من الحلف قاناا:
- هل تركت اليْجارة يا (زخاري). وصرت تعمل في البناء؟
تهلل وجه أبي؛ وغسل يديه من الطينء ثم هرول مرحبًا بالرحل الجليل؛ ر
(بصلئيل) على كتفه بينما قال ابي مازحا:
: أصاب البتوار صنعة النجار في صحراء سيناء: ولولا صنع المشاني والأقفاص
لنسي (زخاري) حرفته.
جلسا على صخرة ثم قال (بصلئيل) في بشاشة:
- حستاء لقد آن الأوان كي يتذكر (زخاري) حرفته!
قال أبي في حبور:
#نازك: الرث»خكظوائلة را حكيفة: فذ استسعرت خيرا "من برؤيتك: ولفلك انيت
لتمنحني شرف المشاركة في بناء بيت الرب.
ضحك (بصلئيل) وقال وهو يضرب على كتف أبي في رفق:
- ومن ادراك انني لم ات إليك فيم هو اكبر؟!
ازداد اهتمام أبيء. وقال في صدق:
- وهل هناك ما هو أكبر شرقًا من ذلك؟
مال (بصلئيل) نحوة وكأنه يُسِرٌ إليه بمفاجأة:
- نعمء فسأعهد إليك بصنع تابوت العهد.
تساءل أني متهجمًا:
- تابوت العهد؟!
قال (بصلئيل) جادًا:
- نعمء تابوت العهد. ستحل عليه سكينة الرب؛» وستوضع به ألواح الهداية
التي ارسلها لبني إسرائيل. وسيحمله بنو إسرائيل معوم اينما ذهبواء
ويتقدم لحمله بنو (هارون) ولا احد سواهمء هكذا امر الرب!
لمعت عينا أبي فرحًا وترقرقت فيها الدموع وهو يقول:
- أحقًا يا حكيم بني إسرائيل؟!
وحق الرب إيل إنه لشرف ما بعده شرف.
وهوى على يد (بصلئيل) يقبلهاء فقال الشيخ صادقا:
- قد أمرني نبي الله (موسى) أن أتخير من نجاري النزل أصلحهم وأمهرهم
لتلك المهمة؛ ولا يوجد في النزل من يكافتك مهارة وصلاحًا يا (زخاري),
ويكفيك انك الرجل الذي لم تقع عيناه على عجل (الشامري).
ثم قال وهو يستعد للانصراف:
- قد جمعنا من الأخشاب أجودهاء ومن الزينة أطيبهاء وغدًا نبدأ في العمل!
ثم أشار نحوي وقال:
- وإن شئت أتيت بهذا الغلام ليعاونك, فلعله يشب على طاعة الرب مثل أبيه.
00 00 00 00 0
الورقة الرابعة عشرة
واكتمل البناء. وبدا بيت الرب كأروع ما يكون من البهاء والفخامة. كان طول
الخيمة المباركة تلاثين ذراعاء وعرضها خمس عشرة ذراعاء تحملها أربعة
أعمدة مطلية بالذهب, وقد صنعت جدارثها من البوصي المبروم المطلي
بالأرجوان» أما السقف فقد صنع من خشب السنط المعخلئ بعروق الذهب
والفضة وقد غطاه من الخارج غطاء من جلود الكباش والماعز ليقيه جر الصيف
وزمعرير الشتاء. وأمر نبي الله بأن تقسّم الخيمة من الداخل إلى قسمين
فناء خارجي اسمه المقدس, وضعت به منارة من الفضة., ٠ ومذبح 0
ومائدة يوضع عليها الخبز والفطير في أيام السبتء أما القسم الداخلي فكان
معزولًا عن المقدس بحجاب من حصير منسوج. لا يدخله أحد إلا نبي الله أو
الكاهن الأكبر (هارون). وكنا نسميه قدس الأقداس, وبه وضع تابوت العهد
الذي صنعه أبيء والحق أن التابوت كان آية في الجمالء: وما زلت أتذكر شهقة
أمي حينما وقع بصرها على التابوت لأوك مرة وهي تقولك:
- وحق الرب إنه لأشد روعة من توابيت الفراعين!!
فتبسم أبي ضاحكًا وقال:
- أما رأيت خيرًا من توابيت الفراعين لتشبّهي تابوت العهد!
تحرجت قليلًا وقالت:
-ذكرقفق عطاؤة المذهييفا كاة يضتعة الفراعنة لاقودهم:
قال أبي ليرفع عنها الحرج:
- لن يزيده الذهب بهاءً. ولكنه سيزدان بألواح الرب وكلماته.
وكان القداس الأول بعد بناء الخيمة قداسًا لا ينسبىء. مسح (موسى) أخاهة
(هارون) وابنيه بالدهن المقدسء وتصبه الكاهن الأكبر لبني إسرائيلء واعلن
الكهانة في ابناء (هارون) ونسلهم إلى يوم الدين؛ اضيئت اسراج المنارة بزيت
الزيتون وتصاعد عطر البخور الذي صنعه (هارون) من اللبان النقي والدهن
المقدس من المذبح. وطاف (هارون) وابناؤه في ارجاء الخيمة بمجمرة
يتصاعد منها الدخان المعطرء ثم خرج بها إلى الشعب لينالوا نفحات من
الاريج المبارك.
كانت سعادة الشعب لا توصف وسعادتي أنا كذلك: فقد شعرت حينها بالفخر
رغم صغريء وان عين الرب قد صارت ترعانا مرة اخرى بعد حادثة العجلء:
وتوالت الأيامء وتوافد الناس على خيمة الاجتماع ليتعلموا شريعتهم:
وليسمعوا عن (موسى) ما جاء يه الناموس من عند الرب: ولم يمض وقت
طويل فى دك الكال بعيز الخال جغايت الفرعة مين المكوة وجل مكانها
العبوس والوجومء تضاءل الإحساس بالفخر تحت وطأة التبعات والتكليف.
وتساءل الناس لماذا غابت عن شريعتنا الرحمة حتى صارت إصرًا تئن تحته
الظهورء وأغلالًا تتكبل بها الحياة؟
وضاق صبر العمة (باتشيفا) ذات يوم بتلك التكاليف: فقالت لأبي متبرمة
دونما خجل:
- كانت الحياة أيسر من قبل يا (زخاري)؛ إن إله بني إسرائيل لجبار!
صَُدِمٌ أبي من كلمتها فقال في ذهول:
- استغفري الرب يا (باتشيفا)؛ بل أرسل شريعته رحمة لنا!
والحق أن الناس لم يروا من الشريعة إلا الزواجر والنواهيء والعقاب الصارم
عند اقتراف الخطينة, 5 دائرة الخطايا حتى صار اقتراف إحداها أمرًا
حنمًا. عدنا ذات ظويرة فوحدنا امي نكي حزية سالها أدبي فلمًا:
- خيرًا يا أم (شمعون)؟!
أجابت في حزن وخجل:
- غافلني الحيض ولم أعلم به إلا بعد الظهيرة!
ثم أردفت باكية:
.مقت يدق" الأواتك. والحدرانت-فسحستها: : والأسيوا-أنئ |مشنكت بمحمرة
البخور المقدس!
بانت خيبة الأمل على وجه أبيء فازدادت أمي بكاءً, فقال يريد أن يهون
عليها:
- لا بأس يا أم (شمعون) لن يمس أحد الجدارن أو الأواني حتى المساءء وغدًا
اذهب إلى الكاهن (هارون) واقدم له قربان الخطيئة!
دن 006 أفلا كرح الرحال الى (موؤسكئىئ ا «لتخبروة: اذا الكزام قن «ضار أكقر
فين الحلالك. وان حياة الناس لا تسستفيم:
قال ناهرًا إياها:
- مهلا يا (باتشيفا). فوالله ما ضَيّق الرب على بني إسرائيل إلا بظلمهم,
ال عي د و ا 1
وشعرت رغم 0 بأن أب يكاد يكون الوحيد الذي يطبق أحكام الشريعة
يحذافيرها على اهل .نهم :وانة: يفال فى التخييق. علينا فقارتةجرابناء
عمومته وأبناء خالاته. كنا في يوم سبتء حينما اصطحبني لزيارة خالته
المسنة (عليزة). فقد علم بمرضها من ولدها (منواح) قبل ذلك بيومين في
السوقء دخلنا إلى منزك (منواح) وقد انتصف النهار. فوجدنا المراة العجوز وقد
رقدت في إعياء على حصيرء تفوح منها رائحة البول والمرض؛ وتهذي في غير
وعي بهعمهمات غير مفهومة, وكأنها تناحي الموت ليعجّل بهاء شعر 5
بالأسى لرؤية خالته على ذاك الحال. فقد كانت خالته (عليزة) الأقرب إلى
قلبه, ويرك فيها وجه أمه التي فقدها صغيرًاء جلسنا بضع دقائق شعرنا فيها
بعدم الألغة وسوء الضيافة من آل البيت» وتعجبنا من أن الحياة كانت تسير
في دار (منواح) على طبيعتهاء وكأن امرأة لا تصارع الموت وراء عتبتها!
كانت زوجة (منواح) تجلس على حجر خارج الدار وقد فررجت عن ساقيها
وأمسكت بيديها أرنبا بريّاء تلوى بين يديها وهي تمر على رقبته بالسكين: ثم
تركته ينزف الدماء. قبل أن تنزع عنه فراءه: وتقطع أواصره بالسكين, وكلب
(منواح) الضخم يحوم حولهاء ويتلقف منها ما تلقيه إليه من اطراف الارنب
وأحشائه. أما (منواح) فقد انشغل بإشعال الموقد بالفتيل وقعس على ركبتيه
ينفخ في النار وقد تعفرت لحيته قراستة وصار وحفهه مسودا بالسخام.
ضاق أبي ذرعًا بسوء ضيافة (منواح). واستنكر ما رآه في بيته من انتهاك
للشرائع فقال في تعجب واستنكار:
- أتشعل نار الموقد في يوم السبت يا (منواح)؟!
لم يرفع (منواح) رأسه بل ظل ينفخ في النارء ثم قال مغمغمًا بعد أن اشتدت
جذوتها:
- إنها باقية من يوم أمسء فقط أنفخها لتزداد سعيرًا.
كان واضحًا أن الرجل يستتر بالكذب؛ فلم يجادله أبي في أمر النار وأشار إلى
الأرنب المسلوخ وقال:
- وهل تطلق كلبك للصيد في يوم السبت أيضًا؟
التفت إليه (منواح) هذه المرة ثم قال متبرما:
- خرج الكلب وحدة إلى الصحراء وعاد بهذا الأرنب البري.
هز أبي رأسه أآسِقًا من مراء ابن خالته وقال:
- أوما علمت يا (منواح) أن الرب قد حرم أكل الأرانب على بني إسرائيل؟!
توقفت زوجة (منواح) عن تقطيع الأرنب ونقلت ناظريها بين أبي وزوجهاء ثم
قال (منواح) بعد هنيهقة من الصمت وقد كشف عما بنفسه:
- أكلنا الأرانب من قبل يا (زخاري): وأكلها (موسى) نفسه في أرض مصرء فما
الذي جدّ حتى يحرّمها (موسى) الآن على بني إسرائيل؟
قال أبي مكيةد؟ ا :
- لم يحرمها (موسى) يا (منواح): بل حرمها الرب على بني إسرائيل.
قال (منواح):
- لو كانت حرامًا لحرمها (إبرام) وإسرائيل من قبل!
ثم أشاح بيده في غير اكتراث قائلًا:
- لو اتبعنا (موسى) في كل ما يقولء فلن نأكل إلا المن والسلوى!
هب أبي واققًا وقال وهو يهم بالانصراف غاضيًا:
- اتق الرب يا (منواح) ولا تُحِلّ ما حرمه الرب فيحل عليك عقابه.
ثم نظر إلى خالته التي تحتضر وقال:
- مسكينة يا أم (منواح): أسأل الله أن يهون عليك سكرات الموتء وألا يأخذك
بجريرة ولدك.
وانصرفنا دون وداع؛ ورأيت على وجه أبي نظرة الحيرة والتوجس التي رأيتها
عليه قبيل فتنة (الشامري): واستقبلته أمي عند الدار؛ فأقلقتها ملامحه
وسالته:
- خيرًا يا أبا (شمعون)؛. هل ماتت أم (منواح)؟
قال بائسا:
- ستموت وتستريح: أما العذاب فسيبقى لبني إسرائيل!
ضربت صدرها وقالت جزعة:
- أي عذاب يا (زخاري)؟
قال (زخاري) حانقا:
- والله لإن لم يتبع بنو إسرائيل شريعة الرب طواعية: ليتبعنها قسرًا.
ثم قال قانطًا مخنوقا بالبكاء:
- هل كتب على بني إسرائيل ألا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؟
ربتت أمي على صدره وقالت:
- هون عليك يا أبا (شمعون). فكل شيء عنه بقدرء والناس تتفاوت في
الإيمات:
وصدق حدس أبي فقد تمادى القوم في خرق الناموسء وتهاونوا في التكفير
عن الخطاياء ولم يتجنب النواهي إلا القلة من بني إسرائيل. فجمع (موسى)
القوم عند خيمة الاجتماع, وحذرهم من غيهم: ٠ وأمرهم بالصبر على الشريعة
وأن يأخذوها بقوة: فتلك تربية الرب لهم وحذرهم من أن يأخذوا ببعضها
ويتركوا البعض حتى ل! ينالهم عذاب الرب: ولكن الشعب الذي جبل على
التمرد لم يكف عن الجدال؛ هتف بعضهم:
- كيف تستقيم الحياة والحرام فيها أكثر من الحلال؟!
- من أين نأتي بكل هذه القرابين لنكفر عن الخطايا؟
- لماذا حرمت علينا ما لم يحرم إسرائيل على نفسه؟
وغضب (موسى) من جدال القومء فهتف بصوته الجهوري الذي ملأ جنبات
الوادي قائلا:
- يا بني إسرائيل!
هكذا قال السيد الرب:
خذوا ما آتيتكم بقوة. فاسمعوا وأطيعواء وقولوا سمعنا وأطعنا!
عم السكون على الوادي للحظاتء. وكف الناس عن الهمهمة., ونظر بعضهم
إلى بعض وقد شعروا بأن (موسى) يفرض عليهم الأمر 00 دون أن يدفع
الحجة بالحجة. فقطع الصمت صوت رجحل من بني يساكر قائلا
- ما كان هذا ظننا بالألواح يا (موسى)؟!
ظحتاها ارتعمة لتقي إسنواتيل فذ| بها قتفاء وتحة ا
هز الناس رءوسهم مؤيدينء وعلا اللغط بينهم. فاشتعل الغضب ب_(موسى)
وصرخ في بني إسرائيل مرة اخرى:
- قولوا سمعنا وأطعنا.
زمجر الناس معترضين؛ وهتف رجل من سبط نفتالي من بين الصفوف قائلا:
- أتكرهنا على السمع والطاعة يا (موسى)؟
هتف (موسى) وهو يرفع عصاه إلى السماء:
- قولوا سمعنا وأطعنا.
رد عليه الرجل هتاقا بهتاف وغضبًا بغضب قائلا:
- ما هكذا تكون الطاعة يا (موسى). فوالله لا سمعنا ولا أطعناء بل سمعنا
وعصينا!
وكأنما تلقفت السماء كلمات الرجل ثم ردتها على الشعب القابع أسفل
الجبل بروقا ورعودا!
فأضيئت السماء بالبرقء: واهتزت جنبات الوادي بأصوات الرعدء وارتجف الجبل
ارتجافًا شديدًا انخلعت معه قلوب القومء واشتد اهتزاز الجبل وكأنما يَنْتِقَهٌ
مارد من موضعه؛ وتحركت من فوقه صخرة عظيمة انتحدرت نحو السفح, وامتد
ظلها حتى ملأ السفح والنزل. وظن الناس أنها واقعة بهم لا محالة؛ وأنهم
هالكون بغعير شك فخروا ساجدين» وهفتف أب من قلبه باكيا في رحاء:
- سمعنا وأطعناء سمعنا وأطعنا.
فردد الناس من بعده في بكاء وخوف, حتى امتلأت جنبات الوادي بصوت
واحد:
- سمعنا وأطعناء سمعنا وأطعنا.
وتوقفت الصخرة على مقربة من السفح. فرفع الناس رءوسهم من سجودهم
يتطلعون إليها في رعب, وقد غشيهم ظلها حتى احال النهار إلى ظلمة,
فلما تيقنوا من أن الصخرة لن تقع بهعم: ٠ قاموا من سحودهم مرتعدين» وانسل
الواحد منهم تلو الآخر إلى دارة وهو يقول مرتجفا:
«سمعنا وأطعنا».
وبينما كان أبي يتوكأ على كتفي في طريق عودتناء استعاد عقلي سؤاله
الذي ألقاه على أمى:
«لماذا لا يؤمن بنو إسرائيل إلا بعد أن يروا العذاب الأليم؟
»كما تار قي تقسصبق سوال اكزحسنية أت اسالة لأبي وهة:
لماذا يُكرهنا الربّ على عبادته ما دام غنيًّا عنا؟
00 00 00 00 0
الورقة الحامسه عسرة
وحان وقت الارتحال من الوادي المقدسء, شَعرتُ هذه المرة بالوحْدٍ لفراق
المحلّة التي مكثنا فيها قرابة العامين. وشهدنا فيها أحدانًا جسامًاء تُقِسْت
ذكراها في ثنايا القلب, وتشكّل في خِضمها الوجدان.
طوى أبي جدران الكوخ وَحَزّمها بأحبال من الليف ووضعها على ظهر الأتان: ثم
جمع السلال والقدور وعلقها على اطراف الهودج الضخمء الذي استقرت فيه
امي وعمتي (باتشيفا) ومعهما الطفلة الصغيرة (باتيا). سحب ابي الناقة
وسار في المقدمة: بينما امتطيت أنا الأتان التي تحمل متاعنا وخلفي سارت
عنزتان». ونعجةٌ حبلى فقدت كبشها كفارة لخطيئة أمي!
سار ركبنا الصغير في الصحراء المتاخمة للنزك ليلحق بركب سبط ان
رأيت في عيني أن الدموع وهو يلقي نظرته الأخيرة علي الوادي المقدس,
فأثارت دموعه أشحادق وتمثلت الذكريات حية أمامي وأنا أتتبع مواقع نظراته,
فهنا أقام (الشامري) محرقته. وفي تلك الصحراء فقدناه. وهناك يرقد جسد
العمة (سولاف) تحت التراب: لا يشهد على قبرها سوى حجر صغيرء ونبتة
عوسج غرسها ابي إلى جواره. وعلى بعد فراسخ منا قبعت الجبانة الكبرى
التي وارت أجساد ثلاثة آلاف من بني إسرائيل ممن عبدوا العجل. وقد
طمست شواهد قبورهم تحت كتبان الرمال الزاحفة. ولم يبق من ذكراهم إلا
ألم في الصدر ووخزة في الضمير.
وصلنا إلى نقطة الالتقاء, وانضم ركبنا إلي ركب سبط رأونيت كان تنظيم
الأسباط هذه المرة سماوياء فقد أمر الربٌ (موسى) بهذا التنظيم وجعله
شريعة لبني إسرائيل في كل ارتحال. ففي مقدمة الركب كان تابوت العهد
يحمله بنو (هارون). وخلفهم سار (موسى) واخوة (هارون)ء ثم سبط يساكر
ويهوذا وزيولون يحملون المسكن والخيمة 0 أما سبط زأوبين وشمعون
وجاد فقد ساروا في المنتصف يحملون 1 على رحالهم المذبح والمنارة
والمائدة, وخلفهم سار باقي الأسباط يحملون امتعتهم ويسحبونا الدواب
والانعام.
سرنا أيامًا وليالي آمنين, نستريح من السفر ليوم أو بعض يومء ثم نعاود
المسير مرة اخرى إلى وجهة ل١ يعلمها إلا الرب ونبيه (موسى). ظللتنا
غمامة الرب فلم نشعر بقيظ الشمس في ذلك الوقت من اوائل شهر «ايار»
ولم ينقطع عنا المن والسلوى طوال وقت الترحاك.
وبعد قرابة الشهر وصل بنا الركب إلى موضع يقال له «حضيروت», فانقشعت
سحابة الغمام وعلا صوت البوقء: وعلمنا ان الرب قد امر بان يكون منزلنا في
ذلك الموضع. دب النشاط في الناس الذين شعروا بالملل من السفر قرابة
الشهر لكترة الوقوف وبطء المسير؛. وجمع (موسى) مشايخ الأسباط وامرهم
«حضيروت» منطقة سهلة فسيحة. ذات هواء رطب, ولا تبعد عن خليج الماء
دوت بضغ قرايكع زقجاء بخطيط الجرلاقلى :مساحة بتعاسعةة فلمارابناها
في المنازل التي نزلناها في برية سينء فاقام (موسى) خيمة الاجتماع في
المنتصف. واحاطها بخيمته وخيمة (هارون) وخيام بني جلدته من اللاويين»
ثم أقام أربعة أحياء حول الخيمة, وجعل لكل حي من الأحياء راية؛ فكانت راية
حينا إلى الجنوب من خيمة الاجتماع واجتمع تحت لوائها سبط رأونيت وسبط
جاد وسبط (شمعون).
وبعد أن اكتمل بناء النزل. صارت «حضيروت» أشبه بالمدينة أو القرية. وجاءت
الشوارع داخل الحي فسيحة واسعة. واتسعت ميادينها لألعاب الصبية
فصارت بيني وبين فتية من سبط جاد وسبط (شمعون) صداقات وألفة. وكان
من بين هؤلاء الصبية فتى من سبط جاد اسمه (عامير)ء يكبرني باريع
سنوات: متين البنيان. أسمر البشرة؛ جَعِد الشعر. استمد سمات سيحنته
من أمه الكوشيّة (النوبية) التي تزوجها أبوه في أرض مصر قبل سنوات من
الخروج.
كان أبو (عامير) يدعى (ينحاس), وهو اسم يعني في لغتنا «الداكن البشرة»
ولا أدري: إت “كان هذا اسه تحفيفة:. أمر إنها كنية. أظلفت عليه لمعايرتة
بزوجته الكوشية, فقد كان بنو إسرائيل ينظرون باستعلاء إلى الكوشيين, ولا
يحبونهم' ٠ ولعل اكيت في ذلك أن ا المصرية التي تزوجها ابونا (إبرام)
كان (بنحاس) يعمل منذ صغره بالضيد فى أرض الحوشسة على ضفاف التفر
التيلوزي» يغرل الشباك ويضيع الغوارت: ثم يغذو الى قرع التيل: الضغير,
فيسوق الرب إليه رزقه في الشباك, ليأكل منه هو وأسرته. ويقايض ما تبقى
منه بالشعير والقمح:؛ وأقام لنفسه بينَا من الطين على ضفاف النهرء عاش
فيه مع زوجته الكوشية, وبارك الرب في ذريته؛ فأنجب عشرة أولاد من الذكور
كان أصغرهم (عامير) الذي رأيته لأول مرة في «حضيروت»»: فلما كبر الأبناء
عملوا مثل أبيهم في الصيدء فتضاعفت مراكبهم» وازداد تراؤهم وصارت
مراكبهم تجوب النيل شمالا وجنوباء وعمل بعضهم في مراكب الفرعون.
فجمعوا بين المال والمكانة. وعلا قدرهم بين بني إسرائيل بعدما كانوا يعيرون
من قبل بامهم السوداء.
فلما خرج بنو إسرائيل من مصرء تركت العائلة مراكبهاء ولم يجدوا في الصحراء
بديلا لمودهم» قضاق يهم الخالء وأذك كبزياءهم الفقر والفاقة» فعمل يعضهم
بالرعيء. وعاش بعضهم على الصدقات ولحوم القرابين: اما (بنحاس) نفسه
فقد اعانة الك والققن .نوها تحمل من يرل الى تر ل كما تحمل القناع:
وكانت حضيروت على مقربة من قرية حاضرة البحر اسمها «عضصيوت جحابر»
تقع على خليج لحيان»؛ أقام فيها بعض سكان السواحل مرفاأء ترسو به
السفن القادمة إدوم ومصر وكنعان» وجذبت رائحة البحر من كانوا يعملون
بالصيد من بني إسرائيل؛ ومنهم أبناء (بنحاس), فخرجوا يلبون النداء!
وراية: الدفك .في سوق «خضيروت»: لأوك :قرف :فى حيانيي: كات" النانين
يتهافتون على شرائهء ويتقاتلون عليه حتى صار زنبيل السمك الذي يحوي
عشر سمكات يقايض بقدحين من القمح, فقد سئم الناس لحوم السلوى,
ووجدوا في لحم البحر الطري فرجًا لهم من الصبر على طعام واحد؛: لا سيما
وأنهم لا يدروت إن كانوا سيصادفون في ترحالهم بحرا مرة أخرك أمم لا وكان
أ يتعجب من ثقافت بنع إشرائيل .على شبراء الستقك ويتاقف فى زانسيهة
التي ملات هواء النزك وعلقت بكل شنيء حتى الملابسء وكان يقوك:
- عجبت لأمر بني إسرائيل!
يتغبدلوت الى هو أذتى: يقهة الستمك» «الذى هو خيق رقصذ الشتلوف:
ولكنه رغم ذلك لم يستطع أن يقف أمام إلحاح أمي في طلب السمك, ولم
يجد بدا من الاستجابة لطلبها عندما انضمت إليها العمة (باتشيفا)ء, فأحضر
لها زنبيلًا من السمك, طهت بعضه وخزنت بعضه بطريقة المصريين. فملحته
وخرّنته في أبراش في الشمس, حتى أنتن وتفسّخ لحمه ثم أخرجته بعد
أسابيع لنأكله, وكانت لحظة لا تنسىء, كدت أفقد وعيي فيها من الرائحة
المنتنة. وعافت نفس أبي من أن ينظر إليه أو أن يتناوله: أما العمة (باتشيفا)
فقد انهالت عليه أكلًا في تلذذ. وهي تقولك:
- ما أطيب طعامكم أيها المصريون!
إن لكم في طهو كل صنف من الطعام ألف طريقة!
فقالت لها أمي وهي تنظر بعتاب نحوي ونحو أبي:
- هكذا كان يأكله النبلاء يا (باتشيفا) في عيد شيموا
ابتسم أبي وقال:
- ليتنا قلدناهم في أكل أوزة مشوية.
قالت أمي مغتاظة:
- آتني بالأوز وأنا أطهوه لك.
أنصفتها عمتي (باتشيفا) على غير عادتها وقالت:
- دعك من (زخاري) يا (رومانا) لا يزال يشتهي الطير منذ صغره حتى ظننت
ان جسده سيكسوه الريش.
ثم التفتت إلى أبي قائلة وهي تقضم قطعة من السمك في استمتاع:
- عش أنت على المن والسلوىء ودعنا نتذكر أياما كنا فيها نتقلب بين أصناف
- حين تصلوت الى الأرض الفقدسة: سترؤت أصنافا من التعيم لم تروها من
وقدر الرب لبني (بنحاس) وغيرهم من الصيادين أن يعودوا إلى سابق عهدهم
في تلك البقعة من الأرض التي طال بقاؤنا فيهاء ففتحت لهم أبواب الرزق مرة
أخرى. وعادوا لصنع الشصوص والشباك والمراكبء ولم يبخل عليهم البحر
برزقه. فكانت تاتيهم اسماك البحر العظيمة وحيتانها التي لم يروا مثلها في
نور الشيل:: فيقوهوت تضيدها : وبيعها في الثفيداء (وقى الترن. ,جد احنديت
مهنة الصيد الشباب الطامح في الثراء من بني إسرائيلء فاقام بعضهم في
عصيون جابر؛. وعمل آخرون في مراكب الإدوميين وارتحلوا معهم إلى موانئ
بعيدة دون إذن من نبي الله (موسى). فأرسل إليهم نبي الله يذكرهم
بتقصيرهم في حق العبادة والشريعة.: وتهاونهم في تقديم القرابين. وخوفهم
من عذاب الله.
وذعاني (عامير) ذات يوم لمرافقته في الصيد في عصيون جابرء وأهداني
من البوصء فاعتذرت له بلطف فلور تكن ابي التسشمة لى» ذلك -ؤهة
يراني ل صغيراء رغم أنتى حينئذ كنت قد حاوزت البلوغ بعامين» وتكررت
دعوات (عامير) لي. وشعرت بالخجل أمام أقراني ومن يصغرونني من أبناء
الحيء الذين كانوا يتباهون بالصيد والسباحة في البحر.
وذات يوم قررت أن اكسر الطوق الذي يحوطني به ابي رغم اني قد شببت
عنه. خرجت من منزلنا في الصباح الباكر. واخبرت امي باني سامكث النهار
مع اصدقاء لي في حي زوبلونء ثم قابلت (عامير) خارج النزك. وقلبي يقرع
في جنبات صدري من شدة الإثارة والرهبة.
سرنا في الصحراء وحدنا في تلك الساعة المبكرة تستقبلنا نسائم الهواء
الباردة. التي ازدادت رطوبة ولطفا كلما اقتربنا من شاطئ عصيون جايرء
وهناك وقع بصري لاول مرة على الميناء الفسيح. خفق قلبي رهبة لمراى
البحر الذي اختلطت زرقته بزرقة السماءء. وبدا في اتساعه على مرمى البصر
وكأنه يلامس أطراف السحابء وهدير موحاته الصاخبة يطن في أذني كلحن
تعزفه السماء. وتترنم به طيور البحر التي حلقت غير بعيد عن شاطئه الذي
اكتسي بالأصداف وشقائق النعمان!
مر الوقت سريعًا جميلا محملًا بالمتعة والإبهارء بين رؤية السفن وضجيج
كمف | الت فوص .وها صزناة فى أسماك قعدنا إلى الدر ل وقد تتلوفت التسسهاء
بالشفق الأحمر: كنت أحمل في يدي اليمني شضاء وفي يدي اليسرى
زنبيلًا به تلان سمكات,» وقلبي يرقص طرباء وأنا أتخيل فرحة ضع برؤيتهن»
دخلت إلى الطريق الذي يؤدي إلى بيتناء فوجدت أبي واققًا في منتصفهء وقد
جلست أمي على باب البيت وقد بدا عليهما القلق والغضبء. هتفت أمي
حين رأتني قائلة:
- ها قد عاد (شمعون)!!
ثم قامت مسرعة نحوي وبادرت بلومي وهي تقرص اذني حتى تقيني غضبة
أبي وقالت:
: ألم آمرك ألا تتأخر في حي زوبلون يا (شمعون)؟!
وبنظرة واحدة على ما أحمله: أدرك أبي سبب غيابيء قال في غضب:
- حي زوبلون!
وقبل أن أتفوه بكلمة استقبلتني من يده القوية صفعة أسقطتني أرضاء
واطاحت ترتفيل: الأستفاك بعية ا. ورلزك ضونة: العاضي أرحانى وهو يغول:
- هذا جزاء الكذب يابن (رومانا)!
ثم التفت إلى أمي وقال ناهرًا:
- لا يخرجن من الحي إلا بأمري.
انحنت أمي على الأرض تحتضننيء وكتم الذهول الدموع في عينيء ولكن
أبي استمر في تورته قائلًا:
- وأقسم بالرب إيلء لإن عدت إلى الكذب يابن (رومانا) لأخرجنك لجمع
الحطب من الجبال في كل صباح.
ثم غادرنا وهقة ينفت عَضَبَاء ويومها رايث من أي قسنوة جعلتدي: اتشاذل”
لماذا لا يرى أبي من الدنيا إلا شظفها؟
ولماذا كتب على نفسه وعلينا ذلك الخوف من البهجة والفرح؟
0 00 00 00 00
وحدثت في الأيام التالية أحداث غريبة: أنذرت بغضب الرب على من سكنوا
عصيون جابرء فقد امتنعت الأسماك عن دخول الخليج لثلاثة أيام متتالية: كان
الصيادون يجوبون فيها الخليج بالمراكب: فلا يجدون أثرًا لسمكة تهتز لها
شباكهم أو شصوصومء وكأنما اتفقت الأسماك فيما بينها على الرحيل أو
الاختباء, وفي صبيحة يوم سبتء» امتلأ الخليج بالجلبة, ورأى بنو إسرائيل
سكان القرية من الإدوميين يهرولون في الماء بملابسهمء. ويمسكون بإيديهم
أسماكًا تقافزت على سطحه. وحيتانًا صغيرة تطفو على السطح:؛ وتدخل
طواعية بانفسها في الشباكء فهلل الإدوميون فرحين بذلك الصيد الذي نالته
إيديهم في سهولة ويسرء وود نفر من بني إسرائيل لو شرعوا شباكهم
لينالوا من هذا الصيد اليسير. ولكن رجالا بهم بقية من إيمان: ذكروهم بأن
اليوم يوم سبت,ء وان الرب قد حرم عليهم الصيد في ذلك اليومء وقالوا ليعزوا
- ها قد انكشفت الغمة: وغدًا تعود الحيتان والأسماكء فنصطاد منها كما
صادها الإدوميون.
وجاء الغد بما لم يتمنوه. فقد سكنت مياه الخليج مرة أخرى, وبدت كبركة من
الماء الآسن لا حياة فيها ولا روح: واختفت الحيتان والأسماك التي كانت
تتراقص قبل ذلك بيوم» وعاد الناس ادراجهم في المساء محملين بالخيبة
والخسران: وتكرر الأمر طيلة الأسبوع حتى جاء يوم السبت التاليء فإذا
بالحيتان والأسماك تعود أدراجها إلى القرية تتقافز على سطح الماءء؛ لتملأ
قلوب الإدوميين فرحة وبهجة: وتملأ قلوب بني إسرائيل غيظا وحسرة.
وتذمر شباب القرية من بني إسرائيل وأقسموا ليشرعن شباكهم حتى وإن
انتهكوا حرمة السبتء. فزجرهم عن ذلك الشيوخ: وقال لهم (بنحاس) في
وهفن وضعف.
- لا تسخطوا الرب عليكم فإنما هي فتنة لينظر ربكم ماذا تفعلون.
فلم يستمع إليه الرجال؛. وقال شاب في تذمر سافر:
- أتعبث بنا السماء؟!
وقال آخر:
- لو كان في الأمر حرمة لما جاءت الحيتان شَرَعًا في يوم السبتء تتلقفها
ايادي الاطفال والنساء.
فقال لهم (بنحاس) يحذرهم:
- إني أعظكم أن يحل عليكم العذاب الشديد أو الهلاك!
فتحدث (راحوم) ابن (بنحاس) الأكبر وكان ذو مكانة عند الصيادين قائلًا:
- يا معشر الصيادينء والله إني لأجد الرأي بين ما ذكرتموه. فليس من الدين
آنتنتيك خرمة السيث: وليس:قن. الفقل إن تمرك ضيد | تنالة أندينا وششباكناء
وإن شئتم ذكرت لكم الرأي الصواب.
فاستحته القوم قائلين:
- هات ما عندك يا (راحوم).
فقال:
- تنصبون حبائلكم وشصوصكم قبل يوم السبت, فإذا جاءت الحيتان والأسماك
في يوم السبتء تلقفتها الشباك واحتجزتها وراءهاء فإذا انقضى السبت,
بكرتم فجمعتم ما احتجزته الشباك من صيد حلال لا شبهة فيه!
- همهم الناس مستحسنين الرأيء, وقال أخوه (عيلام) مؤيدًا:
- نعم الرأي يا (راحوم)ء هذا عين الصواب يا شيخ الصيادين!
فبانت الخيبة على وجه (بنحاس) وقال مذمما:
- بئس الرأي رأيك يا (راحوم) أتخادعون اللّه؟!
هلكت يابن (بنحاس) وأهلكت معك بني إسرائيل!
ثم أمر ولده الأصغر (عامير) بأن يحمله على أتان ليعود به إلى حضيروت وقال:
- يا (عامير) أخرجني من هذه القرية الظالم أهلها فقد حق عليها العذاب.
ففعل (عامير) ما أمره به أبوه وعادا إلى النزلك في حضيروتء: يستجيران ببيت
الرب؛: ويدعوانه لكيلا يأخذ إخوانهم وأبناءهم بالعذاب.
واستيقظنا ذات صباح على جلبة وصراخ في الحي فقد هاجمت بعض القردة
الجنازك وأراقت إن تدخلها عيوة: وطافت يعض الغتازير في وار التزك؛ فى
قندية سيف له الأندات» ضدة الاظفال والسياء وطل الركال يقد فون القردة
بالحجارة. ويضربون الخنازير بالعصيء ويدفعونهم دفعا إلى خارج النزل: فكانت
القردة تفر ثم تعود من جديد والخنازير تستميت لدخول البيوت وكانها تلوذ
كات الحى شو هط اجدنئ رما في المتحيا.
وهناك عند بيت (عامير) تسورت قرود تسعة جدران البيت تريد أن تدخله
وسمعنا صراخ (عامير)ء فهرولنا إليه انا وابي. وظللنا نزود عن بيته ونذيق
القرود ضربات موجعة بالحجارة والعصي. حتى ادمينا بعضها وكدنا نقتل
البعض.
ولم نسمع في غمرة حماسنا صوت أبيه (بنحاس) يأتي من الداخل في وهن
وحزن وهو يقوكل:
- كف عن ضربهم يا (عامير)؛ فوالله إني لأجد في أحدهم وجه أخيك (راحوم)!
وفرت القردة إلى الصحراء المتاخمة للنزل وفي الصباح خرج بعض الرجال
لاستطلاع امرهمء. فوجدوهم وقد نفقوا عن بكرة ابيهم.
وأرسل (بنحاس) ولده (عامير) إلى عصيون جابرء؛ وقال له:
العذاب.
فعاد (عامير) وأخبره بأن القرية خاوية على عروشها!
ولم تطل الحياة بالصياد (بنحاس) بعد ذلك أنوكت الكسرة حون ذة: المريض:
فمات وهو يدعو الرب أن يكون عذاب أبنائه في الدنيا كفارة لهم في الآخرة.
واولاده, سالته:
- هل حقًا مسخ الرب إخوة (عامير) قرودًا كما يقول الناس؟!
قال آسقفا:
- لا أدري يا (شمعون)!
ولكن الرب عاقبهم على أية حال!
قلت مرتجفا:
- لماذا يقسو الرب علينا هكذ!؟!
نظر إلى مذهولًا وقد أزعجته كلماتي وقال:
- هو يقسو على العصاة فقط يا (شمعون)!
قلت:
- ألا يستحق العصاة توبة؟!
قال:
- التوبة لمن يجهل!
نظرت إليه وقلت:
- أبي!
هل تحب الرب؟!
قال مؤكذا:
- نعم!
- ولكني أخافه!
قال وهو يضم رأسي إلى صدره:
- إذا خفت الرب فسوف يحبكء وإذا أحبك فسوف تحبه!
ومهما يكن من شيء فإن قصة (بنحاس) ظلت عالقة بيعقلي لسنوات. خاصة
بعدما انضم (عامير) الذي فقد أسرته بأكملها إلى دارناء وصار الصبي الذي
متحتي أي عون حله انا المتلدة امي
00 00 00 00 0
الورقة السادسة عشرة
ومرت الأيام والشهورء وانقضت أشهر الصيف بقيظها ولهيب شمسهاء وبدأت
نسائم «تشرين» في الهبوب مؤذنة ببدأ الخريف, ذلك الوقت من العام الذي
تجف فيه الأشجار ويشح فيه الكل ويطوف الرعاة بأغنامهم في الصحراء بحتا
عن العشب والماء.
وكنت أنا و(عامير) وبعض الصبية نخرج بأغنام الحي إلى الصحراء لنرعى فيما
تبقى من الكلأء الذي جفت أوراقه واحتذت سيقانه حتى صارت كالشوك,
فكانت الأغنام تتحسس بأطراف ألسنتها العشبء» تنتقي منه وريقات تسد
بها جوعهاء وتمتص من لحائها ما بقي من رطبها.
وكنت أسعد بتلك «الثّزهات الرّعوية» فقد كانت لي بمتابة رَؤحة: او بها
من التضييق الذي فرضه عليّ أبي بالبقاء داخل الحيء والمواظبة على زيارة
خيمة الاجتماع معه والاستماع إلى تعاليم الدين من نبي الله (موسى) أو
الكاهن (هارون)؛ كما كنت أجد فيها متنفسًا للعب مع الأقران دون لوم من
امي او تقريع من ايع وفي تلك الأيام تعلمت من الصبية الذين كانوا
كيرؤثدى. سناد فنوتا! من الالعايي؟ برعت .فيها ك5ذا “مفلل المتازرة «,القصى
والقتال بالأيدي؛: وكان يعينني على ذلك قوة بنياني التي كانت تكافؤهم رغم
صغر سني» .ومرونة جحسدي في الحركة والاحتيال؛ وكان وحودي إلى 0
(عامير) في أي فريق من المتعاركين؛ كفيلًا بأن يُرجِّحِ كقة ذلك الفريق؛ فقد
كان ل(عامير) جسدٌ صلدٌ. وهبه الرب إياه منذ الرضاع؛ وصقله الجهدٌ والشقاء
حتى صار بنيانه المتناسق كتمثال من الحجر الأسود نحتته ايدي فنان من
اهل «فيتوم».
ووجد أبي فينا مُعينَا له في أعماله فكنا نجمع له الأخشاب والحطب ونرعى
له الأغنام, وأوحت له أمي ببناء بيت لنا من الطين والقش على غرار ما كان
يصنعه المصريون حتى يقينا البرد في الشتاء. فمدينة حضيروت كانت تقع
إلى الشمال من جبل حوريب وموقعها بالقرب من الخليج, جعلها أشد بردًا
في الليل من أي نزل نزلنا به من قبل ورغم أننا كنا في بدايات الخريف فإن
الرياح كانت تشتد في الليل حتى كادت أن تعصف بالكوخ في ليلة من
الليالي الباردة. فاستجاب ابي لطلبهاء وصنع قوالب عديدة متمائلة_ من
الحسي كان يضيع فى كل واحدة فنها حلظة.من النرابة التاعفر والماء:والقس
الذي جمعناه من سيقان الكلأ الجافة ثم درسناه بالحجر حتى صار كالعصف,
ثم تركها لتجف في الشمس ليومين أو ثلاثة. قبل ان ينزع عنها قالبها
الخشبي لتصير ليناتِ من القرميد. خفيفة الوزن ولكنها قوية متماسكة
الكت
وقام أبي بتخطيط البيت علي مساحة واسعة إلى الجنوب من حي رأوبين
وجعل فيه حجرة له ولامي واخرى لي و(عامير). وثالثة للعمة (باتشيفا)ء ثم
رفع له سقفًا من فروع الأثل والسَيّدر؛ وصنع له بابًا منيعًا من البوص المبروم
وجعل له نوافذ صغيرة تدخل الهواء والنور إلى داخل الدار؛. فصار بذلك بيتنا
اروع بيوت النزك واجملها.
ورأي سكان النزل الدار فأعجبتهمء وجاء جيران لنا في الحي يسألوننا قوالب
الخشب حتى يبنوا لأنفسهم دارًا مثل دارنا فأعارها لهم أبيء ثم لم يلبث
باقي الجيران أن طلبوا منه أن يصنع لهم قوالب أخرى من الخشب مقابل
ع فصنعها لهم ٠ وصنع كذلك أبوابًا ونوافذي حتى راجت صنعته, وامتلأ فناء
بيتنا الخلفي بجذوع الأشجارء. وتراصت في أركانه عشرات الأبواب والصناديق
الخشبية.
وزاد حجم العمل عن طاقة أبي ولم نستطع أنا و(عامير) أن نفي بحاجته
وحدتاء فاكترى نجارًا من سبط بنيامين ليعاونه. كان النجار الجديد شابا صغيرًا
اسمه (رام). نحيف الجسد.ء قصير القامة؛. ورغم فقره: بدا متانقا وسيمًا وقد
حف شاربه ولحيته, وهذب شعرة الطويل ومسحه بالزيت والطيب لكي يبدو
متلألئًا في ضوء الشمس,. محيدما رأته امي تحت :نابي حجاتيًا! ثم قالت: له
مستنكرة:
- أفلا تكتري رجلا جَلَدَا ليعينك في أعمالك بدلا من ذاك المعجب بحُسنه
كالنساء؟!
فقال لها أبي مؤنيًا:
- لا تسيئي الظن به يا (رومانا). فهو فقير يتيم؛ وقد اوصاني به (بصلئيل بن
حور) خيرا!
ويبدو أن في النساء مسبارًا يقرأن به ما في جوف الرجال قبل أن تبوح به
الأيام, فقد كان (رام) شديد الهدوء والإخلاص في العمل طالما كان أبي
موجودًا في فناء الدارء فإذا انصرف أبي لبعض شأنه في الحيء تبدل الحال
بالشاب, فيصير أكثر كسلًا في العمل. وتختفي من عينيه نظرة الانكسار
وتحل فيهما نظرة جرأة هي أقرب إلى الوقاحة.
كنك آنا و(عامير) نقوم برص قوالب الخشب فوق سقف البيت, أقف أنا 00
الجذاز يينما يقف هو على الأرض يقذف لي قؤالب الخشب فالتققهاء
أضعها فوق الصفوف التي ارتفعت حتى حاذت منكبيء وبينما نحن كذلك 3
إلى الفناء فتاة شابة من عشيرة «قهات»: وهي عشيرة تتميز نساؤها
بالملاحة والخلاعة؛ وكان لأختها عندنا أثاث نصنعه, خطرت الفتاة في مشيتها
في الفناء ثم نادتني في شيء من الدلال لكثرة ترددها علينا قائلة:
- هل انتهيعى أبوك من صنع صندوق الملابس يا (شمعون)؟
لقد أوشكت أخدن أن ترف دونه!
كدت أقول لها أن أبي خرج إلى الحي لبعض شأنه؛ ولكن الشاب (رام) قطع
الحديث قائلا وهو ينظر إلى عينيها:
- الصندوق يحتاج فقط إلى بعض الصقل والتهذيب. امنحيني دقائق وسيكون
معذا.
خضعت الفتاة ببصرها لنظرته الجريئة وقالت:
- حسناء سأنتظرك هنا.
ثم جلست فوق مقعد في ركن الفناء. تدير وجهها عن موضع (رام)ء ولكن
عينيها كانت تختلس النظر نحوة بعد أن شمر عن ساعديه ثم أمسك
بالصندوق ووضعه فوقف المائدة, وأخذ .يهذب ما زاد من حروفه بالإزميل, مقطبًا
ماانيث حاحية حتى يطن من يراق انه يافي بضتيع: عحيي:: يستعلق. على
الحاذقين صنعه!
ثم لم يلبث ان اتى بحفنات من الرمل وضعها فوق الصندوق وفركها بورق
البردي ليصقل بها سطح الغطاءء. وبينما كانت أوراق البردي تحتك بحبات
الرمال وتؤرّها أزّاء كان الفتي يدندن بصوت نديّ أشعاراء تعمّد أن تصل أبياتها
إلى:مسامع الفناة القيداء:فاخد يقذل:
إن لم تعرفي أَبَتّهَا الحبيبة أنك الأروع من بين النساءٍ فَاخْرُجي عَلَى آثار الْعْنَمِ
وَارْعيْ وحدك بين الرّعَاة كقرسة جامحة ستسبقين كل مركبات الفرعون.
مَأ كم كذرةة ب الجواهرا
وَعَنْقَكِ بالقلائد!
شَقتاك تتلألأ بالقرمزء وَفَمُكِ خُلْوٌ كالشهد وحَدَّاكَ حَمْرَاوان كفِلقة الرٌّمَانَ
أتعرفين من أنت؟
أنت كَالسُّؤسَيَة في الحُسن حين تنثر عبيرها بَيّنَ الأشّواك كذلِكَ أنت يا
رأيت على وجه الفتاة حُمرة الخجل. وإن فضحت خائنةٌ عينيها حياءها
المزعوم!
انتهى (رام) من صقل
الصندوق فحمله وذهب إليهاء يقتحم ما بينها وبينه من مسافة حتى صار لا
يفصلهما شيء إلا الصندوق ثم قال في حنان مصطنع:
- إنه ثقيل,» أمَعَك دابة تحملينه فوقها؟
اضطربت وقد فاجأها اقتحامه لحَرَمِها وقالت:
- لا.
فقال في مجون:
- إذن فأنا دابتك: أحمله لك حتى داركء: وإن شئت طفت به لك في صحراء
النزك! 1
تنكمت فى :ولال وقالت:
فوم هقان >
قال في حنانه الكاذب:
- يكفي البعير لمسة حانية من سيدته!
أطلقت ضحكة خليعة ثم انصرفت.
وتبعها الفتى الذي غمز يطرف عينه إليّ وقال:
- إذا رجع أبوك قبل أن أعود. فقل له خرج (رام) لأجل العروس!
ولم يعد (رام) في ذلك اليوم إلا بعد أن أوشكت الشمس على الزوالء
ولحسن حظه مكث م اليوم بطوله في حي زوبلون,. فلم يدر بغيابه طيلة
النهار, ومنعني حبني من أن أشي به لأبي.
وقضيت ليلتي تلك أتقلّب في فراشي كالمحمومء تطالعني خلجات الفتاة,
وفي تتبسيم في دلال ونظرات عينيها :وهي تغض الطرف في خضوع:
تطاردني صفحة وجحهها البيضاء في ظلام أحلامي, وتثير في نفسي صخباء
فاق أشعار (رام) الماجنة التي يرن صداها في أذني. حتى قمت من نومي
منتفضاء العت:من عقاف خلفي :واشتفرو يلويتن :في حنيدك: .رقم شندة الريح
في تلك الليلة الباردة من ليالي الخريف.
وفي الصباح, بكر الفتى في المجيء إلى فناء الدار. وكان أبي لا يزال نائماء
بينما كنت أجلس أنا فوق المائدة في الفناء أعبث بالإزميل على قطعة من
الخشب, وأكتب عليها أحرقا من اللغة المصرية. وقف (رام) إلى جواري وقال
متعجبا:
- أتعرف الكتابة باللغة المصرية؟
أومأت قائلًا:
- نعم فأمي مصرية!
رفع حاجبيه معجباء ثم قال:
- محظوظ!
قلت مازحا:
- لأني أعرف الكتابة, أم لأن أمي مصرية؟!
قال في جدية ممزوجة ببعض الأسى:
- بل لأن لك أبوين يُعلمانك.
تذكرت أنه ينيم الأبوين فشعزت بالأسف من أجلة وسالتة:
- هل فقدت أبويك صغيدًا؟
قال:
+ لم أز ابي ومائت أمي وأنا أصفر متك يقليل:
اسحفة حق :مين اخلة وستالعة:
- ألك إخوة؟
ضحك ساخرًا وقال:
يف أخوة من الأب. لو استطاعوا أن يرموني في الجُبّ مثل يوسف
0
ثم أردف جادًا:
- ولو علموا أن أباك قد اكتراني لأتوا إليه يلعونني أمامه!
سألته:
- وفي أي حي تسكن؟
قال:
- أتسكع بين الأحياء؛ فلا أهل لي ولا زوجة.
- ولماذا لم تتزوج؟
قهقه عاليًا وقال:
- ومن يُرْوْجٌ نجَارًا يتيمًا معدمًا ملعونا حتى من إخوته؟!
ثم قال في شيء من الفخر:
- ولكن يكفيني أني أصبت من النساء ما لم يصبه المتزوجون!
وكدك فى تفسدي رقية "فق الاتكرسال: فك ذلك الخدرية رفع ]فار
وجهي خجلا. فقلت:
- أتقصد فتاة الأمس؟!
قال ضاحدًا:
- ليست وحدها فلي في كل حي عشيقة.
ثم قال في خفوت كمن يسر إلي سرًا:
- ومنهن متزوجات. سئمن من أزواجهن!
تبدل شعوري بالإثارة اشمتئزارًا. فقلت:
- وماذا يجدن فيك ولا يجدنه في أزواجهن؟!
قهقه مرة أخرى وقال:
- ما زلت صغيرًا على هذا الحديث؛ ولكني أسر لك بسرٌ كي تحفظه عني.
اتتبقت جواسدي»:ققال:
- لا شيء يفتن النساء قدر قلب حنون!
قد تحتمل المرأة فقرك: وقد تحتمل قبحكء ولكنها لا تحتمل قسوتك!
قلت ساخرا:
- وما دمت تعرف هذاء لماذا لم تتزوج؟
قال ضاحدًا:
- قلبي لا يسعه امرأة واحدة, وجسدي لا يطيق قيد الزواج!
- أما تخشى أن يفتضح أمرك؟!
قال في اعتداد:
- لن تفضحني إلا معشوقة علمت بخيانتي لها!
وأنا أحوط من أن أقع في هذا الخطأ.
سألته في غير تردد:
أما تخقتفى: الون؟
قطب جبينه ثم قال في نبرة شعرت فيها بالسخط:
الوت؟
ثم اردف:
- لو كان يعلم بحالي لرأف بي من قبل!
قلت مصدوما:
- ألا تؤمن به؟
نظر إلىّ في حدة:. وكأنما أثاره كلامي ثم قال:
- أومن به ولكنه لا يلتفت إلى حالي.
- تشعر بالظلم؟
قال موجوعا:
- أشعر بالقهر.
دمر ازدف: في هرارة:
- الحياة ليست عادلة يا غلامء فمثلي يولد يتيماء فقيرّاء مكروها من إخوته,
ومثلك ينعم بين ابوين يعلمانه ويحنوان عليه.
ثم قال وهو ينصرف إلى عمله:
- لا تشغل بالك بأمري يا فتىء فهناك أناس في هذه الحياة قد أغفلتهم عين
القدر!
ولم يستوعب عقلي مغزى عبارتهء ولكن انتابتني منها القشعريرة.
والحق أنني كنت أتذكر دائمًا قصة (رام) علي الرغم من كثرة ما مر بنا من
أحداث. ليس حنيئًا إلى رهق الصبا ولا شوقًا إلى ترّق الشبابء وإنما لأن
قضنة حغلنتئ أنسناءل داتما ع محية الرت!
فهل يكفي أن نخشى الرب فقط حتى نجتنب نواهيه: أم ينبغي علينا أيضًا
ان نحبه؟
ع سد ب لاف ع مكاي
العبد الأنقء الذي يسك الأذب اذا ها امن العقاب!
وَفَي يومر من الأياقن أمر أبني (رام) أن يحمل انا إلى ذارز قىئ:بحئ يساكر وان
يقوم بتركيبه. وكان ذلك الحي يقع إلى الشمال من النزل بينما كان منزلنا
في الحدون. وأمرقي ابى :يان أذهب معه لأعاونه في تركيب البابء: وفرح (رام)
بتلك المهمة؛. على غير عادته التي تميل إلى الراحة. وضعنا الباب على ظهر
الأنان:فسار نا الكل
أخذ الفقئ يدتدذة :يصوت شنح»*:
سبعةٌ أيام لم أرَ فيهن الحبيبة أَلَمّ بي السّقامٌ وصار قلبي ثقيلًا نسيتُ ذاتي
وحينما عادني الأطباءٌ وصفوا لي دوائي فلم أرض بدوائِهِمٌ وقلت لهم طاردوا
كل الأمراض اللعينة فلن تجدوا وسيلة لعلاحي فقط اسمها هو ما يخييني
ويحفظ قلبي من الفناء في الحبيبة أفضلٌ مان أي دواء عندما أراها أشفى
متى فتحث عيتيها يعودٌ جسدي فتيًا متى تكلمت أصبحٌ قويًا متى أضمها
تطردٌ عني السوء ولكنها هجرتني منذ سبعة أيام فدعوني أموت فداء لها
كانت تلك أنشودة حب مصرية يرددها الشباب من بني إسرائيلء» وكانت أي
أيضًا تحب أن تترنم بها على أنغام الناي في أوقات فراغها التي تصادف حنيتا
إلى الطربء ولكن إحقاقًا للحق: لم أسمع أحدًا يغنيها بمثل ذلك الصوت
الشجي الذي كان يتغنى به (رام).
وصلنا إلى الشرق عند أطراف حي زوبلون؛ فتوقف (رام) وقال لي:
- اسبقني يا (شمعون) إلى حي يساكر وسأتبعك بعد قليل, فإن لي خالة
من زوبلون أعطف عليهاء وأود أن أعرج على دارها قبل أن أذهب.
قلت له:
قال في لهجة لم أصدقها:
- كلا سألحق بك سريعاء فقط ضع الباب عند الدار ودُقٌ الأوتاد في الحلق
ثم اتخذ سبيله متسللًا بين ظهور الخيام وكأنه لا يرغب في أن يراه أحد,
وسرعان ما اختفى عن ناظريء ترجّلتٌ وحدي إلى جوار الأتان في الصحراء
حتى جاوزت حي زوبلونء وانا اردد في صوت خافت «سبعة ايام لم ار فيهن
الحبيبة», محاولا تقليد صوت (رام) ولكن شتانء. فقد كان صوتي يخرج
متحشجرًا خشتا في تلك المرحلة من الصبا وكانني ضفدع ضل طريقه في
الحقل بعدما خرج من النهر.
وبعد أن قطعت شوطًا في الصحراء. تذكرت أنني لا أعلم عن أي البيوت أسأل
في حي يساكر؟
ترددت بين خيارين أن أكمل طريقي إلى حي يساكرء أو أن أعود إلى نقطة
الافتراق بيني وبين (رام) عند حي زوبلون حتى يسهل علينا اللقاء مرة
الأتان إلى جذع نخلة وجلست استظل بظلها حتى يعود (رام).
مر وقت طويل وارتفعت الشمس في السماء. ولم يعد (رام): انتابني هاجس
ان يكون قد خرج من الحي من موضع اخرء او ان يكون قد سبقني إلى حي
يساكرء واخذ يبحث عني هناك!
أضج القلق مجلسيء وقد عصفت بي الظنون» فحسمت أفرف ودخلت إلى
حي زوبلون أسأل عن دار خالته. كان الوقت وقت ظهيرة: ولم يكن الرجال قد
عادوا من أعمالهم بعد رانك بعض النسوة يجلسن أمام خيمة من الخيام
فسألتهن عن دار خالة (رام) النجار. فلم يعرفنه. ولم يعرفنهاء شعرت بغباء
تصرقق: فقد كنت كمن يبحت عن المخياط وسط الرمال: وقررت العودة,
فسرت في زقاق ضيق بين ظهور الخيام لأصل إلى موضع الأتان؛ فإذا بي أجد
رجلا من زوبلون قادما في مواجهتي؛: وقد ضاف الزقاق الضيق بجحسدهة
الككمر ل أدري ما الذي دفعني إلى أن أسأله:
وقف الرجل مفكرًا للحظات ثم 0
- هل هو من سبط زوبلون؟
قلت له:
- كلا إنه من بنيامين ولكن خالته من زوبلون!
نظر إلي الرجل متعجبا وشعرت دون أن ينطق بسخافة ما أقول فكدت أشكره
واتضرف: لولا ان حدث ما لم أكن أتوقعه ظهر (رام) فجأة وهو يخرج متسللا
من ظهر خيمة من الخيام ومن فرجة الخيمة وقفت امرأة تودعه بالقبلات
فهتفت دون إرادة مني:
5 ها هو رام!
صعق (رام) لرؤيتي وقال:
- (شمعون)!
ثم وقع بصره على الرجل الضخمء وتجمد بينهما اللحظ لثوان. كفار تعثرت
اقدامه في ذيل قط وقفا يحدقان ببصريهما في بعضهما البعض» وقد اذهلت
المصادفة كليهماء وأدرك (رام) حقيقة الموقفء, فأراد أن يطلق لساقيه الريح:
ولكن ضيق الزقاق لم يسعفه. فكانت يد الرجل الضخم أقرب إلى عنقه,
فأحاطه بساعدٍ كالطود. تدلى منه (رام) كالدمية وهو يرفس بقدميه في
الهواء. وقد احتقن وجعهه وكاد أن يلفظ أنفاسه. بينما صرخ الرحجل في جنون:
00 00 00 00 0
الورقة السابعة عشرة
كنت أتمنى ألا أستعيد ذكرى ذلك اليومء ولكن ما الحيلة وقد نقشت أحداثه
في عقليء ولم تفلح السنون في طمسهاء ولهذا سارويها لك كما حدثت
دون زيادة مني أو نقصان.
أفلح الرجال الذين تجمعوا على صراخ الرحل في تحرير عنق (رام) من قبضته
فيل أن يلفظ: انفاسةة وكيلوا يدي زرا وقدمية والقوة آرضا على بجانية
كالكترة وانقالوا' علية يضما وحتقها بالتعال: اها المراة كقد أمستكوا برها زمتعها
عنها زوجها حتى لا يفتك بها.
علم كل من في النزك بالأمر فأتي الناس من كل حدب وصوب, ووصل الخبر
إلى أن فاني مهرولاء وقد أزعجه النبأ المريع وكشي أن يصيبني أَذَى في
غمرة الزحام والعراك, فلما رآني احتضنني» ثم ذهب لكي يلقي نظرة على
(رام)ء فاستشاط الزوج المخدوع غضبًا وقال:
لم يستطع أبي أن يتكلمء فجاء صوت (بصلئيل بن حور) الحكيم قائلا:
- وما شأن نجار النزل بما فعله فتاه؟!
قال الرجل في جنون:
- إذن فلا يدافعن عنه إذا ما ذيبحناه في الحي ذيخح البعير!
فقال (بصلئيل) في حسم:
- ومن يسمح لك؟!
صمت الناس لحظات احترامًا للشيخ الجليل: فقال (بصلئيل):
- كُقَوا عن أذى الفتى ولا تَمِسّوا المرأة بسوء, فقد اقترفا خطيئة لا يعلم
عقوبتها إلا نبي الله فأتوا بهما إلى خيمة الاجتماع لتسمعوا حكم الرب
فيهما.
استحسن الناس كلام (بصلئيل). وحملوا (رام) الذي انتفخ وجهه. وسالت
دماؤه من جراء الضرب والتنكيل؛ ودفعوه أمامهم مع المرأة التي غطت وجوها
بالخمار خزيًا وخجلاء بينما كان زوجها يرغي ويزبدء ويقول في غضب مجنون:
- وحق الرب لا يهدأ لي باك حتى تُزهق روحاهماء ولإن عفا (موسى) عنهما
وتضاعفت أعداد موكب العار في الطريق إلى خيمة الاجتماع: ورأيت الشماتة
في أعين أناس لا يعرفون (رام) 1 المرأة. ولكن جمعهم الفضول والرغبة في
معرفة العقاب المرتقب بعذين | لخاطئين في ان يخرجوا وراءهماء وان يصبوا
عليهما اللعنات. ويرمونهما باحط الشتائم. بقلوب قاسية كالحجارة أو هي
اشد قسوة.
وتوقف الجمع امام خيمة الاجتماع. ودخل (بصلئيل) ومعه كبراء القوم من
سبط زوبلون وسبط بنيامين إلى الخيمة؛ بينما مكث إخوة (رام) امام الخيمة
يحقرونه ويلعنونه. ولم ينسوا أن يجددوا براءتهم منه أمام القوم أما (رام) فقد
ا رأسه أرضّاء وظلت عيناة تدور في محجريوما رعباء وبين الفينة والفيئة
فضح أمره, وار تعض وقت طورل .حتى حرخ علينا: ررصلميل يق حور كلام
الرب الذي نزك على (موسى). وتجلى به الوحي على تابوت العهدء. قال
(بصلئيل):
- اخرجوا بكليهما إلى باب النزك وارجموهما بالحجارة حتى يموتاء تلك التي
زنت في 2 زوجها وهذا الذي وَطِئَ شرف صاحبه. حتى تنزعوا الشر عن
ا 1 ناكرا وقنتيف: على الغراة» بيقها "فلل رق اتن اتدل فركاء فاك
الزوج متشفيا:
- صدق (موسى) فيما جاء به عن ربه.
وحمل الاثنان إلى الصحراء. وألقي بهما مكبلين في حفرة: وتنافكس الناس
في جمع الحجارة في حماس موصول» وأحاطوا بالحفرة, وأخذوا يتدافعون
لرجم المذنبين حتى ينزعوا الشر عن بني إسرائيل؛ والقى الرجل الموتور
بأول حجر فأصاب وَأنتن (رام) مباشرة وجعله يصرخ متألماء ثم توالت الحجارة
عليه وعلى المرأة حتى سقطا وقد خمدت أنفاسهما إلا من انين مكتومم: ولم
أحتمل رؤية ما بقي» فقد انهرت باكياء وكدت أسقط مغشيا علي فأحاطني
أبي بذراعية: ثم أحذدي تغيدًا عن المشهد الدامي ثم اخلستي واخد تيكب
بحرقة على الفتى المسكينء ورفع يديه إلى السماء وهو يقوك:
- اللهم اجعل عقابه في الدنيا كفارة له في الآخرة.
0 00 00 00 00
مكثث أسابيع وشهورّاء ولم يتعاف جسدي من الهّزال الذي ألمَّ به بعدما
شاهدت مقتل (رام)؛ تحيّنت ذكراه الفرصة بعد الأخرى كي تتحرر من خبيئتها
في قعر نفسي ثم تطل إلى راسي في صورة حلم يضج مضجعيء او شاردة
تنزعني من يقظتي أرى فيها (رام) وهو يخوض معي في حديث لوم وعتاب,
ينتعمعي ببكائي بكاء صامتا تنسال فيه دموعيء بغير إجهااش ولا نحيب» 21
في قلبي خوف من الألمء وخوار من رؤية الدماء حتى وإن كانت لطائر سلوى
مذبوح, فكنت إذا رأيت طائرًا يتلوى من الألم وقد انسابت الدماء من عنقه,
أتقيأ ما في جوفيء وتخور رٌ أوصالي». ٠ وبمتقع لوني كَمَنْ أشرف على الموت.
ورآني أبي على ذلك الحال فوقف ينظر إليّ مشفقاء بينما كانت أمي ترقبني
- سأفقد ولدي يا (زخاري).
قال يائسا:
- وماذا عساي أن أفعل يا (رومانا)؟
أتيت له بالصبية؛ وأمرت (عامير) ألا يفارقه, ولكنه يعزف عن اللهو أو الجلوس
معويم
قالت:
- اذهب به إلى خيمة الاجتماع. وقرّب من أجله قرباتاء واسأل الكاهن
(هارون) أن يدعو له.
فاصطحبني أبي معه في الصباح إلى خيمة الاجتماع وحمل معه قِدْرَا من
الزيت: وصاعًا من البَرٌّء وسحب خلفه شةة رمادية اللون: تتقافز في سيرها
مرَحّا وهي لا تعلم ما ينتظرها عند المذبح.
استقبلنا كاهن قاف من قاد (هارون) خارج الفناء. ثم اصطحبنا معه إلى
الداخل, قبل أن يتوقف عند مزحضة من النحاس أقيمت إلى جوار المذبح: وقد
امتلأ حوضها بالماء المقدس الذي تتلى عليه الصلواتء خلع الكاهن نعليه؛ تم
غسل بديه ورجليه, ومسح على رأسه بالماء. ثم أخذ الزيت والبر من 5
وحملهما إلى داخل المسكن وتركنا للحظات قبل أن يعود وفي يده السكين
الذى ستذبد: به الشناة: ارتحف حستف لمراف: السكين الذى تلالاً تضلة »مع
ضوء الشمس.
قال الكاهن لأبي:
- أهي قربان للشكر أم للخطيئة؟
قال أبي:
- هي رجاء للرب أن يشفي (شمعون) مما أصابه.
قال الكاهن:
- ما حلت مصيبة وما ابثُلِيَ إنسات بالمرض إلا بذنب.
ثم دعاني قائلًا:
- اقترب يا غلام وضع يدك على رأس الذبيحة واستغفر الرب مما اقترفته يداك.
نظرت إلى أبيء فهز رأسه مشجعاء فوضعت يدي المرتجفة فوق رأس الشاة
التي استلقت على جانبها في هدوء, ثم مَجّدَ الكاهن اسم الرب وابتهل إليه
بالغفرانء وأنا أردد خلفه ما يقول دون أن أفهم عن أي شيء أطلب الغفران!
فالخطيئة: والذنب:. وطلب الغفران. كانت كلمات أرددها ولا أفهم معناهاء لم
افهم كيف يكون قتل (رام) كفارة له؟
وكيف يكون قتل الشاة قربانًا من أجلي؟
سار الكاهن بالنصل الحاد على عنق الذبيحة, فانبجست الدماء من عروقهاء
وطال رذاذها وجهيء فلم اشعر إلا والأرض تميد من تحت قدميء ونور الصباح
وأفقت من إغمائي لأجدني في حجرتي بالدار وحولي أبي وأمي والعمة
(باتشيفا) وصديقي (عامير)ء وكانت (باتيا) الصغيرة أول من استقبلته عيناي,
فقد كانت تعتلي صدريء وتعبث في انفي وأذنى حتى أفقت, وتعجبت حينما
رافك جدران الحجرة وقد تلطخت بكفوف حمراء من الدماء. وانتثرت في كل
ركن من أركانها قطرات من الدماء. وعلمت أن الكاهن قد أمر بذلك حتى يرتفع
ضخط الرت هن الذار: ففعله ا ها امو يف
ومكثنتث أيامًا في الحجرة حتى تعافيت. وخرجحت من الدار ذات صباح وقد دب
في جسدي نشاطء فتناولت صحيفة من صحائف البردي التي كانت تصنعها
أمي: وقد اشتاقت تنفسي للكتابة. جمعت بعضًا من سخام الحطب وأذبته
في الماء ووصعت عليه قطرات من الزيت ومزحته في قارورة, لأصنع منه حبرا
اود كفا علفنتى أفي» ثم شسذيثك: قلما “من البوص.ء غمست طرفه في
قارورة الحبر, وكتبت باللغة المصرية على ورقة البردي: وبخط شديد الأناقة
«أوراق شمعوت المصري». وكان تلك هي اللفافة الأولى من صفحات السفر
الذي تقرءونه بين أيديكم الآن.
00 00 00 00 0
الورقهة الثامنة عشرة
وجاء الأمر بالرحيل: فتحرك الركب من خضيروت وسرنا في البرية عشر ليال
دون توقف, تَحُدنا من الشرق سلسلة من الجبال والهضاب الشاهقة.: حمراء
الجّددء ملساء الصخرء علمنا أن اسمها جحبال «سعير», وهي حقا أشبه
بالسعيرء فرغم أن الوقت كان وقت ربيع؛ ولم يدخل الصيف بعدء فإن قيظ
الشمس كان مهولاء بيدنو قرصها من الوادي, ويتلألأً ضوءها على قمم الجبال
كلهيب مستعرء ولولا سحابة الغمام التي أظلتنا في ترحالناء لهلك الناس
والأنعام في البرية.
وفي صبيحة اليوم الحادي عشر أشرقت الشمس على واحة خضراء
فسيحة: رأيناها على مرمى البصر كجنة أقيمت فوق ربوة عالية. فطاقت
أنفسنا لأن تكون تلك الواحة هي منزلنا التالي في أرض سيناء؛ ولم يكد
الركب يصل إلى أطراف الواحة حتى انقشعت سحابة الغمام التي كانت
تظللناء فعلمنا أن الرب قد اختار لنا تلك الأرض منزلًا.
اسمها «قادش برنيع». أي «برنيع المقدسة», وكيف لا توصف يدلك اللضم
عذيا رقراقا من بين صخور الجبال؛: لسر قت جداول. صقي تخترق ا من
النخيل والأشجارء سمعنا فيها زقزقات العصافير لأول مرة منذ خرجنا إلى
سينء سار الركب على أرض الواحة التي اكتست عشبًاء. تظللنا أفنان
الأشجار المتشابكة؛ ويحف بنا هدوء الجنة العذراء التي لم تطؤها - فيما يبدو-
قدم بشر من قبل؛ فسار الجمع في خشوع. لا يُسمع فيه إلا أصوات حوافر
الكيل مخفا ف النوق:
أناخ أبي الناقة. فهبطت أمي والعمة (باتشيفا)؛ ومعهما باتيا الصغيرة؛ وسرن
إلى جوار ابي في رهبة وانبهار.
قالت أن م 0 أخذها مشهد عصفور ملون يصرب بجناحيه في
- حقًا يا لحف إن للجمال نرف
- بل هي بشائر الأرض المقدسة تلوح في الأفق يا (رومانا)!
قالت عمتي (باتشيفا) وقد أَخِذت بجلال المشود:
- هل اقتربنا من الأرض المقدسة يا (زخاري)؟
قال أبي:
- ليس بعد يا (باتشيفا) ولكثًا تركنا الصحراء إلى الأبد. وعما قريب تطأ أقدامنا
الأرض التي مشى عليها اباؤنا (إبراهيم) و(اسحق) و(يعقوب).
رأيتاها شكىق: قريقت: امي على كتفوا ف إتتفاق: قلق تليث أن*مستحت
دموعهاء. والتفتت نحو الصحراء قائلة:
- لعنة الله على تلك الصحراءء: لم نر فيها خيرًا قط أخذت منا ولم تعطا!
ثم أجهشت في البكاء مرة أخرى فاحتضنها أبي وقال:
- هوني عليك يا أختاة!
فغدًا يذكرنا الناس في صلواتهمء: ويقدسنا أحفادنا ويقولون هؤلاء من خرجوا
مع نبيهمء ووعدهم ربهم فاوفى بوعده لهم.
قال:
- لعل الرب أرشد نبيه إلى هذا المنزل كي تشتاق نفوس الناس إلى الأرض
المقدسة!
ثم حطت الرحالء وكان أول بيت أقيم في النزك الجديد هو بيت الرب: انهمك
الرجال في نصب خيمة الاجتماع والمسكن وإقامة المذبح, وبعد أن صلى بنا
نبي الله (موسى) صلاة الشكرء جلس إلى رؤساء العشائر يقسيم بينهم
أرض الواحة, فجاء نصيب سبط رأوبين إلى جوار عين ماء صافيه اسمها «عين
جحديرات», وجاء نصيب أب من الأرض مساحة صغيرةٍ لا يزيد طولها وعرضها
عن عشر أذرع: تتوسطها شجرة سنط عالية, فقام أن بمعاونتي ومعاونة
(عامير) بقطع شجرة السنطء ثم شرعنا في بناء دار من طابقين يفصلهما
سقف من ألواح الخشبء أعددناه من شجرة السنط؛ ويصل إلى طابقها
العلوي سلم خشبي أقامه 5 خارج الجدار واخترت أن تكون حجرتي مع
(عامير) في الطابق العلوي. وكنت كثيرًا ما أجلس في حجرتي المرتفعة,
اتطلع من خلال نافذتها إلى ساحة الحي وأرى منها خيمة الرب» قيصفو
عقلي لمرآهاء وأمكث ساعات أكتب فيها أوراقيء وآدون ذكرياتي عن الخروج.
وأثارت الطبيعة الخصبة حنين أمى إلى النباتات التى كانت تزرعها فى مصر,
فأخذت بعض حبات من الفول أحضرتها معها من مصر وكانت_ تنوي زراعتها فى
الارض المقدسة. فلما رات خصوبة الأرض حولهاء ٠ بذرت بعضا منها فى حوضٍ
من الطين حرتقه أمام الدار توسنوّرتة:بقطع من الحجارة حتيئ لا تطأة أفداهنا”
وكانت تُحضر له الماء من البئر لترويه؛ ولم تمض بضعة أسابيع حتى ارتفعت
شجيرات الفوك عن الأرضء» ثم لم تلبث أن أقهورت قرونا خضراء ذات بهجة بها
بذور منتفخة ذات طعم محبب, أكلّت منها العمة (باتشيفا)؛ فهزت رأسها طربًا
وهي تستطيب مذاقها وتقوك:
- لم أفتقد من مصر سوى عَدَسِيها وفولها.
أكملت أمي وهي تنزع بأصابعها القشرة عن حبات الفول وتلقفها في فمها
في تلذذ:
- بل قولي وثومها وبصلها وقِتَاؤهاء وهل تُخرج الأرض فى مصر إلا أطيب
الطعام؟
ضحك أبي وقال:
أفلا زرعت لنا يا (رومانا) حوضًا من البصل حتى يتقاتل عليه بنو إسرائيل؟
قالت متحسرة:
- ليتني أملك له بذودًا!
ضحكنا وقال أبي مكررًا جملته الأثتيرة دون أن يمل:
- حينما تتذوقون عسل الأرض المقدسة ستنسون بصلّ مصر وثومها.
ومرت الشهورء وانحسر نهار الصيف مؤذنا بقرب الخريفء: واستيقظنا ذات
ودب النشاط في النزل. كنت انام الى جوار (عامير) حينما طرق مسامعي
صوت النفير. فقمت من سريري مسرعا ونظرت عبر النافذة فرأيت الرجال
يتوافدون إلى ساحة الحي ورأيت أن يخرج مسرعا وهو يكمل ارتداء توبه
في الطريق» ناديته فقال دوت أن ينظر نحوي:
- أيقظ (عامير)» وانْبَعَانِي إلى ساحة النزل؛ فنبي الله يجمع الرجال والشباب
لأمرٍ جلل.
أيقظث (عامير) يدفعة من قدمي كما اعتدت على ذلك دائمًاء فقد كان نومُه
ثقيلاء فاستيقظ فزعًا غاضبًاء وقبل أن يسْبّني قلت له:
- أسرع فقد دق النفير ونبي الله يجمع الناس لأمر جلل!
فرك عينيه ثم أدخل قدميه في نعلء وهرول خلفي قافرًا درجات السلم
الخشبي في خطوتين: ولم تمض لحظات حتى كان بنو إسرائيل يملئون
ساحة النزل. وعرق الليل لا يزال يختلط بأجسادهم واحمرار النوم لم يذهب
بعد من عيونهمء. تساءل الجميع عن سبب الدعوة. ولكن يبدو أن احدا منهم
لم تكن عنده الإجابة. فتوجهت العيون تلقاء الخيمة في انتظار خروج الكليم.
ومضى وقت: قصير قبل أن يخرخ الكليم من الخيمة وخلفه سداز الشاب
(يوشع): والكاهن الأكبر (هارون)ء وبعض الرجال من رؤساء العشائر. صعد
(موسى) إلى صخرة عالية حتى يراه الناس. ثم مجد الرب وقدّس اسماءهة.
ثم نادى في الناس قائلًا:
- أيها الناس!
قد وعدكم الرب الأرض المقدسة. وها قد صرتم على أبوابهاء لا يفصلتكم
عنها إلا قليل, أيّها الناس قد أمر الرب بأن تصنعوا له جيشاء تقاتلون لأجله,
وتتقدسوت باسمه؛ فيضرب بايديكم على رقاب اعدائكم ويكن معكم أينما
صعدتم في البرية. حتى يعلم الناس أن الرب إله إسرائيل؛ قد تمجّد في
السماء والأرض؛: وأنه قد صار له حيشس نّ عظيم يرهب به ملوك الأرض في كل
الممالك.
صمت لحظات وقلوب الناس تقرع في فزع وأعينهم تدور من الخوف ثم قال:
- هكذا قال السيد الرب كل من جاوز العشرين من عمره من الرجال يكن
جنديًا في جيش الرب» يحمل سيفا أو ترسا أو رمحّاء ويقاتل باسم الرب حتى
يتمجد اسمه أو يهلك دون ذلك!
عم الصمت بعدما فرغ من حديثه ورأيت شبح الخوف يطوف على الناس
ويمس بأنامله قلوب الرجال2. فيبهتت الوجوه وانعقدت الألسنة. ولم يفق
ا سي لح ا 00
- وهل نعلم قتالا يا (موسى)؟!
|
قال (موسى). وقد بدا أنه أعد العدة لهذا السؤال:
عدا بغر الذين كنب علبهعر الفقال إلى اطراف:الواخة: وليات كل رزجل مدوم
بفرس أو رمح أو سيفء ومن كانت له فأس أو ترس فليأت بهماء ثم أشار إلى
الرجال من خلفه قائلًا:
- هؤلاء هم قادة جيش الربء. منهم تتعلمون الرمي والطعنء ويد الرب فوق
ايديكم.
وانفض الجمعء. وعدنا في اتجاه الدار.ء وفي الطريق رأيت أبي يخطو في
سرعة وقد لمعت عيناه فرحًا. أسرعنا خلفه انا و(عامير) حتى حاذيناه. تم
قال (عامير) وهو يلوث:
- أما يجوز لي يا عماه أن أكون في جيش الرب؟
ابتسم أبي قائلًا:
- كم عمرك الآن يا فتى؟
مط شفتيه وقال:
- لا أدري لعلي قد اقتربت من العشرين أو أكبر قليلًا؟
- وهل تكبرني بخمس سنوات؟!
وقد كنت حينها في الخامسة عشرة!
لكزني بكوعه في جانبي حتى اصمتء. فضحك أبي وقال:
- لا تتعجل يا بني» إنما هو أمر الرب, وسياتي يوم قريب تكونان فيه في
جيش الرب.
وعند الظهيرة جمعنا وقت الغداء. كانت أمي تضع أطباق الطعام على الأرض
ويبدو على عقلها الشرودء بينما كانت العمة (باتشيفا)ء. تصفف شعر (باتيا)
بشيء من العنف جعل الفتاة تتذمرء وتحاولكٍ النهوض المرة بعد الأخرى؛
ولكنها لم تستطع أن تفلت من يد العمة التي أمسكت بشعرها الطويل في
قوة, لاحظ أبي شرود أميء ويبدو أن العمة (باتشيفا) قد لاحظته أيضًا ولكنها
فهمت السر وراءه. فقالت لأبي:
- ألم يعدنا (موسى) الأرض دون حرب؟
إذن فلم يدعٌ الآن إلى جيش الرب؟
قال أبي:
- وهل تُمتح الجنة بغير ابتلاء يا (باتشيفا)؟!
ألقت بالمشط ثم عقصت شعر (باتيا) وهي تقول:
- وهل بنو إسرائيل رجال حرب يا (زخاري)؟!
- ما دام الرب معنا فلا خوف علينا يا (باتشيفا). ألم يحارب بنو إسرائيل
العماليق في «رفيديم» وهزموهم بإذن اللّه؟!
أفلتت (باتيا) من بين يديها بعد أن فرغت من تصفيفها ثم قالت في حدة:
- لا تتغابى يا (زخاري)؛. وهل قتال قطاع الطرق كقتال جيش الكنعانيين؟!
ثم أردفت في مزيد من الحدة:
- وهل نسيت ما حدث ل_(أشكول) في «رفيديم»؟
لم تستطع أمي أن تتحمل المزيد من الكلمات التي تفضح ما يحيك في
صدرنها .من حخوف» فالقت بالظيق الأخير: فحاسشت 'غيوبها بالدمغ وقىي تؤروك
خارجة الى الففاء الخلفي للذار.
وغضب أبي من كلمات عمتي فقال ناهرًا:
- ألن تكفي عن ذلك يا (باتشيفا)؟
ماذا عساي أن أفعل؟!
هل أهرب بليل من الواحة كما هربت أنت من قبل مع (الشامري) من
«رفيديم»؟
صدمتها كلماته. وكانت تلك المرة الوحيدة التي أرى فيها أبي يذكر
(الشامري) بسوء منذ فقدناه في حوريبء ولم تجد العمة رذا سوى ترك
الحجرة وهي تقول باكية:
- قطيعة بيني وبينك يا (زخاري)!
لا اخاطتك بلسانن حتى اموت!
رأيت الغضب والبؤس على وجه أبيء فترك الطعام هو الآخر؛ ودلف إلى
غرفته, وعند المساء كنت أجلس إلى جوار النافذة أخط بقلمي في صفحات
السفر الذي تزايدت أوراقه., وقد انعكس ضوء القمر الذي اكتمل بدرًا عليهاء
وبينما كنت كذلك سمعت صوت نحيب خافت يأتي من جهة الباب الأمامي
للبيت؛ اطللت براسي فوجدت امي تجلس وحدها على عتبة الدار؛ ثم لم
يلبث ابي أن خرج من الباب وجلس إلى جوارهاء ربت على كتفها ثم ضمها
إلى صدره وهو يقوك:
- ما ظننتك تفرقين لأمر الحرب هكذا يا أم (شمعون)؟!
هوني عليك يا (رومانا). فلقد وعدنا الرب بالنصر كما وعدنا بالأرض؟
هزت رأسها باكية:
- ما خرجت لأجل الأرض يا (زخاري)!
بل خرجت لأجلك أنتء: فماذا عساي أن أفعل بأرض لست فيها؟!
ضمها إلى صدره أكثر وقال:
- تتحدثين وكأنك تنعينني يا (رومانا)!
بكت أكثر وقالت:
- حفظك الله لنا ولكني عاتبة على ربي!
نظر إليها معاتبًاء فقالت:
- لم كتب علينا القتال؟!
أما آن لنا أن نرتاح مما لاقيناه من شقاءء وننعم قليلًا بعد الجعد.
- تلك تربية الرب لنا يا (رومانا) حتى ننال جائزته!
- استغفري الله يا (رومانا). وتفاءلي خيرًا بوعده.
نكست رأسهاء وهي تمسح دموعهاء ثم تمتمت:
- أستغفر الله.
فأمسك أبي بيدها ثم دخلا إلى الدار. وسرحت بخيالي في أمر بني
إسرائيل: وتعجبت من كثرة ما يتعرض له ذلك الشعب من بلاء واختبار؛ وألح
فى فقلى نتسوا قل" كنوة اللدء تدك[ الفاسن إلين محظيزة الزيقاف: آم
ستخرجهم منها إلى التمرد والعصيان؟
00 00 00 00 0
وأقيم معسكر جحيش الرب في الصحراء المتاخمة للواحة. نصبت خيام
المعسكر على الجانبين. وتركت الساحة خالية للكر والفر والتدريب على
القتال. ارتدى الرجال سترات الحرب وأغطية الرأسء وتمنطقوا بالسيوف التي
صنعت في مخيم كبير اقيم في طرف المعسكر. صكت فيه الدروع والسيوف,
وسائر سرابيل الحرب.
كنت أخرج في كل صباح مع (عامير)؛ فنصعد إلى ربوة عالية تشرف على
أرض المعسكرء ثم نركن إلى صخرة نستظل بظلهاء لنشهد مهارات الرجال
في المبارزة وركوب الخيلء وكان (عامير) مفتونا بقوة نبي الله (موسى). الذي
كان يقف في ساحة المعسكر بلا ترس ولا غطاء رأسء يقاتل بيديه العاريتين
العصبة من الرجال فيصرعهم دون مشقة أو عناء. وكان (عامير) يتمتم مذهولا
ويقوك:
- ليتني حظيت بعُشر قوة (موسى)!
- لن تحظى يذرَةٍ منهاء فهو نبيّ مؤيدٌ بقوة السماء.
أما أنا فقد كنت مفتونًا بمهارة (يوشع بن نون), ذلك الفتى الذي قاد جيش
07 0 المكد دن وكاند ول 0 قائرّاء كان 0 فارع الطاول
ممكوف القوام تنه فلات عغصدية وييافية في رذانة الفضير كحدا بل قدت
من الصخرء. ينساب جسده يمنة ويسرة عند القتال في رشاقة الفهد. تم
عض فى قرة اللمث كل سريقة نص كه في أحطات. وكيك اتسكتن«حين
أراه على صهوة جواده: كيف يطاوعه فرسه فيصنع له ما يشاء؟
نين كلدت أنة يحلق به ذات يوم إلى السماءء. إن أمره (يوشع) بذلك!
ومثلما رأيت في (يوشع) البطل الخيالي الذي تهفو إليه قلوب الفتيان في
مجتمعة دون خلل أو نقصانء. ولعل في حياة كل منا مرحلة تتبدل فيها
المشاعر نحو الآباء من النفور والضجر إلي الفخر والإعجاب, وأكاد أجزم أنني
قد بدأت تلك المرحلة مبكرا في تلك الأيام 5 فقد رأيت النجار (زخاري) وقد
تبدل به الحالء وأصبح جنديا مطيعا في جيش الرب يتدرب يوميا على القتال,
دوت كلل أو مللء يصقل مواهبه في الرمي والتسديد في عير أوقات التدريب,
حتى صار أبرع بني إسرائيل في رمي السهام ورأك (يوشع) بعينيه
الخبيرتين تلك المهارة 0 التسديد التي حَظيّ بها أبيء. فعهد إليه بتدريب
فريق من بني إسرائيل على رمي السهامء ثم جعله قائدًا لفرقة الرماة في
جيش الربء وعاد ابي في ذلك اليوم الذي اختاره فيه (يوشع) قائدا لفرقة
الرماة إلى منزلنا وهو يرقص فرحًاء يزف إلى أمي البشرىء فما كان منها إلا
أن بكت وهي تقول:
- ما وددت أن أراك جنديًاء فعدت إلي قائدًا لفرقة!
ومرت الأيام والشعور وجيشس الرب يزداد يوما بعد يوم قوة في التسليح, وتقة
في النصرء والفضل في ذلك كله كان يرجع إلى الشباب من بني إسرائيل
الذين أشعلوا قلوب الناس حماسة, وفتحوا لهم أبواب الأمل على مصراعيهاء
فكانوا يمشون بين الناس وقد علت وجحوههم نضرة الطمأنينة, يتحدتون في
يقين عن قرب النصرء والوصول إلى أرض الميعاد.
وفي صبيحة اليوم التاني من الشهر الثاني للسنة العاشرة من الخروج, ٠ جمع
(موسى) من كل سبط من الأسباط رجلاء اختاره بعناية, ثم أمر الرجال بأن
يتنكروا في زي تجار من الأعراب» وأن يصعدوا إلى الأرض المقدسة,
فيتحسسوا فيها عن كل شيء صغيره وكبيرة: وقال لهم:
- انظروا إلى أرض كنعان وإلى الشعب الساكن فيهاء خذوا من كل مدينة
ثمرة. ومن كل أرض حفنة من التراب, حتى يعلم بنو إسرائيل أن الرب قد
وعدهم الجنة في أرضه.ء لا تغفلوا عن حصن ولا سورء وكل ما ترونه من أهلها
فاحفظوهة:, واعلموا أنكم نقباء الرب ورؤساء بني إسرائيلء قد اختصكم بذلك
الفضل وحدكمء اربعون يوما وليلة. تعودون بعدها إلى الشعب الرايبض في
قادشء فتنفخون الأبواق. وتدقون الطبول. ثم تسيرون على بركة الله حتى
تطاوا ارض ابائكم (إبرام) و(إاسحق) و(يعقوب).
وتحرك النقباء الاثنا عشر وقد تنكروا في ملابس بدو من الصحراء. وساروا في
قافلة صغيرة بها بعض العير.ء تحمل بضاعة مزجاة من العوسج والتين واثواب
من ماش الكتان السميك الذي تصنع منه الكيامء. وكان في مقدمة القافلة
الشاب (يوشع بن نون)؛. وصديقه (كالب بن يفنه) من سبط يهوذاء وكان من
بين الرجال رجل من سبط رأوبين يدعى (شَمُّوع بن ذَكُور) كان ممن علّموا
أبي القراءة والكتابة. وكان حينها في الستين من عمره, كث الحاجبين,
تتدلى شعيرات حاجبيه حتى يوشكن ان يلامسن رموشه. ولكنه رغم ذلك
كان صحيح البنيان شديد الجلدء اختاره (موسى) لأنه كثير التأمل والتفكيرء لا
يكثر الكلام ويقوم بتدوين ما يجول في خاطره أو يراه في رقاع من البردي,
ولقد استبشر أبي خيرًا بخروج (شَمّوع) وقال وهو يودعه معانقا:
- استبشرت خيرًا بخروجك يا ممعلمي. فسنرى بعينيك ما لا يراه الآخرون!
فارتسمت ابتسامة رائقة على شفتيه: وربت على كتف أبي قائلًا:
- وإن منحني الرب عمرًا بعد أن أعود سأكتب ما رأيته. حتى يقرأه ولدك
النابغة (شمعون)!
فنظر أبي نحوي مفتخرًا ومسح على رأسي قائلا:
دق لك إن تفتتكردا انك (زومانا)!
هذه شهادة لك ممن علم أباك القراءة والكتابة.
والحق أن ما سأرويه في السطور القادمة؛: إنما هي أوراق (شموع بن ذكور)
التي كتبها في تلك الرحلة, وقد قدر لي أن أطلع عليها في أيام لاحقة. حين
تركها لي ومعها رسالة مكتوب فيها:
«تلك هي شهادتي على الرحلة المشئومة: اتركها ل.(شمعون بن زخاري),
كف يوؤرع ا على الأ حيال: الغادمة سدق تعلين كيف: ضغ التشتففاء من متسا بت
فاورثوا ابناءهم الخزي والعار ومرارة التيه».
وإليك ما كتبه «شَمُوعَ بن ذَكُور»
00 00 00 00 0
الورقة التاسعة عشرة
«بسم الرب إيلء المتجبر باسمه إلوهيمء واهب الحياة باسمه يهوه» وبعد
فهذا ما كتبه (شموع بن ذكور) عن بعثة النقباء الاثني عشر إلى الأرض
المقدسة:. التي وقعت في اليوم التاسع من آيّار لسنة ثماني من الخروج:
* اليوم الثالث من البعثة:
«تركنا قادش برنيع ثم اجتزنا جزءا من البرية في يومين. حتى وصلنا إلى «تل
عراد», التل يشرف على الصحراء من كل جانب, وأقام فوقه الكنعانيون حصنا
هزيلًا لا تقفل أبوابه إلا ليلا هنا تلتقي القوافل المتجهة إلى الشرق أو
الجنوب؛. قابلتنا قافلة ضخمة يفوق عدد نوقها الألف ناقة وتسير جنوبا في
اتجاه أرض العرب؛ علمنا أنها قافلة لقبيلة جرهم العربية:, تحدث (يوشع) إلى
قائد القافلة. وسأله عن الطريق إلى مدينة «بيت إيل» فعلم أنها تقع على
بعد تلاثة أيام» * اليوم السادس من البعثة:
«وصلنا إلى نهاية الطريق الصاعد قبل الغروب» رأينا مدينة «بيت إيل» في
الأفق: تتدرج تلالها كالسلالم ويقام على كل تل سور ضخم من الحجارة:
جعل المدينة كلها تبدو كقلعة حصينة. وصلنا إلى البوابة الاولى.ء فخرج إلينا
الحراسء؛ وفحصوا متاعنا بدقة: ويبدو من دقة التفتيش أن الكنعانيين لا يثقون
كتيرًا في الاعراب القادمين من الصحراء» * اليوم التاسع من البعتة:
«تفرقنا بالأمس إلى أربعة مجموعات: أمرنا (يوشع) بأن نتحدث إلى السكان
دوت أن نكشف 0 هويتناء وأن نشتري ثمارا من الأسواق نحتفظ بها لحين
عودتنا إلى سينء المدينة تبدو غنية: ونظيفة؛ وتكتظ بالغرباء من اليبوسيين
والحيثتيين ا سألت بائعة فطائر وأنا ابتاع منها شطيرة محلاة
بالعسل عن مكان للعبادة. فوصفت لي مكانا على بعد عدة شوارعء قالت
لي إن اسمه «مذبح إبرام». خفق قلبي للاسمء فقد كنت أعلم أن أبانا
(إبرام) أقام مذبحًا للرب في بيت إيل وهو المكان الذي وعده فيه الرب بذرية
عظيمة تمتلك الأرض كلها من بعدة.
وصلنا إلى المذبح فوجدنا زحامًا شديدًا وأناسًا يقفون في صف طويلء. وفي
مقدمة الصف كان يقف أحد الكهنة بالموسيء ٠ وحين يصل الواقف في أول
الصف إلى موضع الكاهن ينحني ويطأطئ رأسه في خضوع امام الكاهن.
فيمر الكاهن على رأسه بالشفرة الحادة ليزيل عنه الشعر من الجذورء تاركا
جلد رأسه أبيض داميًا تتقاطع فيها الجروح والندبات من أثر الموسى.
علمنا أن ذلك الصف هو صف الخطيئة: وأن هؤلاء الناس يكفرون عن خطاياهم
يحلق زءوس هم تمامًا. امترنا أحد الكفنة بان »تضم إلى الضتف. ولكتنا شكرناة
وانصرفناء وبينما كنت 05 مغادرا رات تمثالا ينتصب فوق سور المذبح
ويشرف على الساحة التي أمامه؛ كان تمثالا ضخمًا قبيحًا على هيئة إنسان
مصنوع من العقيق الاحمرء يتلالا وجهه بضوء المشاعل من حوله وكانه
شيطان فيثير الرهبة في القلوب. سمعنا بعض الاحباش يهتفون له قائلين:
- هو - بل!
هو - بل!
سألني (شافاط):
- ماذا يقولون؟
قلت:
- يقولون يا بعل؛ يا بعل.
ثم انصرفنا وأنا أرغب في البكاء بعد أن رأيت مذبح أبينا (إبرام). وقد دنسه
الكنعانيون بالاوثان. وبتمتال الإله بعل» * اليوم الحادي عشر من البعتة:
«كاد أمرنا أن ينكشفء خالف (فلطي) من سبط بنيامين أوامر (يوشع): وأفصح
عن هويته رغما عنه؛ كان (فلطي) يتجاذب أطراف الحديث مع أحد الرجال
مدعيا انه تاجر من مصرء وكان الرجل يجيب على أسئلة (فلطي) بأريحية
وسعة صدرء ولكنه كان يدس بين عباراته, أسئلة بريد أن يستنبط بها حقيقة
(فلطي). وبينما كان (فلطي) يسير إلى جواره دعاه الرجل إلى مشاركته
الاستجمام في مغطس أقيم . في منتصف المدينة لراحة الأثرياء. فوافق
(فلطي) ونزك إلى المغطس الدافئ عاريًا إلا من إزار يستر عورته. وظل الرجل
الثري يتحدث عن كنعان وبيت إيل إلى ان فاجا (فلطي) بقوله:
- هل يختتن الرجال في مصر؟
فأسقط في يد (فلطي) وقد ظن أن الرجل قد كشف عورته فقال مسرعًا:
- نعمء نعمء بعضهم يختتنون!
علت وجه الرجل ابتسامة صفراء ماكرة وقال:
- عجبًا إن لي جارية مصرية أخبرتني غير ذلك!
فظن (فلطي) أن الرحل قد كشف أمره وقفز مسرعًا من المغطسء ولكن
جرانا أحالوا ثيثة وبين الكروع: ودين له:حينيق أن الرخل الترى الذى شاركة
المعظس قوضاعب الستوظه فى يف ]نل ا
وكان صاحب الشرطة يظن أن (فلطي) جاسوس من الموآبيّين لولا أن أفصح
(فلطي) له ببعض الحقيقة واخبرة انه صعلوك من العبرانيين تنكر في زي تاجر
حتى يحظى ببعض القربى والمال من الاثرياء.ء فصدق صاحب الشرطة
ركاه لصوو ا موقا كد لع وتقائة إن لبها لون عاب أت فا شاف أخواك
(فلطي), وطرده من بيت أيل» * اليوم الخامس عشر من البعتة:
«وصلنا إلى شكيمء والتي تعني في لغة أهل كنعان المنكب: أقيمت على
رض مرتفعة تفصل بين واديين وكأنها تحمل المدينة وقلعتها على منكبيهاء
كان سورها الضخم يلقي الرهبة في القلوب, تحدتنا لأوك مرة في وجل عن
حصون ارض كنعانء. وتساءلنا عن كيفية اختراقها إذا ما قامت حربء فقال
(يوشع):
- بكثير من الإيمان وقليل من المكر. تسقط أعتى الحصون!
وأمرنا (يوشع) هذه المرة أن ندخل شكيم فرادى. حتى لا نثير الريبة في
النفوسء: على أن نلتقي عند صباح اليوم التالي خارج أسوار المدينة. وشدد
علينا أن نحفظ مداخل المدينة ومخارجهاء ومواضع الأبراج والحراس فيهاء وقال
في حماسة:
!اذ شتفظت شكيم: سقظت اررض كتفاتة:
سرت منفردًا في الطرقات, أتطلع بطرف عيني إلى كل حامية؛ وأكتب عدد
الحراس فيها وارسم مداخلها ومخارجها في ورقة دسستها بين طيات
ملابسي حتى لا يراها أحدء فلقد رأيت في شكيم جنودًا أكثر مما رأيت من
أهالي البلدة. وظللت على ذلك الحال حتى جن الليل؛ واكتشفت أنني لم
أذير.مكانا للمييم. وان العتور على نرل ,فى المساء سيكون دربًا من
المستحيلء فعرجت إلى حانة في زقاق ضيق» سطعت أنفي رائحة 0
قبل أن أرى أنوارهاء كانت الحانة شبه فارغة إلا من اثنين من السكارى
الآخر فألقته في ركن الحانة جحثة هامدة إلا من صدر يعلو ويهبط وشخير ترتج
له الحانة الخشبية؛ نظر إليّ صاحب الحانة وكأنه يسألني مطلبي من
الخمرء فأشرت إليه شاكرّاء واستأذنته فقط في المبيت مقابل مالء وقبل أن
يعترض كرحت قطعة من الذهب, أدارت عقله أكثر من رائحة الخمر, فأشار
إلى صوان في ركن الحانة وضع عليه فرش متربء؛ وقاك:
- يمكنك المبيت هنا حتى الصباح, ثم التقف مني قطعة الذهب في لهفة.
كان جحسدي متعبّاء وتمنيت أن أهنأ بنوم هادئ؛ ولكن الرجل السكران ظل
يهذي بصوت مرتفع وقال موجها كلامه نحوي:
- اختبئ أيها الغريب؛ وتدثر بالغطاء جيدًا ولا تمعن النظر في الظلامء حتى لا
تخطفك اشباح «بني عناق»!
ثم ضحك ضحكة مجلجلة كمن يحاكي ضحكات الأشباح. ونشب أصابعه في
الهواء كالمخالب.
ورغم علمي أن الرحل ذاهب العقلء وأنه يهذي كالمجنون, فإن رعدة خفيفة
سرت في أوضالف ووذتث: لو شسألته عن <يني عناق»»:- ولكنتي آترث النوم
فأدرت وجحفي نحو الجدار ونمت حتى الصباح!
» * اليوم السادس عشر من البعتة:
«التقينا عند الصباح خارج أسوار شكيمء كان أول من وصل (يوشع بن نون) ثم
(كالت نق يفته) ثم انا؛ سألاني بلوفة نعما رايت فاخيرتهم عن كل شدي
اعظطيث ليوشة. الورقة التان. رسمت فيها مداخل. ومجازج الحامياث» فيل
راسي قائلا:
- حمدًا للرب أن خرج معنا رجل مثلك يا فخر رأوبين.
ولم تمض لحظات حتى أتى باقي النقباء معاء وكأنما التقوا في مكان آخر قبل
أن يفدوا اليناء لم تبد على وجوههم علامات الخيرء, سألهم (يوشع) عما رأوة:
فقال معظمهم:
- إن المدينة حصينة لا يمكننا أن نخترق أسوارهاء الجنود في الشوارع أكثر
من الناسن: 'فعن. النيوت: “تلك |الأرضن. .تاكل. اهلقا 'فكنف .نصدع : بالقرياء
والمعتدين؟
كان كلامهم يبعث على الإحباطء؛ وأراد (يوشع) ألا تسود روح التشاؤم فيما
بينهمم فقال:
- قد حصرنا الأبواب وعدد الجنود, ورسمم النا (شموع) مداخل ومخارج
الجعاميات. وستقيو فع قفي الله كيفية إفهام الأسها.
ولك محاؤلعة تلك.باءفة بالفشتل أمام كلمات (شافاظاين شوري) الى حاءك
كلطمة على وجه الجميع وهو يقوك:
- وماذا ستفعلون مع بني عناق؟!
|
تذكرت كلمات الرجل السكران في الحانة؛ وانتابتني نفس الرعدة. فسأله
(يوشع):
- من هؤلاء؟!
- هؤلاء هم الجبابرة رأيتهم قبل الغروب عند السور الجنوبي للمدينة؛ يدلفون
من الأبواب الخلفية. رجال طوال ضخامء يبدو الرحل منا إلى جوار الواحد منهم
كالجرادة, يرتدون السواد كالأشباح: ويحمل الواحد منهم درعًا كباب الحصن!
ارتجفت قلوب الرجال: واستنكر (يوشع) كلام (شافاط)؛ فقال معترضا:
- لقد فحصت المدينة شبرًا شبرًا فما رأيت ما تصفه!
هل رأيت مثل هذا يا (كالب)؟
فهز (كالب بن يفنه) رأسه نفيًا وقال:
قاواية الاحنوةا مق الكتعاتيية.
قال (شافاط) ساخطًا:
- هل تكذبني؟!
فقال (يوشع) موجها كلامه إلينا جميعا:
- هل رأي أحدكم أو سمع بمثل هذا؟!
صمت الرجال وقد بلغ الرعب منهم مبلغه. ووجدتني مترددًا بين أن أذكر ما
قاله السكران وبين ان اصمت حتى لا ازيد من رعب القومء. وندت عني نهنهة
دون قصد منيء. جمعت الأبصار نحويء فازددت اضطرايًا وترددّاء ونظر (يوشع)
إلي متشككا وقال:
- هل سمعت بشيء مثل هذا يا سيد (شموع)؟!
ارتجفت شفتي السفلى من التردد وليس من الخوف؛ وقلت بعد أن حسمت
امري:
- قد حذرني رجل سكران في الحانة من أشباح بني عناق!
|
|
ولمر اذز أن "حملة تظقت بها ستتسف عؤيمة الرحال: وتصييوم بكوار لازفهم
طوال الرحلة».
* اليوم العشرون من البعنة:
«كان الصمت هو رفيقنا طوال الطريق. وصلنا إلى «حاصور» عاصمة
الكنعانيين في منتصف النهارء كانت المدينة أقل تحصيئًا من شكيمء ولكنها
كانت أكثر ثراء وبهجة؛ تمتد على أطرافها المروج والبساتين التي أنبتت أنواعا
من الفاكهة لم نر مثلها في أي مكان. نسي الرجال وجلهم وخوفهم
واسشغلوا ف جمع ها يفدروث على حمله من التماز الدي جادت يها الأراضىي
الخصبة. ويبدو أن الأرض هنا كانت شديدة الكرم على الماشية أيضاء فقد
ترهلت أجساد الماشية باللحم. وفاضت ضروعها بالألبان. وبيع الجبن
والسمن بأثمان زهيدة في الأسواق: فأكلنا وشربنا حتى شبعنا ووددنا لو
حفلنا الاليات :معنا إلى سساء :دون أث تفسيعتة أو بتقير ظفمها.
أما الشيء الأكثر وضوحًا في عاصمة الكنعانيين فهو ذلك الفسق والمجون
الذي كان عليه اهلها والذي شابه في ظني- فسوق سدوم وعمورة اللتين
أهلكهما الله في الأزمنة الغابرة.
علمنا أن اليوم هو عيد عشتاروت: إلهة الحب والخصب عند الكنعانيين: رأينا
بعض الرجال يلبسون ملابس النساء ويسيرون في الشوارع عراة الأكتاف
والصدورء وقد صبغوا وجوههم بالحمرة: وزججوا حواجبهم بالكحل والاصباغ:
يحملون الصنوج والدفوف ويتغنون لإلهة الشبق التي يعبدونهاء وخلفهم كان
يسير فوج هائل من الفتيان والفتيات, يتحلون بابهى زينة ويسيرون في أزواج
تختلط في مجوت وتتلامس في خلاعة, ويفصحونف عن عواطفهم علانية دوت
رادع من حياء أو أخلاق: دهمنا طوفان البشرء وتفرقنا وسط الزحامي ووجدتني
مدفوعا رغمًا عني في اتجاه اليكل الذي أقيم لتلك الربة الماجنة. فجأة
وجدتني أقف وجها لوجه أمام تمثالها الضخم الذي يفوق العشرين ذراعًا
والذي تقف فيه عارية حاملة قوى الطبيعية في يديهاء ويقبع تحت قدميها
أاسدان يقولون إنهما يرمزان إلى الرجل. غضضت بصري عن تمثالها حياء:
ولكني لم استطع ان ادفع بصري بعيدًا عن كاهنات عشتاروت اللائي خرجن
من حجرة في جانب الهيكل؛ يرقصن في غلالات شفافة؛ تفضح هبات
عشتاروت إليهنء فاثرن الدماء في عروقي وأنا الشيخ الذي أشرف على
ثم صدحت كبيرة الكاهنات تتغنى على لسان ربتها قائلة:
أنا الأول: وأنا الآخر أنا البغيء وأنا القديسة أنا الزوجة» وأنا العذراء أنا الأم وأنا
الابنة أنا العاقر؛ وكثرٌ هم أبنائي أنا في عرس كبير ولم أتخذ بعلا أنا القابلةٌ
ولم أنجب أحدًا أنا أم ان وأخت زوحي وكل هذا هو نسلي وما إن انتهعى
الطقس حتى فررت من الهيكلء فقد علمت أن تتمة الصلاة تكن باستحمام
الرجال مع النساء في ماء اللوز الدافئ المعبق بعصارة الورد والعنبر!
» * اليوم الثاني والعشرون من البعتة:
«اجتزنا اليوم النهر إلى الضفة الشرقية ووصلنا إلى مدينة «رحوب» في
أقصي الشمال من أرض كنعان؛. المدينة رحبة وواسعة وكأنما سميت بذلك
الاسم لرحابتهاء لم نر فيها سوى حصن وحيد أقيم على حدودها الشمالية
حتى يصد عنها غارات جيرانهاء اما باقي المدينة فكانت -مثل حاصور- مروجًا
وبساتينء مكتثنا فيها لليلة واحدة ثم عدنا ادراجنا جنوبا».
* اليو القلاقوث فين التعفة:
«وصلنا إلى بيت لحمء المدينة محصنة طبيعيًا فهي تقع فوق سلسلة من
الجبال: ويحيط بها الكثير من المنحدرات: ولكن المدينة نفسها تمتلئ بأشجار
الزيتون.ء ويقام فيها معبد كبير للإله «لخمو» إله القوت والطعام لدى
الكنعانيين وإليه ينسب اسم المدينة؛ أمرنا (هوشع) أن تحمل بعض أغصان
الزيتون معنا إلى أرض سين».
* اليوم الثالث والثلاثون من البعثة:
«عاد شبح الخوف من بني عناق مرة أخرىء كنا قد وصلنا إلى وادي
بعيدة؛. وقد بدا من الظلال الممتدة على الأرض أن هؤلاء الجند يتمتعون بطول
فارع وبسطة في الجسمء تفوق احجام الرجالك المتعارف عليهاء فارتعد
الرجال خوفاء وقال (شافاط) مدافعا عن نفسه:
- أرأيت يا (يوشع)؟!
هؤلاء من أنكرت رؤيتي لهم!
أراد (يوشع) أن يهون من ضخامة الجندء وأن يوضح لهم أن تلك هي أجساد
الجند في الجيوش النظامية: ولكنه لم يستطع أن يستأنف حديثه معهم بعد
أن سمعخ منهم ما هدد وقاره كقائد عليهم: فآثر الصمت وعدم الجدال!
وفي المساء اختلطنا بالسكانء؛ ولم تكن الأخبار سارة بالمرة!
علمنا أن هؤلاء الجبابرة هم من الجنود المرتزقة وأنهم آخر من بقي من
شعب عناق المنحدر من الشمالء يدفع لهم الكنعانيون أموالا طائلة مقابل
حمايتهمء. وكان السكان في حبرون يضربون بهم المثل في البطش والقوة
ويقولون:
من يستطيع أن يقف في وجه بني عناق؟!
واستاء (يوشع) مما وصله من أخبار, وأسد إليّ بمهمة خطيرة. خيرني بين
أن أقوم بها أو أن أعتذر عنهاء فوافقت على القيام بها!
فقد طلب مني أن نتنكر أنا وهو في زي حمّالين من حمّالي الطحين؛ وأن
ندخل إلى الحصن الذي يقيم فيه العناقيون. على ان ارسم بقلمي كل
المداخل والمخارج فيه بينما سيحصي هو اعداد بني عناق المقيمين في
الحصن.
وفي الصباح اندسسنا بين زمرة العمال الواقفين أمام أسوار الحصن في
انتظار عربات الخيول المحملة يالطحين, ف العربات, فأسرعت بهمة وحملت
جوالا صغيرا من الطحين وقد أخفيت وحعيي ورا ساق بلثام حتى لا يرى أحد
وتقدمت صفوف العمال دون أن أنظر إلى (يوشع) حتى لا يظن أحد أننا
رفيقان, متحت أبواب الحصن, فأصدرت تروسها وسلاسلها صريرا عاليًا ألقى
بالرهبة في نفسيء دلفت إلى الساحة وعيني ترصد كل ركن فيهاء لم أرفع
عيني في وجه الحارس العملاق الذي أمرني بالسير في اتجاه المقصف,
ولكن هدير صوته,؛ وضآلة قامتي إلى جواره ألقيا بالرعب في قلبي, سرت
في الاتجاه الذي أشار إليه؛ وأنا أحصي بعيني الأبواب الفارعة التي تقابلني,
وفجأة صاح أحدهم في قائلًا:
000
توجهت نحو المقصفء وما إن ألقيت بالجوال في المخزن الملحق به حتى
اختبات في سرعة: وانسللت إلى الفناء الخلفي للمقصف دوت أن يلحظني
أحد؛ توقفت لحظات لاهتاء وأنا أرقب الطريق؛ وتلبستني روح جرذ وأنا أهرول
مسرعًا بين الأعمدة الشاهقة للحصنء متسترًا خلف أحجارها الضخمة عن
أعين الحراس فوق الأبراج, وبين الفينة والفينة كنت أخرج أوراقي من بين
طيات ملابسي فأدون رقمًا أو أخط رسماء وبينما أنا كذلك رأيت قبوًا 0
مقريبة من الفناء, فشجعني بابه المفتوح والطريق الخالي نحوة على أن أدلف
بداخله؛ رأيت على مدخل القبو رسمًا ضخمًا لطائر عجيب مفرود الجناحين
وله راتكن ضخم وآنياب» هبطت الدرج في سرعة فأسلمني إلى بقو فسيح
ومعتم: . إلا من ركن مضيء في نهايته رأيت فيه تمثالًا اللطائر ذاته وقد تلألأً
جناحيه المذهبين ومخالبه في ضوء المشاعلء التي أنارت حرمه المقدس
فأدركت أن هؤلاء القوم يقدسون ذلك الطائرء تقدمت نحو التمثال في حرص,
فرايت نصًا قد كتب تحته يقول:
«تمحدي أيتها العنقاء, واحملي بقايا جسدك على مذبح الشمس, حتى
يخرج منك مولود جديد» كدت أعود أدراجي إلى الفناء قبل أن يلحظني أحدء
لول ات لمحت ,اذا ضفر :| تفن بعلى الكرة المفديين للتماله :وريد قرش انق
الظلام. تعجبت من حجم الباب الصغير الذي لا يكفي لمرور رجل من بني
عناق: وساقني الفضول إلى أن أفتح الباب وأن أدلف منه مطمئئًا إلى أن أحدًا
من بني عناق لن يلقاني خلفه, اكت في يدف شتعلة من البار: ذم سرت
في سرداب طويل ومظلم تفوح منه رائحة العطن. ولم يمض وقت طويل حتى
فقدت: الاحتباس: بالمكات: وال قعاة من. كبره .ها “تاوى من الشوداب الظويل
كالمتاهة. ثم شعرت ببعض الخوف حينما طال الوقت؛: ولهثت انفاسي من
الجهد وقلة الهواء وخفتت نار الشعلة ولم يتبق منها سوى ذؤابة أوشنكت
على الذبول؛ فكرت في العودة أدراجي حتى لكا أسقط من الإعياء. ولكني
تكارلت عن نلك الفكرة حينها رأروم رسعا عا :مون تور وكسن ام إلى خذاخل'الشتجرفا ب
المظلمرء سرت خلف الشفاع الذي اشعد نوره تدريجاء ومعه كانت تشرقف
نفسي بالامل إلى ان سطعني ضوء النهار. ووجدتني خارج اسوار الحصن
في قلب وادي حبرون صرخت من الفرح وخر جسدي راكعا للرب. وحمدته
حمدًا كثيرًا على الخروج ناكا ثم تحلتننت 'نقم أن هدأت ثورة نفسي
وامشكت بالورقة والقلم 0 كل ما قابلني داخل الحصن رتسم موقع باب
الممزدات النود رق ادف رعهي إلى الكرم المقديين.
وفي المساء كنا نجلس أنا و(يوشع) في المنتصف وحولنا النقباء العشرة.,
أخبرناهم بكل شيء عن بني عناق»؛ وصفهم وعددهم والنقاط الحصينة,
والنقاط الضعيفة, ومدخل السرداب ومخرجه,: وانتهينا من كلامنا فوجدنا
وجوهًا قد علاها الرعبء وقلوبًا ترحف من الخوفء وأمسك (يوشع) بالرسم
مخط تالقلة ذاثوة حول :رات السيرداب اليسريا :وقال تضوف عال:
هذا بان فيه ركمة: ومذكلنا إلى النصوياذث الها
نظر إليه الرجال في عجب واستغرابء. وقال (يجال بن يوسف) من سبط
يساكر ميستيكرًا:
- أي باب!
وأي مدحخّل؟!
إثا لن ندخلها ما داموا فيها!
نظر (يوشع) إلى (كالب بن يفنه) يستمد منه النصرة؛ فقال (كالب):
- تنسل جيوشنا من ذلك الباب» فإذا دخلنا منه نكن في قلب حصنهمء ويكن
لصحيف
لم يبد عليهم التأثر مما قال فنظر إليّ (يوشع) وقال:
- قل لهم يا شيخ (شموع) إننا إن نصعد إلى تلك الأرض فإننا نملكها لأننا
حاولت أن أتفوه بما قال. ولكن انعقد لساني ولم أستطع أن أنطق به!
ريك خيبة الأمل تعلو وجهه ووجه (كالب) فانصرفا آيسينء ولم أدر لماذا انعقد
لساني في تلك الليلة؟
هل لأنني في تلك اللحظة كنت أخشى من بني عناقء أم لأن قلبي لم يكن
عامرًا باليقين مثل (يوشع) وصديقه (كالب)؟
وجلست وحيدًا بعد أن انصرف الجميع أقلب في الرسم الذي رسمته. وأنا
اقول لتقسينى:
ليتني لم أسمع ولم أرَا
* اليؤمر الشابة والقلاتةت من" النفيدة:
تاوضلنا إلى واف أستكول::ولأول مزة نرت الينة على الأرض» ما هذه الأفتات
الباسقة : والوروة المتفنيدة؟
إن عناقيد الكرم لتتدلى حتى تدنو حباتها من أيدي الآكلين دون مشقة أو
عناء. حملنا معنا عنقودًا من العنب يصل طوله إلى طول صبي يافع؛ وجمع
الرجال من ثمار التين والرمان ما تكفي الثمرة الواحدة منها العصبة من
الناس!
وحينما رأى (يوشع) حماس الرجال وانهماكهم في جمع الثمار مال على أذن
رفيقه (كالب) قائلا:
- حدسي يقول إنهم يجمعون الثمار للمرة الأخيرة!
- أرجو أن ينير الرب بصيرتهم وأن ينزع الرعب من قلوبهم».
* اليوم التاسع والثلاثون من البعثة:
«وصلنا إلى بثر سبع وكانت تلك هي المحطة الأخيرة قبل العودة إلى قادش
برنيع مرة الأرض كلها مرعىء تنتشر بها آبار عدة يتوسطها بثر أبينا (ابرام):
علمنا أن أمير تلك الأرض قد حفر تلك البئر إكرامًا لأبينا (إبرام) فأهداه أبونا
(إبرام) نعاجًا سبع جزاءَ لذلك: فأطلق الناس عليها اسم بئر «سبع», أراد
(يوشع) أن يلقي بسهمه الأخير فجمع النقباء وخطب فيهم واستحث فيهم
النخوة والغيرة على مجد الاباء. وأوضح لهم أن الرب قد سألهم السعي نحو
النصر بينما تكفل هو بتحقيقه لهم وحين نظرت إلى وقع الكلمات على وجوه
القومي أدركت أن أمرًا قد حسم ؛ وأن (كالب) وصديقه (يوشع) قد صارا في واد.
بينما صار باقي النقباء في واد آخر؛ أما أنا فقد كادت الحيرة تقتلني. قلبي
كان يقف إلى جوار (يوشع). ولكن عقلي كان يردد دائما المقولة التي
سمعناها في حبرون «من يقف في وجه بني عناق؟
»> * اليوم الأربعون من البعثة:
أكتب الآن ونحن على مرمى البصر من قادش برنيع أن هداني عقلي إلى
قرار يرتاح إليه ضميريء. وهي أن اكون محايدذا!
لْن أدعو سبط رأوشة ن إلى صعود الأرض ومحاربة بني عناق: ولن أنهاهم عن
ذلك. فما أرسطلتية: نبي الله إلا لأشهد على الأرض؛ وقد اذيك المهمة على
خير وجه!
فمن شاء فليخرج ومن شاء فليبق. وحسبي أن أتبع نبيِّي أينما ذهب!
من الخروج
00 00 00 00 0
الورهه العشروت
كان الوصول إلى الساحة التي استقبلت النقباء الاثني عشر أشبه
بالمستحيل, ضاقت الأرض بالجمع الغفير, وأصبح المرور بين فرحات الأجساد
المتلاصقة خطرًا قد يؤدي إلى الموت سحقا تحت الأقدام الغافلة: أو خنقًا
برائحة العرق التي أججتها حرارة الجو في حزيران. أمسك (عامير) بيكتفي
قبل أن أتوه منه .وسط الأجساد المتراكبة, وانتجار إلى أكمّة تشرف على
الساحة وصاح قائلًا:
+ (سففون) إلى :هناك
انفصلنا عن الزحام وهرولنا إلى الأشجار التي ألقت بظلالها على الساحة,
تسلقنا شجرة سنط عالية كقردين مدربين واستوينا على أفرْعها المنبسيطة,
فجاء مجلسنا فوق الساحة مباشرة, لا يعوق سمعنا ولا بصرنا شيء.
كان نبي اللّه (موسى) يجلس بين جذعي نخلة ينوءان بحملهما من عراجين
التمر, انتحنى الجذعان حتى لامست سُعوفهما الأرض؛» فَبَدَوَا كذراعي كاهن
انبسطا إلى السماء. كان يقف إلى يمينه أخوه (هارون),. وإلى يساره زوج
أخته (مريم) (حور)ء أما النقباء الاثتنا عشر فقد وقفوا في منتصف الساحة. وقد
فرشت أمامهم حمولة القافلة التي عادت من الأرض المقدسة, بانت البهجة
الممزوجة بالدهشة على وجوه الناس الذين لم يتخيلوا أن وفدا منهم قد رأى
الأرض التي سمعوا عنها ولم يروها منذ قرون, اذهلم عنقود العنب الذي عاد
به النقباء من وادي اشكول: وسالك لعابهم لمرأى جرار السمن والعسلء أما
ثمار الرمان العملاقة التي تشققٍ لحاؤها ليكشف عن حباتها اللامعة كاللؤلة,
فقد جعلت قلوبهم تتحرق شوقا إلى رؤية تلك الأرض التي فاق كل شيء
فيه الخياك.
أشار نبي الله (موسى) إلى الرجال لكي يتحدثوا عما رأؤه.
نظو التفاء إلى (بخالنيومنف) لكي يتكدفيوكان اكتوهم تنناء ؤيذا انهم
قد اتفقوا على ذلك: فقال (يجال) بصوت متردد:
- إن الأرض غنية جدًا جدّاء الأغنام سمينة اللحمء والأبقار عظيمة الضرع,
والأسواف تمتلئ بالقمار والكيرات: وهي حفا الأرض الدي تقيض لما فغشلا :
صمت لحظاتء. ونظر خلفه إلى باقي النقباء. وكأنما يستمد منهم التأييد
- ولكن الأهالي هناك فسقة مردة؛ يعبدون الأوثان والأصنام: ولقد رأينا مذبح
ابينا (إبرام) وقد تحول إلى معبد لإلههم «بعل». ولا تخلوا مدينة من مدنهم
من معبد لربة الفسق والفجور «عشتاروت».
زمجرت أصوات الجموع غاضبة. وسمعت صوت أبي آتيًّا من الصفوف الأمامية
وهو يقوك:
- غدًا نحطم أصنامهم في بيت إيل كما حطم أبونا (إبرام) أصنام أور!
اشتدت حماسة الجماعة لكلمات أبيء. فهتف بعض الرجال مؤيدين:
- نعم؛ نعمء غدًا تتحطم تماثيل بعل وعشتاروتء ويتمجد اسم الرب إيل على
كل الأرض!
ولكن سرعان ما خبى ذلك الحماس حينما قال (يجال):
- ولكن المدن هناك حصينة جدّاء. تحيط بها الأسوار العالية والحاميات
المسلحة. وجنود الكنعانيين يجوبون الطرقات ليل نهار. مدحجين بالاسلحة
والعتاد. يتحسسون عن اخبار الغرباء من اليبوسيين والحيثيين والموابيين!
بانت خيبة الأمل على الوجوه, فتدخل (يوشع) في الحديث مقاطعًا وقال:
- ولكننا قادرون على اختراق حصونها فقد حصرنا عدد الأبواب والمنافذ؛
وعلمنا كذلك أعداد الجند في كل حامية؛. وصنع لنا (شموع بن ذكور) رسما
لحصني شكيم وحبروت.
سألهم رجل من المجتمعين:
- وهل جنودهم أكثر منا عددًا؟
انبرى (كالب بن يفنه) للحديث فأكد قائلًا:
- إن جنودنا ليسوا بقلة ولو أرسلنا الجواسيس ففتحوا لجيوشنا الأبواب
لسقطت مدنهم في ايدينا بغير عناء ثم قال في حماس:
- أقسم بالرب إيل إن هؤلاء القوم هم خبزناء ولن يحولوا بيننا وبين الأرض
التي كتبها الله لنا!
عاد التفاؤل مرة أخرى إلى النفوس مع كلمات (يوشع) و(كالب): ولكن
(شافاط بن حوري) الذي لم يعجبه تدخلهما في الحديث على غير ما اتفقوا
عليه من قبل- صرخ قائلا:
- كزب!
دوت كلمته في سماء الواحة ورددت الجبال صداهاء فصمت الناس وكأن على
رءوسهم الطيرء واحتبست الأنففس في انتظار ما سيقولء فتقدم (شافاط)
وأمسك بكتفي (كالب بن يفنه) وأخذ يهزه في عنف وصرخ قائلًا:
- لا تخدعا بني إسرائيلء ولا تهونا عليهم أعداءهم!
قولا لهم ماذا رأيتما هناك؟!
وأخبروهما عن «بني عناق»!
سرت رعدة في جسدي من الاسم رغم أني لم أسمع عنهم من قبل,
هاعد يا (جال):
فقال (يجال):
- يا (موسى) إن فيها قومًا جبارين: هؤلاء هم العمالقة بني عناقء رأينا
بعضهم في شكيم» ٠ ويقيم أكثرهم في حبرون رجا ضخام عظام يبدو الواحد
منا الى حوان الواخد. متهم كالخرادة:: يتفدئ. الناين يباسهم :فى الشؤازء
ويقولون من ذا الذي يقف في وجه بني عناق؟
تصاعدت آهات اللوعة والجزع: وولولت بعض النسوة في “فزع فاكتسى وحه
(يوشع) بالغم. وقد أيقن أن عزيمة الشعب قد خارت أمام كلمات (يجال),
فقال: راميًا بسهمه الأخير في يأدسن:
- ولكنا قادرون عليهم بإذن الله!
صدقوني فالحق أقول:
ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون!
طاش سهمه الأخير أمام كلمات (شافاط) الثائرة حينما قال:
- أي باب؟!
وأي غلبّة؟
أما اكتفيت من الخداع؟!
ثم التفت إلى القوم وقال بصوت جهوري سمعه كل من في النزك:
- أيها الناس!
تلك الأرض تأكل أهلها!
ولا سبيل لحرب فيها!
فلا تكونوا كسرب من النمل أراد أن يقتل فيلاء فأهلكه بنفخة من خرطومه!
اشتد الصراخ حينها وشارك الرجال النساء في العويل: وقال رجل في جزع:
- قد كان خير لنا أن نهلك في مصر من أن نهلك بأيدي بني عناق!
بدا الانزعاج على وجه نبي الله (موسى). فقام من مجلسه وقال:
- أيها الناس ما لي أراكم تجزعون وقد علمتم من ربكم أن الأرض لكم؟
تمر قال يريد أت تقبو حكماسندوم:
- هل ظننتم أن حصونهم وجنودهم يمنعونهم من أمر الله؟
قام (قورح) من مجلسه وقال في غضب لم يراع مقام النبوة:
- يا (موسى) ما خرجنا معك لنسقط قتلى بسيف بني عناق!
ولا لشسبى نساوؤنا وأطفالنا بأيدي الكنعانيين!
قال (موسى):
- ألم يسْب الفرعون نساءكم وأبناءكم من قبل؛ ثم تكفل الرب بحفظكم
وانجاكم منه!
فقال (قورح) في غضبة أشد من سابقتها:
- عاهدناك على الخروج وما عاهدناك على حرب!
قال (موسى) وقد ازداد غضبه:
- وماذا لو فرض الرب عليكم الحرب؟!
قال (قورح) في تحدٍ سافر:
- إذن فلتذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون!
ثم التفت إلى الناس الذين استحسنوا قوله. وصرخ بفم يقطر حقدًا:
- أيها الناس قد أَضَلَنَا ابنا عمران. وهاهما يخونان عهدهماء يا بني إسرائيل
ما عاد ابن عمران مخلصناء وخير لكم أن تقيموا رئيسا لكم يرجع بكم إلى
أرض مصر.
رابك الغضب يرعد في وجه (موسى). واستل :(يوشع) سيفه؛ وكاد أن يقتل
(قورح) الذي دعا إلى الفتنة؛ لولا أن نبي الله أشار إليه أن يرجعء فأعاد
(يوشع) السيف إلى غمده: وسار (موسى) نحو صخرة عالية ثم وقف فوقهاء
علقت الا يضان تحوة. عيدما رقع عضاة؛ إلى السماء وكائما التذكر الناس إيها
جحرى عليها من معجزاتء ثم أشار بالعصا نحو الشرق وقال في صوت هادر:
- أيها الناس هذه هي الأرض المقدسة التي كتبها الله لكم, تقفون اليوم
على أبوابها بعد أن أنجاكم الله من فرعون ومن الهلاك في برية سين,
فأجمعوا أمركم وأتوني به عند الصباح؛ فإما أن تدخلوا الأرض المقدسة التي
كتبها الله لكمء أو ترتدوا على أدباركم خائبين!
صمت الجمع؛ وعم السكونء وهدأت الريح. وشعرت كأن كل ما في الكون قد
توقف ليشهد تلك اللحظة التي تتجلى فيها الحقيقة الأبدية التي لا مراء
فيهاء حقيقة أن أصعب ما في حياة البشر هي حرية الاختيار» تمنيت لو ضرب
(موسى) بعصاه فخسف بالمعارضين والمخذلين الأرضء تمنيت لو ساق
الناس :بعضاة نسَوُقًا نحو الشترق» ولكن الرب“ لم يشا له أن يامر يذلك: أراد
الرب أن يتخذ الشعب قراره بنفسه, فترك لهم سواد الليل حتى يختلِي كل
إلى نفسه. ثم يأتي بما أفضى إليه ضميره عند الصباح, وكانت حقًا ليلة
باكية. بكى النادمون على الخروج. كيف أَصَعنا عمرنا؟!
في الكون قد توقف ليشهد تلك اللحظة التي تتجلى فيها الحقيقة الأبدية
التي لا مراء فيهاء حقيقة أن أصعب ما في حياة البشر هي حرية الاختيار
وبكى المتشوقون إلى الدخول؛ كيف نضيع حلمنا؟!
وبكى المترددون في قنوط. كيف سيكون مصيرنا؟!
ولم ينم أبي في تلك الليلة. ظل يتقلب في فراشه كالمحموم, فلما ينس
من ان يزور النوم جفنيه قام من فراشه وخرج متحسسا طريقه إلى الفناء.
ثم جلس على عتبة الدار, وزارني شبح القلق في منامي» بعد ان غادر
فراش أبي فأيقظني في جوف الليل منقبض القلب. ضيق الصدر. فقمت إلى
النافذة أملأ صدري بالهواء في لهفة. حتى هدأت أتفاسي وشعر بي 7
فنادىك في صوت خافت:
- (شمعون)؟!
|
أجهدت بصري في الظلام حتى رأيته. فوجدته متكنًا إلى عتبة الباب. وقد
الفكسسن: :تداع |الفهر الذئ ضار ..مهاقا. على وحهف فكضشف عن قسن
مغرورقتين بالدموع قلت:
- نعم يا أبي!
قبلني برفق على وجنتي وقال في صوت خافت حتى لا يوقظ من في الدار:
- ما الذي أيقظك؟
أجبت:
لا أذرق: فقد اشفتيقظت يلا نسيت!
لم أجد أثرًا للنوم على وجهه فسألته:
- يبدو أنك لم تنم يا أبي!
قال معللًا:
- نعمء فالجو حار الليلة. وقد خرجت لأتنسم بعض الهواء.
لم تقنعني لهجته ومع ذلك قلت:
تعض تعض إن الكو حاز هد
ثم وجدتني أسأله:
- أبيء هل تخشى بنى عناق؟
أجابني في يقين ممزوج بحزن:
- كلاء بل بني إسرائيل أخشى!
رأى الدهشة على وجهيء فقال كمن يحادث نفسه:
- أتدري يا (شمعون). لولا أن نبي الله بينناء لهاجرت بعيدًا عن تلك الجماعة!
لم أقاطعه. .فقد كانت تلك المرة الأولى التي يفضي فيها إليّ أبي بما يَهِمّه
فتابع متحدثا إلئّ حديث الصديق لصديقه: لا حديث الأب لابنه:
مات أبي:وأنا في متل عمرك: ولم أجد منهم عطقا ولا عوتّاء حتى عمتك
(باتشيفا) وزوجها (الشامري) كانت قسوتهما عليّ اقرب إلى من غيرهما!
. ومع ذلك لم أشعر نحوهما بالكراهية: ولم أحمل في قلبي ضغينة لأحد
ضَعَيَف لحظات ثم كال:
دكت ذاثما! اشعو ماني اختلف عوييكن اينواتيل!
وحينما أحببتء. لم تستهوني فتاة منهمء: بل أحببت فتاة مصرية؛ مما زاد
الجفوة والفجوة بيني وبين اهلنا من سبط راوبين.
ابتسم ساخرًا وقال:
قالوا:
سيتزوج (زخاري) بامرأة وثنية. فلما آمنت برب (موسى) و(هارون). قالوا
يكفيها عارًا أنها جارية مصرية!
ونسوا أن أبانا (إبرام) تزوج من جارية مصرية. وتناسوا أنهم كانوا خدمًا
مسخرين في قصور الفرعون!
2 5 بأني بحاجة إليهم بل أكرمني الرب وجعلهم هم بحاجة إلي,
وكان ما يبقيني بينهم هو ذلك الحلم الذي كنت أحيا من أجله؛ وهو أن أعيش
في أرض أشعر فيها بسلامء أرض لنا فيها جذورء نكون فيها أسيادًا لا عبيدًا.
ازدرد لعابه بصعوبة كمن يشعر في حلقه بغصة,. ثم قال في مرار:
والآن وقد اقتربت من تحقيق حلمي, أجد شيوخًا من بني إسرائيل قد
أشربوا في قلوبهم العجل, وتجرّعوا الذل في بر مصرء يريدون أن يعبثوا
بأحلامي وأحلام حيلي: يستمسكون بماض كريه, ويفروت من مجد ينتظرنا
إلى إرث غابر من العار!
لم أر أبي يتحدث بتلك المرارة من قبل: وأشفقت عليه حينما أفلتت من
عينيه دمعتان. أخفاهما بطرف قميصه في سرعة حتى لا أراهماء فقلت:
- هون عليك يا أبيء فسينجز الله وعده لك وللصالحين من بني إسرائيل!
ابتسم في مرارة وقال:
- بل أخشى أن يعاقبنا الرب جميعًا بأفعال تلك الجماعة الشريرة!
قلت كي أعطيه بعض الأمل:
- أئق في أن الرب لن يخذلك!
احتضننيء ثم قال:
- كل قضاء الله خير يا (شمعون).
ثم تنهد قائلًا:
- قم يا (شمعون) ودعنا نسترح فغدًا سنبكر إلى خيمة الاجتماع.
فقمت وقد طار النوم من عينيء وبينما كنت أتمدد في فراشيء محدقًا في
الظلام الفارغ من حوليء الح على عقلي سؤاك:
هل يمكن أن يعاقب الرب الصالحين بأفعال العصاة وهو العادل في حكمه؟
00 00 00 00 0
الورقة الحادية والعشرون
توارى القمر في خجل خلف جبال برنيع. في الوقت الذي تشقق فيه ظلام
الفجر باشعة الشمس التي تسللت في بطء من جهة الشرقء ولم تمض
لحظات خنى. اجتمع قرض الشهسى: مع محاق القجر :قي سيعاء. الشناحة
وكأنما شاء الرب أن يشودا م2 م لاد ذلك الجومر؟ العا رف رقف كنات فين
كنت أن 5 اند وتلة من بني إسرائيل أوائل الحضور إلى الساحة
الممتدة أمام خيمة الاجتماع. جمعنا الصمت والسكون. وخروج زفرات محملة
بالبخار. كثفته برودة الجو اللطيفة في تلك الساعة المبكرة من الصباح. لم
تمض الساعة الاولى من النهار حتى كانت الساحة تموج بالناس الذين
توافدوا من الاحياء يتقدمعم رؤساء العشاثر العشرة الذين تجمعوا في حلقة
في منتصف الساحة, وجلسوا في مواجهة خيمة الاجتماع في انتظار خروج
(موسى) وزهارون)؛ طالت فترة لبر قبل أن يظهر (يوشع بن نون) و(كالب
الوحلات اللذان أنعم الله 0000-0 بنعمة اليقين المجلسن الذي ضم رؤساء
العشائرء وسارا بين الناس يستحتانهم على عدم التمرد والنزول على أمر
الرب؛ تواضع (يوشع) و(كالب) للبسطاء من الناسء» وذكراهم بأن الرب ينظر
إليهم همء وليس إلى رؤساء بني إسرائيلء وأنهم هم أحباء الله. ولو رضوا
باقر الرب لرضي الرب عنهم» » ولأدخلهم الأرض ولأهلك عدوهم: كما كان
معهم منذ أن خرجوا من أرض مصرء وقال (يوشع) راجيًا:
- يا بني إسرائيل اسمعوا لي!
اسمعوا إلى (كالب بن يفنه)!
قد رأينا الأرض بأعينناء هي جنة الرب في أرضهء ألم تروا ثمرها؟!
ألم تتذوقوا عسلها؟
فلماذا ترتابون؟!
صدقوني يا بني إسرائيل صدقوا رجلين من رجالكمء. لا تخشوا الشعب
الساكن في تلك الأرض ولا تخشوا بني عناق: لقد زال عنهم ظلهم بأمر
الزية: ولات: معد نم الدهم لأكلتموهم كما تأكلوث المنفىئ الضباح: فعلى الله
توكلوا ولا تتمردوا.
واستفزت كلماته الدموع في عيني أبي. فسقط على وجهه باكيّاء بينما
وكانه يريد ان يسكته وقال:
السنقكم ان و ب د ور ا ا ا
لم يشأ (يوشع) أن يشتبك معه في قتالء فأزاحه بيده وفصل (كالب بن يفنه)
بينهماء بينما استمر (يوشع) يقوك:
حلا فهو لمن" اشَتاعوا عدمة الأرضن"فيها ييتكهن أقانها ماهم اللخوف عن
قوَل الحقيقة:
صرخ (شافاط):
- كف عن هذا يا (يوشع): بل تعمى أنت عن رؤية الحقيقة.
استمر (يوشع) في سيره وكلامه؛ هو يقوك:
فو | نكم فى كلا قر ولتق الندي اتكروا اعفان الس مكو سه فلورنيم ا
فهؤلاء يكذبون كما يتنفسون!
أثارت كلماته مزيدًا من الغضب. مما أوصل أحد الرجال الغاضبين إلى درجة
الجنون. فامسك بحجر ورشق به (يوشع) وقاك:
- بل كذبتم أنتمء وصدق رؤساء عشائرناء أتريدان أن نصبح خبرًا يلوكه بنو
عناق في افواههم ؟!
وانضم إليه آخرون: فرشقوا (يوشع) وصديقه (كالب) بالحجارة. فسقط
الشابان أرضاء دون أن يدافعا عن نفسيهماء وكأنما أزال حزنهما وبؤسهما
الشعور بالألمء واشتد الهرج والمرج» واشتبك أبي وبعض المدافعين عن
(يوشع) وصديقه مع المعتدين عليهما. وانقلبت الساحة المقدسة إلى
سناع :قنالء: :ميجحت الروقس»:-وتالت. الدقاءى واختلط هتراج البثناء مع
صيحات الرجال المتعاركة. حينها ارتجفت. وشعرت برائحة كريهة تملأ هواء
النزل؛ غامت السماء في عيني» ٠ وسمعت وقع خطوات كقرع مئات الطبول؛
اخترق الصوت رأسي وكاد أن يفتك به. سددت أذني بكفي. ونظرت حولي
لأفحفق إن كات أحد غيرى بستمعة: ولكن الرجال المتعاركين كانوا في:شتغل
عن أي شيء. حتى (عامير) لم يكن يشعر بما أشعر بهء توقف القرع ثم
سمعت نغمًا يرهب القلوب وخيل إليّ أنني أرى وجمًا قبيحًا بين الغمام يتطلع
إليُ. جاءني حديثه كهمسات مرعدة. تصب في اذني وحدها:
- اطفنوا الثُورَ بظلام القلوب احرقوا الأرضّ بحقد التُفوس العنوا مُحيّيكم
ومَجِّدوا لاعنيكم انثروا بُذورَ الكُره حتى إراها تُثْمِر انشروا عبيرَ الم حتى
أراني أتثمل أروني دموع التّدم يلا تؤبة أروني صراخ اليأس يلا رَجاء وخرج
(موسى) و(هارون) على أصوات الصراخ؛ فلم يحتمل قلبه ذلك المشهد
العصيب, وسقط جانيا على ركبتيه مذهولا. وصرخ بصوت ورك الأرضء» وأزال
عَقَام القسيماء”
- كفى!!!
ثم رفع يده إلى السماء. وصرخ في صوت يخنقه البكاء. ويدميه الرجاء:
- رب إني لا أملك إلا نفسي وأخيء ربنا فافرق بيننا وبين القوم الظالمين!
فإذا بالأرض ترحفء. وسماء النزلك تبرقء وإذا بعمود من الدخان يصعد من فوق
المسكن في خيمة الاجتماعء: فعلم الناس ان مجد الرب قائمء وان امرا قد
اتى من السماء!
فقام (موسى) من ركوعه وسار إلى خيمة الاجتماع. وسكنت الساحة إلا من
انفاس الرجال. اللاهتة.. واناث الجرحى المكتومة, وتعلقت. الأبضار بالخيمة
المقدسية في انتظار كوو الكليم مر الكتماء.
القلب: ينظر باسشى الى الشعت الذي خذله في كل اختبار وقال:
- هكذا قال السيد الرب:
أربعون سنة تتيهون في الأرضء, حتى يهلك ذلك الجيل الذي رأى الآيات كلها
ولم يؤمن!
كل من جاوز العشرين سنة فإنه لن يدخل الأرض ويموت في تلك الصحراء
شريدًا تائهاء إلا (يوشع) و(كالب بن يفنه): فإنهما يدخلان إلى الأرض.
عقدت المفاجأة ألسنة القومء ولم يقطع الصمت سوى صوت (هارون) الذي
- حتى أنت يا (موسى)؟!
قال (موسى) باكيا:
- حتى أنا يا (هارون)!
ثم مسح دموعه وقال موجها كلامه للنقباء العشرة:
- أما أنتم يا من أشعتم مَذمّة الأرض بين الناسء. فكعدد الأيام التي
تجسستم فيها الأارضء تحملون ذنوبكم!
اربعون يوما باربعين سنة, لليوم سنة!
بالمرض تحيون, وبالوباء تهلكون!
فإذا بالنتحيب يعلو حتى صار صراحاء وإذا بالناس يحثون على رءوسهم التراب,
ويلطمون خدودهم في يأس!
وارتجف جسدي من المشهد العظيم» ففاضت عيني بالدمع. وانهرت جالسا
دافتا وجحهي بين راحتي» وألقى (عامير) الذي لم يكن | عتيده مني حالا
برأسه على كتفي فامتزحت دموعنا واخذتنا معا رجفة البكاء. قمت
جلوسي أبحث بعيني عن أن وقبل أن أتحرك, شقت سماء ا صرخة:
انقبض لها صدريء ثم تبعها ضجيج وجلبة ميزت فيها اسمي يتردد على
السنة الناس, ووجحجدت جماعة من الناس يتزاحمون على مقربة مناء وقد
0 بينهم البكاء والعويلء: ولم انتبه إلا ويد (بصلئيل بن حور) فوق كتفي وهو
يقوك.
- أدرك أباك يا (شمعون)!
حملتني ساقان خائرتان. وسيرت مرتجقًا بين حلقات الناس التي انفرجت
مفسحة الطريق أماميء وقد غامت في عيني الرؤية إلا من أشباح الرءعوس
التي تمايلت نحوي, وأصواتها التي تأت من أعماق سحيقة: بكلمات مبهمة
لات قلبي خوفا ورهبة: إلى أن انفرجت الحلقة الأخيرة من الناس» لأجد
الجسد القوي ممدًا أمامي فوق الأرضء وقد اعتصر الألم وجهه. وأمسك
بصدره في قوة وكأنما يطبق على قلبه وحش. وقفت أمامه مرتجقاء أكاد أبول
في ثوبي من الخوف. فلما فلما رآني ارتسمت على وجهه ابتسامة شاحبة, ورفع
يده عن ره ا استسلم لذلك الوحش الذي ينهش في صدره. تم قال
ا ترك يضعة مني سترى الأرض المقدسة.
ثم هدأت ملامحه: وسكنت حركته2. واستقرت عيناه على وجهي في
اطمئنان. فظننت أن الالم قد زال عنه,. ولكني سمعت (بصلئيل بن حور)
خلفي يجهش باكيًا وهو يقول في ذهول:
دويجهو ال ناوث العالفوندفات "ما هئ الفلب النقي وشارق) الشكاة.
00 00 00 00 0
الورقة الثانية والعشرون
كان حالي في ذلك اليوم كمن يعيش حلمًا باكيا يتمنى أن يستيقظ منه
حتى تنتهي معاناته لكنه لا يستطيع. كنت اقف بين الناس مذهول العقل
خالي الفؤاد كصنم أصمء ولولا دموع تنساب على وجنتي في صمتء لظن
الناس بي الصبر والجلدء رفع الرجال الجسد الخامد على الاكتاف. وحملوه
إلى خيمة تجهيز الموتى, مددت يدا مرتعشة كي اشارك في رفع الجتمان,
لحن لفلادل إن جود متعحي عن ذلك بان امك عتمي في رفقء ثم مال
- دع عنك هذا يا (شمعون).
تكلمت للمرة الوحيدة في ذلك اليوم. فقلت ودموعي تنساب في غزارة:
- ألن نعود به إلى الدار!
ربت على كتفي في رفقء ثم قال باكيا:
- إن في جسد الميت نجاسة ولا يجوز تجهيزه في الدار.
آالمتني كلمته!
«نجاسة»!
|
يا آلله!
كيف يوصف هذا الجسد الطيب والقلب النقي بالنجاسة؟!
أم تُرَى أن طهارته كانت في روحه التي انفصلت عنه إلى مكان مجهول؟!
وكأنما تذكر (بصلئيل) أن في الدار زوجة لا تعلم بوفاة زوجهاء فأشار إلى
(عامير) الذي كان أكثر تماسكا مني وقاك:
- يا (عامير) اذهب إلى دار أم (شمعون) وأخبرها بمصابها برفق. وقل لها
يوصيكي (ابن حور) بعدم الصراخ!
وتوافد الأقارب حول خيمة التجهيز فأتي (ملاخي) ابن عم أبي»: و(منواح) ابن
خالته, ورجال من تبط راوبين: وآخرون من سبط شمروتء كنت أتلقى منهم
العزاء وقلبي يتألم من المفارقة, أن يكون (زخاري) النجار أول من يذوق الموت
في التيه؛ وكأنما انقضت حياته بانقضاء حلمه!
ودعاني (بصلئيل) إلى الدخول بعدما أتم الكاهن تجهيز الجثمان حتى أتلو
صلاة القاددشس على أبيء. دلفت إلى الخيمة الرطبة بقدمين مرتعشتين.
وسطعت انفي رائحة الكافور والصندل. فظننتها رائحة الموت. وظلت تلك
الرائحة تذكرني دائما بالموت كلما شممتهاء وتحوم حول أانفي كلما رايت
جنازة او سمعت بوفاة شخص ما!
وتطلعت بطرف عيني إلى الجسد المسجى فوق المائدة والملفوف بشالك
من الكتان إلا من الوجهء ثم تاملت صفحة الوجه الذي غابت عنه النضارة:
وانطفا فيه بريق الحياة. ورددت الصلاة خلف الكاهن بصوت خافت مكلومم
فخرجت الدعوات صادقة من عميق قلبيء وكانما اهديها لابي الذي لم اهده
شيئا قط في حياته!
وبعد أن انتهت الصلاة تناول الكاهن قدحًا من الماء المقدس مذابًا به الشمع
المعطر؛. ونضح بيده بضع قطرات على الوجه والجسد.ء وهو يدعو له بالراحة
الابدية. ودعا الكاهن الرجال لكي يحملوا الجثتمان إلى مثواه الاخير.
- أبهذه السرعة؟!
كيف يكون الإنسان ملء السمع والبصر في الصباح,. تم يغدو محمولا على
الاعناق عند الظهيرة؟!
وخرجنا من الخيمة فإذا بصراخ النسوة من سبط رأوبين يملأ جنبات الواحة.,
وصراخ العمة (باتشيفا) يفوقهن لوعة ونحيبًاء وبحثت عنها بين النسوة بعينين
متلهفتين» فلم أجدها!
وددت لو أتدثر بحضنها الذي كنت أشتاق إليه في تلك اللحظة ولكني لم
اجده!
أين أنت يا (رومانا)؟!
لماذا تتركيني وحدي في تلك اللحظات التي يعجز فيها المرء أن يكون
وحيدذا؟!
وسار الرجال بالجثمان وأنا خلفهم مع المشيّعين. وفي الصحراء المجاورة
للواحة كان كل شيءٍ مُعدَّاء حفر بعض الرجال اللحد. واستعدوا لاستقبال
الجسد الخامد بقلوب جامدة. تمرست على تلك الأعمال وصارت بينها وبين
الموت ألفة؛ فتلقفوا الجثمان وأرقدوه وقبل أن يهيلوا عليه التراب سمعنا
الكاهن ينادي في الناس قائلًا:
- أيها الناس يأمركم نبي الله أن ترقدوا ميتكم في اتجاه الأرض المقدسة.
فخفقت قلوب الناس لهذه البشارة وقال (بصلئيل) باكيا:
- كان قلبه يهفو إليها حيّا. فصوب الرب جسده نحوها ميتنًا.
فأصلح الرجال من وضعه وجعلوا رأسه نحو الأرض المقدسة. ثم أهالوا عليه
التراب حتى غاب في بطن الأرض ولم يعد يدل عليه إلا حجر اصمء يسمونه
شاهد القبر. ولو كان هذا الحجر يشهد على شيء فإنما يشهد على ان
امواج الأماني مهما علت ستتحطم يوما على صخرة الموت.
وانتهت مراسم الدفن والعزاءء وشعرت برغبة في الهروب من ذلك الحلم
البغيض!
وقررت أن أترك ذلك المكان الموحش وهؤلاء الغرباء إلى مكان آلفه. فاستدرت
اعدو نحو الدار وسط ذهول الرجال وشفقتهم!
دلقت إلى الداذفى سرفة"فوحدتها تاكدة الأكف ضر بابها الخسيف
الذي تركته مفتوحاء كانت عيني تبحث عنها في كل ركن» دلفت إلى حجرتها
فلم أجد سوى (باتيا) نائمة وحدها في الفراشء» خرجت إلى الفناء وصعدت
السلم الخشبي إلى الطابق العلوي فلم أجدها أيضًا في حجرتيء. فهبطت
الدرج وقلبي ينازعه القلق والخوف أن تكون قد ألحقت بنفسها مكروهاء
وكدت اعوق إلى الشاحة نزولا أن سقفت تجا خافتنا انف من الفناء الخلفت
للدار. فسرت وراءه لإجدها جالسة وحدها منكمشة على نفسها كعادتها
حينما تحزن. تضم صدرها إلى فخذيها وتدفن راسها بين ركبتيهاء وقد اطبقت
يدها على التاقد الكتبيى الذى صبفة لها ابي منذد سسنوات» أطماة قليف
لمرآها وسرت إليها خافق القلب دامع العين؛ ثم رفعت جسدها المتصلب,
فطاوعتني بصعوبة ولم أتمالك نفسي حينما رأيت الوجه الشاحب والعيون
الذابلة التي تفيض منها الدموع, فأجعشنا ببكاء حار ثم جمعنا عناق اشعرنق
بأني ما زلت أملك سندًا في الحياة.
00 00 00 00 0
ومرت أيام على وفاة ا ولم يألف فؤادي غيابه, كان بداخلي قلب يترقب
دخوله إلينا في أي لحظة؛ وكنت أدلف إلى حجرته أحيانا متوهما نومه ساعة
القيلولة. فإذا بالفراش المرتب الذي لم تنم عليه أمي منذ وفاته خالياء
ينبهني خواؤه إلى الفراغ الذي حل بحياتناء وتذكرني برودته بالدفء الذي
عنا.
ر
وكان بعض النسوة من الحي يترددن على البيت لمواساة الأسرة, منعين
(آيلا) زوجة (بصلئيل بن حور)ء وأم (إياس) زوجة (ملاخي). و(أدارا) زوجة
(منواح). وكانت جلسات النسوة تطول يوما بعد يومء. وشجعهن على ذلك
استقبال عمتي (باتشيفا) الذي كان لا يخلو من حفاوة مبالغ فيهاء فقد
وجدت عمتي في تلك اللقاءات متنفسًا لها يشغلها عن الأحزان. وشاركتها
(باتيا) الضغيرة ذلك الشتعور فقد كانت تفرع لريارات هؤلاء. الأقارت والجيرات لا
سيما إذا كان في صحبتهم بعض الأطفال يشاركونها اللهو والمرح اللذين غابا
عن دارنا الحزينة.
أن أمئ فهة اكولف نلف الحلساة: إلا إذا كانت :رايلم زوحة (تملفيل) حمن
الحضور: وكانت تعتكف أغلب الأوقات في حجرتي فى الطابق العلويء أو:في
القناة (الحلقي للدازي تكتطن :در انها وجدهاء: او تعييين أذهافا فق سج
خيالها تحادث فيها ابي بصوت خافت ولكنه مسموع. حديث يمتد بهما إلى
جوف الليل؛ ثم تستيقظ قبل الشروق وقد تورمت عيناها وانكسر بصرها من
طولك الخرن إل كان
ولم أستطع أن أمد يد العون لأميء ولم أجد يدَا تمتد بالعون نحوي؛. فحتى
(عامير) الذي عاش بيننا أعوامًا شعر بغربته في المنزلك بعد وفاة ابي. ووجد
حرجًا في أن يبيت في حجرتنا التي صارت أمي تقضي أغلب الوقت فيهاء
فصنع لنفسه عريشا صغيرا بالقرب من جدوك الماء أقام فيه وحده.
وبت أنظر إلى حياتنا التي تداعت أركانها فجأة لموت أبي وانفرطت حباتها
كما تنفرط حبات العقد, فينفطر قلبي حذنا وتزداد نقمتي على كل شيء.
على شعب إسرائيل الذي أضاع حلم أبيء وعلى أبي الذي أضاعنا في
سبيل حلمه: وعلى الأقدار التي تغرينا بالأمنيات ثم تضع في طريقنا مئات
الغترات: لتتخول بيننا وبين 'تحقيقفا: وأصبحت اتساءك ذائها:
ما جدوى أن يحيا الإنسان مؤمتاء إذا كاند سيموت كمدًا مثله مثل أشد
ووجدتني تائهًا مضطربّاء تعصف بي الأحزان: ويتلاعب بي اليأس والقنوط,
يتسع من حولي فراغ الحياة, ويتسلل إلى قلبي رويدا رويدا حتى ملأ
حياتي؛. وصرت كذرة من هباء تسبح في فراغ مظلمء تنتثر مع كل حركة في
جنوت دون أن يشعر بها أحدء وأقصى أمانيها أن يمتد إليها شعاع من نور
تتعلق به ولو إلى حين!
والتقى ذلك البحر المتلاطم من الأفكار الثائرة مع ثورة قام بها بعض الرجاك
من بني إسرائيل رجال احزنهم ضياع الحلم من بين إيديهم. واغضبهم ان
يشملهم العقاب الإلهي دون ذنب منهمء فقد كان اغلب هؤلاء ممن بذلوا
أنفسهم للخدمة في جيش الرب» وكانوا -متلهم مثتل أعنه ينتظرون اليوم
الذي تطأ فيه أقدامهم الأرض المقدسة. فلما جاء الأمر بالحرمان, ذكتت
عليهم التيه؛ ثاروا على ذلك العقاب القاسيء وساروا بين الناس يدعونهم
للصعود إلى الأرض المقدسة, ويحنونهم على اختيار الحرب, بعد أن أصبح
الخيار بين امرين لا تالث لهماء فإما الهلاك المؤكد في الصحراءء وإما المجازفة
بدخول الأرضء فلاقت تلك الدعوة استجابة من عدد ليس بالقليلء واجتمع
حول قائدهم (عفرة بن إيتام) عدة آلافِ من بني إسرائيلء . وغضب نبي الله
(موسى) من تلك الدعوة التي تخالف أمر الرب؛ وأرسل بفتاه (يوشع) إلى
قائد الثورة (عفرة بن إيتام)؛ يحذرهم مما أقدموا عليه؛ ودار بينهما حديث
علمته من جنود عفرة لاحقا.
قال (يوشع):
- لماذا تتجاوزون أمر الرب؟
قال (عفرة):
- ألم يكن هذا أمر الرب؟
قال (يوشع):
- بلىء ولكن الرب قد نظر إلى قلوب هؤلاء فلم ير فيهم خيراء ولو كان فيهم
حير لاستكايوا له قبل أن ينرل عليهم عقابة!
قال (عفرة):
قال (يوشع):
- اأعلم يابن إيتام بان في قلبك الخير ولهذا اتيتك!
ثم أردف:
- أرض بما قسمه الرب لك ولا اتتجاوز اقرف فلو كتب الرب لأحد آخر دخول
الأرضء» لكان نبي الله (موسى) وأخوه (هارون) أولى الناس بذلك.
قال (عفرة):
- خير لنا أن نعجل بالقضاء بدلا من انتظاره.
قال (يوشع):
- بل خير لك الصبر لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا!
ويكفيك أن نبي الله (موسى) قد قال:
لا تصعدوا لأن الرب لن يكون في وسطكم.
قال (عفرة):
- لا حاجة لنا به!
قال (يوشع) مذهولًا:
- قد ارتددتم إذن عن ربكم!
قال (عفرة):
- بل هو من طردنا من حظيرته!
قال (يوشع):
قال (عفرة):
- في الحرب إما قاتل أو مقتول: أما في التيه فنحن هالكون لا محالة.
قال (يوشع):
- أن تهلك في الطاعة؛. خير لك من أن تُقتل على معصية!
قال (عفرة) منهيا الحديث:
- لن يطولك أذى في كل الأحوال يابن (نون): فقد استثناك الرب من بيننا.
ثم أردف:
- ستضعد إلى الأرض المقدسة على أي حال: شاء نبيك أم لم يشا.
اتلصص على اجتماعاتهم واسترق السمع اليهم دون ان افصح عن نفسي,
وكنت كلما استمعت إلى قائدهم (عفرة) وهو يتحدث ازددت إعجابا به فقد
كان فيه مزيحج من شجاعة (يوشع)., وعطف أبي وحنانه؛ وراودتني فكرة -
تنمو بداخلي حتى ملكت وجدانيء فلماذا لا أتبع جيش (عفرة) إلى الأرض
المقدسة. فأنا لست من المحرومين من دخولهاء ولو نزل العقاب بهم فلن
يشملني بكل تأكيد. فهم يتحدون أمر الربء أما أنا فلا وكنت أستمع إلى
صوت يتردد بداخلي ولا أذري: ما مصدرة يقول لي:
لم يحرم الرب عليك دخول الأرض المقدسة فعلام الانتظار أربعين عامًا حتى
تحقق حلم ابيك؟!
وتحدثت إلى (عامير) أتحسس منه رأيه في جيش (عفرة), فقال دون تردد:
- هم عصاة!
فوجدتني أغضب منه وأقول:
- بل هم أكثر الناس إخلاصًا في بني إسرائيل!
ألم يتبعوا (يوشع) من قبل؟
ألم يكن (عفرة) من قادة جيش الرب؟!
قال (عامير):
- بلىء ولكنهم يخالفون الآن أمر الرب.
قلت غاضيا:
- إن (عفرة) وجنوده يدافعون عن حلمهم الذي أضاعه تخاذل بني إسرائيل:
ويرفضون الموت في التيه كما مات غيرهم!
وشعر (عامير) بما يدور في نفسي من صراعء فقال في إخلاص:
- لا تستمع إلى غضبك يا (شمعون)!
ثم قال في عطف:
- الحمد لله أننا ممن لم يشملهم الرب بالحرمان. وسيأتي اليوم الذي ندخل
فيها الأرض المقدسة معا.
- بعد أربعين عامًا؟!
قال معونا:
- ما أسرع الأيام!
قلت في مرارة:
- وما جدوى أن أدخل الأرض وحديء إذا ما ابتلعت تلك الصحراء أمي كما
ابتلعت من قبل ابي!
- هون عليك يا (شمعون): فأنا سأدخل الأرض بلا أب ولا أمء ولا أخوة ولا
عشيرة!
م مه مه مه مه
وقضيت الأيام التالية مشتت الفكرء حيران الفؤاد. أتفكر في أمور الناس من
حولي واتعجب!
كيف عاد هؤلاء إلى سالف عهدهم بتلك السرعة. يتهافتون على المن في
الصباح, وينتظرون السلوى في المساءء فياكلون ويشربون وهم يعلمون انهم
هالكون في تلك الصحراء ولو بعد حين؟!
كيف يحيا الإنسان هكذا وقد انقطع به الأمل؟
وما الفرق حينئذ بينه وبين الدواب؟
وكلما أمعنت النظر فيمن حوليء ازددت يقينًا بأن (عفرة) وصحبه على صواب,
وان أبي لو كان حيا لتبعهم!
وحملت همومي إلى (بصلئيل بن حور). أتلمس منه الرأي مثلما كان يفعل
أبي:ء سألته مباشرة:
- كيف تحيا وقد انقطع بك الأمل؟
قال في هدوء:
- ومن أخبرك بهذا؟!
- وهل بقي عندك منه من شيء؟!
قال بلهجة مطمئنة:
- نعم فالأمل لا يزال موجودًا فيك وفي أقرانك!
قلت مستنكرا:
- وما جدوى أن يجني غيرك الثمار؟
قال ضاحدا:
- وهل الحياة إلا زرعًا نغرسه فيجني ثماره أبناؤنا وأحفادنا؟!
قلت محاولًا إثارته بسؤال صادم:
- أما يحزنك أن يعاقبك الرب بما لم تقترفه يداك؟!
قال:
- لا يظلم الرب أحدًا.
قلت:
- ولكنه حرمك من دخول الأرض.
قال:
- بل رفع عني التكليف وأعفاني من الحربء وتركها لمن يطيقها!
قلت:
- ولكنك مؤمن به وتستحق أن تنال الجائزة: وإلا ما الفرق بينك وبين من امتنع
عن الحرب!
قال:
- الرب يطلع على القلوب!
قلت:
- لا أفهم.
قال:
- نظر الرب إلى قلوبناء فوجدنا لا نستحق الجائزة!
قلت:
- هذا خضوع للظلم؟!
قال معاتيا:
- بل رضّى بحكم الرب.
ويوم بعد يوم صارت فكرة الرحيل شبحا يرافقني في يقظتي ونوميء؛ ولم يكن
يحول بيني وبين تنفيذها سوى امي واختي الصغيرة (باتيا). فمن سيقوم
حلي رغاننهها | انما حلف ولحق ني أذف؟
والعجيب أن إحساسي بالذنب نحو أمي وأختيء كان يفوق إحساسي
بالذنب لمرافقة العصاة كما كان يحلو لبني إسرائيل أن يسموهمء وكنت أردد
بيني وبين نفسي في ل! مبالاة: ماذا جنى الطائعون غير الموت كمدًا أو التيه
في الصحراء؟!
وفي صبيحة يوم مشهود تجمع الجيش الذي أعده (عفرة بن إيتام) خارج
الواحة, ووقف بنو إسرائيل لوداعهم بمشاعر شتيء منهم من كان يمقتهم
لمخالفتهم أمر الرب» ومنهم من كان يشعر بالإشفاق عليهم مما سيلاقونه
من ويلات ومنهم من كان يودعهم وفي قلبه أمل واهن في أن يكتب لهم
النجاح. فيعفو الرب حينئذز عنهم» وينظر في أمر العقوبة من جديد!
أما أنا فقد كنت أكثر اضطراباء شعرت أن الوقفت قد استل سيفه ووضعه على
رقبتي, وأصبح مصيري معلقا بسرعة قراري, فإما أن أتتبع هذا الجيش,» أو أن
أمكث في هذا القفر أربعين عامًا!
ومكثت النهار في حجرتي أدور جيئة وذهايًا كزنبور محبوس بين جدران أربعة
وعيني تترقب قرص الشمس الذي خلع رداءهة المتوهج. واكتسى بحلة
برتقالية استعدادًا للمغيب. وطرق مسامعي صوت فرخين من السلوى
يهدلان في الفناء الخلفي. نظرت من النافذة فرايت امي تخرج إلى الفناء
وتتلقف الفرخين استعدادذا لذبحهما وطهيهعما للعشاء, فشعرت أن الفرخين
قر حملا لي رسالة اطمأن بها قلبي على مصير أمي وأختي إن أنا رحلت عن
الدار وتركتهماء فهما في رعاية الرب ونبيه.
وانتظرت حتى حل المساء وأرخى الليل سدوله, ثم تسللت من حجرتي
حاملا فوق ظهري متاعا خفيفا وقربة من الماء. وصرة من قماش بها أوراقي
والدواة والقلم» وأخفيت بين طيات ملابسي خنجرا كان يمتلكه اني؟ آثرت أن
أحتفظ به رغم يقيني بأني لن أجرؤ على استخدامه!
وأرخيت عقال الأتان فأسلمت لي ظهرها في هدوع وكأنما كنت بتلصصي
فآثرت ألا تصدر صوتا يفتضح به أمري»: وما هي إلا لحظات حتى ابتلعني ظلام
الحيء وركبت مبتعدًا عن منزلنا الحبيب. ويممت وجهي شطر عريش (عامير)
الذي أقامه عند جدول الماء. وبعد أن وصلت إلى العريش,» أخرحت رسالة
مطوية من ورق البردي. كتبتها في وقت سابق في ذلك النهار. ووضعتها
برفق امام عتبة الكوخ. حتى يراها (عامير) حينما يصحو.
كانت الرسالة من جملة واحدة:
«لن أنتظر أربعين عامًا حتى أحقق حلم أبيء أوصيك بأمي وأختي».
وقضيت أول الليل ممتطيًا أتاني في الصحراء. يخفق قلبي رهبة من ظلام
الليل ووحشة البيداء. اشعر بالخوف من مستقبل قريب مجهول. وتتشبث
بي الذكريات لتعيدني إلى ماض حزين» فلكزت الأتان في جنبيها حتى تسرع
الخطى, وكأنني أفر بها من نفسي قبل أن تنكص على عقبيهاء ولم أدر وأنا
أهرول مبتعدا عن الأرض التي كتب فيها التيه على بني إسرائيل أنشى قد
بدأت رحلة من التيه عشتها وحدي بعيدًا عن أمي وعن بني إسرائيل.
الكتاب الثانى -
ينها الحانيةٌ القاسية... أَبَتُها الفَرحَةٌ البائسة... كيف تشقى وأنت تسعدين؟
كيف تتاف وانت تصدية ؟
إقااتكن لفته:و اف كلديو يها فكن رانم وافت تقد سمو: أخفا زور كتي؟
فلماذا باللعنات نُسَاقٌ إليكي؟!
الورقة الثالتة والعشرون
غشي الليل السماء بخُلته السمراء القاتمة. التي أخفت في طياتها ومضات
النجوم. واحتجب قرص القمر خلف موجات كزبد البحر من السحاب المتراكب,
فاكتست أرض البيداء بظلام قاتم؛ زاد من وحشة تلك الليلة ورهبتهاء كنت قد
ابتعدت عن الواحة ببضع فراسخء. وقطعت شوطا في عمق الصحراء ومع ذلك
لم تطالعني نيران جيش (عفرة): وانقضى شطر الليل وأنا على ذلك الحالء
وكاني ادور في فلك واهم حول حرم مجمول, حتى دب في قلبي الياس»
وشعرت بالتعب من كثرة التجوال دون هدقف وكدت أدور بالأتان في اتجاه
العودة إلى الواحة؛ لولا أن شق الهواء صوت صهيل فرس طرق أذني هذه
المرة بغير لبس ولا أوهامء فقد كانت أصوات الرياح العابثة تتلاعب بي طوال
الليل, وتوهمني بأصوات شتىء ٠ ولكن الصوت هذه المرة جاء حلا واضحًا
بصورة لا تخطئها الأذن. فأضاء نفسي بالأمل؛ وحمل إليّ البشرى. فوكزت
الأت_ان في جنبيها ودرت دورة حول كتيب الرمال, فإذا بي أجد مخيما تتناثر
في أرجائه بعض المشاعل التي خفتت نيرانها وسكنت فيه أصوات النائمين
من الناس والخيل إلا من ذلك الفرس الذي أصابه الأرق فوقف على مدخل
المخيم يصهل صهيله المحمود. اطمان قلبي لمراى المخيمء. وهداني ضوء
مشاعله إلى الطريقء وحينما وصلت, اوقفني حارس المعسكرء واقترب
نحوي حاملًا مشعلا ثم يسالني”
دوين افق
قلت:
- (شمعون بن زخاري) النجار وكأنما عرفني الرجلء فقال:
- ما الذي أتى بك إلى هنا يا غلام؟
فقلت في رجاء:
- أريد أن أتبعكم إلى الأرض المقدسة.
قال الرجل:
- عد يا غلام من حيث أتيتء فالأمر خطير.
- أعلم أنه خطيرء ولكنه يستحقء, فقد مات من أجله أبي!
تنهد ثم قال في حزن:
- تعلمت منه الرمي بالسهمء وكان قلبه معلقا بالأرض المقدسة.
قلت راجيا:
- فلأجله دعني أرافقكم!
تردد لحظات تم قال:
- حستا لا سبيل لرجعوك الآن؛ فلتبت بالمعسكر وتنا كيو (عفرة بن إيتام)
بامرك في الصباح.
وفي الصباح علم (عفرة بن إيتام) بالأمر, وشفع لي الحارس عندهة.؛ وأوخن
إليه بأنني قد أعين الجند في بعض أعمال الخدمة: فوافق (عفرة) قائلًا:
لل وليعمل على سقيا الخيل حتى نصل إلى
رض.
وواصل الجيش مسيرته لثلاثة أيام متتالية, أوغلنا فيها في الصحراء إلى أن
وصلنا إلى مكان يسمي «حخرمة» في برية فاران يبعد مسيرة يوم واحد من
تل العراد. فأمر (عفرة) بأن تضرب الخيام في هذا الموضعء استعدادًا للدخول
إلى تل العراد.
وكنت أسقي الخيل في الصباح: وأبيت إلى جوارهم في المساء. حتى
صارت بيني وبينهمم الفة, عززتها رائحتي التي صارت مزيجًا من العرق ا
الروث: فقد كان الماء قليلاء ولم يُسمح لنا بإنفاقه في الاستحمام إلا فيما
ندرء ولم أكن أختلط بالجنود إلا في أوقات الطعامء والعجيب أن الجنود كانوا
يسألونني عن اسمي وعن الحي الذي أسكن فيه ومن أي البطون أتيت,
ولكن لم يسألني أحدهم لماذا تركت أهلي وتبعت الجيش في الصحراءء ولم
يدر بخلد أحدهم أن في قلب هذا الصبي إصرارًا على بلوغ الأرض المقدسة
يفوق أحلامهم وآمالهم: وشغلتني تلك الأعمال في أثناء النهار. ولكنها لم
تهون عليّ وطأة الوحدة في الليلء فكنت إذا جن الليل؛, أتقلب في فراش من
السهدء وا مف مؤرق, النفكس, أتفكر في امر امي وأتساءل هل سيشفع
لي عفدها تعمية: جلما انق
أم تراها ستظل غاضبة مني لفراقها؟
وفي الليلة الخامسة علمت من الرجال أن الجيش سيقتحم حصن «تل
العراد» في صبيحة اليوم التالي:. وكان الجنود يتحدثون بثئقة مفرطة في
النصرء فقد تداولوا ما ذكره النقباء الاثنا عشر من قبل عن ضعف الحصنء. وقلة
جنوده من الكنعانيين: كما أكد الجواسيس الذين أرسلهم (عفرة) إلى الحصن
تلك الأنباء. ورغم ذلك انتابني القلق طوال الليل. وتسرب الخوف إلى
نفسيء» وأنا اعلم اني سا شكهد قتالا حقيقيا في الصباح, حتى وإن كان النصر
أقرب إلينا كما يدعي الجنود.
وفي الصباح لجأ (عفرة) إلى الحيلة التي فعلها (موسى) من قبلء فأمر فرقة
من الجند ان تتنكر في زي تجار من العبرانيين. وجعل في مقدمتها بضع نوق
محملة بهوادج يختبئ في كل واحدة منها عدد من الفرسانء. ووصلت الفرقة
إلى الحصنء ففتح لها الحراس الابواب. دون ان ينتبهوا إلى حقيقتها. وفي
لمح البصر قفز الفرسان المدجحجون بالسلاح من الهوادج. واستل التجار
المزيفون سيوفهم» وأعملوا في الحراس الكنعانيين السيوفء وفتحوا أبواب
الحصن عنوةء ثم حمل (عفرة) بجيشه حملة عظيمة: لم يقو على ردها جنود
الحامية, ولم تمض ساعة من النهار حتى انهزم جند الكنعانيين: وفر من نجا
منهم إلى بيت إيل في الشمالء واستولى (عفرة) على الحصن وعلى
أسلحة الجند المنهزمة؛. وجعل منه مركرًا لقيادة الجيش؛ ونشر جندة على
مداخل المدينة ومخارجهاء ومكثنا في تل العراد بضعة اسابيع: تجهز فيها
(عفرة) ورجاله للمعركة الفاصلة القادمة في بيت إيل.
وطار نبأ استيلاء جيش العبرانيين على حصن العراد إلى حبرون وبئر سبع
وبيت إيلء. وعلمنا ان فرقة من جيش الكنعانيين تستعد للخروج لاستعادة
حصن العراد. ولم يفت ذلك في عضد (عفرة) الذي خطب في الجند في
حماسء وحثهم على الصبر.ء حتى يتمكنوا من هزيمة الكنعانيين ثم الاستيلاء
على بيت إيل.
وقضيت أيامي في تل العراد في جهد لا يعرف الكلل؛. فقد كنت أخرج إلى
البثئر في كل صباح, أملأ جرار الماء ثم أنقلها إلى المعسكر كي تشرب منه
الفرسان والخيل. ثم أقضي النهار مع الرجال في بناء المتاريسء2 وترميم
أسوار الحصن المتهالك كي تصد عنا هجمات الكنعانيين المتوقعة.
ورغم الجهد والتعب. فإنني كنت سعيدًا باعتماد الرجال عليّ في تلك
الأعمال الشاقة. وأكسبتني تلك المشقة سمرة في الوجه وصردرًا قويًا
انفملت: عفضلانة ثهر اننعطت قوق المتكتين. العريسين» لتتفض عدي ميوعة
الصا ولتمحدى:هيقة الشنات:
ورآني (عفرة بن إيتام) وأنا أعمل دون كلل في ترميم باب خشبي من أبواب
الحصن, تكسر متراسه: وتآكلت زواياه, ونخر النمل أوتاده, فكنت أنزع الأوتاد
المتهالكة وأستبدلها بأخرى جديدة صنعتها بنفسيء ثم صنعت له مزلاجين
من الصلب ودعمتهما بعدة ألواح من السنط. جعلت من اقتحام الباب أمرًا
عسيراء وكنت أفعل ذلك بمعارة, فلما فلما رآني (عفرة) وأنا على ذلك الحال
ابتستى وقال:
- بوركت يا ابن (زخاري).؛ لو قدر لنا دخول بيت إيلء: لبنيت حصنا يفوق حصن
تل العراد.
وأطلعنا الجواسيس الذين أرسلهم (عفرة) إلى بيت إيل؛ على أن الكنعانيين
قد بدءوا في التحرك, واستبشر الجند خيرًا حينما علموا ان الفرقة لا تزيد عن
بضعة مئات من الجند وانهم من الجنود النظامية ولا اثر بينهم لبني عناق.
فباتوا ليلتهم وقد وقع في ظنهم أن مدينة «بيت إيل» .أول منازك الأرض
المقدسة- ستكون من نصيبهم عند الصباح: وانها حتما ستسقط في إيديهم
كما ملف :وين قبل نج الغراد:
وفي تلك الليلة لم تفارق امي مخيلتي وشعرت بشوق لرؤيتها. واشفقت
عليها مما فعلته بهاء ونمت وقلبي معلق بدارنا القابعة خلف الصحراء في
قادش برنيع. وحين غلبني النعاس رأيتني أسير في طريق يشبه طريق
الواحة. تحف به أشجار ذهبية 'الأوراق: ينعكس عليها ضوء الشمسء فبدت
سماء الواحة متلألئة بالأنوار وكأنها قبة ممردة؛ ورأيت دارًا تشبه دارناء ولكنها
بيضاء كالتلج, أسترعت نحوها وفي قلبي شوق لأن أرق 7 (رومانا). لكننتي
قبل أن أصل إليهاء رأيت رجلا يخرج من باب الدار ويقف حاجرًا بيني وبين
الباب. وأشار نحوي بالابتعاد. كان الرجل يشبه أبيء ولكنه كان أكثر طولاء
وأكثر بياضّاء يرتدي زيًا فضفاضاء يتموج في الهواء. وكأنه جناحا كَرُوبِيّينَ
حاولت الدخوك مرة أخرى ولكنه دفعني في صدري حتى أبتعد: فوقفت أنظر
إليه مترجيًا حزيئًا. وانسابت دمعة شعرت بحرارتها على وجنتيء فلما رآني
أبكيء أشار إليّ أن أتبعه ثم سار أماميء فتبعته واجتزنا الطريق عبر الأشجار
الذهبية قبل أن يتوقف. لأجد سفحًا ينحدر أمامي, يشبه السفح الذي يطل
عليه الحصن في تل العراد. أشار بيده نحو نهاية السفح:, فإذا بي أرى مئات
الجنث من بني إسرائيل وقد انتثرت فوق الأرض, كانت عيني تطوف على
وجوة القتلى التي ملأها الرعب والفزع: وكأنني طائر يرنو إليها من السماءء
ورايت رءوسا قد احَنْتَتْ من فوق الأعناق: وألقِيَت في الصحراء. 7 تم استقرت
عيني على رأس مقطوعء. علقت على حربة غرزت في الرمالء فاقتربت منها
ار وكانني اسحظ علي من علء فلما 0-0 المضط اعرايم
تومي فزعا وقد تقيض درف في قوة, وأخذت أليث في عنفء انق كنت
أعدو لعدة ساعات.
وإيقهة امار أبعه اغوي مرجكلما بل .ظانقا هن الروسدملقة الح تروك أبف:
والقى قعوروفى أن أرى الينين عدما كما لضت رل أن كرا فنة لا رانس ):
يرنو إليّ من مكان غير بعيد. مكان تتكشف فيه الحجبء وينجلي فيه الغيب.
تناولت قربة الماء. فتجرعت منها رشفات رطبت حلقي الملتهب. ثم قمت
متيقظا. وقد ارتدى لباس الحربء وقد بدا عليه العجب من طلبي لمقابلته
في تلك الساعة المبكرة قبل الشروقء قال:
- هلم يا ساقي الخيل!
ما الذي أيقظك في تلك الساعة المبكرة؟!
قلت له مفصحا عما يقلقني وقد تهدج صوتي من التوتر:
- قد رأيت مَصَارِعَ الجند على أبواب «بيت إيل».
انزعجت أساريره؛ ثم قال محاولًا طمانتي:
- لعلك رأيت حلمًا قد أزعجك!
قلت مؤكذا:
- بل هو طيف من الرب: حملته إليّ روح أبي الطاهرة!
ابتسم في هدوء. ثم قال لي مهدتا:
- بل هو خوف قد اعتراك أيها الصبي؛ وباحت به نفسك في نومهاء فلا تخش
شيئاء فلن ينقضي النهار إلا وبنو إسرائيل في بيت إيل.
- صدقني أيها القائد إن أبي لم يكذب قطا!
تمر إردقت.فيرهتًا على كلافئ:
- أَولّمْ يحذركم (يوشع) من قبل؟
قطب جبينه وبدا أنه قد استاء مما أقول. ثم قال بعد فترة صمت في حسم:
- أرى أن الخوف قد بلغ بك مبلغه أيها الفتى, فلتبق في الحصن ولا تغادره,
وحذار أن تُحّث أحدًا في الجيش بما رأيت في نومك.
ثم نادى على حارسه قائلًا:
- ضعه في البرج حتى ينقضصي اليوم فقد أصبح كالتمرة الفاسدة التي قد
تفسد من يجاورهاء وغذا فراق بيننا وبينه إلى غير رجعة.
ثم أشار إليّ بالانصراف.
تبعت الحارس حاملًا معي أغراضي القليلة. وصعدت إلى برج الحصن
المرتفع, ثم ألفيت الأغراض علي الأرض ووقفت أتطلع من نافذة الحصن,
فأومأت له 0 دون أن 5 نحوه. وشعرت الا وأنا أتطلع إلى السفح
الممتد أسفل تل العراد. والذي ينتهي عند أسوار بيت إيل. وقفزت إلى
مخيلتي الرؤيا التي رأيتها أمس من ذلك الارتفاع وأنا أنظر إليه. وتمثلت أمام
عيني نهايتهاء فخفق قلبي في اضطراب؛ وتكثفت على جبهتي حبات من
العوف: النارد لم أذ مامص رها» تمر عا محكة :91 ني ومسا فد طالما سسا
قهرًا في خبايا نفسيء فرأيت جسد (سولاف) المتدلي من العنق على فرع
الشجرة: وراية وجه (الشامري) وقد تقيحت فيه البثور. ووجه (رام) وقد
أخفت ملامحه الدماء. ووجه 5 المغطى بالكتان, فشعرت بالخدر يسري
في أوصالي واستجار عقلي بإغماءة تحميه من مخاوف اللحظة وقلق
الانتظار.
ر
إن كل ما أتذكره بعدما أفقت من إغمائيء. هي تلك الصرخات التي ملأت
الوادي والتي اطلقها جنود (عفرة) وهم يحصدون بسيوف الكنعانيين
ورمحاهم, ظللت أعدو بكل ما أوتيت من قوة كفرس بقدح رمال الصحراء هربا
من قسورة ينهشها الجوع: لم التفت خلفي ولو لوهلة: كان يكفيني أصوات
الجند التي تحملها الرياح إلى أذني كي تلهب ظهري كسياط تستحثني
على الركض أكثرء ابتعدت عن الحصن كثيرّاء وتوغلت في الصحراء على غير
هدي حتى اختفت الأصوات من أذني وإن ظل وقعها على قلبي قويا صاختباء
لم أدر كم من الوقت قد مر علي وأنا أعدو ولكني حسبته كالدهر,ر شعرت
وكأن لهيب الشمس قد ترك كثبان الصحراء واستقر فوق رأسيء جف حلقي
وزاغ بصري وأتقلت الرمال خطواتي حتى صارت الخطوة عبثًا لا يتحمله قلبي,
فسقطت جائيًا على ركبتيء أستعين: بهُما وبيدي في الزتخحف لبضعة أذرع
أخرى؛ لعلها تأخذني بعيدًا عن ذلك الرعب القابع في قلب الوادي؛ ولكنها لم
تكن سوى أذرع قليلة قبل أن أسقط مغشيًا على.
00 00 00 00 0
لم أدر مقدار ما مر من الوقت وأنا فاقد الوعيء أيقظتني هرَّة أمالت جسدي
حانيبًا حتى اوشك على السقوط ثم أعادته إلى وضعه مرة أخرى: اعتدلت
في جلستي بصعوبة بفعل الألم وشدة الاهتزازء وتلفت حولي فأدركت أنَى
محمولك على فودج | وتيف سدوله:, اصدورت الناقة حنينا خافتا وكأنها قد
شعرت بعودة دبيب الحياة في راكبهاء تحسست جسدي وكأنني ليقن من
أنني ما زلت حيا سليماء ثم تلفت حولي كي أتأكد من موضعيء أسعدني أن
وجحدت صرة أغراضي إلى جحانبي» وإن بدا أن أحدهم قد عبت بها وأخذ منها
خنجري؛. ولحسن الحظ ترك العابث دواتي وقلمي وأوراقي.
أزحت ستار الهودج جهة اليسار مقدار فرجة يسيرة وتلصصت منها ببصري
فوجدت إلى يسار الناقة فارسا يمتطي فرسا ابيض اللون ويتمنطق بسلاح
هو وسط في حجمه بين الخنجر والسيف, اسدلت الستار في بطء حتى لا
ألفت إليّ نظره؛ ثم أزحته جهة اليمين فإذا بي أجد ناقة أخرى تحمل هودجًا
تجلس فيه فتاة سمراء البشرة؛ دقيقة الأنف والفم. طوت أستار هودجها
وحلست تتظلع إلى البيداء في تمعن وكأنها تتخذث الئ. القراغ من حولها
في حديت صامت!
نكيت الستار واستلقيت على ظهري في بطء وقد آثرت أن أخفىي استعادتي
لوعيي وحدقت في سقف الهودج وفي رانتف تدور عشرات الأسئلة عن
هؤلاء الناس الذين حملوني معهم.
م تتبورعات ل قبل أن أشعر بالفاك تتوقف, 0 في كلعيدي
الوحاك: ومرت بضع دقائق قبل أن يأتي أخدهم إلى له ويرفع أستار
الهودج عنهاء اطمان قلبي لنظرة الشاب غير العدائية. أشار إليّ كي أهبط
فحملت صرة أغراضي وقفزت من الهودجء: قادني الشاب إلى مقدمة الرحل
حيث كان الرجال يقومون بتثبيت خيمتين كبيرتين وكأنما قد قرروا المبيت في
ذلك المكان.
تحدث الشاب إلى شيخ كبير كان يولينا ظهره. فهمت من كلام الشاب أنه
كان يخبره باستعادتي لوعييء التفت الشية نحوي وتلاقت أعينناء فمست
نظرة عينيه موضعا في ذاكرتي لم تطمسه الأيام رغم مرور السنين. وعرفت
فيها نظرة شيخ الأعراب (عابر) الذي استضاف أبي في «رسّة» منذ سنين.
وتعحبت من أحوال القدر معي» أردت أن أحقق حلم أبي في دخول الأرض
المقدسة فإذا به يأتيني في المنام كي يصرفني عنهاء وأردت أن أَفِرّ ينفسي
من العلاك؛ قاذا بالشيخ الذف: آخار ابى في زمن الفقتة تخيرنى أنا أيضًا من
الهلاك في البرية.
وبعد أن ذكرت الشيخ بنفسيء دعاني إلى الخيمة التي انتهى الرجال من
نصبهاء وجلست إليه كي أقص عليه ما فعلته بي السنون.
وبينما كنت أقص عليه القصصء. طاف بعقلي الوجه الأسمر الجميل. منمق
الأنف والغم, الذي حاورني في الهودج, فخفق قلبي حين 00 بفتاة
سمراءء كانت بيني وبينها مغامرة في يوم من أيام الصباء اسمها (أروى).
00 00 00 00 0
الورقة الرابعة والعشرون
أعادت تلك الليلة إلى قلبي شعورًا بالدفء انقطع منذ خروجي من النزك؛»
تحممت بماء ساخن وارتديت جلبابًا عربيًا أهدانيه أحد أبناء الشيخ, ولففت
رأسي بعمامة منحتني وقارًا ومظهرًا يفوق عمري بسنوات. جلس مجموعة
من الرجال. هم مشايخ القبيلة وكبراؤهاء ملتفين في حلقة: وقد وَضع أمام
كل واحد منهم صحن به رغيف من الخبز. وفي المنتصف؛. تقلبت شاة
تطايرت قطرات الدهن المتساقط من جسد الشاة بعد ان مست الجمر
الساخن. فملأت الجو بعبق الشواء الذي داعب أنفي لأول مرة منذ سنوات»
سال لعابي وتمنيت لو بادر الطاهي بتوزيع شاته على هذه الحال كي يكفنا
فرغنا من الطعام والشرابء» فامتلأت العروق بالدماءء والأوصال بالدفء وقام
الرجال الواحد تلو الآخر مستاذنين في الانصرافء, كان الواحد منهم ينحني
على يد الشيخ (عابر) فيقبلها ثم ينصرف غير مستانس لحديث؛. فكنت
اتعجب من هذا الإكبار والاحترام الذي يظهره هؤلاء القوم لشيخهمء واقارنه
بسلوك بني إسرائيل مع نبي الله (موسى)!
لم يبق من حلقة الرجال سواي ووَلَدَيْ الشيخ (عابر)؛ (نابت) و(دومة) علمت
فيما بعد أن أباهما قد أسماهما على اسم ولدي (إسماعيل) تيمنا به
وكانت (أروى) هي ابنة الشيخ (نابت) الصغرى وأصغر أحفاد الشيخ (عابر).
هممت بالانصراف وقمت من مجلسي وأردت أن أفكدت كي أقبل يدة,؛ ولكنه
منعني بأن أمسك كفي وسحبها كي أجلس إلى جواره. فهم (نابت) و(دومة)
بأن الشيخ يريد الحديث إلىّ فانصرفا بعد أن قبّلا يده.
بادرني الشيخ بقوله:
- ما الذي تنوي فعله يا (شمعون)؟
قلت:
- أستأذنك سيدي الشيخ في أن أعود إلى قومي في قادش برنيع. مسح
الشيخ لحيته البيضاء الطويلة براحته عدة مرات: وكانت تلك عادة تلازمه عند
التفكير. تم قال:
- هل تظن أن قومك لا يزالون في قادش برنيع؟
الحق أن كلماته قد فاجأتني!
فقلت وقد ساورني القلق بعض الشيء:
- قد كانت قادش آخر منازلنا بعد أن حكم الرب على بني إسرائيل بالتيه؛ وما
أظطن نبي الله (موسى) يخالف أمر الرب أو يسير بهم قدما إلى الأرض
المقدسة.
صمت الرجل لحظات وأغمض عينيه برهة ثم قال متخيرًا من الكلمات أيسرها:
- قد مررنا بقادش برنيع منذ عدة أيام ولم نر أثرّا لبني إسرائيل هناك.
و خفق قلبي وجلاء وانتابني شعور بالخوف على أمي وأختيء؛ فقلت ملتمسًا
الأمل لدى الشنية:
- لعل نبي الله قد ارتد بهم إلى عصيون جابر؟!
لم يجبء فتابعت مترجيا:
- اجعل لي فرسًا وسوف اقتفي أثرهم إلى هناك!
صمت الشيخ أكثر وطالت فترة صمتهء ثم قال:
- اسمع يا (شمعون).: قد أتينا من رسة ثم إلى عصيون جابر ومنها إلى قادش
برنيع؛ وما راينا (أموسى) وقومه في طريق عودتهم.
قلت في تعجب أقرب إلى الاستنكار:
- أيعقل أن يختفي شعب بأكمله في الصحراء؟
قال غير مكترث من تعجبي:
- ظني أنهم قد سلكوا طريقًا لا نعرفه!
تم قال فئ:صوت خافت وكأنه يريد أن يترقق بي:
- إن للبرية دروبًا يتوه بها الأدلة يا (شمعون)!
- أيضلون الطريق في الصحراء ونبي الله بينهم؟!
مسح لحيته مرة أخرى ثم قال في سكون:
- أليس هذا ما أمر به السيد الرب كما تقول؟
التيه في البرية!
التيه!
لم أشعر بمعنى الكلمة من قبل مثلما شعرت به في تلك اللحظة, ٠» حين
تركت قادش بوتيع: كثنة اشعر تالخوف والتزقت: ولكبي كنف علق يقيوو نان
سأعود إليها لأحد أي وأختي في انتظاري ولو بعد حين, ٠ أما وقد علمت
بأنهم قد تركوا المجِلّة إلى مكان في البرية قد لا أصل إليه؛ فهذا هو التيه
بحقء فليس التيه فقدان الأرض بل فقدان الأمل في لقاء الأهل والأحبة.
رأى الشيخ الكآبة والحزن على وجهيء فقال:
- اسمع يا (شمعون): يعلم الله أني قد أحببت أباك ورأيت فيه نقاء القلب
وصدق النية, وأنه كان عندي بمنزلة الولد وأنت عندي بمنزلة الحفيدء فإن
شنئت يا بني أن ترافقنا في رحلتنا فمرحبًا بك. فقد عزمنا السير إلى أرض
إدوم ثم إلى وادي بكة.
فغرت فاهي دهشة وأنا أقول:
- وادي بكة؟!
|
قال الرجل في هدوء:
- نعم قد خرجنا لزيارة بيت أبينا (إبرام) في بكة.
قلت:
- ومتى العودة؟
قال غير مؤكد:
- قد ينقضي العام قبل أن نعود فلنا تجارة نقايضها مع أهل الجنوب ثم نعود
بعدها إلى منزلنا في رسة في برية سين.
طافت على شفتي ابتسامة بائسة عبرت عما يجيش في نفسي من بؤس!
يا لعبث الأقدار معي!
١
أَفْقِدُ أبي بالموت كمدّاء ثم أفقِدُ أمي وأختي في التيه. كل هذا من أجل
الوصول إلى الأرض المقدسة: ثم ينتهي بي المطاف في وادي بكة!
قلت للشيخ الجليل وأنا أتنهد في عمق:
- أشكرك سيدي الشيخء قد تركت قومي أملًا في الوصول إلى الأرض
المقدسة. فأما وقد فقدتهم في الصحراء إلى الأبد. فلا سبيل لدي إلا تحقيق
حلمي وحلم ابي!
تؤقغت أنث يتصحدني: بقدم الذهاب خوقا على من.بطش: الكتفانيين: ولكنة
صمت مرة أخرى وطالت فترة صمته وهو مغمض العينين قبل أن يقول:
- لماذا تريد الذهاب إلى الأرض المقدسة يا بني؟
قلت:
- هي أرض الآباء والأجداد. التي وعدنا الله بحكمها!
قال في هدوء:
- أي آباء وأي أجداد يا بني؟
ما كان آباؤنا حكامًا ولا ملوكّاء قد جاء أبونا (إبرام) إلى تلك الأرض لاجنًا من
«أور» فارًا بدينه من ظلم حاكمها وبطشه؛ فدعا الناس إلى عبادة الرب
الواحد الاحد وررك السرك والقغاصي:
صمت هنيهة ثم تابع:
- سلام ربي عليه في كل زمان ومكان!
قام وحده بما لم تقم به الأَمَّةُ من الناس؛ كان ينثر بذور دعوته في كل أرض
جرداء تطؤها قدمه لعلها تثمر في يوم من الايام!
ظل مهاجرًا بدعوته من بابل إلى كنعان ثم إلى مصر ثم إلى صحراء فاران؛ فما
ترك أرضًا من الفرات إلى النيل إلا ودعا الناس فيها إلى عبادة الرب.
تذكرت بعضًا مما قاله أبي لي عن وعد الرب لنا بالأرض المقدسة فقلت:
- ألم يقل الرب لأبينا (إبرام) «لنسلك أعط هذه الأرض»؟
ابتسم فرأيت أسنانه كاملة في ضوء النار رغم عمره الذي جاوز الستين؛: ثم
قال:
- نعم يا بني كي يكونوا دعاة للرب: لا ليحكموها!
ولقد صدق الله وعده فانتشر نسل أبينا (إبرام) من الفرات إلى النيل!
انظر إلى بني (إسماعيل) وقد نموا وكثروا وتشعبت بطونهم في صحراء فاران
وتهامة, يدعون الناس إلى عبادة الله الواحد الأحدء انظر إلى أبناء عيسو بن
إسحق في مواب وإدوم يدعون الناس بدعوة ابيهم (إبرام) حتى وصلوا بها
إلى ضفاف الفرات!
انظر إلى يوسف بن يعقوب وقد صار عزيرًا لمصر يدعو الناس إلى عبادة الله
ويصل بها إلى ضفاف النيل!
أليس هذا كله تحقيقا للوعد؟
تعجبت من سعة علمه. وسلامة منطقه. فتايع وقد بان على وجهه الأسف:
- لولا قومك يا (شمعون) لتحقق وعد الرب كاملا لأبينا (إبرام)!
أرادوا اللبن والعسل وغرتهم أطماع الدنيا والرغبة في الملك ونسوا العهد!
ووالله لو وجد الرب في قلوبهم خيرًا لفتحها لهم كي يسكنوهاء ولكن حق
شلقوك بألم من كلماته بدا أثره على وجهيء فربت على كتفي في عطف
كى يزيل -ذلف الاقر وقال:
- ما كان ل(موسى) أن ينقض شريعة أبيه (إبرام) يا (شمعون)!
وما أظن أن دعوة (موسى) دعوة إلى مُلك أو حُكم وإنما دعوة لإقامة الدين
الحنيف!
تعجبت من كلمته فرددتها مرة أخرى:
اليم الو
قال:
- نعم ثم لمعت عيناه في عتمة الليل وهو يقول في وجد:
- أن نعبد الله الواحد الخالق السرمدي الذي لا تناله الحواس ولا يفضي إليه
مخلوق: الحي في كل شيء والقيوم عليه. الذي يملأ نورة السماوات
والأرض وجميع المخلوقات, وأن تسبح له في الليل والنهار وأن تدعو النااس
إلى عبادته.
شعرت برعدة من كلماته؛. وقلت متعجبا:
- أهذه شريعتكم؟
- بل شريعة أبينا (ابراهيم) وهذا فا انق نة أيضا أبونا آدم وشيث وإدريس من
قبله!
قلت وما زلت على عجبي وإعجابي بما يقوك:
: وان التكليفات والتبعات, وأين الزواجر والنواهي؟
قال في يسر:
ك[غنا أن تفهل) الخير أيتها كاث وقيعها كات :وان تترك الشسر ينها كات وكيقها
كان.
كانت كلماته كماء بارد صّبَّ على رأسي في ليلة باردة, فأفقت على حقيقة
أذهلتني. وهي أنني قد لبئت عمري كله بين بني إسرائيل وبين أظهرنا نبي
مرسل ومع ذلك لم يتسن لي فهم حقيقة عبادتناء. لم تكن الشريعة في
نظري سوى تكليفات لا تطاق وزواجر لا تنتهيهي, لم أر من صفات الله التي
عددها هذا الرحجل سوى صفة القوة والجبروت. حتى أسماء الله التي كنا
ندعوة بها في صلاتنا كانت كلها أسماء توحي بقدرته وقوته فهو «يهعوه»
العلي؛. وهو «إيل» القادر. وهو إلوهيم «المتجبر». وما علمت له من صفات
أخرى!
كنت أشعر دائمًا بأنني أخشى من الرب إلهنا إله بني إسرائيل ولكنني لم
احبه!
فما بال هذا الرجل يتحدث بهذا الوجد والحب عن إلهه. وهو القادر على
قلت له وقد ارتعش صوتي بعض الشيء:
- أما تخشى من إلهك؟
انتسيف قرايت: ايتانة ثانزة: تمفاك:
- أخشاه؛. خشية العبد أن يعصي سيده. وأخشاه خشية المحب أن يغضب
حبيبتييةه.
لعر اطق هيرا:فقلت:
- إن كان هذا هو إله بني إسرائيل أيضاء فلماذا يتجلى علينا بجبروته ولا
يتجلى علينا برحمته؟
- هو يتجلى علينا كيفما نراة!
قد عميت أعينكم عن رؤية رحمته حين أنجاكم من فرعون. وحين أنجاكم من
الهلاك في البرية. وتكبرتم على اوامره فحق عليكم أن تروا كبرياءه وجبروته
انقطعت الأسئلة في رأسي وشعرت بأني أريد أن أستعيد كل كلمة قالها
الشيخ (عابر) وحدي. واحس هو بذلك فقاك:
- حسنا يا (شمعون). قم يا بني كي تنام. سنمكث هنا بضعة أيام للتزود
بالماء والراحة, وسنرحل بعدها إلى موآبء. فإن شئت رافقتناء وإن شئت
أهديناك فرسا وزادًا كي تبحث عن قومكء ولتتخير وجهتك التي كتبها الله
عليك!
قمت من مجلسي فقبلت يده قبلة إجلال واحترامء ثم انصرفت إلى خيمتي,
وما إن جلست وحدي حتى كرحي الدواة والقلم وسطرت على صفحة
فارغة تلاث كلمات:
«الله ....
الحي ... القيوم»
00 00 00 00 0
الورقة الحامسةه والعشروت
أيقظني نور الصباح بعدما ارتفعت الشمس إلى منتصف السماءء لم يسبق
لي أن نمت إلى تلك الساعة في يوم من الأيام منذ تركت قادش برنيع؛ ولعل
ا م لدف
لهاء لم أجد لها جوابًا سوى النوم!
وساعدني امتلاء بطني بعد ذلك العشاء الدسم على نوم لا تُعكّر صفوه
قرصات الجوع أو زنئة الأفكار.
خرجت من الخيمة فلم أجد سوى بضعة حراس من رجال القافلة وكلبين
يمرحان في كتيب من الرمل في سعادة., .وكأنما علما أن الوقت وقت لهو قبل
أن يبدأ الشقاء. طارت فراشة ملونة الأجنحة أمام وجهي فأفزعتني, ثم
حطت على الأرض أمامي في سكون وطمأنينة, حثوت على ركبتي أتطلع
إلى ألوانها المبهرة وتعجبت كيف جاءت هذه الفراشة إلى الصحراء. حركت
خناعييا فى الهواء: وكانها :تستفة للاتطلاق: تر طارت متارجحة فى الفواء
واقتف رين الخيامر
تجولت في النزك الساكن إلا من أصوات البعير ونباح الكلبين» وقد شرد
خيالي في ذكريات نزلنا المفقودا!
حلبت الذكريات إلى قلبي وجذا وحنينا إلى أفي» ووخزتني بشوكة الندم في
صدريء. فتنهدت تنهيدة زفرت معها همومي الجائمة على صدريء لفتت
زفرتي انتباهة أحد الحراس فنظر إليّ. توجحهت نحوه ثم سألته:
- أين ذهب الجميع؟
أشار إلى كثيب الرمل وقال:
#ؤهَيوا خلف الكل
فقد عثر الأدلة على بئرء غار ماؤهاء فخرج الرجال لإعادة حفرها وبنائها.
قاع مرقور سارف لعجو رن لوطا ان لط و
بضعة أيام؛ ترددت ما بين العودة إلى الخيمة أو السير إلى ما وراء التل لألحق
بالرجال. كدت أحسم أمري وأسير إلى جهة التل لولا أن سمعت صونًا أنثويً
بان من داخل إحدى الخيام يصيح على طفلة خرجت مهرولة من باب
الخيمة ويقوك:
- عُودي يا (تيماء)!
كانت الطفلة حديتة عهد بالجري. تبدو وهي تهرولك نحوي في سعادة ككرة
تتدحرج على الأرضء» كادت أن تصطدم بي فالتقفتها بيدي قبل أن تنعتر
وحملتها إلى صدري. خرحت صاحبة الصوت فوجدتها هي (أروى)!
لم تتوقع أن ترى ضيف النزل في تلك اللحظة فارتبكت» كانت في رداء نومها
مكشوفة الجيد والرأس» ينسدل شعرها الفاحم على كتفيها وتتراص خصلات
شعرها فوق جبهتها في نعومة وكأنها غُرَّةَ مهرة بديعة. خشع بصرّها خجلا
حينما اصطدم بنظراتي وتخضبت وجنتاها بحمرة زادتها ملاحة.
مدّت يدها كي تلتقط الطفلة فناولتها إيّاهاء تلامست الأنامل فقدحت شرارة
لهب شعرْت حرارتها في يدي. وهمست بكلمة «شكرًا» فاحّجٍ صوتها ذياك
اللهيب.
دخلت خيمتها. فوقفث وحدي يابسًا بائسًا للحظات!
لماذا لم أتكلم؟!
لماذا لم أسألها «كيف حالك»؟
أو «هل أنت (أروى)»؟
كيف أذهلني حضورُها حتى عن الرد على شكرها بكلمة «عفوًا»؟!
انترغت أقدافي من موضعها وشرث في اتحاة التل.ذرثُ حول كثيب الرمال
فرايت 'ظلاك الرخاك تمنة على رماك الصحراء وهم ملتفي خوك المثر وقعالى
صيحاتهم في همة. على مقربة منهم جلس الشيخ (عابر) على صخرة
مسطحة وتحت قدميه جلس ولده الاكبر (نابت).
لم تمض لحظات حتى هلل الرجال وكبّروا حينما اندفع الماء من البر؛ وأخذ
بعضهم في دعم جدران البثئر بالحجارة حتى لا يغور الماء في الرمال.
ابتسم الشيخ (عابر) لمرآي وقال:
- ظهر الماء بمقدمك.
قبّلت يده وجلست على الأرض إلى جوار الشيخ (نابت): ملأ الرجال العديد
من الجرار والقرب. وكشف بعضهم عن صدورهم واخذوا يصبون الماء فوق
رءوس بعضهم البعض. سالته:
لم الك إذا كفو راتخلين؟!
قال باسمًا:
للماءوالظهارة كنات عظيق :فى نزيثنا زابقى حمل الله ننة: كلقني حت:
نتطهر به في يوم مولدنا وفي يوم اختتانناء كما نتطهر به عند كل صلاة.
ثم تركني وقام فاغتسل هو الآخرء ثم وقفوا جميعا للصلاة.
والحقيقة أنني لم أشعر برغبة في أن أشاركهم ما يفعلون ولم يطلب مني
الشيخ ذلك فاكتفيت بالجلوس على الصخرة, أَرْقَبهم وهم يتلون التسابيح
والصلوات. وكان أكثر ما يبتهلون ويستفتحون به صلاتهم هو اسم الله
«الحي». عجيبٌ هذا الاسم الذي ينادون به الرب!
والذي لم أسمعه في شريعتنا من قبل!
لماذا يصفونه بما هو معلوم عنه ولا حاجة لإثباته؟
فرغوا من الصلاة. فحمل الرجال الجرار والقِرَب وشاركتهم حملها ثم عدنا إلى
النزل, استقبلتنا النساء والجواري لتناول الجرار ووضْعها في الخيام, فرأيتها
مرة أخرىء لكنها لم تكن مفاجأة لي كسابقتهاء فقد كانت عيني تبحث عنها
من بين النساء. وحين التقى ناظراناء أحسست أنها كانت تبحث عني أنا
أيضا!
في هذه المرة أمعنت النظر إليها أكثرا!
حَملَتْ عن أبيها الشيخ (نابت) قربة الماء. ثم استدارت بها إلى خيمتهاء
عادت مرة أخرى واتجهت نحوي,. ودوت أن تنظر إلي مدت يدها كي تحمل
عني القربة: ناولتها إياها فعادت بها إلى الخيمة وقلبي يخفق اضطرابًاء لا
شك أن الفتاة التي رأيتها في تلك اللحظة لم تعد هي الطفلة (أروى) التي
عرفتها منذ سنوات, لقد تفتحت براعمّهاء وأزهرّ مبُسمُهاء وفاخ منها رحيق
بكرٌء كنت أتنفّسه كلما اقتربّث مني فيشتعلٌ قلبي اضطرابًا.
وحين رأيت الطفلة التي كانت تهرول خلفها في الصباح تلقم ثتدي إحدى
النساء. شعرت بالراحة وكأنما أسعدتني فكرة أنها ليست إبنتهاء استقرٌ
الرجال داخل الخيام فخلت ساحة النزل إلا من الحرّاس مرة أخرى؛. علمت
فيما بعد أنها ساعة القيلولة التي يأوون فيها إلى فراشهم وهي عادة قد
ألفقوها حتى تساعدهم على الستهر .مساء فى كلنات السمنه: ذخلت
خيمتي فوجدت صحتا به رغيف خبز وقطعة من الجبن,» هكذا كان غداؤهىي
أما العشاء فكان دائمًا ما يكون لحما أو ثريدّاء قضيت تلك الساعة في تدوين
ما مر بي خلال الأيام السابقة. وقلبي معلق بين أمرين هل أغادر هؤلاء القوم
عند رحيلهم وأبدأ رحلتي وحدي حتى أجد قومي, أم أظل معهم حتى
يقضى الرت:اهرًا كان جمفعولة.
عند الزوال. استيقظ الناس من قيلولتهم وخروجوا من خيامهمء يتقطر الماء
من مرافقهم وجباههم!
وقفوا فرادك على مسافات متباعدة مستقبلين الشمالء. يتلون بعض
التسابيح متلما فعلوا في الصباح. لا يتقدمعم كاهن ولا يشعلون بخورًا ولا
زَينَاء فقط يقفوت في خشوع مطأطئي الرءووس حفاة الأقدام يرفع الواحد
منهم كفّيه أمام وجهه ويمجّد خالقه في خفوت.
استوقفتني المفارقة بين صلاتهم البسيطة المتكررة: الأشبه بالدعاء وصلاتنا
التي تقام في قداس يحضره جميع من في النزك تفوح منه رائحة البخور
وينتعمعي بقربان يُقدّم على مذبح الرب, تردد في عقلي سؤال؛ إذا كان وَننا
وربقم إلهًا واحداء-فلماذا أمر كل 'فريق.منا بالاتضال:بة:من طريق مختلق؟
فرغوا من صلاتهم أو دعائهم- ثم بدأ شباب القبيلة بتحهيز ساحة إلى جوار
الترل» استغرق. إعداذها عذة شاعات حتى أوشكت الشمسن غلى المقيب:
مكثت أرقبهم وهم يقومون بعملهم في مهارة وكأنهم قد مارسوه من قبل
عيتيرات. العرات ."مهدو أرضن التفاحة بالفقوس :وريهموا لها جد ؤذا بقطع :من
الحجارة, ثم أقاموا عريشًا في مواجهتها صنعوا له سقفًا من جريد النخل
والكتات: قال. لف اليه (نايف) خين رانف أنظر التهمن وهم يعملونا فى جر
- هم يعدون الساحة للسمر.
ثم ضحك قائلًا:
- تلك حياة البدوي؛ رَعيّ وجدٌ في الصباح وسَمرٌ في المساء.
وجدتني أقول في جد لا يلائم نبرة حديثه المازح:
- عشت حياتي كلها في الصحراء ولم أعرف من حياة البدو سوى قسوة
الصحراء!
قال:
- وما لكم وحياة البدو يا فتى!
قد عاش بنو يعقوب مئات السنين في كنف أهل مصر يرتوون بنيلها
ويستظلون باشجارها حتى سكنت قلوبهم!
استوقفني تعبيره فرددته مستوضحا:
- سكنت قلوبهم؟!
أومأ برأسه وقال:
- نعم!
اطمأنوا إلى النعيم وألفوه!
ثم استطرد موضحا:
- أتدري يا بني؛ إن الحياة في الصحراء هي الفطرة؛ فالأصل في الحياة هو
الحركة والتنقل من مكان إلى مكان؛ وحينما يُكثر المرءُ من الترحال لا يتعلق
قلبه بشيء ويدرك أن الحياة في ذاتها رحلة تنتهيء لتبدأ رحلة أخرى في
مكان آخرء أما السكون فهو أصل الموت: ولا ينبغي للمرء أن يسكن إلا للراحة
بين رحلتين!
أدركت المغزى من كلامه فقلت:
- إذن فقد ماتت قلوب بني إسرائيل بسكونها في بر مصرء وحق عليها أنها
تقود لفظوتها في الصهراء.
اقيق معن إن الخناة فى الف لقي الفط قفالا مقي الا "هه
الحركة والتنقل من مكان إلى مكانء وحينما يُكثر المرءُ من الترحال لا يتعلق
قلبه بشيء ويدرك أن الحياة في ذاتها رحلة تنتهيء لتبدأ رحلة أخرى في
مكان آخرء أما السكون فهو أصل الموت: ولا ينبغي للمرء أن يسكن إلا للراحة
بين رحلتين!
وافق على كلامي بنظرة عينيه. فسألته في مرارة:
- ولهذا كتب الرب عليهم التيه؟!
لم يجب: ولغلة كقني أن يتحزتتيء فقلت مفارضًا:
- الأمر بعيد يا سيدي!
فشتان بين العيش في الصحراء والتيه في الصحراء!
أتدري ما التيه يا شيخ (نابت)؟!
إنه الحياة على أملٍ كاذب. أن تشعر بأنك كلما اقتربت ابتعدت. وكلما دنوت
بنوت: ان يحدوك الامل ثم تتجرع خيبته مرات ومراتء: ذاك هو التيه وتلك هي
مرارته يا شيخ (نابت).
١ لع مويل جا عل قر ولكن ادرو وناكو الله عر ولعل الله يكتب لك
لقاء الأهل في يوم من الأيام ثم قال مشجعا:
- هيا يا (شمعون)., اذهب وتهياً للمساء. فقد آن وقت السمرء ولعل الليلة
تنسيك بعض ما مر بك من احزان.
والحق أن حديث الشيخ (نابت) رغم مرارته؛ قد جعلني أشعر نحوه بمشاعر
و ذكرتني بمشاعري نحو أبي.
00 00 00 00 0
الورقة السادسة والعشرون
كانت ليلة لا تتسىء أدركت فيها جانبًا آخر من حياة هؤلاء القوم لم يتضح لي
حين عشنا معهم قرابة الشهرين في رسة قبل ذلك بسنواتء فعلى الرغم
من طول مُكثنا بينهم, فإن أبي كان حريصضًا وقتها ألا نختلط بهم في صلاة أو
طعام أو سمرء ولعله كان يعتقد في فساد عقيدتهم ومذهبهم ففضل أن
نقضى أوقاتنا كلها فى حكيمتنا التى' اكتازها بعيدة عن ساحة التزل تحقيقًا
لغرضه.
كان أهل القبيلة كلهم قد خرجوا للساحة من أجل السمرء. جلس الشيخ
(عابر) في الصف الأول تحت المظلة التي صنعها الشباب من جريد النخل
والكتان. بجانبه ولداه الشيخان (نابت) و(دومة): ثم شيوخ القبيلة ورجالهاء أما
الفا قفد جلفين: في الحفوف اللخلفه ومفين: فنيات القيلة :
وفي الجهة المقابلة جلس الشُبّان يرتدي الواحد منهم ريا كاملًا كأزياء
الفرسان؛ يتكون من إزارٍ أبيض وسروال واسع., بحيطه نطاق عريض يصل إلى
أسفل الصدر ويتدلى: من »النطاق سيف لامع:يصل؛ تضلة إلى. .طرف الركية:
وعن يمين الساحة جلس حاملو الدقوف من الرحال والعبيد. أما جهة اليسار
والطناوين 0 ذكرني مرأى الناي بأمي (رومانا) كما نار تغمانة ذاكرتىي
وشجوني وأحزاتي: أما خارج الساحة فقد كان الطهاة يعكفون على شواء
عدة لأ ناس .من الخراف والعياة.بحتى امغلات سعماء: البرك ستحاية خيلئ
برائحة اللحم, أمطرّت في جوفنا لعابًاء ساك شوقا إلى تذوق ما يطهون!
بدأت الليلة بمبارزة بين شابين: أظهر فيها كل شاب مهارته في التلويح
بالسيف ورشاقته في تفادي الطعن والضرب» ووددت في تلك اللحظة لو قمت
فشاركتهما المبارزة, علمت فيما بعد أن أحد الشابينٍ هو (عمرو بن دومة)
ابن عم (أروى), أما الآخر فهو (ليث بن نابت) شقيقها الأصغر: ثم قامت مبارزة
أخرى تعن تنا نيم آخرين في الشعر والقوافي. لم أفهم منها سوى القليل,
فقد كانت بلهجة البدو التي لم اكن اتقنهاء ثم قام الشباب بالرقص بالسيوف
على دقات الطبوك وأنغام المزمار والطنبور. والتي أضفت على رقصهم
حماسا جعل الجميع يتمايل مع إيقاعها.
وقامت بالغناء إحدى الجواري حتى أطربت الجالسين بصوتها العذبء: وتركتني
في حالة من الشجن رغم تعثر فهمي لبعض الكلمات في غنائهاء وبعد أن
فرغت من الغناء امتد الصمت لحظاتء وبدأت حركة الطهاة في التزايد وبدا أن
مأدبة الطعام ستمتدء وأن الشيخ سيدعو الناس للطعامء ولكن الشيخ قال
وهو ينظر إلى صفوف النساء التي تجلس خلفنا:
- أين أنت يا (أروى)؟
ألن تسمعينا عزقا على الناي الليلة؟!
هدأت حركة الطهاة بعد كلمات الشيخ. أوصلت إحدى الجواري نايا إلى
صفوف النساء الخلفية. وصمت الجميع في انتظار عزف حفيدة الشيخ
المدللة.
يالله!
أي همس همست به تلك الفتاة في طرف الناي. حتى يخرج من طرفه الآخر
تلك النغمات الساحرة التي حملتنا إلى مقامات النشوة ثم هبطت بنا في
بحور الشجنء لم أكن جاهلًا بالمعازف والألحان فقد ألفتها أذني منذ أن كنت
رضيعاء ولكن هذه الألحان ليست كالألحان!
وشتان بين نغمات (أروى) المفعمة بالحياة ونغمات أمي الجنائزية التي
تعلمتها في معابد مصر!ا
انتهى السمر وقام الطهاة بتوزيع اللحم والثريد. فأكل أهل القبيلة حتى
شبعوا ثم انسل كل رجل مع اسرته إلى خيمته. وقمت متجها إلى خيمتي
بعد ان شكرت الشيخ (عابر) وولديه (نابت) و(دومة).
في تلك الليلة لم أهنا بنوم. ظل عقلي متقدًا بالفكر طيلة الليل؛ تتلاعب به
أراجيح الأسئلة التي لا تنتهي ولا تستقر على إجابة واحدة.
شمعون!
ويحك يا (شمعون)!
ما الذي فعلته بنفسك وبأمك أيها التعس؟!
لماذا لم ترض بما قسمه الرب لك؟
ها قد فررت من التيه وأنت في جوار نبي مرسلء فكتب الرب عليك التيه
وحدك بعيدًا عن نبيك وقومك وامك؟
أمي؟!
كيف حالك يا أمي؟
ظني أني قد كسرت ظهرك بعد أن كسر أبي قلبك بموته!
أشتاق إلى صمَة من صدرك ودمعة أذرفها بين يديك وأن تسامحيني!
قد خذلتك وخذلت أبي.
ابي؟!
أشعر بالخزي أمامك!
أعلم اتلك مطلة علي
وددت أن فق حلمك ولكني أضفت كل شيء!
اغفر لي واذكرني عند ربك واشفع لي عندة!
رَبّي؟!
هل طردتني من رحمتك؟
أناا| وضدن مك ذا عله ارك فنظيهروقاذر ولقوى ا عتاذا
أخشى عذابك وغضبتك وأعجز عن فهم حكمتك!
أخشى أن تهلكني كما أهلكت أبي بذنوب بني إسرائيل.
لماذا لم تتجل على أبي برحمتك كما تجليت على الشيخ (عابر) وقومه؟!
الشيخ (عابر)؟!
عجبًا لأقداري معك أيها الشيخذ!
هل أرسلك الله نجاةة ليء أم فتنةَ لي وإمعاتا في التيه؟
إن كان الرب راضيًا عن قومكء فلماذا أرسل نبيه إلى بني يعقوب ولم يرسله
إلى بني (إسماعيل)؟
أتكون الحقيقة كما تحاول أن توحي إلت؟
أن الرب يرسل الأنبياء إلى العصاة من عبيده وليس الصالحين!
أصدقك القول أيها الشيخء. إني أمقت تلك الحيرة التي قذفتني إليهاء أمقتها
رغم امتناني لك؛. وسعادتي برؤية (اروى)!
وحين وطات بطيفها عقليء هدات ارجوحة الفكر في راسيء. وطغى صوت
فب وق نا في اطرافي فعموت الما نتن الصناه:
0 00 00 00 00
مر اليومان التاليان وأنا ما زلت على حيرتي بين ترك القبيلة والسفر وحدي
في طريق مجهولء. او البقاء معهم والبعد عن برية سين لسنواتء وفي اليوم
التالك دعاني التضى :عابرا إلى جيمنة فى وفث الغيلولة :وكات الناين قد
دخلت إلى الخيمة المعطرة برائحة الصندل, فاستقبلتني فراشة كالتي رأيتها
من قبل, دارت الفراشةٌ دورة في الهواء تم وقفت على عمود الخيمة, » تضم
جناحيها وتبسطهما في هدوء, وجحذث الشيخ جالسا على الأرض يمدد
ساقيه وقد وضع على فخذيه صندوقًا من الخشب ينظر إليه مبتسمًا وفي
يده وريقات صغيرة من الشجرء يفركها بين أصبعيه ثم يلقيها داخل الصندوق.
ألقيت عليه التحية؛ فرد عليها مبتسمًا ثم قال:
- تعال يا (أشمعون)!
افلوق
جلست إلى جواره فقال لي وهو يشير إلى الصندوق:
- انظرا
نظرت فوجدت فراشات مختلفٌ ألوانها. تقف على جدار الصندوق من الداخلء
وفي قاعه بضعة أعواد من الشجر تتسلقها يرقاث مقززة كالديدان, يقضصم
بعضها وريقات الشجر التي يلقيها إليهم الشيخ (عابر). شعرت بالغثيان
لمراى اليرقات. فصرفت نظري عنهن واشرت إلى الفراشات وقلت للشيخ
(عابر):
- رأيت إحداهن منذ أيام وتعجبت لوجودها في الصحراء. لم أكن أعلم أنك
تطعمعن على تلك الديدان!
ضحك وقاك:
- أنا لا أطعم الفراشات بل أطعم الديدان!
بان العجب على وحعي» فقالك:
- إن هذه الدودة المقززة التي تنفر منها يا فتى هي نفسها تلك الفراشة
الساحرة التي يعجبك حسنها!
فغرت فاهي دهشةء فتابع:
- أهداني تاجر حرير من الشام تلك اليرقات منذ انتتهة: » ومن يومها وأنا أتأمل
حياتها وأرى فيها آية لحياة الإنسان وموته وبعثه!
سحرني حديثهء كعادته حينما يتكلمء فتابع قائلًا:
- انظر إلى هذه الدودة؛ التي تقضم وريقات الشجر كمخلوق أرضي فان في
أحقر صورة من صور الحياة, إن هذه اليرقة سوف تتوقف عن الطعام بعد
أسابيع وستشرع في بناء بيت حولها من خيوط الحريرء كهذه اليرقة التي
تراها هناك!
وحين يكتملٍ البناء تنموت اليرقة ويغنى جسدها داخل شرنقة صلدة كتلك
الشرنقة (وأشار إلى أحداهن) وستظل اليرقة بداخلها روح بلا جسدء ثم
تبعثت الروح فيها مرة أخرى كي تصير فراشة تحلق في الفضاء في انف
ألا يشبه ذلك حياة الإنسان, حياة فانية أرضية ثم حياة برزخية فيها روحٌ بلا
جسد ثم حياة اخرى بالروح والجسد في ابهى صورة واسماها بجوار الرحمن!
شر بعد فى جرت و ردي كات الشدوة يفكي 1 ا
اد منذ وفاة أبي.
ردّدت كلماته في شرود:
- حياة برزخية يعيش الإنسان فيها روحًا بلا جسد!
أهذه هي الحياة التي يحياها أبي؟
أومأ برأسه وقال:
دويحياها كل مو :مات مند أدينا ادم
ظللت في شرودي, فاحترم الرجل صمتيء وضع الصندوق جانيبًا في هدوء تم
ل ل ل ل ل ا ل
- أتدري يا شيخ 0 في كل 'مرة أتحدث فيها إليك, أجد عندك اخارات
بُرهة قبل أن أقول:
- أرجو منك المعذرة يا سيدي!
تقاطع حاجباه الأبيضان في دهشة وقال:
- المعذرة على ماذا يا بني؟
قلت في كلمات يعقلها التردد:
- قد خطر لعقلي في يوم من الأيام أن عقيدتكم فاسدة. وأن الله قد فضلنا
عليكم بأن جعل في بني إسرائيل أنبياء ورسلا. فجعل فيهم (يعقوب)
و(يوسف) وأرسل إليهم (موسى) و(هارون): ولكني الآن انظر إلى الأمور بعين
أخرى؛ فما كثرة الأنبياء إلا دليل على سوء الطبع.
- الأنبياء رحمة لشعوبهم إذا ما تبعوهمء. ونقمة عليهم إذا ما عصوهمء. فهم
مبشرون ومنذرون.
ثم صمت قليلًا قبل أن يقول:
- قل لي يا (شمعون)؛: علام استقر عزمك؟
قلت في حيرة:
4لا أدرق:
- غدًا سنرحل إلى إدوم!
فهل سترافقنا؟
التزمت الصمت لبرهة قبل أن أقول في صدق:
- حقيقة لا أدري يا شيخ (عابر)!
أشعر بالألفة بينكم؛ وأتمنى لو رافقتكم, ولكني أخشى الابتعاد عن برية
سين أكثر من ذلك.
صمت قليلًا تم قال:
- وهل تضمن العثور على قومك إذا عدت وحدك؟
تنهدت تم قلت:
تقذ اما ساف كها اكدين ضهت :ولهز أكمل: فسبا لنن:
- كما أنك ماذا؟
قلت:
- كما أني أشعر بأني مطرود من رحمة ربي لمعصيتيء وأخشى العودة إلى
لعا 'فمالةة العفافة
قال في إشفاق ويقين:
- لا تقل هذا يا (شمعون)., لا يطرد الرب عبيده من رحمته حتى وإن عصود!
ابتسمت في بؤس وأنا أقول:
سكت قليلاء. ثم أطرق مفكرًا قبل أن يقول:
- اسمع يا (شمعون): هناك قافلة تخرج من بكة إلى كنعان في كل عام
لماذا لا ترافقنا إلى بكة حتى يحين موعدها؟
ولتنظر حينهاء هل ترغب في العودة معنا إلى رسة في برية سينء أم الصعود
إلى كنعان.
قلت له في فرح:
0
ومتى هذا؟
قال:
- بعد أت :ينتميئ الحح:
فغرك بعليل الغذة نوها فولق العردة كدف أقول هونا فكر فت الأمن زولا
أن دخلت (أروى) 0 6 اللحظة ور جارية عجوز وهما بحملان طعاما
-10 في 000 لرؤيتها المفاجئة. قطع تفكيري صوت الشيخ (عابر) وهو
يقول:
عفاذ] قلت ياق؟
فأجبته بغير تردد:
- أرافقكم: يا سيدي الشيخ.
ثم قبلت يده وانصرفت.
00 00 00 00 0
الورقة السابعة والعشرون
وصلنا إلى إدوم بعد ثلاث ليال من السير الهادئ؛ الذي لا يعكر صفوه ريحٌ ولا
عطش» ولا أظن أن المرء قد يحتاج إلى دليل في الصحراء كي يعرف أنه قد
وصل إلى رضن إدومء فحينما تتحول الجدد السمراء في برية سين إلى جبال
أرجوانية ملساء تحيطها بحورٌ من الرمال الورديّة البديعة المنظر فأنت في
أرض إدومء لم أر في حياتي مثل هذه التشكيلات الجبلية الرائعة التي لوّنها
الخالق فأبدع في تصويرهاء رغم أني قد مكثت عمري كله في الصحراء.
كانت الرمال ناعمة فسارت القافلة في بطء حتى لا تُجَهد الدواب في سيرها
وكان سيري إلى جوار الشيخ (نابت) وابن اخيه (عمرو بن دومة). وساعدنا
صماء الحو وك الفسير على أن قدا نهدا الهنية
قلت:
- ما أبدع هذا الجمال!
كيف تتلوّن الجبال بهذا اللون الأرجواني البديع!
قال نابت:
«نهذ | كلق الرحين باغلاما
رأيت في حياتي جبالًا سوداء. وأخرى حمراء وثالثة بيضاء كالثلج: وكلها من
خلق الله.
تم قال:
- أتدري ما معنى «إدوم»؟
إنها تعني الأرض الحمراء!
ويقولون إن أبانا «عيسو بن إسحق» هو أول من وطثها بقدمه من أبناء
(إبراهيم)!
تعجبت مما قال وقلت:
- أبونا عيسو؟!
فتابع:
زوجتيه, فلما 0 به 0 هاهناء تزوجح من أمُنا 0 ابنة أبينا
(إسماعيل) وعلى أثر ذلك: هاجر الكثير من ولد (إسماعيل) وعاشوا في تلك
الأرض لسنين!
قلت:
- وهل يحكمها بنو (إاسماعيل) الآن؟
قال نافيا:
- كلاء بل يحكمها ملك من الإدوميين: ولكننا ندخلها مطمئنين مكرمين فهي
أرض أمنا (مَحَلة)!
تحدث (عمرو بن دومة): وكانت المرة الأولى التي نتحدث فيها معّاء فقالء:
وكان صوته رخيمًا عميقا:
- كم أتمنى أن أعيش هنا!
ززتقا متة ثلاثة أعوَامر:ومنا تال« قلين مُعلقا يها
ضحك (نابت) وقال:
- إن (عمرو) يهوى المدن والممالك ويكره الصحراء!
فقال (عمرو):
- شثّان يا عماه بين حياة الصحراء وحياة المدن والممالك!
ثم شعرت في صوته نبرة تمرّد وهو يقول:
- هنا يستقر المرء فلا يكون هَمّه شربة ماء أو كسرة خبز.
ثم أشار بيدة نحو الأفق وقال لي في حخمفاس:
- عمًا قريب سترى قصورًا وطرقات نُحتت في الجبال!
لامره!
تذكرت حديث عمه معي عن حياة الفطرة في الصحراء. فأدركت أن أفكار
الفتى وأفكار عمّه لا يلتقيان.
توقفنا عن الحديت عندما لاحت لنا منازل حاضرة الإدوميين التي تسمي
«بصرك»: كانت المدينة تقع على ربوة عالية تحيط بها الوديان من كل جانب
فبدت كقلعة حصينة تربض في الصحراء: سرنا في الوادي المؤدي إلى مدخل
المدينة والذي شكسن رمال سفحيه وك وكأنما نحتها سيل هادر في
زمن غابر» وقد انعكست عليها أشعة الشمس فبدت في ألوانها الأرجوانية
من الششّفق تركت مكانها في السماء لتستقر على الأرضء وسحر
جمالها 9 من كانوا في القافلة فتركت النساء الهوادج وترجل الفرسان عن
ظهور الخيل وسار الجميع بعيون شاخصة إلى ذلك الجمال المهيب؛. وتمتم
الشيخ (نابت) قائلًا:
ةل رون لوحف !
تبارك اسمك يا قدوس!
وقال لي (عمرو بن دومة) حينما رآني أجول ببصري مشدوها:
- أتدري ماذا يطلق أهل إدوم على هذا الوادي؟
لم ينتظر مني الرد؛ فأنا بالطبع لا أعرف الإجابة!
فأردف قائلًا:
- يطلقون عليه وادي (قرقور)!
تعجبت من الاسم فقاك:
- قرقور هو صدى الصوت!
اسمع تم هتف بصوت عاك:
- (شمعوووووووون) !
رددت جنبات الوادي الاسم عدة مرات فشعرت بالحرج بينما تعالت ضحكات
الجميع. وقبل ان يذهب صدى الصوت هتف (ليث بن نابت) شقيق (اروى)
الاصغر وقال:
- (ليث) (ليث) (ليث)!
فامتزحت الأحرف الأخيرة من اسمي بأحرف اسمه الأولى وضحك الجميع
واتخذها الشباب لعبة فظل كل واحد منهم ينادي على اسم صاحبه حتى
ضجّ الوادي بأصوات مختلطة لم نميز الأسماء فيها من الضحكات.
وأراد الشيخ (نابت) أن يِكْقَّهِم عن الضوضاء. فهتف بصوت عال:
- الله.
فخشعت الأصوات للفظ المهعيب, وصمت الجميع وسار الركب في هدوء إلا
من همس الأنفاس المنتشية ببديع صنع الله.
حملت القافلة هاوج اكوا المدوة فقو كان كعاك فول ققد للقواقل جما فيه
الوق ولا تستفح "يدحول الغير إلى شيوارغ القديقة الدب ضفب بالتهيا ر.:
عقلنا الخيل والعير. وذهب الشيخ (عابر) ومعه ولداه (نابت) و(دومة) وتحدتوا
إلى الحرّاسء. لم يمض وقت طويل حتي سمعنا صوتا يهلل لمقدم الشيخ
(عابر). كان صاحب الصوت رجلا طويلًا أحمرّ الوجه؛ يرتدي جلبابًا مُزركشاء
فوقه عباءة حمراء: تزين أصابعه الطويلة خواتم عدة ويزين صدره قلادة ضخمة
من الفضةء علمت فيما بعد أن اسمه (شهبور) وأنه أحد كبار التجار بإدوم,
وعلمت أيضًا أن الرجل تربطه علاقة وطيدة بالشيخ (عابر) لم أدر ها توعها:
فتحت لنا الأبواب, وجاء بعض الغلمان التابعين للتاجر (شهبور) يجرون عربات
خشبية؛ فوضعوا أمتعتنا وبضاعتنا وجرُوها إلى داخل الأسوارء أذهلني جمال
المدينة!
فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي تطأ فيها قدمي حاضرة إحدى
الممالك, الشوارع متسعة ومرصوفة بحجارة تساوت أطرافها بدقة فلا ترى
فيها عوحا ولا أمنا!
وعلى جانبي الطريق تعاظمت أشجار الزيتون والعرعر حتى أحالت الطريق
إلى حديقة غناء.
وصلنا إلى حي في الجنوب يقال له حي «الزعر». وعلمت فيما بعد أن
«الرّعر» هذه هي ابنة أبينا (لوط) عليه السلام كما يدّعي أهل الحي
ويفتخرون بذلك!
فهم يقولون إنها قد سكنت هذا الحي بعد أن تركت «سدوم» مع أبيها قبل أن
يهلك الله قوم لوطء كان الحي قديمًا إذا قورن بالأحياء الجديدة التي تقع إلى
الشتفاك من المديئة والقي. تجاور قصر'الحاكمه ورقصي ذلك كاناهذا الخي هو
اكثر الأحياء ازدحاما وحركة وتجارة. ففي منتصفه يقع سوق «بصرىك» وهي
كبرى اسواق إدوم واعظمها!
إليها يفد التجار من كل حدب وصوبء يبيعون فيها تجارتهم أو يقايضونها
بغيرهاء تتراص الحوانيت فيها الواحد تلو الآخر وأمام كل حانوت وُضِعت بضائع
من أضناف شتىء هنا يباع الخرير: والأواتي النحاسية: والبهارات: وهناك تباع
الحبوب والعطور والفخار الإدومي المميزء أما أشد ما جذب نظري فكان ساحة
العبيد والجواري التي شهدت زحامًا فاق كل حوانيت السوقء رأيت لأول مرة
كيف يباع الإنسان ويشترىك.,. وشعرت بالغثيان حينٍ واب رجلا يتحسبس
كسد جارية يروم شراءها, 'فظل يغلبها بين. يذية: وكاتها شباة يوشك على
دتحقا: والعحيت |ث الفناة السكسلفك له دي حتوع النساة "الذي حول لها
ولا قوة.
تجاوزنا 'السوق بضجيجها وصخبهاء ووصلنا إلى منازلك أقيمت على طرف
الحى: نينث كلها امن«طانق واحد من الحجر علفنا أن الدهها «تزل الشكاة:
وهي بمثابة بيوت يقيم بها المغتربون من التجار. كل بيت منها يتوسطه فناء
واسع تفتح عليه غرف صغيرة مربعة الشكل لها باب قصير من الخشبء
ينحني الداخل منه حتى لكا ترتطم رأسه بعتبته, ويعلو جدار الغرفة المقابل
للباب كوة صغيرة يدخل منها النور والهواءء كانت الغرفة لا تتسع إلا لشخص
واحدء وقد فرشت أرضها بحصير لدنء وعلق على يمين الداخل من بابها
قنديل من الزيت: التصق دخانه الأسود بالحائط.
تركنا التاجر (شهبور) للراحة بعد أن قام غلمانه بتخزين بضاعتنا في مخازن
النزل؛ ووعدنا بأن يعود في الصباح لعرض البضائع في الحوانيت, وَرّعَ الناس
على الغرف. فدخلت غرفتي وأغلقتٍ الباب ثم وصحت أمتعتي القليلة على
الأرض وألقيت بظهري على الحصير اللّدن متوسّدًا يديّ اللتين اشتبكتا أسفل
رابست*
ظللت أحدرّق في شعاع النور الذي نفذ من كوة الحائط بينما نفذت الأفكار في
سرعة إلى رأسي وكأنما انفرجت بها كوة أخرى. كان عقلي لا يزال غير
مصدق أني تركت أهلي ونبيي في برية سين وجئت مع قوم آخرين إلى
تلكم الأرض؛. وكلما أمعنت في التفكير اضطربت انفاسي» والح على وحه
أمي (رومانا) أكثر. أدرت وجهي نحو الحائط فرأيت وجهها مرسوم عليه. مددت
يدي نحو صفحته وأنا. أقول لها سامحيني لأني فطرت قلبك وتركتك وحيدة
فاختفت صورتها من أمامي: شعرت بضيق في صدري, فقمت من رقدتي
وحلست أتلقف الهواء. تمنيت أن أبكىئ ولكني اهفتكة عت .ذلك وبدلا من
ذلك وجدتني ألهج في رجاء وبصوت متتابع قدوس رحيمء قدوس رحيم, لا
أذكر كم مرة قلتها ولكني قلتها عشرات المرات إلى أن استكانت نفسي
وهدأ اضطرابي» فألقيت بحجسدي المتعب من السفر والانفعال على الأرض؛»
ورحت في سبات عميق.
لم أدر كم مر من الوقت وأنا نائم ولكني استيقظت على جلبة شديدة أمام
المنزل وسمعت صرخة عاليةء ميزت فيها صوت (اروى).
00 00 00 00 0
الورقة الثامنة والعشرون
وصلت إلى الساحة المقابلة للمنزل بصعوبة فقد كان الممر مكتظً برجال
القافلة ونسائها وآخرين من قوافل أخرى حاءوا ليشاهدوا سبب الجلبة
والعراك. وحين وصلت إليها وجدت جنودًا من الإدوميين يقفون حاجرًا بين
الناس وبين مجموعة اخرى من الحراس يمتطي احدهم فرسا يدور به في
توتر ويتكلم في غضب إلى الشيخ (نابت) بلغة ميزت فيها كلمات من
السريانية: والتي تشبه لغتنا كثيراء هالني أن رأرى (عمرو بن دومة) ملقى
على الأرض:؛ يمسك ركبتيه في ألم ويحيط به ثلّة من الجند استلوا سيوفهم
ووجهوا نصالها إلى صدره وكأنما ينتظرون أمرًا من أميرهقم الغاضب كي يفتكوا
بهء كان الأمير يتحدث بغضب شديد إلى الشيخ (نابت) وكلما حاول الشيخ أن
يتحدت إليه أو يتقدم نحوة كي يفهمه انم قوم مسالمون, يدفعه الحراس
فى صدره كي يحافظوا على المسافة بينه. وبين قارسهم: أدركت أت الأميز
الغاضب لا يفهم كلام الشيخ (عابر). فهتفت بلغته وبصوت عاك:
- إنهم قوم مسالمون.
بلهجته الغاضبة:
- لماذا يتجمعون أمام الساحة؟
ولقاة] لخر يتستكييوا ندا اللكنة رالامها عفن التجمع رفد انثهاء الوق
سألت الشيخ (نابت) عن سؤاله فأجاب:
- كنا نتلو صلاتنا ونتعبدء وهتف علينا الحراس قبل أن نفرغ منهاء وحين اقترب
مني بفرسه. دفعه (عمرو) خشية أن يطأني فظن أنه يريد الاعتداء عليه
فهجم عليه الحراس وطرحوه أرضًا.
أدركت خطورة الموقف الذي فيه (عمرو). فتحسست كلماتي وأنا أقول:
- إنهم قوم مسالمونء كانوا يتعبدون ولم يسمعوا النداء وحينما اقترب الفرس
منهم فزعوا ودفعوه بعيدًا حتى لا يؤذيهم.
لمعت عين الفارس بشدة, وكأنما وقع على خبر كالكنز وقال:
- يتعبدون؟!
من أين أتيتم وماذا تعبدون؟
قلت وأنا أزدرد ريقي في خوف:
- أتينا من برية سينء؛ وهم يعبدون الله!
اك و ا كور ل رمفوافر كدو مركم
- لقد خالف هؤلاء الناس قانون مملكة إدومم, فقد أقاموا تجمعًا دون إذن- بعد
انتهاء السوقء ومارسوا علنًا عبادة غير عبادة آلهة الإدوميينء وحاولوا الاعتداء
على حراس المملكة. فعلى هذا وباسم مولانا الملك العظيم (هدد بن بدد)
نامر بالقبض عليهم وعرضهم على صاحب الشرطة.
ثم هتف في جدية:
- يا حراس!
أحضروا هذا وهذا!
وأشار إلى الشيخ (نابت) وإلى (عمرو بن دومة).
وقبل أن يتحرك التفت نحوي وأشار قائلًا:
: وأحضروا هذا أيضًا!
6 مه مه مه مه
ارتج ياب المحبس بقوة بعد أن صفقه الحارس خلفناء ثم أحكم إقفاله جيدًا
قبل أن يتركنا ويصعد الدرج المؤدي إلى السجنء كان المحبس أشبه بقبو
صغير يغرق في ظلام دامس إلا من شعاع ضوء يتسلل إليه من المشعل
المعلق على الحائط المواجه لبابه: كانت الرائحة النتنة تكاد تزهق أنفاسنا
وزاد من تأثيرها رطوبة الجو الخانق بهاء أسندت ذراع عمرو على كتفي بينما
تحسست طريقي بملامسة الجدران ثم عاونته في الجلوس وهو يتأوه من
ألم ركبته التي بدا بها جرح غائر أعجزه عن الوقوف عليهاء جلس الشيخ
(نابت) في ركن الحجرة. فجلست القرفصاء إلى جواره وقد خيم علينا
السكون إلا من تمتماتٍ خافتة يقولها الشيخ. ميزت فيها كلمة يا لطيف. كنت
لا أزال مذهولًا من تطور الأحداثء: فكيف انقلبت الأمور لينتهي يومنا الأول في
هذه المملكة. تللك النهاية البائسة؟
قطعٍ ذهولي,: تألم (عمرو) من ركبته: فقطعث خرقة من طرف ثوبي وضمدت
له خرحه: كما علمتني امي في صغريء تاوه بشدة اثناء تحريكي له وكان
مع كل صرخة:. يعلو صوت الشيخ وهو يقوك:
هدأت آلامه قليلاء فسكت عن الصراخ وأسند رأسه على الحائط وهو يتصبب
عرقا. مسح عرقه ثم قال ساخرا:
في الضباع "تمنيق لو أقضيئ عباتي كلها هنا!
ولكني لم أتمن أن أقضِيّها سجينًا!
ابتسمت رغما عني وقلت:
- ألم يقل لك عمك (نابت) إن حياة الممالك ثميت القلب!
يبدو أنها تميت الأنفس أيضا.
قال وأنفاسه تلوج:
- لوهلة ظننت أن الحراس سوف تغرز نصالها في صدري!
ثم ابتسم في صعوبة وقاك:
- لولاك لكنت قتيلًا!
قلت:
- لم أفعل شيئّاء ثم أردفت متعجبًا:
- يبدو لي أنهم ليسوا من أهل البلد!
هز رأسه مؤيدًا وكأنما لاحظ هو أيضًا تلك الملاحظة: وجاءنا صوت الشيخ
(نابت) من خلفنا:
- هؤلاء مرتزقة!
ليسوا من أهل إدومء ولو كانوا من أهلها لعلموا جيدًا مقامنا ومقام بني
(إسماعيل)!
ثم آيّد (عمرو) كلامه بصوت متقطع من الأعياء:
- نعم لم نر مثل هؤلاء الجند من قبل!
قال (نابت) في حزن:
- يبدو أن إدوم قد تبدّل بها الحال بعد أن تولاها هذا الملك الجديد.
تذكرت الاسم الذي نطقه الحارس فقلت في شرود:
- (هدد بن بدد)!
يا له من اسم مثير للرعب وموحي بالدمار!
وانقطع بيننا الكلام. فعاد الشيخ (نابت) إلى تسبيحه الخافت حتى ظننت أنه
اسح في لؤمة!
بينما غط (عمرو) في نوم عميق من شدة الإعياء لم يقطعه سوى حشرجة
أنفاسه أو صوت تأوهه بين الفينة والفينة, استلقيت على جانبي لسويعات
اتفكر فى مصير العد الدف» يعطوناء: إلى انعد بتري عهؤوة | والمتنف: إل
بدايات اليوم التالي.
استيقظنا على جلبة مزلاج الباب والحارس يفتحه. قمت من نومي مسرعا
ووقفت في منتصف الحجرة. قال الحارس في لهجة امرة:
- هيّاء إن صاحب الشرطة يستدعيكم إلى حجرته.
قام الشيخ (نابت) بصعوبة. وعاونت أنا (عمرو) على الوقوف وهو يتأوه بشدة:
وقد بدا أن جسده قد أصابته حُمَّى جعلته يتصبب عرقا.
سرنا خلف الحارس ببطء. صعدنا الدرج الصخري العتيق المؤدي إلى حجرة
الفارس الذي أوقفنا أمس, نظر الفارس إلينا نظرة كارهة لا أدري سببًا لهاء ثم
انتتار إلينا بالوقوف في أماكنناء دلف الفارس إلى حجرة أخرى أوسع وأرقى
ثم عاد بعد لحظات ليدعونا إلى الدخولك؛ وما أن دخلنا حتى انفرجت اساريرنا
جميعاء فقد وجدنا الشيخ (عابر) ومعه التاجر (شهبور) بالحجرة يقفان إلى
جوار صاحب الشرطة: أسكرة الشيخ (نابت) فقبل يد والده الشيخ (عابر) دون
أن ن يعير صاحب الشرطة اهتماماء مما أثار غيظ الفارس الذي كاد أن يمنعه,
لولا ان اشار إليه صاحب الشرطة كي يكف عنه.
قال صاحب الشرطة في لهجة أراد أن يجعلها حازمة ولكني شعرت في
طياتها ببعض العطف:
- لقد دفع لكم التاجر (شهبور) غرامة المخالفات التي قمتم بهاء ولكني أرفق
بكم ان تعودوا لمتلها!
ا جداحت السافة, 0 استقبلنا 07
المنزل بالفرح والسعادة؛ ألقت (أروى) بنفسها في حضن أبيها وجتى أخوها
الصغير (ليث) على يده يقبلهاء ثم التفت نحوي قائلًا:
- شكرًا يا لشمعون) أنت نعم الأخ والصديق.
احمر وجحعيي خجلاء وازدادت حمرته حين نظرت إلى (أروى) بامتنان. فتمتمت
بكلمات غير مفهومة من الاضطرابء وكاني أقول له (عفوا).
بعد قليل أتى الطبيب الذي دعاه التاجر (شهبور). فطهر جرح عمرو بمنقوع
الحرمل والقرنفل أولا ثم وضع عليه التوم المطحون وطلب مني ألا تفك
الضمادة تلاتة أيام.
وحينما خرج الطبيب أبس إليّ وإلي الشيخين (نابت) و(دومة) بحديثه. ولعله
ظن ند أخو (عمرو) من كترة ما رأى من اهتمامي, فقال:
- إن الجرح غائر وقد بدأ في التقيّح: وقد تزداد الحمى بعض الشيءء يجب أن
يكثر من الراحة وشرب الماء الفاتر» وأكل فصوص الثوم والبصل يوميّاء وسأعود
إليه بعد ثلاثة أيام لتضميد الجرح.
سأله الشيخ (دومة) في قلق:
- كم من الوقت يحتاج للراحة؟
التقى حاجبا الطبيب في جدية: ثم قال بعد تدبر:
- إن هدأت الحمى فقد يستغرق الجرح أربعة أسابيع كي يبرأ.
تنهد الشيخ (نابت) وقال وهو يربت على كتف أخيه:
- لله الأمرء ثم :شكر الطبيب واتضرفنا من الحجرة: ذهبنا إلى حجرة الشيخ
(عابر) فوجدناه يجلس إلى التاجر (شهبور) الذي توقف عن الحديث فجأة
حينما راناء تسألنا الشيخ (غاير) عن حال (عمرو)؛ فأخبرة السية (دومة) يقا
قاله الطبيبء, تنهد الشيخ (عابر) ثم قال:
- كل قدر الله خير.
أراد التاجر (شهبور) أن ينصرف. ولكن الشيخ (عابر) قال:
- اجلس يا (شهبور) وأكمل ما كنت تقوله عن ملك إدوم.
تردد (شهبور) لحظة ووجدته يَمَذدٌ الطرف نحويء فقال الشيخ (عابر):
دالا تقلق» إن (تتتمعون) هو:اين من ابباتي:
فاطمآن الرحل وانفرجت أساريره, 1 ثم انطلق يبقص علينا ما كان من خبر ملك
بدَّكَ أحوال مملكة إدوم وقلبها رأسّا على عقبء ملك اسمه (هدَدٌ بن بدّد).
00 00 00 00 0
الورقهة التاسعة والعشروت
قال (شهبور):
- كانت أرضنا تنعم بالسلام منذ أن خلقها الله وكنا نستمع إلى حكايات
الأحداد عن القوافل التي كانت تمر عليها من كل حدب وصوب فيتوقفون بها
للراحة قبل أن يستأنفوا رجلاتهم إلى مصر غربّاء أو إلى سبأ جنويّاء أو إلى
عيلام شرقاء لم يدرك أحد أهمية هذه الأرض سوى أبينا (عيسو) الذي فتنته
عاك اذو نكه الها يقد اث عادر : كتهان:: ف نكدها معلة للاقافة :هو واضاؤة:
واشتغلوا بتوفير سبل الراحة للقوافل المارة بهاء وتزوج عيسو من (محلة) ابنة
أبينا (إاسماعيل) فكثر أبناؤه. وامتزجوا بالقوافل الوافدة إلى أرض إدوم
وتزوجوا من نسائها حتى صارت في إدوم عشرات البطون. يحكمها رجل من
أبناء (عيسو): وكان آخرهم الملك الفعظم (هوشام):
كان (هوشام) حين تولى الحكم شايًا طموحًاء وتاجرًا ماهرًا أيضّاء وحين تولى
الحكم اراد ان يجعل من إدوم مملكة عظمىء فاقام حاضرتها «بصرىك» على
غرار حواضر الممالك العظمى فمهد سبل التجارة بهاء وامن طرقها ضد
العربان وقطاع الطرق. حتى ازدهرت حاضرتنا وصارت اجمل المدائنء. وأراد
(هوشام) بعد أن ازدهرت البلاد في عهده أن يؤسس لها جيشًا نظاميًا يحفظ
لها هيبتها على غرار جيوش كنعان ومصر وآشورء فعهد بذلك إلى رجل من
حبابرة كنعان اسمه (هدد بن بدد).
ضفة قلبلة تمر تلقف :خولة:وقال نضوت احفضن: مها سدة :
كان (هدد) رجلا شديد البأسء يجيد البطش بأعدائه والتنكيل بهم: استطاع
ان يصنع جيشا نظاميا يرهب به جيران إدوم من الممالك الطامعة بعاء ولكنه
استطاع ايضا ان يصنع جيشا من الشرطة كي يرهب به اهل إدوم وابناءها!
فنشر البصاصين في الأسواق واستجلب مرتزقة من كنعان كي يعملوا معه.
وحدتني رغمًا عني أقاطعه. وأقول مستنكرًا:
- وأين كان الملك (هوشام) من كل هذا؟!
قال في يأس وحزن:
- كان الملك (هوشام) قد تقدمت به السن آنذاك ودب به الضعفء. فضلًا عن
أن (هدد بن بدد) قد أحاطه بثلة من الحرّاس عذلته عن الرعية: فلم تصل إليه
شكوى ولا مظلمة ولم ترد إليه سوى أنباء جيش (هدد) العظيم!
تنهد وكأنما أثارت الذكريات وجيعته ثم قال:
- وفي يوم حزينء, مات آخر ملوك الرحمة الملك (هوشام): حينئذ أعلن (هدد
بن بدد) أنه قد تقدم للبيعة كي يكون ملكا على إدوم!
سأله الشيخ (دومة):
- وهل بايعه أبناء عيسو؟!
ابتسم ساخرًا وقال:
- لم يجرؤ أحد من بني عيسو على طلب البيعة لنفسه!
ولم يجرؤ أحد من الرعية عن التخلف عن البيعة!
ثم أردف في سخرية كالبكاء:
- حتى أنا بايعته وأرسلت له ثلاثين ثوبًا من الحرير هدية إلى قصره!
أطرق صامنًا للحظات. وكأنما تجدد الأسى على ما فعله؛ ثم أردف.
- وأراد (هدد) أن يسيطر على البحر كما سيطر على البرء فأنشأ أسطولًا
مهيبًا على شواطئ إدومء وصار هذا الأسطول يجوب مياه البحر من إدوم
وحتى عصيون جابرء يفرض سيطرته على كل مرفا ويسطو على السفن
حتى وإن كانت سفينة صغيرة لمساكين يعملون في البحر!
!
سأله الشيخ نابت آسقًا:
- ومنذ متى وأنتم تعبدون الله كك في إدوم؟
تنهد (شهبور) ورايت دمعة في عينيه وهو يقوك:
- منذ عامينء: حينما أعلن (هدد بن بدد) أن الإلهين عشتار وقوس هما إلهَا
مملكة إدوم وانه لا يجوز الجهر بعبادة اخرى غيرها!
ولهذا ألقى الشرطي (كرونوس) القبض عليكم للجهر بالصلاة: ولولا رشوة
مقدارها الف ذينار :حت الضاحب الشبرطة لارسلكم للمهاكمة.
علمت أن الضابط البغيض اسمه (كرونوس)؛ وصمت الجميعء. ووجدتني أقول
دون وعي مني وانا اتاهب للقيام:
- نحمد الرب (إيل) أن نجونا بفضلك يا شيخ (شهبور)!
سألقي نظرة على (عمرو)!
وكأنما نطق لساني بشيء أذهله؛ فقال رافعًا حاجبيه من الدهشة:
- الرب (إيل)!
هل أنت من بني إسرائيل يا فتى؟
بان الانزعاج على وجي وشعرت بالاتهام في طيات كلامه. فقلت مضطريا:
- نعم!
وكأنما الفيت في وجهه بحجر صلدء فقاك:
- أرجو ألا يعلم أحد بذلك!
!
فهو يكره بني إسرائيل الآن؛ أكثر مما يكره بني (إسماعيل) وعيسوا!
سأله الشيخ (عابر) متعجبًا:
- لماذا؟
قال:
- قد تزوج (هدد بن بدد) بابنة الفرعون الذي هلك وراء (موسى). وأظنه لن
يجد اثمن من راس عبرانية يهديها إلى صهره في ارض مصر.
فكانها ارتفففة في يذ الى" السماء نحيتها "دمعت “قولف ثور القكة بم فى
مكان سحيق!
00 00 00 00 0
في اليوم التالي انقسمنا إلى مجموعتين »؛ ٠ مجموعة أخذت في عرض البضائع
التي أتت بها القافلة من برية سين بعد أن خصص لنا التاجر (شهبور) حانوتين
لهذا الغرض2. ومجموعة أخرىك وهفي الأكبر- طافت في السوق لتشتري
بضاعة جديدة كي تحملها القافلة معها عند الرحيل إلى وادي بكة.
خيرني الشيخ (نابت) بين البقاء في الحانوت مع ولده الصغير (ليث) أو أن
أرافقه إلى السوق للشراء. فاخترت البقاء في الحانوت, فقد كنت اغبي في
بعض الراحة لقلة نومي في الليلة السابقة. فضلًا عن علمي بأن (أروى)
6 أخاها في ذلك اليوم.
كان الجو صحوا والسوق لم تكتظ بعد بالناس, وضعنا في الحانوت الأوك
عشرات الجوالق من التمر الجاف والتمر الرطب وجرار العجوة المطبوخة
بالسهو:والعسيل: حلفت من الضف إل د فسلسور نأي القن مال
سيناء. وحكى لي عن ارض هناك تشبه «العريش» من كثافة ما ينبت فيها
من النخيل حتى إن الرّطب تتساقط منها حَنيةً لِمَنْ يرغب في جمعهاء وكان
الأعراب يَفِدُون إليها من كل مكان كي يجمعوا التمورء فيجففون بعضهاء
ويبقون بعضها على حاله او يخزنونها في جرار على شكل عجوة مطبوخة.
سألته:
- ولماذا لا تبيعون التمور في بكة؟
قال:
- في بكة تكثر التمور ويفد إليها أنواع أجود من فاران وحضرموتء فضلا عن أن
طول المسافة قد يفسد العجوة فنضطر إلى بيعها رخيصة: ولهذا نبيع ما
نملكه هنا في إدومء تم نشتري منها الأقمشة والفخار وأنواعا أخرى من
الحبوب والطحين لنبيعها في بكة.
أما الحانوت التاني فكان يقابل حانوت التمر. وقفت فيه (أروى) وكان يباع فيه
بعض المشغولات المصنوعة من جريد النخل وسَغفه مِن أقفاص ومشاني
حا وكانت هذه المشغولات من صنع نساء القبيلة: يقمن باعدادها على
مدذكف شهور لبيعها في سوق بصرى, والعجيب أن هذه المصنوعات كانت
تلقىئ دوواها أكتر من > الكقور. .ولعل: الشمت: في ذلك أنه أغلت زباقها. فك
التضناء.
وعند الظهيرة تكائرت الزبائن في السوقء. وصرت أنا و(ليث) لا نهدأ من الكيل
والبيع, كان يقوم هو بتعبئة الأكيال وأقوم أنا بمحاسبة المشترين» وبين
الفينة والفينة كنا نلقي النظر على (اروى) التي كانت تمارس بيعها في
سرعة ومهارة رغم انها وحدهاء. وكانت تنظر إلينا مبتسمة كلما اضافت قطعة
نقدية إلى كيس نقودها الذي علقته في رقبتها ثم ترفعه إلينا وهي تغمز
بعينها كي تثير غيظناء وكانها تتجدانا فى ات تحفق :فا تحققة هف من ارناء!
وبينما نحن مشغولون بالبيع. إذ حدثت جلبة عند بداية السوق من جهة
السمالة: وراينا الوحامز يقيرف علق «الحانيين :وكانها .تقفية النانين: الطويت
لمركب: فادفن. وبالففل. تار العثار في التسوف ؤراينا أربعة فرفات من :رجال
الشرطة يتقدمهم (كرونوس) يمرون بالطريق المزدحم وقد كادت سنابك
جلعم أن بطا حفن القارةعلفنا بعد ذلك إن الشوطة كايت تقر فزني يوفا.
مرة عند الظهيرةء. ومرة بعد انتهاء السوقء. وكانت دعواهم الظاهرة حفظ
النظام والأمن: ومنع المخالفات ولكنًا علمنا بعد ذلك أن فرقة الشرطة هذه
تقوم بحصر الحوانيت المفتوحة بالنهار؛ ثم تمر مرة أخرى قبل المغيب وتتجمع
عند الباب الجنوبي للسوق مع اصحاب الحوانيت من تجار إدوم لتجمع منهم
مكوسا وضرائب على البيع والشراء!
مر (كرونوس) من أمامنا فتوترت عضلات وجهيء وتذكرت ما فعله بالأمس
ب(عمرو بن دومة) فانقبضت عضلات يديء لمح (ليث) تعبيرات وجهيء,
فوكزني وقال في صوت خافت:
- لا تنظر إليهم.
وكانما اشتم (كرونوس) رائحة البغض تخرج مع انفاسي فالتفت نحوي»
التقى ناظراناء وابتلعتني زرقة عينيه التي بدت كعيني تعبانء ثبت نظراته
نحوي بينما دارت رأسه فوق جسده وفرسه ل١ يزال يتقدم إلى الأمام. شعرت
لوهلة أن سيستدير بفرسه ويعود إليّ. فخفق قلبي وتسارعت ضرباته ولكنه
استمر في سيره والتفت عني اخيرا.
لكزني (ليث) في كتفي برفق وقال في مزاح بعد أن انصرف الجند:
- لا أدري؛ ولكني أشعر بالبغض نحو هذا الرجل.
جاءني صوت (أروى) وهي تقول:
- (شمعون)!
نظرت إليهاء فأشارت إلى قائلة:
- تعال.
خفق قلبي وتسارعت ضرباته مرة أخرى. ولكنه كان تسارعا محبيًا إلى
نفسيء تركت (ليث) وذهبت إاليهاء فامشكت يدي ودخلت بي إلى داخل
الحانوت. خلعت كيس النقود من حول جيدها وقالت:
- قف مكاني هناء سأذهب إلى المنزل لأعد الغداء لأبي ول(عمرو) ابن
حركت كيس النقود بيدي لأعلى وأسفل وكأنني أزنه؛ ثم قلت باسمًا:
- تلك ثروة طائلة:ء أراك تثقين بي!
زمّت شفتيها وقالت في مرح:
- ليس تمامًّاء ولكني لا أئق في (ليث) أكثر!
قلت مازحا:
08
أعتقد أنك ستكونين مدينة له بالاعتذار في نهاية اليوم!
قطبت حاجبيها وقالت في تهديد مصطنع وهي تستعد للانصراف:
- لن تجرؤ على المساس بنقودي!
ثم استدارت عائدة بعد أن خطت خطوات خارج الحانوت وقالت:
كما آني أثق بك تغلئ' أي جاك!
قلت ضاحكا:
- وما مصدر تلك الثقة؟
قالت:
- منذ أنقذتني في حادثة السيل!
فغرت فاهي دهشة وقلت:
- أما زلت تذكرين؟
قالت وقد تورد خدّاها خجلًا:
- بالطبعء هل نسيت أنت؟!
قلت مضطرربا:
هت كلا ولكتني أقضذ أنك كنث ضفيرة:
ابتسمت وقالت:
-.وأنت أيضًا كنت صغيرا: ولكن هناك .من الحوادتث مالا يتستى!
لم أجد ما أقوله. وتعثرت الكلمات على شفتيء فاستدارت وهي تقول:
- سأعود بعد ساعة بالغداء لك ولأخي (ليث).
وتركتني في حال من الاضطراب والنشوة لم أشعر بهما من قبل في حياتي.
00 00 00 00 0
الورقة الثلاثون
في الطويناء كات الاجماع فى قتاع الشترل الخلفئي: الشنية (غاتز) وولدافوانا
بينما جلس التاجر (شهبور) في المنتصف إلى جوار الشيخ (عابر). كانت
الدهشة بادية على وجه الشيخ (نابت) وهو يتحدث عن أحداث يومه. وعما
رآه في جولته في السوق أثناء النهار, كان يرى أت البلدة قد عمها الازدهار
ولم يتخيل أنه في فترة وجيزة قد أصبح هناك هذا الكم من البضائع القادمة
من الشرق والغرب والجنوب, ولكنهِ شكا من الغلو الفاحش في الاسعارء
والتي تضاعفت مرات عديدة مقارنة باسعار البلدة قبل ذلك بسنوات تلاث!
سأله الشيخ (دومة):
- هل رأيت سوق السلاح؟
قال الشيخ (نابت) باسمًا:
- نعم!
ووددت لو اشتريت سيفا وترسا لكل فرد في القبيلة. ولكني حين علمت
قال (شهبور) معقبًا في جدية:
- هذه السوق مما أتى به المرتزقة الكنعانيون إلى بلادنا!
تمر اردق سنا خرا:
- أدخلوا على أسواقنا سوقا للسلاح وسوقًا للجواري وسوقًا للخمر!
قال الشيخ (دومة):
- نعم رأيت سوقا للخمر في أطراف البلدة يبيعون فيه أصنافًا شتّى من النبيذ
المعتق, المصنوع من الكرم والتمر.
قال الشيخ (عابر) وكان يستمع إلى الحديث قبل ذلك ولا يعلق:
.وهل تلقى الكمور رواكًا في هذا البلد؟!
قال (شهبور) في أسف:
- أصبحت شرابًا للعامة يا شيخ (عابر)ء وتقام الحانات في أطراف المدينة
لشربها.
يقال فكي استى:
القديمة الكثير. ويضيقون على التجار الشرفاء الخناق يوما بعد يوم بالضرائب
والمكوس حتى ينشغل كل واحد منا بقوت يومهء فلا يلتفت إلى شيء اخرا!
أتدري ما فعله (كرونوس) اللعين اليوم؟!
نظرنا إليه باهتمامء فتابع:
- قد فرض عشر فِضّيات زيادة على كل تاجرء لأنه مرّ باالسوق ووجد رواجًا في
البيع والشراء!
بان الأسف على وجوه السامعينء: ووجدتني أسأله متعجيًا:
- ولماذا يقبل أهل البلدة بالظلم والغلاء؟
نظر إليّ وطالت نظرته؛ ثم تنهد قائلا:
- في دولة العدل يصير الكل عادلاء وفي دولة الظلم يصير الكل ظالمّاء فالناس
على دين ملوكهم يا غلام!
ثم قال في تهكم:
عل :انناب الكللع كلئ الطالورن ل قزاقلوة نقوها
حتدى أضكاك المروءة والكرمي فتلت ا يديومر
في دولة العدل يصير الكل عادلاء وفي دولة الظلم يصير الكل ظالماء فالناس
على دين ملوكهم يا غلام!
بالوشاية والفتن حتى أمسك كل ذي فضل عن فضله:ء أتدرون من الذي أخبر
(كرونوس) بامركم ليلة امس؟!
نظرنا إليه مندهشينء فقال وهو يزفر في قوة:
- تاجرٌ صغيرء كان يعمل يومًا ما أجيرًا عندي!
شعرنا بالأسفء وشعر الشيخ (عابر) بأن الهم قد ثقل على قلب (شهبور)
فقال وهو يربت على كتفه بالكلمات ليهون عليه بؤسه:
عورا ار مسومو ففنويللة الله ال عوسن قال الس كال
قال (شهبور) وقد احتقن وجهه:
- نفد الصبر يا شيخ (عابر)؛ ولم يتبق سوى الرحيل!
رفع الشيخ (عابر) حاجحبيه دهشة: وقال:
البضيل!
صمت (شهبور) قليلاء ثم قال في صوت خافت تحسيًا لأي أذن تسترق
- نعم: هذا آخر مواسم التجارة لي في إدوم وسوف أرتحل مع جماعة كبيرة
من التجار إلى «كوش»!
لم يكن الاسم غريبًا على أذنيء فأنا أعرف أن «كوش» مملكة بعيدة تقع إلى
الجنوب من أرض مصرء ولكني تعجبت كيف يصل إليها على بعد المسافة بين
المملكتينء: وربما هذا ما دار في خلد الشيخ (نابت) فسأله:
- وكيف تصل إليها؟
قالابصوتة أشكية حفوتًا:
- عن طريق البحر.
سأله الشيخ (دومة):
- ولماذا كوش؟
قال:
- هناك يقايض التجار الطحين بأجولة الذهب!
كما أن التجارة لا تنقطع بينها وبين بكة.
ضحك (نابت) وقال ممارحًا:
- الآن عدت (شهبور) التاجر الذي أعرفه!
لوهلة ظننتك مهاجرًا لتفر بدينك: ولكني آراك طامعًا في ذهب الأحباش!
تذكرت ما قاله عن أسطول (هدد بن بدد) فسألته:
- ألم تقل أن أسطول (هدد) يطارد السفنء أما تخشى أن يسطو على مالك؟
نظر إليّ نظرة طويلة؛ وكأنما استحسن ذكائيء وشعرت بذلك في كلماته
حين قال:
- أعددت العدة لذلك يا فتى بني إسرائيل: ولن نتحرك من إدوم على أي حال
وإنما من «مجمع البحرين».
قلت مستفسرا:
- مجمع البحرين؟!
أومأ برأسه وقال:
- نعمء إنه مرفاً يقع جنوبي برية سين حيث يلتقي خليج (لحيان) بخليج
كان من الواضح أنه قد أعد العدة لكل شيء. وأنه لا راد لما عزم عليه. فقال
- ستٌظلم (بصرى) دونك يا (شهبور) وسنفتقد أخَا عزيرًا بها ولكنّا نسأل الله
لك السلامة على أي حال.
قال (شهبور):
- لا تقلق يا شيخ (عابر). فسوف تراني في بكة في موسم الحج القادم!
قال الشيخ (عابر):
- إذن نسأل الله أن يجمعنا بك على خير
وبينما نحن كذلك,. إذا بالفتى (ليث بن نابت) يدخل علينا مكفهر الوجه ويبدو
عليه الانزعاج: تطلعنا إليه جميعاء فقال قبل أن نتوجه إليه بالسؤال:
« القن اشعدت الحمى على عفزة:وسده أنه ليس بخير
00 00 00 00 0
أسرعنا إلى حجرة العمروء كان حسدة .متعرّقا وينتفض من الحمي, شعرنا
بحرارة حسدهة دون أن نمسّه وسطعت أنفي رائحة كريهة فأدركت أن التقيّح
قد زاد بجكّرحه.
قال (شهبور) وهو ينصرف بسرعة:
ينا كعك :هن "الطبيت:
شعرت أن وقنَا ثمينًا قد تهدره حتى يعود (شهبور) بالطبيبء. فتذكرت ما فعله
الطبيب من قبل: .وطليك. من الفتى (ليث) أت بحصر لى إناءين: احدهما نه
ماء بارد», والآخر به ماء فاتر, بللت خرقة بالماء البارد ثم وضعتها على رأسه
وبللت الأخري بماء فاتر وطلبت من (ليث) أن يعصرها على شفتيه. تذكرت أن
الطبيب طلب مني أن عبد الضمادة بعد تلاثة أيامي ولكنّ ابتلالها بالقيح
ورائحتها النتنة. أشعراني بضرورة نزعها.
أدنيتٌ المصباح مني وقمت بنزع الضمادة. شعرت بالغثيان من الرائحة الخبيثة
ومن رؤية جرحه. أسرعت بتجهيز ماء الحرمل ومنقوع الثوم والقرنفل,
وشرعت أغسل جرحه كما فعل الطبيب, فما أن ضغطت بإصبعي على
الجرح,. حتى انفجر جيبًا من القيح لوث أرض الحجرة وملابسيء وجعله يصرخ
القيح. ففسلت حجرحه مرة اخرى ووضعت عليه فصوص التوم وضمدته ثانية.
العجيب أن جسده قد هدأ بعد ما فعلت, فلم يعد إلى سابق انتفاضته:,
وشعرنا أن الحمى قد هدأت قليلا.
قال الشيخ (دومة) وقد بان الألم على وجهه وانسالت دموعه على خديه:
- بارك الله فيك يا (شمعون).
أومأت برأسي إليه شاكرًا. فربت الشيخ (نابت) على كتفه وقال:
- هيا يا (دومة)؛ لندعه يستريح حتى يأتي (شهبور) بالطبيب: وإن كنت أظن
فقلت له:
- استرح يا عماه. وسأبيت أنا معه الليلة. وليذهب (ليث) إلى مرقده فغدًا يوم
عمل طويل.
استحسن الشيخ (نابت) كلامي, فأخذ ولده وأخاه وتركوني مع (عمرو) في
حجرته: أعدت المصباح إلى موضعه على الحائط وجلست إلى جوار رانين
(عمرو)ء أعصر عليها الماء البارد بين الفينة والفينة, وأتمثل أمامي ما كانت
تفعله ام (رومانا) معي في صغري حين تصيبني الحمى.
عجبًا للأقدار!
من كان يتخيل أن تحملني أجنحة القدر إلى بلد غريبة في أرض غريبة مع
قوم غرباء. لأحلس هنا كي أداوي شابًا في مثل عمري لم أعرفه من قبل
ولكني أشغر نحوة بمشاعر الأخ لأخيه؟!
ظلت أحداث اليوم تلاطمني فشرعت أستعيدها حدثًا حدنًا ولحظة بلحظة,
ابتداء بأحداث السوق وانتهاء بحديث (شهبور). مرت ساعات وأن على هذه
الحال حتى كاد الليل أن ينتصفء أدركت أن (شهبور) لن يعود في تلك الليلة
بالطبيب؛. وكان جسد (عمرو) قد هدأ تماما من الحمىء. فحمدت الرب أن
جعلني سببًا في إنقاذه. فقمت من مجلسي برفق حتى لا أوقظه, فخلعت
توبي الملوث وألقيته خارج الحجرة ثم لقنت بحسدي العاري على .الحصير
إلى جوار عمروء كان التعب قد استبد بي ومع ذلك ظل عقلي متيقظاء كنت
أشعر بأن جعبتي قد امتلأت بالحكايات والأحداث وأني بحاجة إلى أن أفرغها
كتابة في .أقرب وقت. وعاهدت نفسي أن امكت الليلة القادمة في حجرتي
كي أدون أوراقي: وحكاياتي.
وقبل أن أغمض عيني لأبدأ في النوم. سمعت صوت (عمرهو) يتمتم بكلمات
لم أفهمهاء ظننته قد استيقظ فأدنيت أذني منه كي أسمعه. ولكني أدركت
أنه يهذي في نومه بكلمات أخرجتها الحمى من خبيئة نفسه. وكان من بينها
كلمتان قرعتا اذني في وضوح لا لبس فيه. سمعته يقوك:
«أحبك... (أروى)».
0 00 00 00 00
في اليوم التالي جاء التاجر (شهبور) ومعه الطبيب والشيخ (دومة). كان
(عمرو) في حال أفضل من ليلة أمس, أثتنى الطبيب على فعلي ونصح بأن
أكرر تنظيف الجرح كل يومء ثم وصف له شرب ثمار العوسج المجففة
والمضروبة مع بياض البيض لمنع التقيح, ذكرتني رؤية العوسج ببرية سين
وعوسجها الذي لم م أذق مثله في حلاوته.
قال (عمرو) في ضجر مرح:
- اللهم صبرًا على آلام المرضء وعذاب البيض!
ابتسم الطبيب؛ فقال الشيخ (دومة):
- إنه يكره البيض!
قال الطبيب باسمًا:
- لا بأس يمكنك ضربه مع لبن الشاة المخفف بالماء.
قال (عمرو) ممتنا:
- هذا أفضل بكثير!
انصرف الجميع وتركوني مع (عمرو)., الذي اعتدل جالسًا في صعوبة: ثم تنهد
وهو يقوك:
- شكرًا لك يا (شمعون),. لقد صرت مدينا لك بالكثير!
قلت صادقا:
- أنا مدين لكم بحياتي؛ فلولاكم لهلكت في الصحراء!
شاليف»
- كيف حال السوق؟
أشتاق للخروج إليها!
قلت:
+بالأممين كان الدع مهنا ذا يقيل الناس على "التمون والضهوة ولكدومر يفلون
على المشاني والأقفاص أكتثر.
ضحك وقاك:
- تلك براعة (أروى) في البيع!
كانت تتحدانا أنا و(ليث) في البيع وتتفوق علينا في كل مرة!
أصابني الوجوم برهة؛ بعدما أدركت أن لحظات الإثارة التي عشتها بالأمس,
كانت لحظات- مكررة بالنسبة لها:.فع اختلاف: الأشخاض» أفقت من وتحوفي
على قوله:
- أتدري حين جاءت (أروى) بالغداء أمسء رجوتها أن تعينني في الذهاب معها
إلى السوق لكنها ضربتني في صدري واتهمتني بالجنون.
ثم ضحك وقالك:
- أحمد الله أنها لم توافقني وإلا كنت صريعًا الآن.
أطبقت كلماته على صدري فلم أقو حتى على الابتسام. شعر بوجومي
فقال مغيرًا مجرى الحديث:
- هل ستذهب إلى الحانوت اليوم؟
هززت رأسي نفيًا وقلت:
- كلا فأنا متعن منذ ليلة أمس» وأريد أن استريح.
أيد كلامي قائلًا:
- نعمء تبدو متعباء معذرة لإرهاقي لك.
غمغمت بكلمة «لا بأس» ثم انصرفت وفي قلبي غضب من ذاك الشعور
الذي الم بي
لم يكن غضيًا من (عمرو) الذي تفضحه كلماته وهثّات أحلامه يعشق (أروى),
ولم يكن غضيًا من (أروى) التي أرخت لجام سحرها حتى وطأ من حولها من
الرجال, ولكنه غضصب من نفسي المائعة الخانعة, التي تهيم في بحور
العشق وهي غرقى في أوحال الواقع!
صفقت باب حجرتي خلفي في قوة وانهلت على وجهي صفعا ولكمًا وأن
أقول يصوت هاذر يشنية:صوت أني حين صففني من قبل:
- ويحك يابن (رومانا)!
ويحك يابن (رومانا)!
أما آن لك أن تصير رجلا أما آن لك أن تصير رجلًا.
ولم أتوقف عن الصفع واللكم إلا بعد أن انفجرت الدموع من عيني وسال خيط
من اله ماضن قفتي وود سق السقط رقنا وأا اجون بالتكاء
قمت بعدما هدأت نفسي: شعرت بأني بحاجة ملحة لوجود ربي معي في
تلك اللحظة. تمنيت أن أقف أمام المذبح ويد الكاهن تمسح رانشك بالماء
المقدس ورائحة البخور تطهر أنفاسي الملوثة. وتمنيت لو أمتلك ثمنا لقربان
أقدمه للرب «إيل» لعله يمن علي بالسكينة: ولكن أبن أنا من خيمة الاجتماع
الآن؟
هداني عقلي إلى أن أغتسل بالماء وأن أتطهر كما يفعل الشيخ (عابر)
وقومه, ثم وقفت في حجرتي وحديء تتساقط من رائسىي ومرافقي قطرات
الماء وأخذت أتحدث إلى هذا الرب الذي ملأ حضوره الملكوت!
كلت قل يقين :رانة نتن نكف ةف ألا يستمع إلى ضلوات الكاقن :في خيمة
الاجتماع فلماذا لا يستمع إلى عبد من عبيده يئن قلبه وجعا ويرجو السكينة
منه؟
تحدثت إليه بكل ما جال على خاطري من كلمات وبكل ما أثقل قلبي من
همومء كلامًا عفويًا لا سجع فيه ولا ترنيم!
العجيب أني شعرت أنه مني قريبء. وأن مسا من السكينة قد لامس قلبي
فهدأت أحزاني وسكنت جوارحي واستلقيت على فراشي اللدن ثم رحت
في سبات عميق.
استيقظت بعد الزوال. فوجدت صحنًا به طعام الغداء. خبرًا وقطعتين من اللحم
وجرة ماء. ادركت ان احدهم قد فتح الباب وانا نائم ووضع لي غدائيء: كنت
اشعر بالجوع,. فطويت رغيف الخبز على قطعتي اللحم والتهمتهما في نهم:
وبينما كنت ألتهم طعامي» لاحظت أن صرة أغراضي مفتوحة وقد تبعثرت
محتوياتها وكأنما عبت بها شخص ماء أعدت الطعام في الصحن وقمت
منزعجا كي أتحقق مما أراة: وحدت خنحري وملابسي كما هماء ولكني لم
أجد أوراقي التي كتبت بها كل ما مر بي خلال السنوات السابقة؛ وقد بدا أن
احدهم قد سرق الأوراق وترك لي الدواة والقلم!
00 00 00 00 0
الورقة الحادية والتلاثون
في المساء كانت الحيرة سيدة الموقف, كان الجميع يتفكرون في وحوم
واس عمن أقدم على تلك السرقة, وكان السؤاكل الذي يشغل أذهاننا
جميعا هو لماذا اكتفى اللص بأخذ تلك الأوراق دوت غيرها من الأمتعة؟
سأل الشيخ (نابت) الخادم الذي قام بوضع الطعام إن كان رآها أو لمح شيئًا
مستغربًا حين دخل الحجرة. فاكد الرحل على انه لم يلبث في الحجرة سوى
لحظات وضع فيها الطعام ثم انصرف؛ وكانت لهجة الرحجل الصادقة وتاريخه مع
أسرة الشيخ (عابر) ينفيان عنه أي شبهة بالسرقة؛ كاد الحزن يقتلني على
فقدإن تلك الأوراق وشعر (شهبور) بذلكء وكان يلتزم الصمت طوال الجلسة
فسألني في حذر:
- (شمعون)!
هل أخبرت أحدًا بأمر تلك الأوراق هنا أو قبل ذلك؟
هززت رأسي نفيًًّا وقلت له:
- لا.
قال:
- وما مقدار تلك الأوراق؟
قلت:
- عشرات اللفائف مرتبة ومفهرسة بالتاريخ منذ خرجنا مع نبي الله (موسى)
وحتى وصولنا إلى إدوم.
قال:
- وتقول إن اللص قد ترك المتاع وقطع النقود واكتفى بالأوراق: أليس كذلك؟
قلت:
كيل
هز رأسه مرتين في تأكيد وكأنه قد وصل إلى حل الأحجية!
ثم قال في يقين أثار مخاوفي:
- لا بد أن السارق هو أحد البصاصين!
هتف الشيخ (عابر) في استنكار وغضب:
- ماذا؟
يقتحمون البيوت وينتهكون حرمتها كاللصوص!
قال (شهبور) في أسف:
- تلك طريقتهم يا شيخ (عابر). يتلصصون على الناس في مخادعهمء لعلهم
يجدون صيدًا يقدمونه لسيدهم القابع في «افيث».
شعرت بالتوتر وانزعج الشيخ (نابت) بشدة ثم قاك:
- ولماذا يتتبع البصاصون (شمعون)؟
مط (شهبور) شفتيه وقال:
- لعل (كرونوس) قد اشتبه في أمره!
ثم قال في صوت خافت:
- وقد أخبرتك بأن الملك (هدد بن بدد) لا يرحب بالعبرانيين!
تذكرت نظرة (كرونوس) المريبة لي في السوقء وبدا لي أن كلام (شهبور)
أقرب إلى المنطق السليمء فشعرت حينها بقلق بالغ. بان جليًا أمام
الجلوسء فقال الشيخ (عابر) في محاولة لطمانتي:
- ألا يحتمل أن يكون الأمر مجرد سرقة؟
قال (شهبور) وهو يترفق بكلماته على الشيخ (عابر):
- في جميع الأحوال يجب أن يأخذ (شمعون) حذره يا شيخ (عابر) وأنصحه بألا
يوجد الأيام المقبلة في السوق,. ومن الأفضل الا يظطهر مطلقا هناك حتى
تنتهي إقامتكم في بصرى.
غمغم الشيخ (نابت) في أذن الشيخ (عابر) بكلمات وكأنه يتفق معه عما
سيم على فلذت بالصعت وفي خلبي. بيس لو ورج على نرحاك: القبيلة
لكفاهم. بلغ بي الحزن مبلغه. وقد شعرت بالأسف لأني قد صرت عبتا
ومصدرا للمتاعب لهذه القبيلة التي استضافتني.
رأيت الشيخ (عابر) يهز رأسه موافقًا بعدما انتهى الشيخ (نابت) من همسه
الخفيض, فقال الشيخ (نابت):
- اسمع يا (شهبور). نريدك أن تخفي (شمعون) بعيدا عن هذا النزل من
الليلة. فنحن لا ندري ما الذي قد يفعله (كرونوس) إذا أصبح الصباح وقرأ ما
في الأوراق» فدبر له مبيته وطعامه وسنتكفل نحن بكل شيء إلى أن نغادر
ببصرى.
اشتد حزني لهذا الكلام. وشعرت بضعف قوتي وقلة حيلتيء وأني لا أملك
من أمري شيئا فظللت على صمتي وهم يقررون مصيري. رحب (شهبور)
باقتراحه وقال:
- لا اسن من ذلك وإن شئثئت تركته حتىي الصباح, فظني أن (كرونوس)
سيستغرق وقنَا طويلًا حتى يترجم ما في الأوراق من العبرانية فهو أجهل من
دابة!
ثم ضحك ضحكة قصيرة كي يخفف من وطأة الكآبة التي نشعر بهاء ووجدتني
اقول له بعفوية:
اتسعت حدقتا (شهبور) ولمع را في العتمة, وكأنما أضاءت في رأسه
فكرة, فأنارت نافذة عينيه تم قال وكأنما يتحقق مما قلته:
- هل كتبتها باللغة المصرية؟
قلت مؤكذا:
قال في أمل:
- وهل تتحدث بها؟
قلت:
- نعم؛ فأمي مصرية!
تهللت أسارير وجهه حتى بدت حمرة خدوده كجمرتي نار ثم قال:
- يا لسعادتي بك يا غلام!
غدًا سوف آتيك بعد شروق الشمسء, فلتكن بانتظاري.
وكانت فرحته كفيلة بأن تزيل الهم عن قلبيء: وقد شعرت أن سحابة من كرم
الزن تمر كقوف لمات الرلةة دأمظ رت وكين قي قليي:
00 00 00 00 0
عند الشروق كان (شهبور) يطرق باب الحجرة. فتحت له متأهبًا للخروج
فاوقفني بيده: ثم أعطاني رداء ونعلين وقال لي:
دخلت الحجرة فخلعت ثيابي وارتديت الرداء الذي أعطانيه؛ كان رداءً مصررٌ
من الكتان ذا أكمام قصيرة ويصل طوله إلى ما بعد الركبة بقليل: يتزين جيبه
عند الصدر بجلد مزخرف. وفي المنتصف حزام من القماش المنقوشء اما
النعلان فكانا من حلد التمساح وتعجبت من اين اتي بهما (شهبور).
أضفى قلفة: الى :سكل" الدئلاة: المضريين: والحقئفة: اندي. كنك ديد
السعادة بتلك الهيئة. فتحت الباب. فضحك (شهبور) وقال:
- مرحبًا صديقي التاجر المصري النبيل!
تمق ضاهكاء وسالفة:
«.فنن: اين خضلف غلئى. هذا الذق»©
قال ضاحدا:
- طلبته ليلة أمس من تاجر مصري صديق.
قلت له مازحا:
- حسنًا وإلى أين سنذهب به؟
هل ستعيدني إلى مصر؟!
قال في جدية:
- كلاء سنذهب إلى صاحب الشرطة!
توقفت مندهشا؛ فقال:
- هيا بنا!
ولا تتحدث إلا إذا طلب منك ذلك.
بعد ما يقرب من ساعة: كنا نقف في حجرة صاحب الشرطة:, راك (شهبور)
يتحدث في انفعال, كذت أصدّقه. وقد احمر وجهه وتعرّق جبينه وغو يقوك:
- سيدي صاحب الشرطة:, لقد بلغت مضايقات (كرونوس) مبلغها ضد صديقي
وضيفي التاجر المصري (شمعون). قل لي بحق ملكنا العظيم (هدد). كيف
يعامل نبيل مصري ب مثل هذه المعاملة في إدوم يلقيه في السجن دون ذنب,
ثم يطلق عليه البصاصين كي يسرقوا أوراقه وقراطيسه وبعا أسرار تجارته,
اعلم يا صاحب الشرطة ان صديقي قد طفح به الكيلء ولقد اقسم أن يرسل
برسالة الى مولانا المعظم (هدد بن بدد) في «افيث» يستنجد به ليرفع عنه
الظلم الواقع عليه في «بصرى».
انزعج صاحب الشرطة مما سمعه من (شهبور)ء. وبان عليه الاضطراب في
صوته وهو يقول:
- نحن لا نرضى أن تقع مظلمة على السيد (شمعون المصري). ولا نظن أن
الفارس (كرونوس) قد يفعل هذا مع رجل شريف من مصر!
قال (شهبور) مهاجمًا أكثر» وقد شعر بأن صاحب الشرطة قد اتخذ موقف
الدفاع:
- فلتأذن لصديقي النبيل باسترداد أوراقه؛ ولتأمر الفارس (كرونوس) بألا
يتعرض له!
اكتفى صاحب الشرطة بإيماءة من رأسه كي يؤكد على موافقته, صاح على
الحارس القابيع أمام الحجرة وأشار إليه كي يدنو إليه برأسه ثم همس في
أذنه ببصع كلمات, انصرف بعدها الحارس من الحجرة, قام من مجلسه واتجه
نحو خزانة ضخمة في حجرته وهو يقوك:
- نحن نحب أهل مصرء ولا تستقيم التجارة في «بصرىك» دون مساهمة
أمتالكم من النبلاء.
فتح الخزانة وأخرج منها شيئا لم أتبينه وهو يتابع:
- ويسعدنا أن نقدم لكم الهدايا كي تذكرونا بكل خير عند فرعون العظيم وعند
مولانا الملك المعظم (هدد بن بدد).
ثم مد يده نحوي بهديته وهو يقوك:
- أرجو أن تقبل هذه الهدية من صاحب الشرطة في بصرى. وستُدهش أن
هذا هو معبودي المفضل في كل مكان اذهب إليه حتى هنا في إدوم.
مددت إليه يدي فإذا بي أجد تمثالًا ذهبيًا صغيرًا للفجل ابيس: اضظرية يذف
وكأنما مست جمرة من النار وتفجر في راسي بركان من الذكريات المقيته
شعرت بتحممه تتهال على .“سدق » «حتى. تفرق حبيتى: وكدت أث اسقط
التمثال من يدي.
شعر (شهبور) باضطرابيء. فرمقني بنظرة غاضبة: وَمَرتَي بخائنة عينه أن
أقبلَ الهدية!
تناولت التمثال بيدٍ واهنة. وأنا ألعن في سري ذلك الرجل الذي لم يجد
طريقة أخرىك يبرهن بها على تسامحه سوى إهداء هذا التمثال الذي لم
أبغفض في حياتي مثله: ثم قلت في خفوت باللغة المصرية كي أقنعه بكلام
(شهبور):
- شكرًا لك يا صاحب الشرطة.
دخل الحارس وفي يده لفائف من الأوراق التي علمت فيها أوراقي. وضعها
على المنضدة. وهمس في اذن صاحب الشرطة بكلمات رايت وجهه ينقبض
على أثرها من الغيظ؛ ولكن صوته خرج هادثا رغم ذلك وهو يقول:
- يبدو أن أحد اللصوص قد سرقها بالأمس وهو يظن بها نفعًا ثم ألقاها وفرٌ
هاربًا حين احس به الحراس.
ابتلعنا كذبته كرّهّاء فالتف حول المنضدة: ثم قام بفتح بعض اللفائف ليتأكد
من أنها مكتوبة باللغة المصرية؛ وقال متظاهرًا بالاهتمام:
- يبدو أن اللصّ قد تركها كاملة ولم يُتلف منها شينًا!
تنفست الصعداء وابتسم (شهبور) في ظفر وقال وهو يقوم بجمع اللفائف في
ضرة من القماكن:
- نشكرك أيها السيد على ما قدمته لنا من معروفء؛ ولا أعتقد أن السيد
(شمعون) سينسى هذا الكرم.
وقبل أن ننصرف, إذا بنا نجد الفارس (كرونوس) لدى الباب. شعرت بالتوتر ذاته
مظهري ريبته اكثر.
أنهت كلمات صاحب الشرطة حالة الترقب والتساؤل حينما قال:
- حسنًا يا (كرونوس). لقد أبليت بلاءَ حسنًا حينما ألقى رجالك القبض على
اللص الذي سرق أوراق السيد النبيل (شمعون).
هم أن ينطق ولكن صاحب الشرطة أنهى اللقاء ليقطع عليه الحديث قائلًا:
- لقد سعدنا بوحودك يا سيد (شمعون).
فحيّاه التاجر (شهبور) وأمسك يدي ثم انصرفنا مسرعين.
00 00 00 00 0
الورقة الثانية والتثلائثون
مرت الأيام التالية بهدوء دون أن يعكر صفوها شيء. تعافى جرح (عمرو)
وأصبح قادرًا على السير والحركة. مستندًا على عصا أهداها له التاجر
(شهبور)ء كما راجت تجارة الشيخ (عابر)2. واوشكت بضاعته من التمور
والعجوة والمشاني على النفاد.
كنت خلال هذه الأيام أتجنب التواجد في السوقء أظهرت أنني أفعل هذا بناء
على نصيحة التاجر (شهبور). ولكني في الحقيقة كنت اهرب من لقائها!
لا سيما بعدما ألح (عمرو) في رغبته في الذهاب إلى السوق بعدما شعر
ببعض التعافي.
في تلك الأيام شعرت بعربتي ووحدتي في النزك رغم كل المحبة التي
أحاطني بها الجميع؛ ورغم أني قد جاولت شغل وقتي بالحديث إلى الشيخ
(عابر) أو بتدوين أوراقي: فإنني لم أستطع ان انجو من برائن التفكير بها لا
سينا [ذ! كر الليل واحتليف إلى تفي كنت في كل ليلة اتمدى لو بكرت
في الصباح فخرجت معها إلى السوقء: فاذني تحن لسماع صوتها وعيني
تشتاق لرؤية وجههاء ولكني كنت أعود فأتذكر نظرة الوله في عيني (عمرو)
وشو يسير إلى جوارها متكا على عصاه فأصرف عن نفسي تلك الأماني
الكاذية.
وثقلت على نفسي الهموم. فخرجت ذات ضحى من النزلء أبغي أن أتجول
في المدينة وحدي كي ارى من معالمها ما اسري به عن نفسيء تجاوزت
سوق المدينة واتجهت غرباء فوصلت إلى منطقة قريبة شديدة الجمال تكسو
جبالها الأشجار وتتفجّر من بين شقوقها الينابيع علمت فيما بعد أن اسمها
داضانا». فذكرتتى تلك الواحة اليائعة بواحة قادش- برتيع: أبهرتت أن" أرى
قطيعًا من الغزلان الجبلية فوق إحدى الهضاب يرعى بعضها في هدوء
ويتناطح البعض الآخر وقد بدا من كترتهم أنهم قد استوطنوا تلك الربوة منذ
أمد بعيد جذبني جمالها فسرت إليها مشدوقا بين ظلال الأشجار الوارفة,
ويغكشى سمعي مزيج 0 من صوت خرير المياه بين الصخور وزقزقات مئات
العصافير التي تباينت نغماتها ورددت الجبال رنينها فبدت كتسابيخ تصل إلى
عبان السماء وكات الطبيعة تتفدى إلى بارتها العظيم!
وجدتني أقول بلسان لم أعتد عليه ولكني أحسست به:
يا آلله!
ما أبدعك!
شعرت بأن الله قد تجلى بجماله على تلك البقعة من الأرض؛ وتذكرت ما قاله
الشيخ (عابر) لي في اول لقاء بيننا (إن الله يتجلى علينا كيفما نراه): ولقد
ا اا
0
قادتني قدماي إلى أعلى الربوة. لم أقترب كثيرًا من قطيع الغزلان حتى لا
أفزعهاء رغم أنها لم تكترث كتيرًا لرؤيتي:. نظرت إلى أسفل الربوة فخفق
قلبي رهبة في حرم ذلك الجمال!
كانت الربوة تنتهي إلى سفح يحده واد أخضرء تتاخمه كثبان من الرمال
الأرجوانية والتي تنتهي إلى شاطئ بحر ساكن؛ شديد الزرقة. علمت فيما
بعد أن اسمه:(بحر لوط): وعلقت أيضًا أن الأسماك لاتحيا فية لسيدة ملوحدة:
ولفل هنذا كان من. ععابة الدب :علي قؤور لوظ.
جلست فوق صخرة ملساء وملأت صدري بشهيق عميق, لو كان لي مطلب
واحد في تلك اللحظة: لتمنيت أن تكون أمفي (رومانا) إلى جواري!
مددت بصري إلى أقصي مداه وكأنما أبحث عنها في الأفق المفتوح. فتاه
البصر في الصحراء كتيه احبابي!
آه من قسوة الأيام!
كم أفتقدك أيتها الغالية!
أتمنى أن تتماسشكق حتى أراك!
وأعدك ألا أخذلك مرة أخرى.
هبط إلى جواري طائر صغير مزركشء نقر الأرض مرات بمنقاره ثم دار حولي
في هدوءء فذكرني هدوءه بطائر السلوى المسخر في نزلنا المفقود.
فجأة طار الطائر وكأنما رأى شينًا أخافه. نظرت خلفي بسرعة:. فوجدتها
هي.. (اروى)!
كنت كمن يحلم, فما الذي يأتي بها إلى هناء قلت مندهشا:
- (أروى)!
قالت وهي تلهج من صعود الربوة:
- أتعبتني يا (شمعون)!
ثم ألقت بنفسها على الصخرة إلى جواري وفي تضع يدها على صدرها
الذي تلاحقت أنفاسه؛: سألتها:
- كيف أتيت إلى هنا؟
قالت بعد أن هدأت أنفاسها:
- كنت عائدة إلى السوق بعد أن أعددت الغداء لجدّي فرأيتك تخرج من النزل:
تعجبت انك تجاوزت السوق وسرت غرباء فتتبعتك إلى هنا.
ثم تنهدت في زفرة طويلة وقالت:
- أحمد الله أني وصلت إليك فقد كدت أفقد أثرك بين الأشجار الوارفة.
د ولماة فر دةا كف لي ؟
أضاقت عينيها وزمّت شفتيها وقالت في مكر لعوب:
- أردت أن أعرف سرّك!
فلك أسبوع لا تأتي إلى السوق وتبدي حججًا واهية.
ثم نظرّت حولها في انبهار وقالت وهي تشير بيدها إلى الحدائق الغنّاء حولنا:
- إذن فهذه خلوتك التي تتركنا لأجلها!
ثم عقدت شفتيها وهي تهز رأسها مستحسنة وقالت في شغب محبب:
- عموما هي تستحق!
فشتان ما بين غبار السوق وتلك الجنة الغنّاء.
كنت أحتويها ببصري وقلبي يخفق لكل حركة من يدها أو تقطيبة من حاجبيها
أو زمة من شفتيهاء. وكنت اتساءل كيف طوعت تلك الفتاة ملامح وجهها
الرقيق هكذا كي يزداد فتنة مع كل كلمة تنطقهاء ادرت بصري بعيدًا عنها
ونظرت إلى الآأفق هربا من سحرها واستدعيت كلمات (عمرو) التي باحت
بها نفسه في إغماءة كي اتشبث بها قبل الغرق في بحور الوهم.
أخجلها شرودي؛ وشعرّت بالحرج من ردة فعليء فقالت في جدية حملت في
طياتها بعض الحنان:
- أراك حزينًا يا (شمعون)!
ما بك؟
قلت يقد تتهيدة أزاكة: عدى ثقل لسعادي:
- أشتاق إلى أمي!
أوجعتها كلماتي» ورأيت الشفقة في عينيها تمتزج بدمعة,. فتابعت وكانت
المرة الأولى التي أبوح فيها لأحدٍ بمثل هذا الحديث:
1 وكات شجرة غاب اقتلعت من جذورها وأمى في تلك الجذورء لا
أشتاق لقومي ولا لديني؛ فقد علمت الآن أن العشيرة هي من طابت
عشرتهم من الناسء وأن الدين هو الإيمان بذلك الرب العظيم الذي يتجلى
بعدله على الجميع؛ أصدقك القول يا (أروى)؛ ما شعرت أن الرب حليفي إلا
فى نقدة الأناي كنت نين بدي استرائيل أشعر أن :عقاب الرت أقزت: إلينا من
حمته. حتى ونبي الله بيننا لم ينل أبي به الشفاعة!
صدقيني لقد سئمت الحياة إلى جانبهم ولا أريد العودة إليهمء فقط أريد تلك
المرأة الني تركف وطنعا :واهلها من حل حيهاء فاذاءنها تفعد الأاهل:ةالوطق.
ارتعشت شفتاي وأنا أقول:
+ إذا فذولي أن ألقاها سافئل قذميوا كي تهنا مخدف!
ثم انفجرت باكيًا وأنا أقول:
- ولكني أخشى أن تموت قبل أن ألقاها ثانية!
لم تحتمل بكائي فانفجرت هي الأخرى باكية واحتضنت رأسي إلى صدرها
بقوة وهي تربت على ظهري مرات متتابعة. ثم قالت ودموعها تتساقط حارة
غزيرة:
- ستعود إليها يا (شمعون)!
ستعود إليها لأنك نقي القلب؛ أقسم لك أني سأدعو لك في كل صلاة حتى
تراهاء ولكن لا تفطر قلبي ببكائك!
لا تفطر قلبي يا (شمعون)!
رفعت رأسي عنها فرأيت وجهها تغطيه الدموع وقد ذيلت عيناهاء هالني ما
فعلته بوجهها الصبوح المرح الذي كان يفيض بشاشة منذ قليل, مددت يدي
إلى وجهها فأحطت خدها الأيمن بكفي تم مسحت دموعها بإبهعامي, هدأ
بكاؤها ولكن ظلت أنفاسيها تتلاحق. مددت يدي الأخرى ثم مسحت الدموع
عن خدها الآخر وظللت أحيط خديها بكفي حتى استكانت أنفاسهاء ٠» تنهدت
ثم أرخت أهدابها وأمالت خدها على كفي للحظات وكأنها تتوسده؛. ثم
أمسكت كفي ورفعتها عن خدها وقبلتني في راحة يدي قبل أن تقول:
- هيا يا (شمعون)!
سيفتقدنا القوم.
تنهدت أنا الآخر ثم قلت في مرح كي أخفف من وطأة المشاعر:
- نعمء ففي آخر مرة اجتمعنا فيها فوق الجبل انهمر السيل وكدنا نغرق معا.
ضحكت وقالت:
- الأهم ألا نجد القبيلة كلها في انتظارنا تحت السفح مرة أخرى!
قمنا من جلستنا ثم هبطنا إلى السفح وقد تشابكت أيدينا كطفلين تشابكت
ايديهما وجمعت بينهما الاقدار قبل ذلك بعشر سنوات في برية سين.
00 00 00 00 0
كان اليوم الأخير لنا في 'السوقء بيعت كل بضاعتنا تقريبا ولم يتبق سوى
بضع مشان في حانوت (أروى) لم تجد من يشتريها لعيوب بهاء فأهدتها إلى
فتيات السوقء أمرنا الشيخ (نابت) أنا و(ليث) أن نترك السوق وأن نرافق
(شهبور) في الصباح الباكر إلى المخازن كي ننقل يضاعتنا الجديدة التي
سنبيعها في بكة, بينما ذهب هو مع (عمرو) الذي تعافي من جرحه. إلا من
غمزة بسيطة في مشيه. إلى التجار ليسدد ما عليه من نقود آجلة بعد أن
باع بضاعته وربح منها.
كان المخزن يبدو كصومعة هائلة تتراص في أحد جانبيه عشرات الجوالق من
بخور سبتئي وبقارات شرقية وحبوب القمح المصري الذي تتلألأً حباته في
ضوء الشمس كحبيبات الذهب, وعلى الجانب الآخر وضعت عشرات الأواني
من الفخار الإدومي الملون بالأصفر والأزرق والأحمر والتي لم أر مثيلًا لها في
حياتيء, وعلمت: من (شهبور) أت هذا الفخار يباع لسادة بكة يمبالغ طائلة:
ولهذا أمر (شهبور) عمّاله بأن يقوموا بنقل الجوالق أولا على العربات
الخشبية: وأن يتركوا القدور الفخارية للساعات الأخيرة قبل السفر حتى ١
تتعرض للكسر.
كنت كلما خُرّْكَ جوال من أجولة البهارات. أعطس بشدة: ثم يتبعني (ليث)
فف العطين فيمحك رقيو الدف اعنادت أنفة علي تلك الراحة وضارت لا
تؤثر فيه ويقوك:
اه امتنسعل سو فا ا
١
امتلأت العربة الأولى, فعدّ (شهبور) حمولتها ثم سجّل العدد في ورقة في
يده وقال:
- عشرة جوالق.
ثم أعطى (ليث) عشر فضيات في يده وقال:
- ادفعهم إلى مُتوَكٌ الحسبة عند البوابة. فضيةً لكل جوال.
هنا اطلفو ١
فدفع الحمالون العربة. متجهين بها إلى خارج المخزن يتقدمهم (ليث).: بينما
أخذت مجموعة أخرى من العمال في تجهيز العربة الثانية.
لاحظت أن التاجر (شهبور) يحفز عماله للعمل في سرعة وكأنه في عجلة
من أمره؛ وفضح قلقه وتوترة احمرار وحفهه وانفعاله الشديد على العمال كلما
انفتحت أحد الأجولة خطأء امتلأت العربة الثانية. في اللحظة التي دخل فيها
أحد الأشخاص إلى المخزن, احسوينة أن توتر (شهبور) قد ازداد حينما رأ
ذلك الشخص, أشار إليه كي ينتظر, ثم صاح في عماله:
هيا إلى القافلة بسرعة ثم قال لي آمرًا:
- تقدمهم يا (شمعون).
خرجنا من المخزن وقطعنا الشارع الجنوبي من السوق في اتجاه الأسوارء
القيت النظرات الأخيرة على السوقء. وفي قلبي إحساس بالحنين كان
يرافقني دائمًا كلما آن وفت الرحيل من مكان إلى مكانء فغدا مع شروق
الشمسرء سنغادر تلك المدينة ولا أدري هل سيقدّر لي أن أراها ثانية أم لاء
والحق أنني قد أحببت تلك المدينة رغم الأحداث السيئة التي وقعت في
الأيام الأولىء ربما لأنها أول مدينة أراها في حياتيء أو لأنها قد قربتني من
(اروى) بشدة!
اقتربنا من بوابات السور الشاهقة فهالني ارتفاعها وتعجبت كيف استطاع
هؤلاء القوم بناءهاء رأيت الحمالين يقفون في رتل طويل متصل للعبور من
البوابة. وذكرني الزحام بأنني لم أعلم من (شهبوراً عدد الأجولة, كما أنه لم
يعطني الفضيات التي سأدفعها إلى مُتولٌ الحسبة. قمت بعد الأحولة في
سرعة فوجدتها اتني عشر جوالا. قلت للعمال:
- انتظروني لحظات» اضر النقود من (شهبور) وأعود.
عدت في خطوات سريعة أقرب إلى العدو حتى لا أتأخر على العمال. وصلت
إلى المخزن فوجحدت الباب موصذاء تعجبت وكدت أطرق الباب, ولكني وجدت
فرجة به فنظرت خلالهاء وهالني ما رأيت!
كان (شهبور) يقف مع الرجل الذي وصل إلى المخزن قبل خروجيء. ومعه
اثنان آخران يجلسان القرفصاء ويوليان ظهرهما للباب فلم | وجهيهما. كدت
انحفق حيتها رايت قطفة فق الفماق: الى جو ارقم عليه تل عغير من النقوة
الذهبية قد يتجاوز ما به عشرات الآلاف من الدنانير الذهبية. كانوا يغرفون منه
نأيديهم. حفنات, ثم يضعونها في القدر, وبعد أن تمتلئ القدر إلى منتصفهاء
يحشون نصفها الباقي بالقش,» كي يخفوا ما بها من ذهب لاحظت أيضًا أنهم
يملئون القدور الصفراء فقط بالذهبء أما القدور الزرقاء والحمراء فكانوا يملئونها
بحفنات من الحصى ثم يغطونها بالقش!
كل هذا كان يحدث في سرعة وفي رفقء حتى إن جنيهات الذهب لم يكن
فرغوا من عملهمء فأعادوا القدور إلى وضعهاء واستدار الرجلان فكدت أشهق
حينما رايت وجهيهماء فقد كانا الشيخ (نابت) و(عمرو). يتنكران في زي
إدومي وقد غطى راسيهما وشاح أبيض!
تراكعت عن الناتب حيقها رأيتهم نتقدموث :نخوة. ورت دعسزرق: كلف خدار
جانبي إلا من طرف عين ظل يتابعهمء. خرج الثلاثة من الباب. وتركوا خلفهم
(شهبور)ء. نظروا يمنة ويسرة ثم تلثموا بالوشاح قبل أن ينطلقوا في طريق
الشمالء وقد فضحت (عمرو) غمزته في المشي من بينهم!
انتظرت دقائق استجمعت فيها هدوثي. تم دخلت إلى المخزن في هدوىء,
فوجئ بي التاجر (شهبور). فبادرته بالكلام قائلا:
- أنت لم تعطني النقدية: ومُتولٌ الحسبة بانتظارنا.
لا أدري لماذا ا في عينيه نظرة شكء رغم أننى حاولت أن أبدو طبيعيًاء
أردفت وقد ارتعش صوتي قليلا:
- لقد عددت الأحولة ووحدتها اتني عشر جوالا.
اقتحمتني نظراته المتشككة ثم قال في خبث وهو يخرج النقود من نطاقه:
- لماذا لم تطرق الباب حين أتيت؟
نكست عيني إلى الأرض حتى لا تفضح كذبيء ورددت على سؤاله:
- لم يكن الباب مغلقا
تأكد لديه أنني أخفي شيئاء ولم يكن (شهبور) بالرجل الغرٌ ليتلاعب به شاب
مثلي تفضحه ملامح وجهه!
وضع النقود في يدي ببطء ثم أطبق على أصابعي بقوة: وقال وهو يدنو بوجهه
مني:.
- اسمع يا (شمعون): لا أخفيك شرا ان لا اشتفو بالراحة تجاه العبرانيين:
اد رايت ميد ركراب بها يكتيير من الخيانة: ولكني وثقت بك لأجل
ثم ازدادت ضمة يده على كفي حتى المتني قبضته؛. وخرجت حروف كلماته
حادة مشبعة بانفاسه وهو يقوك:
- ولكن وحق الربء لأقتلنك إن باح لسانك بشيء رأيته خلسة أو صدفة في
هذا المكان!
ثم أفلت يدي من يده وقال:
- اذهب ولا أريد أن أراك حتى ترحل القافلة من هنا!
00 00 00 00 0
الورقة الثالثة والثلاثون
اغراضي البسيطة في صرة من القماشء؛ وضعت لفائف اوراقي اولا وتعمدت
ان اطويها مرات متعددة كي لا تشغل حيرا كبيرًا من الصرة ثم وضعت رداء
ونعلا اشتريتهما من السوق وارفقت بهما الرداء والنعل المصريين الذي
اعطانيهما (شهبور) كهدية. عقدت طرفي الصرة في قوة وتركتها إلى جوار
الباب. جلست على الارض في انتظار نداء الرحيلء. تذكرت البوق الذي كان
ينطلق في سماء نزلنا كلما جاء الإذن بالرحيل لبني إسرائيل من مكان إلى
مكان: أما هنا فلا توجحد أبواق: فقط كان هناك منادٍ يسير حاملا دُفا صغيرا ينقر
عليه نقرات متتابعة بعصا صغيرة. ثم ينادي على أهل النزك 100
للرحيل. وحدت كسرات من الخبزء وقطعة من الجبن متبقية من ليلة أمس
فأكلتها ثم تجرعت بعض الماء من قربتي قبل أن أخرج إلى ساحة النزك.
فوجئت بأن أغلب أهل القافلة قد استيقظوا وأني آخرهم, كان الشباب
يعاونون النساء والشيوخ في نقل اغراضهم من الحجرات إلى خارج الأسوار
حيث يوجد الركبء رايت (عمرو بن دومة) وابيه وعمه الشيخ (نابت) يقفان
في وسط الساحة يتابعون انتقال الناس في اهتمام ويتأكدون من أن أحدًا
لم يُفقدء بينما جلس الشيخ (عابر) على حجر مرتفع متكثًا على عصاه: وقد
وقفت إلى جواره (أروى) وشقيقها (ليث).
تقدمت إلى الشيخ (عابر) فقبلت يده: ثم ألقيت التحية على ولديه وأحفاده.
تعجبت من هيئة الشيخ (نابت) و(دومة) وولديهما (عمرو) و(ليث), فقد كانوا
يرتدون زيًا أشبه بزي الفرسان وقد تمنطق كل منهم بحزام جلدي يتدلى منه
سيف جديدء بدا لي أنه من السيوف التي اشتراها الشيخ (نابت) من
السوق.
لاحظ الشيخ (نابت) تعجبي, فابتسم وقال:
- هكذا نرتدي في رحلة العودة.
ثم انتبه وكأنه قد تذكر شيئًا معمّاء فقال لي:
- (إشمعون) هذا لك!
وحدته يقدم لي الخنجر: الذي كان قد أخِذ مني يوم وجدوني في الصحراء,
فابتسمت حين رأيته وقد شحذ تصله ولمع مقبضه؛ وشكرته على الحفاظ
خرجنا جميعًا من الأسوار مع بداية أول شعاع للشمس. كان الجميع قد اتخذ
مجلسه إما على صهوة جواد أو على سنام ناقة أو مستترا بهعودج,؛ راك
حراس القافلة وقد اختلفت هينتهعم أيضًا عما سبق » ٠» فكانوا يتمنطقون
بالسيوف الجديدة. كما أضافوا إلى ردائعم الأبيض قميصا أسود تكسوه
صديرية من المعدن.
امتطيت صهوة جوادي ثم علقت صرة أغراضي على سرجه: أطلق حادي
القافلة صفيرًا طويلاء فعلمت النوق أنه قد آن وقت الرحيلء, قامت النوق من
تنوء يكلكلهاء ٠ وترد على صفير الحادي بحنين ملأ جنبات وادي قرقور
وكأنها تودع الأرض التي مكتنا فيها قرابة ستين يوما.
تقدم بعض الحراس الركب وسار بعصهم في المؤخرة: بينما سرت أنا في
المنتصف إلى جوار الشيخ (عابر) وأبنائه. لاحظت أن النوق التي تحمل
الجوالق, تسير في مؤخرة القافلة؛ أما النوق التي تحمل القدور فكانت خلفنا
مباشرة تليها النوق التي تحمل هوادج النساء؛ أدركت بسهولة أن (شهبور)
قد نقل القدور ليلا حتى لا ينكشف أمرهاء ولم تخطئ عيني تلك الناقة
الجائلة الحق كاش قسميق لقف وقد لين م خاننيها عنترات الفدور العفرا
كان قرص الشمس قد تسلل إلى الأفق وانعكست أنوار الشفق الأحمر على
جبال إدوم الارجوانية. فتلون كل شيء حولنا باللون البرتقالي. حتى وجوه
الناس وظهور الإبل!
امتلأ صدري بنسمات الصباح العليلة ودعوت الرب ألا يقع شيءٌ يعكر صفوهاء
ثم سالت الشيخ (نابت):
- كم تبلغ المسافة إلى بكة!
قال بوجه جامد:
ثم أردف وكأنما يشغل باله أمرٌ ما:
- ولكننا سنتوقف بالحجر أولًا.
قال عمرو:
- هذا الطريق اسمه طريق البخور يا (شمعون): وقد أسماه التجار بهذا الاسم
لآأن تجارة البخور والبهارات تسير عليه ما بين سبا وكنعان ومصرء وتتوقف
القوافل في مدن أقيمت على هذا الطريق للراحة والتزود بالماء. وأولى
منازلنا هي الحجر.
سألته:
- ولماذا تسمونها الحجر؟
قال:
- لا أدريء ولكنها أرض لا نهوى البقاء بها على أي حال.
- ولم؟
قال:
- هي أرض (ثمود)ء قوم أبينا (صالح)؛ ويقولون إن الله قد أهلكهم لذنوبهم.
- أبونا (صالح)؟!
|!
أهو من أبناء أبينا (إبرام)؟!
قال مسرعا:
- كلاء بل سبقه بمئات السنين!
لم أكن قد سمعت عن نبي اسمه (صالح) من قبل؛ فسألته متعجيًا:
- وهل يقطن المدينة التموديون الآن؟
قال:
- القليل ممن بقوا من قوم (صالح).: والكثير من القبائل التي نزحت إليها من
الحنوب.
سألته:
- ولماذا تكرهون المكوث بها؟
هز كتفيه وقال:
- لا أدري!
ثم ابتسم قائلا وهو ينظر إلى عمّه:
- يقولون إنها أرض ملعونة!
قاهوزة؟
أجاب الشيخ (نابت) هذه المرة:
- نعم فالناس تخشى العيش في أرض وقع عليها العذاب.
سألته في شغف وقد أسعدني انضمامه للحديث:
- ولماذا عاقب الرب تمودًا وقضى عليهم بالعذاب؟
تنهد ثم قال:
- تلك سنة الله في الأمم يا غلامء طغيان؛ فتحذير. فعصيان. فعقاب!
ثم حكى لي ما كان من أمر تمود وطغيانهم حتى وقع عليهم العقاب.
اقولك:
- يالله!
أتدري يا شيخ (نابت): ما الذي أشعر به الآن؟
نظر إلى مستفهما. فقلت:
- إن الرب كان رحيمًا ببني إسرائيلء وإننا رغم المعاصي لم نر عذاب الله بعد!
هم أن يعلق على كلاميء ولكن قاطعتنا جلبة في مؤخرة القافلة جعلته يأمر
الحادي بالتوقف. نظرنا خلفنا فإذا بحراس القافلة يشيرون إلى سحابة من
الغبار» تبدو على مرمى البصر وتقترب منا بسرعة. رايت القلق على وجه
الشيخ (نابت). فاستدار بفرسه واتجه إلى مؤخرة القافلة. تبعناه انا و(عمرو)
و(ليث). ولحق حراس المقدمة بنا2ء.ء مرت لحظات قليلة. قبل ان تنقشع
سحابة الغبار, لنرى فرقة من فرسان الإدوميين يمتطون حيادهم ويتقدموت
نحونا في سرعة: ولم تمض سوى لحظات أخرى حتى أصبح المشهد جلياء
كان الضابط (كرونوس) يتقدم تلك الفرقة. مشهرًا سيفه في الهواء وفي
عينيه شرٌّ عظيم.
توقفت الفرقة التي زادت عن عشرين فارسًا أمامناء بعد أن أثارت سحابة
عظيمة من الرمال ملأت أنوفنا وصدورناء دار كرونوس بفرسه أمامنا بطريقة
أثارت غيظي وغيظ من في القافلة. ثم جذب لجام فرسه بقوة فرفع الفرس
ساقيه لأعلي وهبط بهما أمام الشيخ (نابت) كي يرهبه: ولكن الشيخ (نابت)
ظل متماسكا ولم يتحرك وكأنه لا يأبه لحركات (كرونوس) التي تفيض غلا.
قال (كرونوس) بلهجة إدومية,. خرجت من فمه ركيكة بغيضة: وهو يشير
بطرف سيفه إلى الشيخ (نابت):
- أنتم لصوص!
رفع الشيخ (نابت) رأسه إليه وقال في كبرياء:
أحاط الفرسان بالقافلة من كل جانب ليمنعوها من المسيرء ثم قفز
(كرونوس) من فوق صووة جواده واتجه إليناء يصاحبه فارس اخر يبدو من
لهجته انه من اهل إدومء قال الفارس
- لقد خالفتم قانون إدومء وأخرجتم ذهبًا من أرضهاء وتلك سرقة عظيمة
عقوبتها القتل!
خفق قلبي بشدة, وأدركت أن واشيًا قد فضح أمر القدور أو لعل أحد
النخاضيى قد ناهد تغلها فى الليل: تعدم الفميخ (عاير) متكا على عضاة:
وقال في هدوء وثقة للفارس الإدومي:
- لقد أتينا هنا للتجارة أيها الشاب. لم نحمل ذهبّاء ولا حاجة لنا فيه وهذه
تضاعتنا أمامكرز لا روعى يها :دقفب ولا قضة:
مادت بي الأرضء وقد أدركت أن الشيخ (عابر) لا يعلم ما دبره ولده (نابت)
وحفيده (عمرو) مع التاجر (شهبور): ابتسم (كرونوس) ابتسامة مقيتة: وازاح
بيده الشيخ (عابر) عن طريقه بصفاقة لا تليق بالشيخ الجليلء فاثارت طريقته
(عمرو) الذي اشتدت قبضته على مقبض سيفه لولا ان امسكت بيده حتى لا
يرتكب حماقة اخرى, وهذه المرة ستكون العاقبة وخيمة!
سار (كرونوس) في غرور وهو يتفحص مؤخرة القافلة يعينه بينما سار خلفه
الشيخ (نابت) و(عمرو) في تحفزء بقرّ بطرف سيفه جوالا يتدلى من ظهر ناقة
فسال منه الطحين على الارضء فنظر إليه وتجاوزه دون ان يابه لما فعله: بان
الغيظ على وجه الشيخ (نابت) و(عمرو) ولكنهما تماسكاء استمر في سيره
إلى أن وصل إلى هوادج النساءء. اشار بيده إلى الفارس الإدوميء وقالك:
- أنزلوا هؤلاء!
تردد الفارس الإدومي لحظة. وربما كان يعلم أن هذا التصرف غير مقبول عند
قبائل الأعرابء: ولكنه قال:
- أخرجوا النساء من الهوادج.
هتف (عمرو) في غضب نحو (كرونوس) وقال:
- يا لك من حقير!
حدق (كرونوس) نحو (عمرو) في تحفز وبدا أنه لم يفهم ما قاله (عمرو)ء ولم
يترجم الفارس الإدومي ما قاله. فاحتوى الشيخ (عابر) الأمر بسرعة وهتف
- أنيخوا الجمال؛ وأخرجوا النساء من الهوادج.
وتقف بها بعيذا عن الفرسان. مزق (كرونوس) ستائر الهوادج بسيفه. واخذ
ينظر فيها الواحد تلو الآخرء وكان في كل مرة لا يجد بداخلها شيئاء يزداد
رعونة وانفعالا.
وقف يلهث بعد أن انتهى من آخر هودج وقد احتقن وجهه غيظاء ومسح
القافلة بعينه وكأنه يتساءل: أين أخفى هؤلاء الأعراب الذهب.
وقع بصره على قدور الفخار, فتقدم نحوها وقد خفق قلبي بشدة. ضرب
بسيفه قدرة زرقاء فتحطمت بدذا وسقط عنها حصاها وقشهاء حتى على
ركبتيه وأمسك الحصى والقشٌ بيده وقد تعجبء لماذا ييحشو هؤلاء الناس
القدور بالحصى والقش؟
لمعت عينه واشتعلت حماسته وقد شعر بأنه قد أوشك على الوصولك إلى
ضالته. ضرب قدرًا ثانيًا ثم ثالثا ثم رابعاء وظل يحطم في القدور الزرقاء
والحمراء وهو يلهث كالمجنون. وفي كل مرة لا يجد شيئا سوى القش
والحصى!
صرخ في غضب, تم توجه نحو القدور الصفراء, فتسارعت ضربات قلبي حتى
كادت أن توقفه. رفع سيفه عاليًا في الهواء وهم أن يحطمها كما فعل
بسابقتهاء ولكن نصل سيفه لم يصل إليها فقد تلقاه نصل سيف الشيخ
(نابت) وهو يصرخ فيه غضبا:
- كفى!
اتسعت حدقتا (كرونوس) واحمر وجهه حتى بدا كشيطان رجيمء لم
يستوعي كبرناؤة أن بتهرة أعراني من الضحراء أو أندريرد صلية :تملا يتضل.
فرفع سيفه مرة أخرى ودار به دورة في الهواء وهبط به على ذراع الشيخ
(نابت) الدع انفضل عنه: في الخال». وهو يصرة. ضرخة: ملأت جنبات الوادى
الما.
وانفجر الوضع كبركان تساقطت حممه على الوادي حتى كادت أن تحرق كل
من فيهء ارتعدت الأرض بصراخ النسوة. وصيحات الغضب من رجال القافلة,
اشتبك الحراس في بسالة مع فرسان يزيدون عليهم في العدد مرتين,
وانقض (عمرو) على (كرونوس) ينهال عليه ضربًا بالسيف يريد أن يقضي
عليه: ولكن الفارس المحنك كان يتفادى طعنه؛ ويرد نصلهء متحينًا الفرصة
كي يسدد إليه طعنة في مقتلء وبينما كنت أبعد الشيخ (عابر) عن سنابك
الخيل الثائرة إذا ب(عمرو) يسقط أرضًا متألمًا بعد أن أصيبت فخذه بطعنة.
ورأيت (كرونوس) اللعين يدور بسيفه في الهواء ويتأهب لسداد طعنة قاتلة
له. فاسرعت بالقفز نحوه وسددت له طعنة بخنجري المشحوذ. نفذت في
كتفه الاإيسرء. فصرخ من الالمء ثم استدار نحوي واطاح بسيفه نحو صدري
كالمجنون ولولا رحمة ربي لنفذ النصل بين ضلوعيء أخرج خنجرًا من جانبه
وهجم علي يريد أن يفتك بي فشعرت أني هالك لا محالة.
فإذا برحمة ربي تتنزل علي مرة أخرى وإذا برمح يشق الهواء في سرعة ويمر
إلى جانب حي ليستقر في صدر (كرونوس) اللعين, قبل أن يسقط على
محوة القنية: النعت فى در فلارى صضاحب الرقة نافاابي ارى نعلا ملدما
يمتطحي جواده, ومعه عصبة من الرجال الملثئمين يحملون حملة عظيمة على
رجال (كرونوس) وينهالون عليهم طعنا وضرياء واسقط في يد الفرسان حينما
راوا المذد قد قلت بموارين: الغتال» لا نسيما بعد آنه تنفظ: قاتدهمر (كروتويسن)
مجندلا. فنفخ الفارس الإدومي في بوق في يده. وكانه يدعو جنوده للانضمام
إليه. ثم انسحب بهم في حنكة قبل أن يلقوا مصير قائدهم, تاركين خلفهم
سحانة الرهاك التعن أنوا مها هن قبل.
أماط الملثمون اللثام عن وجوههم. فإذا بي أرى الرجل الذي كان مع
(شهبور) في اليوم السابق ومعه عصبة من الرجالء بدا عليهم المتانة وقوة
البنيان. علمت فيما بعد أن اسمه (دعس) وأنهم كانوا يراقبون القافلة من
بعيد. تحسبًا لوقوع خيانة. وقد صدق حدسهمء. أسرعنا إلى نجدة المصابين,
وعاونت الملثمين في تضميد جراحهمء. كان جرح (عمرو) غائرًا ولكنه ليس
بقاتلء أما الشيخ (نابت) فقد كانت إصابته بالغة وقد انفصل ساعده أو كاد-
عن مرفقه, ابكوةغ (دعس) بكتم النزيف بخرقة من القماش ثم ضمده بطبقات
متعددة من الكتان. تم اسند الساعد والمرفق بجريدة نخل. شذبها ولفها
بلفائف الكتان. كان الشيخ (عابر) في حال سيئة من الهلع والخوف على ولدهة
وحفيدة حتى أشتفقت عليه من الحزن» أما (أروى) وباقي النسوة فكن على
حال لا ينقطع من العويل والبكاء.
نظرت حولي فوجدت الأمر بائسًا حزيتاء أصيب الرجال. وتحطمت القدور
ومزقت الهوادج وسالك الطحين على الأرضء َي شر الحقه بنا ذلك المجنون
قبل موته؛ وبينما كنت أضمد جرخا لأحد الحراس إذا بسحابة غبار أخرى تعلو
في الأفق, هتف الحارس محذرًا وقد ظن أن فرسان الإدوميين قد عادوا مرة
اخرى, تاهب الملثمون في مواقعهم. ولكن ما أن تكشفت سحابة الرمال
حتى راينا (شهبور) يمتطي ناقة ومعه بعض الغلمان يمتطون الإبل ويتقدمون
نحونا في سرعة.
توقفت الإبل أمامنا وأناخ (شهبور) ناقته ثم قفز مهرولًا بجسده الضخم نحو
صديقه المسجى على الأرض وهو يبكي ويقوك:
- فداك نفسي يا شيخ (نابت):. فداك نفسي يا صديقي الكريم.
قال الشيخ (نابت) في جهد بالغ:
- سأكون بخير يا (شهبور).
ثم ابتسم في ضعف وقال:
- اطمئن لم يصلوا إلى شيء.
قبّل (شهبور) رأسه باكيّاء ثم قام مسرعًا وقال للشيخ (عابر):
- لا يوجد متسع من الوقت يا سيدي. سآخذ الشيخ (نابت) و(عمرو) معي,
فلو سارا إلى بكة لهلكا في الطريق!
قال الشنيف قاروا يدنف
- تعود بهما إلى بصرى؟!
قال (شهبور):
< كلا درل المتوك :في قري سكير فق ديفا اعون ورا لوم واظلقوى قرن
يصلوا إليهماء اما انتم فلتضربوا اكباد الإبل ليل نهار حتى تصلوا إلى الحجر:
وهناك سيكون بانتظاركم رجال منا يوردون الخيل والإبل ويصلحون ما افسده
قلت:
- وماذا لو عاد الجند مرة أخرى للانتقام لمقتل (كرونوس)؟
هز (شهبور) رأسه نفيا ونظر إلى (دعس) ثم قال:
- لن يفعلوا!
فالليلة ستكون ليلة حزينة على المرتزقة الكنعانيين في بصرى.
صمت الجميعء في انتظار أمر الشيخ (عابر) الذي نظر في حزن إلى ولده
وحفيدة: فاوما الشيخ (نايث) إلية بزاسية وكانه تستحته على الموافقة» فقا
الشيخ (عابر) في صوت واهن:
- إن كان هذا قدر الله فلا راد لقضائه!
تفرقال لؤلدة (ذومة) :
- مُرهم أن يتأهبوا للرحيل!
ارتفع صراخ النسوة وهرولت (أروى) إلى أبيها المسجى فاحتضنته وقبلت
راسة فالعا ها هوت خقيص: وفال:
- لا تقلقي, سأعود إليك!
ثم حمل الرجال؛ الشيخ (نابت) و(عمرو)؛ ورأيت (عمرو) يبكي وهو ينظر بطرف
عينه إلى (اروى).
وبينما كان الجميع يتأهب لركوب الخيل والاستعداد للانصراف دس التاجر
(شهبور) في يدي ورقة مطوية, بها كلمات كانت سببًا في تغيير حياتي بعد
ذلك باعوام
00 00 00 00 0
الورقة الرابعة والثلاثون
وصلنا إلى وادي (الحجر) بعد خمس ليال من السفر الدءوب: لم نذق فيها
طعم الراحة إلا لشربة قاء أو قضاء حاجة؛ استقبلتنا ضكرا تعديدة هُ الصّفرة,
الخيل, نظرث حولي وأنا م الشمس عن عيني بيدي, 856 أرى ظلًا
لشجر أو حجر فلم أجد سوى هضابًا باسقة تعلوها صخور مدببة كأسنام
الإبلء لا ظل فيها ولا نبات. أشفقت على الشيخ (عابر) وعلى نساء القافلة
من هذا الجهد المضنى والألم البالغ. الذي أرهق القلوب والأجساد. حتى
بدت القافلة عند دخولها إلى وادي الحجر كقافلة أشباح. فقدت أرواحها 0
أبواب المدينة الملعونة!
كنت بين لحظة وأخرى ألقي نظرة على (أروى) الجالسة في هودجها
العم فأرى في عينيها نظرة ذابلة لم تتجاوز محجريها الغائرين من البكاء
والتعب. فينفطر قلبي حزنًا عليهاء وأتمنى لو تتاح لي الفرصة كي أضمها إلى
صدريء لعلها تستمد من فؤادي ما تربط به على قلبها.
أما أنا فلم أكن أشعر يالحزن والألم فحسبء بل كان شعوري بالهم كدر
وكان همي هو تلك الأمانة التي وضعها (شهبور) حول عنقي فأي شيء
أنقل على النفس من أمانة تحملها لمن لا يثئق بك!
فإن ضيّعتها الأيام رغمًا عنك. صدّق ظنّه فيك. ولم يشفع لك عنده عذدً!
تحسست يدي رسالتة التي قرأتها أكثررمن عشر مرات خلال الأيام الخمسة
الماضية: أعاد عفلي كلماتها وكانما أتطفتة مسة أنامليق للفاقة المطوية في
- «ليكن ا بينك وبين الشيخ (عابر) حتى أعودء إن هلكت فالماك لكماء
وإن عدت فلك الريع مما حفظت!
» وحين أخبرت الشيخ (عابر) بأمر رسالة (شهبور) وأطلعته على السيّر الذي
اخفاه عنه ولده وصديقهء بكى واشتد عليه الهم والحزن وقاك:
- ليتنا فقدنا المال ولم نفقدهم!
- لم يكن (كرونوس) ليتركهم أحياء في كل الأحوال يا شيخ (عابر). وحسبنا
أن لدرهم الأن فرضة فى البحاة.
مسح لحيته التي ابتلثت بدموعه وقال:
- بل حسبنا الله ولا شيء غيره: فهو أرفق بهم منا.
وصلنا إلى نهاية الوادي, فوجدنا في استقبالنا ركبٌ من أصدقاء (شهبور)
يقفون في منتصف الطريق ويحملون في ايديهم قِرَب الماء الباردء ابتهج قلبي
لرؤيتهمء نزلنا من فوق ظهور الدواب ثم ترجلنا جميعاء صافحهم الشيخ
(دومة) والشيخ (عابر) وبدا انهم يعرفون بعضهم من قبلء تناولت قربة من
الماء من احدهمء ثم شربت حتى ارتوى جفاف حلقيء امسك بعضهم بزمام
النوق والخيل المنهكة وساروا بها مع الحراس كي يوردوها إلى مشرب
الذواب» الموحوذ. خلف الهضية: يزيما: صحينا ليل منهج إلى مساكن القرية
بأعلى الهضبة ورغم إرهاق الصعود إلى الجبل. لم أستطع أن أمنع ذهولي
فنا فى الحاك تت اسان ري كسوت كل ساك أضلاعٌها
بدقة وكأنما نحتتها يدٌ الجاث: وهتفت في نفسي عجبًا حين رأيت صخرة
مهولة تحولت إلى قصر مشيدء تُقِشت واجهته وتزينت بيد ناحتها وكأنها
قطعة خشبية: تلقفتها يد نجار ماهر!
أشار الدليل إلى جبل به عشرات البيوت وقال:
- هنا إقامة الرجال ثم أشار إلى جبل أصغر وقال:
- وهنا إقامة النساء.
دخلت إلى إحدى الحجرات فتنسمت أنفي لأول مرة نسيمًا رطبًا وهواءً عليلًا
لا يقارن بقيظ الواديء. وتعجبت كيف تحتفظ تلك الحجرات الأشبه بالكهوف
ببرودتهاء نظرت حولي فرايت الجدران الصخرية وقد استوى سطحها وفتحت
بها نوافذ للضوء والهواء. كما نحتت بها مقاعد وأسيرّة وقنوات تحمل مياه
الأمطار من سقف الحجرة إلى حوض داخلها!
وتذكرت ما قاله الشيخ (نابت) عن امن التموديين وانقية حين رانك ما
صنعوه أنهم كانوا اأشد باسا مما ظننت.
خرجت فوجدت رجال القافلة وقد وقفوا للصلاة في مساحة منبسطة أمام
الحجرات وقد يمموا وجوههم شطر الشّمالء. تعجبت أن الشيخ (دومة) هو
من يقوم بإمامتهم في الصلاة وأن الشيخ (عابر) لم يكن بينهمء جاء في
خاطري أنه قد أخلد إلى الراحة بعد مجهود السفر الشديدء فلم أسأل عنه.
كما أن ذهني كان مشغولا يام الناقة المحملة بقدور الذهب وكنت قلقا من
كونها بعيدة عن عيني وخشيت من أن تقع مصادفة غير محمودة تزيد الأمر
تعقيدًا فترلت إلى مشرب الدواب كي أرقتهاء وضلت إلى ساحة اليثر فوجزت
حارسا من القافلة مع اصدقاء (شهبور). يقفون إلى جوار الناقة2. ينتظرون
دورهم في السقياء كان مشرب الدواب متسعاء يتوسطه بئر ضخم ترفع منه
المياه ثم تصب في قنوات على الجانبين تنهل منها صفوف الدوابء وكلما فرغ
صف من السقياء أصدرّه الرعاء كي يحل محله صف آخرء علمت من الحارس
أن هذه البئر كانت تشرب منها ناقة صالح, وأن الناس بعد هلاك تمود 1
يعودوا يشربون منها وجعلوها لسقيا الدواب فقط تكريما للناقة!
انتظرت معهم قليلًا حتى حان دورناء أراد أحد العمال أن يضع عن الناقة
حمولتها قبل ان تشربء وهم أن يرفع احد القدور ولكني نهرته عن ذلك,
وقلت له محذرا:
- لم تعد لدينا سوى تلك القدور. فحذار من أن تتحطم منها واحدة!
ظلت الناقة تنهل من الماء لفترة طويلة. كي تعوض العطش الذي عانت منه
خلال الأيام السابقة. وبعد أن فرغت من سقياها سحبتها من لجامها
فاستجابت لي وسارت خلفي في خضوع. تعجب الحارس من صنيعي
وسالني:
- ألن تتركها في مناخ الدواب؟!
قلت له كاذيا:
- أمرني الشيخ (عابر) بأن أعقلها وحدها بعيدًا عن البعير كي لا تتحطم
صعدت بالناقة حتى وصلت إلى مدخل حجرتيء فأنختها في الساحة
المقابلة للحجرة ثم ربطت حبلها حول حجر كبير» كانت الساحة خالية, وقد
بدا أن رجال القافلة قد فرغوا من صلاتهم ثم أخلدوا للراحة. قمت بحمل
القدور ورصّها الواحدة تلو الأخرى داخل حجرتي حتى امتلأت الحجرة بالقدور
إلا من موضع السرير؛ نفدت قواي أو كادت بعد هذا الجهد المُتصلء فألقيت
بجسدي على السرير المنحوت من الحجر والمفروش بصوف الغنم وقد
عزمت ان انام يوما او بعض يوما
لم أدر كم من الوقت مرّ ولكن الوقت كان وقت سحر حينما أيقظتني هِرَّةٌ
رَفيقةٌ في ظلام الليل؛ فتحت عيني منتفصًا لأجد الشيخ (عابر) يجلس على
طرف السرير وفي يده قنديل من الزيت؛ اشار إليّ بيده كي اهدا والا اصدر
صوتاء ثم أشار إلى عبدين أسودين وقفا أمام باب الحجرة فأمرهما بأن ينقلا
القدور إلى محفة خشبية وضعوها أمام الباب.
قام العبدان بنقل القدور في سرعة: وأنا ما زلت على عجبي وبعد أن فرغا
قام الشيخ (عابر) من مجلسه ونادى بصوت خفيض:
- (عدنان)!
دخل إلى الحجرة شاب أعرابي. شديد الطول عريض الكتفين حتى أن رأسه
كادت أن تلامس سقف الحجرة: قال الشيخ (عابر):
- (عدنان) حداد من الجنوبء وبيننا وبينه صهرء قابلته عند الظهيرة. وطلبت
منه ان يصهر لنا الذهب في سبائك حتى يتيسر لنا حمله.
استحسنت الفكرة ووجدت فيها حلا لمعضلة القدورء فتابع الشيخ (عابر)
موجها حديته للحداد:
- متى تفرغ من ذلك يا (عدنان)؟
قال (عدنان) بصوت رنان يشبه طرقات المعدن:
- لن تزيد عن بضعة أيام يا سيدي الشيخ.
هز الشيخ رأسه وقال:
3 أحضرها إلى هنا في حجرة (شمعون),. وقت أن تفرغ منهاء وحذار أن يعلم
احد بالامر سواك.
قال (عدنان) في ثقة:
- سآتي بها إلى هناء ولن يعلم العبدان بما تحويه القدور.
ثم استأذن (عدنان) في الانصراف.
جلس الشيخ (عابر) على حافة السرير. فضممت ساقي وأفسحت له مكانًا
للجلوسء كان الإجهاد يعلو وجهه ويبدو أنه لم ينم نوما كافيًاء قلت مشفقا:
ألا تستريح سيدي الشيخ: فقد شق عليك السقر والسهر:
تنهد تم قال:
فوسكترية لفحي بالتوتر وسستتر الفليتة بالفكو وقد فكوا اجن الور كان
ظلام الليل!
نظرت إليه في إشفاق وقلت له معزيا:
- سأدعو لهما بالنجاة!
قال في تسليم أعجزني عن الكلام:
0 1 نا || لمك عل النعمة والصبر على البلاء وأن و على الأعمال
الصالحة في ايام الانكسار.
تنهد ثم تابع:
- اعلم يا (شمعون) أن قضاء الله ليس بسهم طائشي وإنما سهمٌ نافذ تحكمّه
يد القدر؛ فيُصيبُْ به مَن يشاء وقتما يشاء لعلم نجهله وحكمة لا نستقيها.
كنت لأول مرة أسمع كلمة (القدّر) فقلت له مشدوهًا:
2 وما القدر؟
- القدث يا يا بني هو التدبيرٌ بميزان الحكمة: واللْطفٌ بميزان الرحمة: والتقويمٌ
بميزان العدل: وكل ما يقدّره الله لنا يكون إما لحكمة يديّرهاء أو لطفٍ من
رحمته: أو تقويمر لما أعوجٌ من اضرنا: ولذا وحب علينا التناء على قدره في كل
حاك.
نزلت كلماته على قلبي كقطرات الندى فقلت:
ها اصدق > كلفائك:رااسنووف!
ثم قلت حالما وأنا أقيس كلماته على حالي:
- قدّر الله لي أن أفارق أهليء وأن أمرّ يتلك الأحداث تقويمًا لمعصيتيء ثم كان
لطيفا بي إذا جمعني بكم وأشعر أن هذا لم يكن عبتاء وإنما لحكمة لا
أعلمهاء وما زلت في انتظار معرفتها.
- اسمع يا (شمعون) قد صارت لك بيننا مكانة.» وصرت عندي بمنزلة الحفيد,
ولهذا ساسير إليك بامر لم اخيره لأحدٍ من قبل.
أومأت ترأبتتين موافقا دوت أن انطف: فقال:
- أشعر بأني لن أقوى على مغادرة بكة بعد أن نصل إليهاء ولا رغبة لي في
العودة إلى برية سين مرة اخرى.
ففرت فاهي ذهسة. وقد أسقط في يدي من الكب فتابع قائلً:
- لقد عزمت على أن أترك التجارة وأمر القبيلة إلى (نابت) إذا ردَّه الله سالمًا
أو إلى (دومة) إذا قضى الله أمرًا كان مفعولًا!
أما أن فسابقئ إلى جؤاز البيت فقد- تقدم بي" العمر وأتوكتني السفر
والفخالع واريد أن اقضقهها فى من حياقي الى جوار بيت الرت.
القدّرٌ يا بني هو التدبيرٌ بميزان الحكمة. واللّطفٌ بميزان الرحمة؛ والتقويم
بميزان العدل. وكل ما يقدّره الله لنا يكون إما لحكمة يديّرهاء أو لطفٍ من
رحمته,: أو تقويمر لما أعوجٌ من أمرناء ولذا وجب علينا التناء على قدره في كل
حاك.
- ولكن صحبتك هي ما تهون علي أمر الدنيا!
ربت على كتفي في عطف وقاك:
- ولهذا أخبرتك قبل أن أخبر أبنائي.
ثم تابع:
- وأرى يا بني أن تظل في صحبتهم إلى أن يشاء الله لك أن تجد قومك في
برية سينء وانزع من راسك فكرة الأرض المقدسة.: فالله موحود في كل
مكان.
لو كان هذا الحديث قد دار بيني وبين ن الشيخ (عابر) قبل ذلك بشهورء ما
ترددت في رفض طلبه. ولكنني بعد ما مرّ بي في الأسابيع الماضية-
وجحدتني اقول له في استسلام وقد اغرورقت عيني بالدموع:
- لم يعد لي أهل سواكم يا شيخ (عابر). وحتى يجمع الله بيني وبين أهلي
فلن افارقكم ما حييت.
قبل رأسي في عطف ثم قام من مجلسه. فقمت احترامًا له. حمل مصباحه
في يده ثم خرج من الباب وقبل ان ينصرف قال لي:
الا شرك بابك ,مففوكا أناء الليل: قفي التحجر يكت قطط السحزاء والصباغ لبلا
00 00 00 00 0
كان اليومان التاليان مليئين بالأحداث, شرعنا في اليوم الأول في إصلاح
الهوادج التي حطمها (كرونوسسي) وجنوده حتى أعدناها كما كانت كنت سعيدًا
بما صنعناه وأعادتني تلك الأعمال إلى ذكريات النجارة في نزلنا السابق,
فاستيقظت في صباح اليوم التاني وقد تلبستني روع أنىق (زخاري) النجار
وقد تفتق ذهني عن صنع عربة خشبية: تحمل لنا الأحولة وتجرها الأحصنة
بدلا من الرجالء على غرار العربات التي رأيتها في إدومء قضيت اليوم كله
في البحث عن ألواح الخشب الملائمة في سوق (الحجر)؛ والتي كانت رغم
زحامهاء. صغيرة الحجم ولا تقارن بسوق (بصرى) المهولة في إدوممء اشنتاذنت
الشيخ (دومة) في بعضٍ المال كي اشرق مثقابا ودقماقا وحجرًا للكشطء
وما يلزمني من أحبال ودُسرء فأعطاني إياهاء تعاونت مع بعض الرجال
الألواح التي جلبناها إلى ساحة ظليلة خلف التل الذي 3 بك
أبدأ العمل بالعربة. قضيت وقت الظهيرة كله في تقطيع الألواح وكشطها
بالححن فون حماسن تحني الت الهس الى الففيية: اكتففت ات الصر كه
شيئا في خلال اليومء وقد شعرت بقرصات الجوع في بطنيء ولكنني فضلت
أن أتحمم قبل أن آكلء علمت أن هناك حمامًا بالقرب من البئر» يستحم به
أهل المدينة,. فراقت لي فكرة أن أكافئ نفسي ببعض التدليل بعد هذا اليوم
الشاقء. نظرت إلى قطعتي النقود اللتين بقيتا معيء, فقررت أن أشتري
بأحدهها طعافًاء وآن أدقع الأخرى:مقابل دحول الحقام
وصلت الى الحمام الذي بني بالحجر فوجدته مفتوحًا. وقد جلس على بابه
بَدَتْ كالأخاديد في جلده السميكء. دفعت إليه قطعة النقود. فأشار إلى باب
جانبي قائلا:
اذه إل المملة!
علمت أن المسلخ هو حجرة واسعة مقسمة إلى عيون يدخلها الناس كي
يخلعوا فيها ملابسهم: وكان على بابها رجل يبدو أنه من أهل الحجر- يعطي
بالإزار, وأنا أمسيك عقدته بحرص شديد خشية أن تنفكء رأى الرجل ارتباكي
وفهم انها المرة الأؤلى لي :في الحمان»فاشار إلى سحرة :داخلية وفال:
4 ذهته إل المغطيين:
دخلت إلى حجرة متسعة يتوسطها حوض كبير يتصاعد منه البخار وقد
امتلأت أنفي بالبخار الرطبء رأيت عددًا قليلًا من الأشخاص بالمغطس.ء ويبدو
أنها كانت نهاية اليوم بالنسبة للمكان, اخترت ركنا منزويّاء بعيدًا عن الرجال
الدنن حليسو) فى حوضن العطون .وقد عمرهم االمياة الى اغلى ضذؤرهة:
هبطت الدرج. فغمرني الماء الدافئ وشعرت به يتخلل جسدي. فجلست
على كرسي من الحجر وأنا في حال بين الطفو والسكون جعلني أشعر
بالنشوة والاسترخاء. غمرت راسي بالماء ومكئثت تحت سطحه بقدر ما
سمحت به القاييتة: فامتلأت أذني بسكون محبب. حجحب عن راسف صخب
العالم ونفض عنها زخم الأفكار. أعطاني عامل المغطسء حجرًا للتدليك,
فأخذت امحو به درت الجسد ومتاعب اليوم في سعادة بالغة.
ثم دخل الي حجرة المغطس رجلانء بدا عليهما الوجاهة والأهمية: وآثارا
جلبة عند دخولهماء أسرع عامل المغطس بإفساح الطريق لهماء فنزلا إلى
المغطس في موضع لا يبتعد عني كثيراء كان الأول بدينا تتهدل اتداؤه وتستقر
على بطن عظيمة: أما الثاني فكان وسطًا في حجمه. يلمع شعره المصفف
بالدهن والزيت وتلمع عينه ذكاء حتى وهو صامت.
- كان الرجلان يتحدثان بصوت عال في نقاش بدا أن وجهات النظر تختلف فيه.
قال الرجل البدين وهو يبلل كتفيه وصدره بالماء:
- هلك (الحارث) وترك خلفه غلاما يهيم في بحور الشعر ولا يلتفت لأمر
النيت: لو كاب الجارت) حا هادخروت قبيلة خراعة على متارعة (خرهم) في
امر البيت.
التقطت أذني اسم (جرهم) وتذكرت حديث الشيخ (عابر) معي من قبل عن
القبيلة التي تقوم على أمر البيت في بكة. ولكني لم اعرف من هي خزاعة.
قال الرحل ذو الشعر المنمق في حديث محسوب الكلمات:
- لقد وى عهدٌ (جرهم) وأقبل عهد (خزاعة) احمر وجه الرجل البدين: وقال
في حدة:
ٍ أي سفه هذا!
ما كان لبني (إسماعيل) وأخوالهم من (جرهم) أن يتركوا أمر البيت
ل_(خزاعة)!
قال الرحل في هدوء وهو يمط شفتيه:
- لا تضع بني (إسماعيل) و(جرهم) في حلف واحد.ء فقد سخط بنو
(إسماعيل) على (جرهم) بعدما وقع من أمر (إيساف) و(نائلة).
نذا غلى الوحل أنه لا تفرق شبينًا عن .هذا الأمرففالن:
- من هما (إيساف) و(نائلة)؟
نظر الرجل حوله وكأنما ا فأبعدت بصري عنه حتى لا يعلم
فاك لوس عن حسكن اشعة اايعاك) فد تمي ترسو الجترب
السمها (نائلة) وأنهما كانا يتواعدات نسذا.
استخف الرجل بكلامه وقال:
- وماذا في ذلك؛ إن قصص العشاق تروى ليل نهار في أشعار الماجنين في
أسواق بكة.
هز الرجل رأسه وقال:
- الأمر مختلف؛ فالناس تقول إن (إيساف) قد واعد (نائلة) ذات ليلة, واختبا
معها في الكعبة حتى لا يفتضح أمرهماء وبعد أن لعبت الخمر برأسيهما وقع
عليها داخل الكعبة وفجَرَ بهاء وبعد أن خرجا من الكعبة., انقضت عليهما
صاعقة بين الصفا والمروة, فمسختهما ححرين هناك, والناس يخكشون من أن
تحل اللعنة على بكة بما فعله رجل من (جرهم).
اتسعت عينا الرجل البدين لحظاتء ثم انفجر ضاحكًا وقد ارتجت أتداؤه مع
صدى فهقهته وهو يقوك:
- لعمري إنها لكذبة ابتدعتها خزاعة كي تؤلب الناس على (جرهم)!
ثم هرّ رأسه غير مصدقء وقال وهو مستمر في الضحك:
شأ شيطان أوحى إليهم بأن يضعوا حجرين بين الصفا والمروة في الليل تم
يأتي أحدهم في الصباح فيروي لهم تلك القصة البذيئة.
ثم علا ضحكه أكتثر وهو يقول:
- أو لعلهم اتفقوا مع الشاب العاشق على تلك الكذبة كي يفرٌ بمحبوبته!
تبرم الرجل المنمق من ضحكه وقاك:
- أيّا ما يكن» لقد افتتن الناس بالقصة. وسار أتباع (عمرو بن لحي) الخزاعي
بين الناس وهم يقولون إن السبب في ذلك هو (عمرو بن الحارث) الجرهمي
الذي اذهب عقول الناس بالخمر والشعرء ووجد ابن لحي من بين الناس من
يبغي الفتنة وينتظر ان تدور على (جرهم) الدوائر.
صمت الرجل البدين عن ضحكه؛ ثم عبس وجهه وهو يقوكل:
- أتوقع تلك الخسة منه؛ فكم كرهت (عمرو بن لحي) لخبثه!
ثم قال في جدية:
- اسمع يا (زبيد) لا بد أن نخرج للحج هذا العام. فظني أن (خزاعة) ستتحالف
مع باقي العرب لدحر (جرهم) وما ينبغي لنا ان نتيح لهم تلك الفرصة.
قال الرجل المنمق الذي علمت في تلك اللحظة أن اسمه (زبيدًا):
- أتنصر (جرهم) على (خزاعة): وأنت (الغوث) سيد قبيلة (طيئ) وبينك وبين
(خزاعة) عهد؟
قال الرجل في حسم:
- بل أنصر دين (إبراهيم)!
فوالله لو تم الأمر ل.(خزاعة) لبدلوا دين (إبراهيم) حسدًا من عند أنفسهم
وحقدًا على بني (إسماعيل)!
مط (زبيد) شفتيه وقاك:
- الأمر لك يا سيد قبيلة طيئ.
وكلي شوق إلى ان اجلس إلى الشيخ (عابر). كي اقص عليه هذه القصص.
في المساء كنت أجلس إلى الشيخ (عابر) وولده (دومة) في الساحة
00 لحجرة الشيخ (عابر) وقد خيم الوجوم والحزن عليهماء قال الشيخ
بر).
- ظننا أن (الحارث) سيصلح ما أفسدته (جرهم): ولكن القدر لم يمهله.
قال الشيخ (دومة) في شفقة وغضب:
- حزني على ولدة (عمرو)!
لا يزال فتَى يافعاء ولن يصمد أمام مكر (عمرو بن لحي)!
ثم أردف في حماس:
- يجب أن نجمع بني (إسماعيل) خلف (عمرو بن الحارث) يا أبتاة.
أطرق الشيخ (عابر) صامئًا لحظات ثم قال:
- ما كان لبني (إسماعيل) أن يقاتلوا لأمر من أمور الدنيا يا ولدي!
قال (دومة) في دهشة:
- ولكنه أمر من أمور الدين يا أبتاه. (جرهم) هم ولاة البيت!
قال الشيخ (عابر):
- ولكنهم لم يؤدوا حق البيت!
تنهد (دومة) ثم قاك:
- أَيّا ما فعلوه يا أبتاه في الماضيء فهو أهون من أن تلي (خزاعة) أمر البيت.
وجدتني أشترك في الحديث فقلت:
- لقد سمعت (الغوث) يقول إنهم سيبدلون دين (إبراهيم) إذا ما تولوا أمر
البيت؛ أحق هذا يا شيخ (عابر)؟
تنهد تم قال:
- ذلك رجم بالغيب يا بنيء ولا يخلو من حسد بين القبائل.
قال (دومة) مدافعا:
- ولكن العرب تعلم أن (خزاعة) لم تدخل في دين (إبراهيم) إلا من أجل
الزعامة!
قال الشيخ (عابر):
- وهل تبغي (جرهم) غيرها يا بني؟!
لم أفهم حتى تلك اللحظة, لماذا يرفض الشيخ (عابر) نصرة (جرهم)» بينما
يتحمس الشيخ (دومة) لذلك. وبدا لي ان هناك من التفاصيل ما اجهله.
ووجدتني اسال الشيخ (عابر):
- هل يمكن أن تقع الحرب في بكة يا سيدي؟!
بان على وجهه الانزعاج. وصمت قليلًا ثم قال:
- الحرب فتنة يا غلامء والقتال في البيت الحرام أمر كبيرء أسأل الله ألا تراق
دماء في بكة.
ويبدو أن سؤالي قد أثار قلقًا لديه فقام واقفًا وقال:
- هيا يا (دومة) كي ننامء وغدًا نذهب أنا وأنت إلى بيت (الغوث) ولعلنا نعلم
ققئه ها تخلف سوء ظننا .
00 00 00 00 0
الورقة الخامسة والثلاثون
استيقظت مبكرًا في اليوم التالي؛ وقد عزمت أن أفرغ من صنع العربة: أخذت
قربة الماء وفطيرة محلاة بالعسل أبقيتها من طعام الأمس ثم هبطت من التل
وذهيت إلى الساحة الى وضعت:يها الألواح والأدواث بجوار صحرة كبيرف كان
الجو صحوًا جميلًا وقد زاد من صحوه نسمات الصباح اللطيفة التي هبَّت من
جهة الشمّالء وظلال التلّ التي امتدت على الساحة أماميء شمّرت
ساعديء وحزمت حلبابي» وبدأت في العمل في همة وحماسء» تقبت الألواح
من أطرافها بالمثقاب والدقماقء. وكنت مع كل طرقة أتذكر أبي في مشاهد
عدة:. تارة وهو يصنع اعمدة خيمة الاجتماعء. وتارة وهو ينحت تابوت العهد
وثالثة وشو يصنع كوخنا الذي كان عامرا بالمحبة والود في واحة «رفيديم»,
وبعد أن فرغت من ثقب الألواح قمت برصها جنبًا إلى جنبء ثم جمعتها
بالأحبال قبل أن أحكمها من زواياها وجوانبها بالدسر حتى صارت كمحفة
كييرةفنينة اركسث بعد ذلك أن أرفعها كي أضع لها القوائم التي سترتكز على
العجلات. فجمعت بعض الاحجار ووضعتها فوق بعضء ثم رفعت المحفة من
احد حانبيها قلئ تلك الأحجار ووصضة حاقيها الاحوفوق الصكرة:
وقفت أليث من المجهود الذي بذلته. فقد كانت الألواح بعد تجميعها ثقيلة,
مخظر على 58 طيف (رام) الذى كات سناع أبى “فى خنع الضتاديفة:
وشعرت بالفخر اني قد قمت بهذا العمل العظيم وحدي دون مساعدة!
فتحت قربة الماء وشربت دفقتين منهاء وما أن وضعتها عن فمي حتى رأيتها
تقف امامي.
كانت شاحبة واهنة, وقد تضاءل جحسذها عن ذي قبلء: تنظر إلى بعيوت
باكية, لا تخلؤ:.من اللومر وكاتها 'تقوك لي ذاكيق اتشتفلت عني: وتركتني فى
أحزاني؟
« ألقيت القربة جانياء واندفعت إليها ملعوقاء احتضيثها في قوة بلا إحجام ولا
تزدة الملم بين ذراعيّ شتات قلبها المبعتر, وأهبٌ يخفقان قلبي دبيب
الحياة لفؤادها المكسور, تتابعت أنفاسُها كغريق يتلقّف أنفاسه بصعوبة؛ قبل
أن تشعق باكية بأنفاس محترقة, اخسسة لهيبها في صدريء تركتها تبكي
حتى ابتل كتفي بدموعهاء ولذثٌ بالصمتء فقد علّمتني أوجاعٌ الحياة أن
للحن نصيبّةُ من البكاء الذي لا تحيسه الكلمات؛ وأن كلمات التعازي لا تقف
أمام طوفان الدموع الهادرة في ذروة الأحزان: وخيرٌ لقائلها أن يبذلها حين
تحف الماقي. » وتنحسر الأمواج.
أجلستها على صخرة إلى جواريء وأخذت أنظر إليها وهي تجفف دموعها
براحتيهاء نظرة اختلفت عن ذي قبلء لم تعد نظرة الصبي الذي فارق رهق
الصبا إلى ثورة الشباب. تضطرب مشاعره لكل خلجة تأتي بها أنثى. لا سيما
إذا كانت تلك الأنثنى هي المرأة الوحيدة التي رآها في حياته غير أمه؛ بل
صارت نظرة رجل يرى امرأة يتعلق بها قلبه, فضت إليه بمكنون قلبها. فخلعت
عنه عباءة الصباء ووهبته قوامة لا يحملها إلا رجل!
قستمت قطيزة العسئل.شتظرين فمبحكتها قيطرًا قلت لما:
- تأكلين؟!
أنا لم آكل منذ الصبا<ح!
تناولتها متثاقلة وقالت:
- وأنا لم آكل منذ أتينا إلى هناء وما زالت نفسي تَعَاف الطعام!
قلت لها مشجعا:
- كُلي!
فأنت بحاجة إلى القوة كي تتحملي السفر إلى بكة!
- ومتى السفر إلى بكة؟
لم أقص عليها بالطبع أمر (عدنان) الحداد ولم أشأ كذلك أن أزعجها بأخبار بكة
المحزنة فاحبت:
- لا أعلمء ولكني أظن أن إقامتنا هنا ستمتد لأسابيع.
تنهدت؛ ثم قضمت قضمة بسيطة من شطيرة العسل.
قلت لها:
- قد حدثني الشيخ (عابر) عن أمر لم أسمع عنه من قبل اسمه (القدر),
اسمعت عنه يا (اروى)؟
ابتسمت في حجهد وقالت:
- أسمعه وأراه. وأعيشه يا (شمعون).
قلت لها وأنا أنظر إلى عينيها مباشرة:
- أتدرين يا (أروى) أنك ..
ارتجفت شفتاي فصمتٌ ولم أنطق, فنظرت إليّ وقالت:
ات ا
خرج صوتي مرتجقًا خفيضًا وأنا أقول:
- أنك قدري.
أاعهقت: غينيها وكادقا أسكرتها الكلمة فاتحلت عقدة لستاتئ وقلت:
- نعمء حين أنظر إليك أرى صحيفة أقداري وقد سُطر فيها اسمّك!
ألم تجمعنا الأقدار صغارًا ثم جمعتنا كبارًا؟!
ألست أنت أول من رأيته حين أفقت بعد أن أشرفت على الهلاك في البرية؟!
أشعر أحيانًا أن الرب قد أمر أبي بالهجرة إلى (رسّة), لا لشيء. إلا كي أراك!
وتحدثني نفسي بأنِّي ما تبعت جيش (عفرة) بإرادتي!
وإنما كنت أسير على خطى مسحورة كي ألقاك.
ثم قلت وقد اختنق صوتي:
- صدقيني أيتها الصغيرة لولا وجودك بحياتي الآن؛ لقَضِيّ علي كمدًا وحزنًا
على فراق اميء ولكنها «الطاف القدر» كما يقول جدك!
كانت عيونها تذرف دمعًا صامئًا فقلت لها وأنا أمسح دموعها:
- لن أنتظر حتى يعود أبوك. سأتحدث إلى الشيخ (عابر). وإند شئت تحدثت
إلى الشيخ (دومة) أو إلى أخيك (ليث). فأنا أود أن أخطبك لنفسي يا (أروى).
وضعت يدها على فمي وكأنها تريدني أن أتوقف عن الكلام وقالت حزينة:
- كلا يا (رشمعون)!
صدمتني كلماتها ومادت بي الأرض لحظة قبل أن أردد كلمتها مذهولًا:
- كلا؟!
|
ثم قمت من مجلسي وأنا أشعر بالخزي. فأمسكت بيدي وقالت في لهفة:
- انتظر يا (شمعون), أشعر مثلك بكل ما قلت وزيادة: ولكني أستحلفك بالله
الا تتحدث إلى احدء لا لأخيء. ولا لعمي ولا لجديء, لا تخبر احذا يا («شمعون)!
كنت أنظر إليها في ذهول رجل حالم قد استحال حلمه إلى كابوس,
فاستجمعت قواي. وقلت بصوت متهدج خرج مني بصعوبة:
- لماذ|؟
أهو (عمرو)؟!
انتبهت مذعورة؛. وقالت مندهشة:
- كيف عرفت؟
لم أجبها عن سؤالهاء ولكن سألتها:
- هل أخبرك بحبه؟!
قالت في بكاء صادق:
- لم يخبرني بشيء. ولم أعلم شينئاء كان (عمرهو) أخَّا لي منذ الطفولة,
وقضيت عمري وانا اعتبره اخي الأكبر و(ليث) اخي الأصغر: » حتى كان اليوم
الأخير لنا في إدوم.
توك اليم | ت دموعها ثم قالت:
- في ذلك اليوم تحدث (عمرو) إلى أبيء وأخبره أنه يريد أن يخطبني لنفسه:,
وكان معهما عمي (دومة), فأبدى أبن سعادته بذلك ولكنه طلب منه أن
يرجئ الحديث إلى جدي الشيخ (عابر) بعد العودة إلى بكة.
- وفي مساء ذلك لي جاءتني أمي لتزف إلي الخبر, ولكنها وحدتني شاردة
حزينة. قلت لها إن (عمرو) أخي ولا ابعر برغبة في الزواج منه. فنهرتني
وحذرتني من أقول شيئًا من هذا الكلام حتى نعود إلى بكة. وبت ليلتها باكية
كريية: أدعو الله أن يصرف عني هذا الأمر بأي وسيلة. حتى وإن كانت
ثم دفنت 0 في راحتيها وقالت منتحبة:
- ثم كان هذا الصباح المشئومء الذي شعرت بأنني السبب فيما حدث فيه:
وكات الله أراد أن يفنيدى يدقاتف |
ثم قالت وقد زادت وتيرة بكائها:
- أشعر أني آثمة يا (شمعون)!
أشعر أن الله يعاقبنيء. وأنه يذيقني العذاب ضعفين على دعائي فأفقدني
ابي وابن عمي.
شعرت بقلبي يتمزقء ولكنني وقفت عاجرًا عن الرد. نظرت إليها مشفقا
ولكني كنت شاردًا في حالي أنا أيضا.
يا رباه!
لماذا تسحقني الحياة يضرباتها إلى هذا الحد؟
لماذا أحد نفسي دائمًا في مفترق طرق مُخيّرًا بين أمرين أحلاهما مَر؟
لماذا يتلاعب بي ذلك (التيه) اللعين في كل أمر من أمور حياتي؟
يغزل لي الأمنيات فأهرول إليها مستبشراء لأحدها في النهاية حبائل صياد
ماكر أوقع فريسته ووقف ينظر اإليها في سعادة وهي تتخبط في شراكه!
وشعرت بالغضب على نفسي.
ولعل لحظة الغضب تلك كانت سببًا في أن تنجلي أمام عيني حقيقة حياتي
وجوهرها.
فقد أدركت أن الحياة ما هي إلا اختيارا!
وأن (التائه) في الحياة هو ذاك العاجز عن الاختيار!
ومهما تكن تبعات ذلك الاختيار فهي خير له من أن يكون لا شيء.
فأقسمت ألا أستسلم لذلك الإحساس البغيض بالعجز والتسليم» وأن أكون
فاعلًا متفاعلًا لا مفعولًا به.
فجلست على صخرة؛ وأمسكت يديها وقلت:
5 اسنمعى :نا (أزوق): قد [منتنارة قدرفه»:ولن تقرقنا يتوق ذلك الفدد:
ثم قلت في حسم:
- يوم أن نصل إلى بكة سوف أخطبك لنفسي من الشيخ (عابر)؛ فإما وصال
بعدها وإما فراق.
نظرت إليّ في هلع وقالت:
- أخشى الفراق يا (شمعون)!
فقلت وأنا أذهب ببصري بعيدًا عنها:
- الفراق خير لي من أن أموت كمدًا وأنا أكتم حبك في قلبي!
م مه مه مه مه
في إلمساء كان كبراء القبيلة يجلسون في حلقة بالساحة المقابلة للتلء
وقد أُوقِدَتْ نار في المنتصف أضاءت ما حولها ومنتحت بعض الدفء في تلك
الليلة التي غشيتها بعض البرودة. رغم نهارها القائظ. فقد كنا في ذلك الوقت
من العام نتأرجح بين صيف قائظ في الصباح وشتاء زمهرير في المساء.
جلست إلى جوار (ليث) بينما جلس الشيخ (عابر) والشيخ (دومة) في الجهة
المقابلة وقد أحاط بهما مشايخ القبيلة ورجالها بعد أن عادا من لقاء (الغوث)
محملين ببعض التفاصيل, قال الشيخ (عابر) في أسي :
- تحوم الفتن في سماء بكة وتوشك أن تحط على أرضها والناس في غيّهم
يتبارون!
تم قال:
- لقد جمعت (خزاعة) أمرها واستمالت أبناء عمومتنا من بني (إسماعيل)
كي ينزعوا ولاية البيت من (جرهم). وقد جمعتكم لآخذ منكم الرأي
والمشورة.
قال الشيخ (دومة) في لهجة تحمل بعض الغضب:
- بل إن (خزاعة) قد تمادت. وساروا خلف كلام (طريفة) العرّافة وحقّ علينا أنا
نردها عن غيّها قبل أن تتخضب رمال بكة بالدماء.
علمت بعد ذلك أن (طريفة) هذه كانت عرّافة من (خزاعة): ولها مكانة وكلمة
مسموعة عند (عمرو بن لحي) سيد (خزاعة) وانها هي التي اشارت عليه
بدخول بكة.
صمت الرجال قليلًاء إلى أن قال أحدهم:
- يا شيخ (عابر)؛ ما نرضى ببغي (خزاعة): ولكن بغي (جرهم) أكبر!
لقد امتلأت السوق بأقاصيص ظلمهم لأهل بكة وحجيجها.
وكأنما أزالت كلماته الحرج عن باقي الناس؛ فقال رجل آخر:
- صدقت!
لقد قال لي أحدهم اليوم إنهم استخفوا بحرمة البيت وإنهم يأكلون من المال
الذي يهدي إليه سرا وعلانية. ويفرضون العشر على التجار.
بغرت اث الشيخ (دومة) قد ساءه أن تدور دفة الحديث نحو القدح في
(جرهم). فقال مذكرا ابناء عمومته:
- يا بني يطورء لا تنسوا أن (جرهم) هم أخوالناء ويجب علينا نصرتهمء وإن
اعوج شيء من امرهم فنحن اولى بتقويمه.
تساءل أحدهم في مزيج من الرفض والاستنكار:
- وكيف نصلح ما أعوج من أمرهم؟!
قال الشيخ (دومة):
- بالنصح والإرشاد!
انك تكيرة الأمن عن فح السا نوفا
- لو كانوا يستمعون للنصحء: لاستمعوا لسادة القبائل من قبل!
وقالة رسكل اح
عجبًا لك يا أبا (عمرو)ء أتريد من بني (إسماعيل) أن يقاتلوا (خزاعة) كي تلي
(حرهم) أمز الية: .اؤليسن .من الأولى: تفاتليم»من. أخل. ولاية" انيت الدئ
انتزعتها (جرهم) منا من قبل؟!
قال الشيخ (عابر) في حسم:
- لن نقاتل لأجل (جرهم) ولن نقاتل لأجل ولاية البيت» ولن يرفع سيف بني
(إسماعيل) إلا في الحق.
ثم أردف:
- يا بني يطورء إن الله قد افتدى دماء أبيكم (إسماعيل) ونجّاه من الذبح قربانًا
له. فكيف تبذلون دماءكم فيما هو ادنى؟
والله لو كان الوصولك إلى ولاية البيت بقطرة دم من بني (إسماعيل) ما
سفكناها.ء فقد أمرنا الله بأن نحفظ دماءنا وألا نؤديها إلا بحقهاء فخير لنا
ولباقي بطون بني (إسماعيل) أن نعتزلك تلك الفتنة وعلى (جرهم) أن تبوء
انههاء مغقلى كراعة: أن: تحمل أؤزاذها <ولتكمدة الله أنه كا باقن الز تم وات
عافانا من الوزر.
صمت الجميع أمام كلمات الشيخ الفاصلة؛ فتابع:
- ولقد اتفقت مع (الغوث) سيد قبيلة طيئ أن نعقد مجلسًا من قبائل العرب
في أشهر الحج لعلنا ننهي الأمر صلحًا ونحقن الدماء بين القبيلتين.
استجاب الناس لكلام الشيخ فقالوا:
- سمعًا وطاعة: بارك الله فيك يا أبا (نابت).
فأشار إليهم الشيخ بالانصراف. فانصرفوا الواحد تلو الآخرء وبقي الشيخ (عابر)
والشيخ (دومة) وانا.
قال الشيخ (دومة) في لوم وغيظ:
- لقد خذلت أخوالنا أمام القوم يا أبتاه.
قال الشيخ (عابر) في هدوء:
- لا تجعل الحمية تأخذك إلى طريق الحرب يا (دومة). فكل الدماء حرام في
الأرض الحرام.
قال:
- حتى وإن نازعتنا (خزاعة) ملكنا!
قال الشيخ (عابر) متعجبًا:
- مُلكنا؟!
لسنا ملوكًا بل خدامًا للبيت يا (دومة).
وجدتني أقول في عفوية:
- وماذا لو أفسدت (خزاعة) دين (إبراهيم) يا شيخ (عابر)؟
لا أدري لماذاء أثارت كلمتي الشيخ (دومة): رغم أن عبارتي كانت تؤيد حجته:
فوجدته يصب غضبه عليّ ويقول ناهرًا:
- كف عن هذا أيها الغلام, ودع أمر بني (إسماعيل) لبني (إسماعيل)!
وما دعاك أحد كي تشاركنا ذلك المجلس!
شعرت بالخجل وهممت بالانصراف:
ولكن الشيخ (عابر) قال:
- اجلس يا (شمعون).
فازداد ضيق الشيخ (دومة) أكثر؛ وقام من مجلسه قائلًا:
- استأذنك يا أبتاه في الانصرافء فغدًا أبكر إلى السوقء. عمت مساء!
ثم قام وانصرف وأنا أشعر بجسدي يذوب خجلاء انتظر الشيخ (عابر) حتى
- لا تحزن يا (شمعون). فأنا أدرك خوفك ونبل مشاعرك.
- أصدقك القول يا شيخ (عابر). إني أخشى على دين أبينا (إبرام) مثلما
هو قبس من مشكاة أبينا (إبرام)ء ولقذ أ قومي وقد عبدوا العجل وليك
الله لا يزال بين أظهرهم وفتنهم الشيطان على سفح جبل تجلى الله على
قمته. فورب (إبراهيم) و(موسى) أنا لا أخشى إلا فتنة نان بها (خزاعة),
فتعبد الأوثان في بيت يتجلى ربكم عليكم فيه برحمته.
نظو اليك ممعنية ا اوكاتها اعهيه :صودق: كلامم تدز قال
- يعلم الله يا (شمعون) أني أخشى ما تخشاه. ولكنها ستّة الله في أرضه ولا
راد لقضائه. ومنذ علمت بأن الله قد بعث في بني إسرائيل ينا وأنا أشغر بأن
شمس بكة ستغرب ولو إلى حين!
نظرت إليه متعجباء فقال:
- تولد الأمم ضعيفة:؛ فتتولاها رعاية الله حتى تشبء, ثم تنطلق فتية قوية
بالسير على خطى الاباء الاولين. ثم تهرم وتضعف وتموت!
3 كلامه 50 ووجدتني أسأله سؤالًا ظل يلح على عقلي من وقت لآخر
وكنت أخشى أن أسأله لأحد فقلت له:
- لماذا لم يخلقنا الله جميعا مؤمنين يا شيخ (عابر)؟!
صمت لحظات, ثم تنهدء وأشار إلى صفحة القمر التي أطلت علينا بدرّا وهو
يقوك:
- انظر إلى القمر يا (شمعون). ما رأيك به؟
قلت له:
قال:
- والشمس والنجوم والسماء والأرض والبحار والجبال: كلها مخلوقات الله
العظيمة: اليس كذلك؟
قلت:
بل
قال:
- ولكنك أنت خلق الله الأعظم!
انتابتني رعدة وانا اردد:
- خلق الله الأعظم!
|
قال مؤيدًا بايماءة من رأسه:
- نعمء بل أنت أعظم من الملائكة: والجنء أتدري لماذا؟!
هززت رأسي وأنا لا أزال مأخودًا بكلماته فقال:
- لأنك من تحمل الأمانة!
أتدري ما الأمانة يا (شمعون)؟!
تقرزت رأسي نفيا: فقال:
- إنها حرية الاختيار!
ارتطمت كلماته بقاع نفسي فأحدتت صدّى لأفكار كادت تعصف بي منذ يوم
سبق وأنا أتخدثة إلى (أروى) فنظرت إليه مشدوهًا وقلت:
- حرية الاختيار!
|!
- نعم؛ فالكل مسخحرٌ لأمرة: إلا أنت!
إن شئت آمنت به وإن شئت أنكرته!
لن يمنع نعيمه عنك إن جححدته!
ولا يضمن لك نعيم الدنيا إن آمنت به!
فالجزاء كله مؤجل للآخرة وهذا أصعب ما في الأمر» فلو كان السفر قريمًا
لعلمنا مقصده.ء ولكن بعدت علينا الرحلة وطمست عنا نهايثها!
شعرت برجفة؛: واغرورقت عيني بالدمعء. وقلت:
- ولكنها أثقل أمانة يا شيخ (عابر)!
السودظلمًا قلف الإنسات الضعية ا تعمل وكدة :من :ين المفلو ف يمه
اختياره!
فالكل مسخرٌ لأمره: إلا أنت!
لن يمنع نعيمه عنك إن جحدته!
ولا يضمن لك نعيم الدنيا إن آمنت به!
فالجزاء كله مؤجل للآخرة وهذا أصعب ما في الأمر» فلو كان السفر قريبًا
لعلمنا مقصده. ولكن بعدت علينا الرحلة وطفست عنا نهايتها!
ابتسم وقال:
- ضعيف!
انظر حولك يا (شمعون). قد سخر ذلك الإنسان «الضعيف» الجبال فنحتها
بيوتاء وسخّر البحار وركب الفلك. وسحّر الإبل والدواب والأتعام. ونال منها
مأكله ومشربيه ومبلسه.: الإنسان ليس بضعيف يا (شمعون)!
فقد منحه الله بعضًا من صفاته؛ ونفخةً من روحه وهبت له أسرار العلم
- الإنسان ظالمٌء جاهلٌ حين يظن النشأة بلا مُنشيئء وأن السفرَ بلا مقصد,
وان الرحلة بلا نهاية!
|
- هيا بنا يا بني فقد اشتد البرد.
وحين اختليت بنفسيء فاضت دموعي وبكيت, كما لم أبك من قبل!
بكاء حلوا نزلت دموعه حارة صافية, فغسلت قلبي ومنحته صفاء لم أشعر به
من قبلء وحين مسحتها بيدي شعرت بأنها قد أضاءت وجهي بنورٍ في تلك
الللة المكمره أضاء كل عنم صافقا في ياي من قبل
وفي تلك الليلة: أدركت أن الشيخ (عابر) قد عبر بي من منازل التيه التي
مررت بها في الأشهر السابقة إلى منزلة من اليقين ما كنت لأصل إليها دونه.
00 00 00 00 0
الورقة السادسة والتثلاثون
انتهيت أخيرًا من صنع العربة!
كانت فرحتي طاغية حينما علقت قائميها الأماميين على سرج أتانٍ بيضاء
تشبه الأتان التي خرجنا عليها أنا وأمي من أرض مصرء وما إن تحرككت الأتان
وسحبت خلفها العربة, مصدرة صريرا من عجلاتها الخشبية, حتى رقص
قلبي فرخًا وأنا أهتف من السعادة. قفزت فوق مقعدها الأمامي وأمسكت
لجام الأتان ثم حذبته بقوة فانطلقت العربة في سرعة وقد علا صوت عجلاتها
حتى لفت أنظار التاسن الفائدة مق السنوقف: فى نقاية اليوم كرت بالقورة حول
التل والناس ترمقني بإعجابء ورآني (ليث) الواقف في الساحة فوق التلء
فصرخ في سعادة مشجعا:
- رائع يا (رشمعون)!
ثم هبط من التل وجرى إلى جوار العربة ثم قفز فوقها في خفة ورشاقة
وجلس إلى جواري؛. وكم كانت سعادتي بالفغة حينما ناك (اروىك) تقف فوق
تل النساء تنظر إلينا في سعادة. وهي تلوح لنا بيديها كي تلحق بنا.
صعدنا إلى ساحة النزك بقدر ما استطاعت الأتان أن تصعد ثم أوقفت العربة,
فهبطت إلينا (أروى) المسافة المتبقية. أمسك (ليث) بيدهاء وساعدها في
الصعود كي تجلس إلى جورناء ثم انطلقنا بالعربة على مهبط التل الذي
ساعد انحداره على انطلاقها في سرعة كادت ان تطيح بنا من شدة اندفاع
الهواء. واخذ (ليث) و(اروىك) يصرخان من شدة الإثارة والفرح: واثارت الجلبة
التي صنعناها انتباه الناس في نزل الرجال. ووجدت بعض افراد القبيلة
ينظرون إلينا من فوق التل المقابل وقد علت وجوههم الابتسامة, درنا حول
التل دورة كاملة وعزمت على الدوران مرة اشر ولكني توقفت فجأة جاذيا
لجام الأتان بأقصي ما أستطيع من قوة؛. فقد وجدت الشيخ (دومة) يقف في
منتصف الطريق أمامنا ويبدو على وجهه الغضبء هبطنا من فوق العربة
احترامًا له. نظر إلى (ليث) نظرة غاضبة ثم قال:
- أعد أختك إلى النزكل!
انصرف (ليث) دون أن ينطق بكلمة؛. واستدارت (أروى) خلفه مطأطئة رأسنها
وقد اعتراها بعض الخوف, انتظر حتى ابتعدا عنا بمسافة تم قال لي في حدّة
لم يتحدث بها معي من قبل:
- اسمع يا غلامء إن للقبيلة أعراقًا لا ينبغي أن تتجاوزها!
قلت معتذرا:
- أعتذر يا شيخ (دومة) إن تماديت في فرحي!
لم يلتفت إلى اعتذاري وقال:
- أراك لا تدرك أننا في أيام حزن لا وقت فيها لمرح الصبية!
شعرت بمزيج من الخجل والإهانة؛ فتابع في لهجة أكثر قسوة:
- كما أن فتيات القبيلة لا يختلطن بالغرباء. فلا يغرّنك سماحة الشيخ معك!
لم أجد ما أقوله.ء وعجز لساني عن النطقء وأزاح عني عبء اللحظة مقدم
الشيخ (عابر)ء الذي رأى العربة فقال:
- بارك الرب فيك يا (شمعون). ما تخيلت أنك بارع إلى هذا الحد. زفرت ما في
صدري من توتر وانا اقول:
- شكرًا سيدي الشيخ ثم وجهت كلامي للشيخ (دومة) قائلا:
- والشكر للشيخ (دومة): فهو الذي أقرضني المال ولولاه ما صنعتها.
قال (دومة) في جفاء لم يخف عن الشيخ (عابر):
- لم أعطك المال قرضًا يا فتى: بل هو حقكء فنحن لا نبخس الأجير حقه.
شعرت بالخزي من كلمة (الأجير): وأدركث أن الشيخ (دومة) يريد أن يضع حدًا
لعلاقتي بهمء ابتلعت لعابي وأظهرت في صوتي الامتنان رغم الألم وانا اقوك:
- حقي أخذته طعاما ومأوى وزاد عليه الكرم واللطف منكم سيدي الشيخ,
واسسمحخ لي أن أرذ اليكم المال قفي بكة...فقد عزمت: أن أعمل :في- التجارة
حين نصل.
شعر الشيخ (عابر) بأن حديئًا غير وديّ يجريء فقال مغيرًا الحديث:
متهم الهم النكارة ا (شتمكون)!
قمر أردف:
- أتدري أن نبي الله (نوح) كان نجارًا!
!
كنت على علم بأمر هذا النبي: فقد أخبرني أبي أن أغلب من في الأرض هم
من أبتانه: ولكتي لمر أعلهر أنه كاف تجارا؛ ففلت له مجاريا بحديية:
ا
- حقا!
قال:
- نعمء فهو الذي صنع الفلك التي حملت المؤمنينء لو أراد الله أن ينرّك عليه
الفلك لأنزلها كما أخرج ناقة صالحء ولكنه أراد له أن يصنعها بيده!
وحمله يقينه إلى أن يصنعها في صحراء لا يَمَّ فيها ولا بحر.
0 يمنح ١ الو بانتدف: ويقيتي أن الرث لا يخذك أتقياء القلب شتفرث
بالرغبة في أن أنصرفء فقلت:
- اسمح لي سيدي الشيخ بأن أعيد العربة والأتان إلى مربط الدواب فقد
تركتهما وفي قلبي وخزةء وشعور بالحزن من تغيّر الشيخ (دومة) الذي لم
اعلم له سبباء درت حول التل واقتربت من مربط الدواب فوجدت الفتى (ليث)
- لا تحزن. قد سمعت كلامه!
قلت وأنا أتنهد:
- لست حزيئًا منه. ولكنني حزين من نفسيء فيبدو أني قد أفرطت في
القرب!
هرّ رأسه نفيًا وقال:
- الأمر ليس كذلك يا (شمعون). فهذا هو المعتاد من عمي (دومة)!
ثم تابع في حزن:
- أتمنى ألا تطول غيبة أبي!
فإني لن أطيق الحياة في بكة دونه!
شعرت بأن الفتى يحمل في قلبه الكثير من الحزن فقلت مهونًا:
- سيعود بمشيئة الرب يا (ليث).
ثم سألته:
- ولكني لا أعلم لماذا تغير خاطر الشيخ (دومة) نحوي؟!
تنهد تم قال:
«المرثفين: فتلك :مشباعرة: ذاتمًا نحو الغرنك!
ضايقتني كلمته. فقال موضحا:
- إن عمي (دومة) شديد الاعتزاز بقبيلتنا وبقبيلة زوجته (هند) الجرهمية!
ويشعر بفضلهما عمن سواهماء وريما قد ساءه أنك تحدتت في افر بني
(إسماعيل) و(جرهم) امام الناس.
سألته:
- وهل أمك من قبيلة الشيخ (عابر)!
هز رأسه نفيًا وقال:
- كلا إن أخوالي فرع من قبيلة يقال لها (عُبيل) سكنت في الشمال من بكة
في أرض يقال له (يثرب).
ثم أردف في خلم:
- أتدري يا (شمعون) انق | تقفي دائما أن أعيش في (يثرب): لا يزال قلبي
معلقًا ببساتينها ونخيلها وهوائها الطيبء وما زلت أذكر ديار أخوالي المحاطة
بشحاد الزيتون وماد العنب.
قن ا الذي بفتت فيهاء فقد علمتني الحياة أن الإنسان 0 النبات؛ يُزهر
بقدر ما تمنحه أرضه!
فمن ذاق شح الصحراءء لا يُزهر إلا شوكاء ومن ذاق نعيم المدنء يُزهر ورودًا
وياسمين.
ثم قطع تفكيري قائلًا:
- العجيب أن (عمرو) لم يرث شينًا من عمي (دومة).: بل إن الناس كانت تظنه
اخي من كثرة قربه لأبي!
- (عمرو) هو فارس قبيلتناء وأميرها المرتقب!
فقد أخذ من أبيه غيرته على قبيلتنا وحبه لهاء وأخذ من أبي الحكمة وحب
الناس» أتعلم يا (شمعون): اع على يقين بأن (عمرو) سيكون سيد بكة في
يوم من الأيام.
فقد علمتني الحياة أن الإنسان مثل النباتء يُزهِر بقدر ما تمنحه أرضه!
فمن ذاق شح الصحراءء لا يُزهر إلا شوكاء ومن ذاق نعيم المدنء يُزهر ورودًا
ا
ا في مهدة 0 0 صادقا:
- نعم الشاب (عمرو)ء أسأل الله أن يعيده سالما هو ووالدك الشيخ (نابت).
كانت الشمس قد أشرفت على المغيب؛ فشكرته وانصرفت عائدًا إلى النزك:
وبينما كنت أصعد التل لاح لي القمر الذي صار أحدبَ في السماءء يتوارى
خلف الغمام في خجل, ٠ ويبهت نوره في أولى لحظات الغروب وكأنما ينتظر أن
تغيب الشمس كي بحين دوره ويسطع نوره في السماءء فشعرت بأن
إن في الحياة أقمارًا وشموساء وأذن للأقمار أن تخبو في حضرة الشموس!
00 00 00 00 0
في الليلة التالية. استيقظت وقت السحر على طرق طفيف على باب
حجرتي. قمت وفتحت الباب فوجدت الشيخ (عابر) يحمل قنديل الزيت وخلفه
(عدنان) الذي امتد ظله فوق الشيخ (عابر) حتى طغى على ضوء المصباح:
وهو يحمل بين ذراعيه شيئًا أخفاه بغطاء من الكتان.
فكلا إلى السعرف :فاغعلق: الشتك (عات) النائع كلفة وقال فى ضوف فيه :
- ضعه هنا يا (عدنات).
وضع (عدنان) حمله على الأرض ورفع عنه غطاء الكتان. فوجدته صندوقًار _بديع
الصنع, مصنوعا من خحشب الساج المطعم بالنحاس في جوانبه؛ ذكرني
يصدوف ا ادك كان يصنعه اك في حينا لفتيات النزك المقبلات
- أهذا صندوق العروس ؟!
أومأ (عدنان) برأسه وهو يقول بصوته الرنان الذي يشبه طرقات المعدن:
- نعم ولكننا نسميه هنا (صندوق المبيت).
ثم أردف:
- ولكن هذا الصندوق ليس صندوقا عاديًا.
ثم جلس القرفصاء فتساوت رأسه مع كتفي وأشار إلى موضع أربعة مزاليج
دقيقة أخفاها بدقة في حواشي الغطاء وهو يقول:
- لا ينفتح غطاء الصندوق إلا إذا فتحت مزاليجه الأربعة أولا!
ويغد أن ققح لمر اليج رقع القفل “عن القطاء:قائضح عظاء' الضتدوق وسظ
ا
أشار إلى الشيخ (عابر) كي يدني مصباحه من الصندوقء فأدناه ونظرنا إلى
جوف الصندوق فبدا أمام أعيننا فارعًاء ابتسم لدهشتناء ثم قال بسعادة
- لو فتح أحدهم الصندوق سيجده فارعاء ولكنه إذا جذب تلك الذراع الصغيرة
هنا سينفتح قاع الصندوق هكذا.
ثم جذب الذراع التي تدلت في خفاء في زاويته, فإذا بقاع الصندوق يدور
السبائك. من الدذهب ل تلألاً بريقها مع طوء المصباح حتى كاد أث يقت
بالأبصا
يد سسا
قال (عدنان):
- عشرون سبيكة؛ كل سبيكة بألف دينار.
هتفت في انبهار قائلًا:
- يا للروعة!
كيف صنعت هذا الصندوق الأعجوبة.
قال:
تآخرت عليه باعه لي مقابل مبلغ زهيدء ثم ضحك قائلا:
- قضيت ثلاثة أعوام كي أتمكن من إصلاحه وفهم طريقة صنعه العجيبه.
ابتسم الشيخ (عابر) وقال:
4ت اتوت ههه الأعاخيت للا نفجنها توف المصضومة:
ثم أردف وهو ينظر إليه شاكرًا:
- ولن نجد أفضل من هذا الصندوق كي نحفظ فيه أمانة (شهبور).ء قام
(عدناث) من قرقصاتة فكاذت راسة أن عترتظم سقف الحجرةي ثهر فال.في أدبت
جم:
- أرجو أن تقبله هدية مني يا شيخ (عابر).
ربت الشيخ (عابر) على يده وهو يقوك:
- هدية مقبولة يا بني.
ثم وضع كيسا كبيرًا من النقود في يده وهو يقول:
دروهدا أخوما ضفةة رالدهت 1 وتخهد زه أن حفظت أماقنا وكقمت رن
شكره (عدنان) ثم أخذ غطاء الكتان فأسدله على كتفه وشد طرفه على
وجهه قبل أن يخرج من الباب وكأنه يتخفى, رغم أن هيئته لا تخفى على
أعشى يقف على التل المقابل في ظلام الليل!
الت الشنيخ :(غاير):
- أين سنخفي الصندوق؟!
قال:
- لن نخفيه!
هذا هو صندوق (شمعون) النجار البارع. الذي سُرقت أوراقه من قبل فصنع
هذا الصندوق كي يحفظ فيه أوراقه وأغراضهء ابتسمت لما قال. وشكرته
ه أشكرك يا شيخ (عاير):
- الشكر لك يا (شمعون) على حفظ الأمانة. وكتمان السر.
- أليس من الأفضل أن يعلم الشيخ (دومة) بأمر الذهب؟!
سار خطوات نحو السرير الحجري فوضع القنديل على الأرض ثم جلس على
الشعريز وقال:
- نعم!
ليس من الأفضل أن يعلم (دومة): ولا أي شخص آخر في النزل. حتى يعود
(نابت) و(عمرو) أو يعود (شهبور)!
خلننيت: على" الأرضن أمامة: ٠ والفتديل .يدي :وبيتة: ثمر-:قلت» وانا اتسين
كلماتي:
: أخشى أن يستاء الشيخ (دومة) في يوم من الأيام من أن شابًا عبرانيًا قد
قال وقد فهم ما أرمي إليه:
- المال ليس مال القبيلة يا بني؛: وقد عهد إليك صاحبه بحفظه. فأتم إليه
عهده ولا تلتفت لشيء آخر.
صمت لحظات ثم مسح على ذقنه كعادته. ثم تابع:
- اسمع يا (شمعون), لا تبتئس بما قاله (دومة) فكلنا فقراء إلى الله وكلنا
أجيرٌ يسأل اللّه الأجر.
قلت صادقا:
- لست بائسًا ولا حزينًا فلولاكم لهلكت في البرية أو كنت عبدًا يباع
ويشترى ؟!
ثم أردفت وقد أخذني الحماس:
- أتدري يا شيخ (عابر) أن نبينا (موسى) قد عمل أجيرًا عند الكاهن (يثرون)
بعد ان تربى في قصر الفرعون في مصر!
نظر إلىّ باهتمام وكأنه لا يعرف بالأمر؛ فتابعت قائلًا:
- كان شابًا في مثل عمري حين رأى شابًا عبرانيًا يقاتل رجلا مصرياء
الشاب المصري عنه فأرداه قتيلًا في الحال!
بان عليه التعجب فقلت:
- ولما أحس (موسى) بأن قصر الفرعون قد علم بالأمر هرب إلى (مدين)
فقابل هناك الكاهن (يثرون) وتزوج من ابنته (صفورة).
تراقصت ذؤابة الضوء مع زفرة منه وهو يقول:
- يا لرحمة الله!
ما كان ليبعثه نبيا وهو ينعم برغد العيش في قصور مصرا!
ربّاه بالمحنء ثم أخذه من ضيق الكرب إلى سعة القرَجٍ وأعطاه خيرًا مما أخذ
منه!
وتلك تربية الأنبياء يا بني!
ضممت ساقي وأحطهما بذراعي وأنا أقول:
- أتدري يا شيخ (عابر) ماذا كان مهر زوجته؟!
هزرأسه نفياء فأجبت:
- أن يعمل أجيرًا عند الكاهن (يثرون) تمان سنوات يرعى له فيها أغنامه!
ولكنه مكث معهم عشرة أعوام حتى أرسله الله إلى فرعون!
١
ابتسم وهو يقوك:
- لا عجب في ذلك يا بني فذلك عزم الأنبياء.
استغرقتنا لحظة من الصمت تلاحقت فيها أنفاسي حتى كادت أن تطفئ
المصباح: ثم قلت واأنا أنظر إلى عينيه مباشرة:
- ولكني أملك من العزم يا سيدي الشيخ ما يجعلني أعمل أجيرًا لديك ما
بقي من عمري!
رأيت العجب ينعكس على وجهه في ضوء المصباح. فأردفت وقد تهدج صوتي
حتى كاد ان يخبو:
- وأسألك باسم الله ربي وربك أن تجعل ذلك مهرًا لحفيدتك (أروى)!
صمتء. فسكن مع صمته كل شيء حتى _ ذؤابة الضوء في المصباح وأصوات
الرياحخ خارج الحجرة؛ لم يقطع الصمت سوى ضربات قلبي المتلاحقة وأنا
اتطلع الى قيقة التى اففحماء الى حفحةوحمه البيضاع الف عشنيدها
سحابة من الانزعاج.
لم أشأ أن يطول الصمت فقلت مستجمعًا شجاعتي:
ا أني غريب فقير ولكني لست معدمًاء فالغريب يملك أمله والفقير يملك
حلمه؛ وأملي أن أعود إلى أهلي خيرًا مما خرجت:. وحلمي أن تكون (أروى)
رفيقتي في ذلك, ليس لي طمع في مال ولا مأوى, ولكني أتوق أن أاقضي
حياتي زوجًا لتلك الفتاة التي جمعتني بها الأقدار مرتين!
فتح عينه ثم قال متنهدا:
- ما يعيبك الفقر ولا الغربة يا (شمعون)., فلولا الغربة ما اكتشف الإنسان ذاته.,
وما من نبي إلا وهاجر عن قومه!
ولقد رأيت في فقرك عفاقًا أعرٌ من قدرك, وجعلك خيرًا من غنيّ أذلّه الشّح!
فزينة الفقر العقّاف وآفةٌ الغتى التد!
شعرت بالامتنان لكلماته؛ ولكنني لم أسرف في الأملء فالكلمات الرقيقة
أحياتنا تمهد لخطوب لاحقة. فانتظرت أن ياتي بالكلمة التي تسحق ما قبلها
وأن يقول لي (ولكن): وبالفعل قال:
- ولكن للزواج أعرافًا وتقاليد في قبيلتنا!
وللفتاة ولىّ هو أبوهاء ولا يمكنك خطبتها حتى يعود.
ربما كانت هذه ألطف (ولكن) أسمعها في حياتيء وأخفها وطأة على ما
قبلهاء فقلت وقد داعبني الأمل:
- وهل تزكيني يا شيخ (عابر)؟
ابتسم وقال:
- الله يزكيك يا بني.
قلت في وجل:
- أخشى أن يخطبها خاطب!
قال وهو يقوم من مقامه:
- الامر حينئذ لها!
قمت واقفًا فربت على كتفي وهو يقولك:
- هيا يا (شمعون).: فغدًا نتأهب للرحيل إلى بكة. ودع الأمر سرًا حتى يعود
أبوها.
يز انضرف ادا معة المفئنا ع قعابك الحجزة" فى الظلاض' الأامن قيفاء: امه
ظل يحدوني طيلة الشهور المقبلة.
00 00 00 00 0
الورقة السابعة والثلاتون
«الطريق إلى بكة» - هكذا عنونت ذلك الفصل من أوراقي والذي كتبته أثناء
رحلتنا من (الحجر) إلى (بكة).
«اليوم الأول»:
تجمعت القبيلة عند مربط الدواب مع بدايات ذلك اليوم الذي احتفظ ببعض
التشيهاك النارذة .مح الليلة الشايقة افتلات -سداحة المريظ تصحيخ 'الرخان
المختلطة برغاء الإبل وزفرات الخيول الصاهلة. جلست النساء في هوادجها
واستقر الرجال على رواحلهم؛ بينما جلست أنا علي عربتي الخشبية؛ التي
وضعت عليها حمولة من جوالق الطحين وصندوقا, به أغراضي وأوراقي:
وسبائك من التبر مخفية في أعماقه., 'وتعمدت ألا أظهر الصندوق فوضعت
عليه ثويًا من الكتان كي أحجبه عن الأنظار؛ ثم أصدر حادي القافلة صفيرًا
مُنعُمًا فتحركت الإبل طوعًا لنداء حاديها.
خرجنا من حدود (الحجر). فانتهى الطريق المعبّد. واستقبلنا طريقٍ في
الك تحفه الهضاب 0 عدي من الجانبين, كان الطريق : ضبعا رول
الجهة المقابلة
هل تعود إحداهما 7 هناك طريقا ا العو إلى الحجر؟
به العو ا وهو الأمر الذي كان متوقعا في سس اليه من اام
التي تسبق دخول الشتاء. وعلمت كذلك أننا لن نستريح إلا مع دخول الليل
في أماكن محددة يقال له «المتعشى» وهي أماكن متعددة على طول
الطريق توجد بها آبار للتزود بالماء وتقوم على خدمة القوافل فيها بعض
القبائل الصغيرة التي تقطن حول تلك الآبار مقابل الغلال أو قطع النقود.
كان النهار قد انتصف حينما بدأ الطريق في الاتساعء تحولت الهضاب الصخرية
إلى تلال من الرمال الناعمة, شعرت بأن الأتان لا تقوى على جِرّ العربة
بسهولة فوق الرمال الناعمة فأشفقت عليها وأرحتها في السيرء فتأخرت عن
عير المقدمة وسرت بحذاء هوادج النساء في الخلف.
لمحتني (أروى) فطوت خمار هودجهاء وألقت إليّ بابتسامة عذبة وأنا أختلس
النظر إليهاء ظللنا نقايض النظر بالابتسامات حتى ارتفع صوت حادي القافلة,
وهو يأمرنا بالتوقف ومحاذاة جانب الطريق.
سَألث أاحدذهم عن الست ققال:
- يبدو أن قافلة كبرى قادمة في الطريق.
بالفعل لم يمض سوى وقت قصير حتى ,ينا القافلة القادمة يملأ غبارها
الافق. ويجلجل صوت نفيرها في الوادي. حتى نفرت من صوته العير.
وفجأة علا الصياح وفتحت النساء هوادجها ورأيت (ليث) يعدو نحوي, ثم قفز
فوق عربتي ووقف عليها وهو يقوك:
- يا («شمعون)!
انظرا!
قمت واقفًا إلى جواره فوق العربة فرأيت حيوانًا يتقدم القافلة المقبلة. لم أر
مثله من قبل في حياتي؛ حيوان يصل طوله إلى عشر أذرع ويتدلى من أنفه
خرطوم طويل ومن فمه نابان كنصلي السيفء أما الأعجب فكان ذلك الرجل
الجالس على عنقه يركل أذنيه المهولتين بقدميه بكل هدوء دون أن يأبه
لضخامة ذلك الحيوان الذي قد يفتك به بضربة طفيفة من خرطومه!
علمت من (ليث) أن هذا الحيوان اسمه الفيل. وأن تلك القافلة هي قافلة
(بابلية) تخرج مرة واحدة في العام وتحمل من سبا الصمغ والبخور وتاتي
بذلك الحيوان معها كي تفرض هيبتها على باقي القبائل وعلى قطاع الطرق؛
ثم قال متعجبًا:
- علمت من أبي أن هذا الحيوان يسكن في الأصل إلى جوار الأنهار: وأنه
يشرب في اليوم الواحد قدر ما يشربه مائة رجلء وان قافلة البابليين هذه
تنفق الكثير من الأموال كي توفر له الماء في الصحراء.
تعحبت من كلامه, وتعحبت أكثر من قدرة الإنسان على تسخير حيوان بهذا
الحجم المعول, وتأكدت لي كلمات الشيخ (عابر) عن ظلم الإنسان وجهله!
فيوم أن منحه الله القدرة على تسخير ذلك الحيوان» نزعه من أرضه وأتئ به
الى صحراء قاغلة ويعفا من فياه الآنار ندل مث .مناة الأنهان.
جاوزتنا القافلة ونتحن نتطلع على أعداد فرسانها المدحجين بالسيوف
والأتراسء وقد تخوذت رءوسهم بخوذات صلبة وكأنما خرجوا للحرب وليس
للتجارة. ذكرتني خوذاتهم بخوذة الفارس المصري التي عثرت عليها يوم
الخروج, والتي اهديتها إلى ابي يوم حرب العماليق؛ وتساءلت عن مصيرهاء
وهل ما زالث تحتفظ يها امي ام ل؟
جاءنا صوت الحادي يأمرنا باستئناف الرحيل بعد أن مرت القافلة البابلية,
أسرعت بالأتان التي ازدادت نفراتها وسرت في المقدمة بجوار الشيخ (عابر)
والشيخ (دومة).
حين رآني الشيخ (دومة) قال لي آمرًا:
- حين نصل إلى «المُتعشّى» استبدل الأتان ببغلة أخرى تكن أكثر جلدًا على
جر العربة.
ثم قال في بعض اللوم:
- ستهلك الأتان قبل أن نصل إلى «وادي الجَيّف»!
علمت من الشيخ (عابر) أن وادي الجيف هو مكان فسيح ما بين يثرب والحجر
على طريق البخورء تكثر فيه السباع والضباعء وأن القوافل التي تمر على
ذلك المكان تترك فيه الإبل المريضة أو بعض الخراف الصغيرة طعامًا للسباع:
حتى لا تهاجم السباع القوافل أثناء 0
شعرت بالشفقة نحو الأتان وقد فهمت أن الشيخ سيهبها لسباع الصحراء.
: أهي مريضة؟!
قال دون أن يلتفت نحوي:
- قد أصابها (الخناق).: أما تراها واهنة يسيل مُخاطًها؟!
لم أكن على دراية بأمراض الخيل والحميرء وكنت أظن وهنها بسبب حمولة
الغرية. ورعومة الرمان!
نظرت إليها مشفقا وتمنيت لو أطلقتها في الحال!
وشعرت برعدة وأنا أتخيلها فريسة للسباع!
وصلنا إلى «المُتعشّي» مع أولى لحظات الغروبء كان المكان متسعًا ومعدًا
للمبيت. ضربت في أرجائه الخيام الفسيحة التي تكفي أعدادًا كبيرة من
الناسن: وتوسيظة تو ومشيوت للدواية:
ربطنا العير. ورفعت أنا العربة عن الأتان ثم أرحت قائميها على صخرة ترتفع
ذراعا عن الأرضء» وتركت عليها جوالق الطحين والصندوق المغفطى بتوب
الكتان, تم سحبت الأتان وربطتها إلى جوار الخيل عند مشرب الدواب؛ تفرق
الجمع فذهب بعض الناس لقضاء الحاجة؛ بينما اغتسل آخرون قبل أن يتجهوا
حميعًا إلى النتاخة للضلاة:
شعرت بالجوع حين داعبت أنفي رائحة الخبز والثريد المعد للقافلة. ذهبت
إلى الطاهي الجالس أمام مستوقد الطعام المستعر من شدة النار الموقدة
استفلة: فمنحني صحنًا من الثريد لم أذق أطيب منه؛. وضع به كسرات من
الخبز الطازج ثم أفرغ عليه المرق الساخن وقطعة من لحم الضأن» التي تذوب
نعومة في المرق من حسن طهيهاء تلقفت الصحن إلى فمي وشعرت
بالمرق الدافئ يرطب جوفيء ثم التهمت الخبز الذي تشرّب بالمرق واختلط
بنتفات اللحم في سعادة بالغة, وبعد أن فرغت رددت إليه الصحن شاكرا وأنا
أغبط هؤلاء القوم على حسن طعامهم.
منحني الطعام دفمًا في الدماء. وفورة جعلتني أطوف حول النزك رغم برودة
الجو الآخذة في التزايد. تجاوزت مضرب الخيام وجلست على صخرة أتطلع
إلى السماء الصافية التي تتلألا فيها النجوم في غياب ضوء القمر الذي صار
هلالاء رأيت امرأة عجورًا تتوكأ علي غصن زيتون وتتجه نحو الصحراء, ظننتها
متجهة نحو الخلاء ولكنها توقفت امامي وهي تنظر نحويء قالت في صوت
نحلته الأيام:
- الطائر الغريب قد يطير مع السرب ولكنه حين يحط على الأرض يظل وحيدا
منزويا.
ثم قالت وهي تدنو بوجه تقاطعت عليه التجاعيد حتى بدا كلحاءء شجرة
معمرة:
- أنت رفيق رحلة؛. ولست من أهل القافلة!
شعرت بالخوف منها لا سيما حين فتحت فمها الذي تعامدت عليه الشقوق
وبدا مظلما خاليا من الأسنان, غرست غصن الزيتون في الرمال بقوة لا
تتناسب مع هيئتها الضعيفة, ثم افترشت الأرض أمامي وفتحت صرة من
القماش وحدت بها قدحًا وبعض الأقلام وحصوات بيضاء بدت كبيوض الوزق.
قالت:
- اجلس أيها الغريب فالليلة تتهتك لك ستائر الحجبء. وتتكشف لك خبيئة
الأيام.
أدركت أن المرأة «عرّافة». وكانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها
«عرّافة». وإن قابلت بعدها الكثير. فحياة الناس في برية فاران وبكة يديرها
الكهنة والعرافون؛ حتى إن الرحجل كان لا يسمي ولده ولا بيخرج للتجارة حتى
يسأل كاهنًا أو عراقا!
وكان هذا الأمر أحد الأمور التي تعحبت لهاء ووجدت فيه فرقا بين بني
إسرائيل القابعين في برية سين وهؤلاء الأعراب القاطنين في برية فاران:
فلم أر في حياتي السابقة مع بني إسرائيل شففقًا بمعرفة أمور الغيب أو ما
تخبنه الأيام. بقدر ما رأيت صراعًا على قوت اليوم وبكاءً على الماضيء أما هنا
فكان الخوف من تقلبات الدهر وغدر الأيام يفسد الحاضر ويدفع الناس إلى
التمسك بأي نبوءة شاردة تجلب فألا أو تدفع طيرة؛ وقد أدركت ذلك الفضل
الذي منَّ الرب به على بني إسرائيل بعد أن عشت سنوات في برية فاران
فليس هناك طمأنينة كك من طمأنينة تمنحها «النبوة 2 ولا ثقة كي من
شخص يتصل عن حق بالسماء!
خطّت المرأة خطوطًا في الرمل بأصبعهاء ثم حلقت بينها بعض الحلقات, ألقت
بالحضوات البيضاء :فسفظ يعض ها قوق “الحضاوظ ورعضو]:قوقة الحلقاكن عبسدتة
وقطبت حاجبيها ثم تطلعت نحوي بنظرة ارهبتني وقالت:
مَنَيودٌ أنت في قوفك!
مرجو في غيرهم!
حاد بك الدرب وتائة بين السبل والشيعاب!
استحوذت كلماتها على عقليء وزادت رهبتها في قلبيء؛ رغم أن كلامها
حمال أوجه. دنت من الرمل ثم تابعت وكانها تقرأ في لوح مخطوط:
- عما قريب ينكسر فؤادكء ويفارقه السند!
عقرتني كلماتهاء فشعرت بالألم والغضبء وقلت ساخرًا:
- لا أملك نقودًا يا خالة. فلا تسرفي في الرجم بالغيب!
نظرت إلى ذات النظرة المرهبة وقالت:
- كذبت وما أنت بكذوب.
ثم قالت وهي تشير نحو الجنوب:
- إذا وقع الخطب هناك فانج بأهلك.
ثم نظرت إليّ قائلة:
- كن ابن أبيك. تكن في أمن مما قد يلحق بك!
ثم جمعت حصواتها وطمست خطوط الرمالك بيدها. وقامت مستندة على
غصن الزيتون وهي تقوك:
- ل حاجة لي بنقودك الآن. ولكن حين تملك الذهب والفضة وتمر من هناء
تذكر «أم إياس» العرافة أيها الغريب.
ثم انصرفت وقد تركت في نفسي مزيجًا من الرهبة والخوف من أيام حبلى
بخطوب ل١ يعلمها إلا الرب.
«اليوم الرايع»:
اقتربنا من «وادي الجَيُف». يستطيع المرء أن يلحظ أسراب الجدأ تحلق فوق
سماء الوادي في انتظار لحظة حاسمة تنقض فيها إحداهن على جرذ بري أو
وليمة يتشاركن فيها بقايا جيفة تركتها سباع الصحراء. الطريق يمتلئ بعظام
إبل رمّتء جذبتها الضياع إلى أطراف الوادي فأتت عليها ولم تبق منها سوى
عظام لو استطاعت أنيابها طحنها لطحنتهاء رائحة الهواء في المكان وكابة
المنظر أظلتني بسحابة من الحزنء زادتها رؤية الأتان تهرول بعيدًا عن كلاب
القافلة. التي نبحت عليهاء فهربت إلى قلب الوادي؛ وهي لا تعلم ما ينتظرها
هناك!
الحياة غير عادلة أحياناء يولد البعض أثنا فيولةالنعفى نميافًا .ضف ثالث زولة
آكلًا للجيّف. حقا لو كان الجميع أثَنَا لاستقامت الحياة!
تركنا الوادي وجاوزناه بمسيرة يومء ثم وصلنا الى «المتعشى» الذي كان
فسيحًا ويبدو كملتقى لقوافل الشرق والشمال والجنوب. في تلك الليلة,
وجدنا قافلة خرف قد كت من الجنوب وقد استقرت للراحة في المكان
الفسيح:, رأيت خيمة عظيمة قد رفعت أمامها رايات خضرء . ووقف أمامها ثلاثة
فن الكرانين: الأحاش ذا كنن: البشرة:. ضخام الاحيماذ ».مما بيات عظيمًا
يقبع داخلها.
علمنا من رجال القافلة أن أميرًا من أهل الجنوب اسمه (يثع) يسير في قافلة
لم ننم في تلك الليلة من شدة الجلبة التي أثارها الجنوبيون ومعهم
الأحباشء وبدا أن صلاة يقيمونها في آخر ليلة من ليالي القمر من كل شهرء
مكئت على مقربة من ساحتهم التي اضاءتها عشرات المشاعل وتنصبٌ في
منتصفها تمثالٌ على شكل تيس عظيم القرنين. علمت أنه إلههم المعبود
المسمى «عتتر». أقيمت مبخرة عظيمة أمام التمثال فاحت منها رائحة
البخور السبئي الذي لم تسطع أنفي رائحة بخور مثله. فعلمت يقيئًا أن سبأ
هي ارض البخور!
فيكفي أن تشتم رائحة البخور حتى تشعر بالخدر في أطرافك. ويرتقي عقلك
في منازلك النشوة حتى يحلق بك في جنبات الفردوس والنعيم السرمدي!
وعلى جانبي التمثالك وقفت بعض الحبشيات عاريات النحور والأبدان إلا من
إزار شد عند الصدر ورداءع انحسر عن سيقان مكشوفة, دقت الصنوج في
إيقاع منظوم وارتفع معه صوت الكاهن في نغم شجحي تمايلت معه رءوس
المصلين في خشوعء. تم ازدادت وتيرة الحماس مع ضربات الصنوج الرنانة
وتمايل الفتيات العاريات, وابتهل الكاهن في هتاف محموم ذي نشوة: ردده
المصلون من خلفه في نفس الحماس:
عثتر شرقن (الشرق) عثتر غربن (الغرب) عثتر ذو قبضم (القابض) عثتر
سمعم (السميع) عثتر نورن (المنير) عثتر ذو قهرم (القاهر) وحينما نطقوا
بالاسّنم الأخيز اللاله الأعغظم خروا حميغا :سناحدين أمام التمتال في تستقوط
كالإغماء من فرط النشوة التي وصلوا إليها.
من أثر البخور ومن شدة رغبتي في النومء تلحفت بغطاء من وبر الإبل ونمت
أشففل عربتي الخشبية. محتضنا صندوق الذهب. طاف بعقلي تيس أهل
حون العظيون :وتدذكرت: عحل ينف استراتيل الدذهيف: يدف أن الضلاة عند
بعض الناس طقس لمتعة العابد وليس لإرضاء المعبود!
داعبتني السيقان العارية في خيالي فأثارت في دمائي الحنين إلى امرأة,
أي امراة حتى لو كانت حبشية لا يبدو منها في ظلام الليل إلا بياض اسنانهاء
ضممت ساقي واشتدت ضمتي للصندوق وأسلمت خيالي لألاعيب النفس
تزكيه رائحة البخور التي لم تفارق انفي طيلة الليل.
«اليوم التامن»:
اليوم كان يومًا سيئاء أصاب الخناق عددًا كبيرًا من الخيول والحمير في
القافلة. وكأنها لعنة الأتان التي ألقيت للسباع قد أصابت بني جلدتهاء
العجيب أن المرض كان أشد وطأة على الخيول من الحميرء فما أن يبدأ
المخاط في السيل من أنف الجواد. حتى تصيبه الحمي وتنتفخ البتور على
وحهه ويكف عن الطعام والشراب حتى يصيبه الهزال؛, صنت فرسة الشيخ
(دومة) أولاء ثم فرس الشيخ (عابر). ثم توالت إصابات الخيل الواحدة تلو
الأخرىء ومما زاد الأمر صعوبة: أن الخيل المصابة كانت تحتاج إلى الراحة,
والعزل عن باقي الأحصنة: وهو الأمر الذي يتعذر على طريق السفر.
فا ,ضياج ذلك اليو طلغ الهرال متلق بفريسة الشنية (كومة) ١ الني تسفظت
على حجانبها وإضدرت صهيلا خافتنا كأنه حشرحجة الموت, رأيت الدموع في
عين الشيخ (دومة): بينما بكى (ليث) عليها بكاء صريحاء فقد كانت تلك
ريه الأثيرة لديهم منذ كانت مهرة صغيرة.ء شعرت بالحزن لهم ولهاء
ووجدت اتهامًا لي في عيني الشيخ (دومة) تحول إلى كلمات غاضبة وهو
يقوك:
- ما كان ينبغي لك أن تربط الأتان في مربط الدواب.
تركنا الفرسة التي تنفقت أو تكاد لمصيرها في الصحراء. واسندانفيت القافلة
مسيرها وكلي أذَى من كلمات الشيخ اللائمة الغاضبة. استبدل الشيخ
(دومة) فرسته بأخرى: بينما فضل الشيخ (عابر) أن يستبدل فرسه ببغلة
فتية. بعد أن لاحظنا أن البغال لا تصاب بالمرضء استأذنته في أن أربط الفرس
في مؤخرة العربة, فذلك أهون عليه وأدنى ألا يرهقه السير أو 5 0
الخيل. وحين وصلنا إلى «المتعشى». راودتني فكرة أن ادواي الفرس
داويت (عمرو) من قبلء فالحيوان كما الإنسان روح وبدن؛. وكلاهما 00
بالعطب والمرض.
ملأت إناء بماء البئر» ثم نقعت به بذور الحرمل الجافة. وأسرفت في القدر
الذي وضعته من البذور. ثم طحنت فصوصا من الثوم ووضعتها فوق البثور
المتقيحة على وجه الفرس المصابء قدمت الماء إلى الفرس الهزيل. فشرب
متها قدَرًا يسهرًا فى ناد الام قثل ان رياني غلى ما في الإناء كلة وكانما
راقه طعم منقوع الحرمل. في الصباح كررت ما فعلته بالليل وداومت عليه بين
الفيئة والغينة طيلة المستير وأنا أتلقى- النظرات المتعحبة من الشية (عان)
والنظرات الساخرة من الشيخ (دومة)؛ العجيب أنه بعد انقضاء اليوم التالي
هدأت الحمى التي أصابت الفرسء وأقبل الفرس على الطعام بعد أن كانت
تعافه نفسه. وفرح الشيخ (عابر) بتحسن حالة الفرسء. فقال حين توقفنا
للراحة في المحظة التي تلي :ذلك المستير:
- ألديك ما يكفي من الحرمل والثوم؟!
هززت رأسي نافيّاء فصمت قليلا ثم قال للشيخ (دومة):
- أرى أن علاج (شمعون) للخيل ناجحٌ, من الخير أن نتوقف بضعة أيام لعلاج
باقي الخيل المصابة.
قال الشيخ (دومة):
لا يتسع المحط للمبيت لأكثر من ليلة أو ليلتين: وأظن أننا لن نجد بذور
الحرمل وفصوص الثوم هاهنا!
قال الشيخ (عابر):
- نعرج إلى يثرب غداء فهي على بعد مسيرة يوم!
وجدت الضيق على وجه الشيخ (دومة) بينما هتف (ليث) في فرح وقاك:
ا
- حقا!
لقد اشتقت إلى أخواليء: أشكرك يا جدي. ستفرح أمي بذلك أيما فر<!
غمغم الشيخ (دومة) قائلًا:
- أخقيئ أن تتفظل' المشيزة ولكن الأمر لكنيا أبىئ:
وبتنا. ليلتنا تلك وأنا 0 شوق أنا أرى يثرب في اليوم التالي, يكفيني أن
00000
خرجنا من طريق البخور واتجهنا يمينا جهة الغرب سالكين الطريق إلى يثرب؛,
الطريق به الكثير من المرتفعات والمنخفضات, والبلدة لا يمكن رؤيتها على
مرمى الأفقء فالجبال تحوطها من كل جانب وكانها عش صقر اقيم في جوف
الجبلء تسارعت الرياح فأثارت الرمال والأتربة. وامتلأت أنفي وعيني بالغبار,
تكممت طرف جمار من“"الكتات: بللنه بالماء فحجر عدي أذى الائرية: وكففت
عن السعاك الذى اناي يكوا ذزنا بالقافلة تمر سيلكنا طريفًا متد بين
نأل قيدت لما املد كواجة نين الجال. :حيظها مجان الحيل السسياء:
تمتد في وسطها البساتينء وتنتشر حول آبارها منازل بنيت بالحجر والقرميد,
الرياخ بين الجبال أكثر سكونًا وأشجار النخيل تحجبٌ الرمال والأتربة. ونسماتٌ
النهار المتأخرة تداعبنا وتنعش صدورناء حتى تمنيت لو تطول إقامتنا في تلك
النادة طمية لووك
استقبلنا أخوال (أروى) بترحاب كبير. ضُربت الخيام على أطراف الواحة,
واتخذث لي خيمة وضعت فيها أغراضي والصندوقء. بينما استضاف القوم
الشيخ (عابر) وولده (دومة) في منزل من الحجر إكراما لهما.
في اليوم التالي أقيمت مأدبة طعام وافرة بأصناف شتى من لحوم الضأن
والماعز والإبل: ولكن أكثر ما استطبته كان لحوم الدجاج؛ كانت المرة الأولى
التي أتذوقه فيها وذكرني طعمه بلحم السلوى الذي اشتقت إليه منذ تركت
نزلنا في قادش برنيع. علمت أنهم يربون الدواجن في منازلهم» ٠ حين رانف
دجاجة على إحدى النوافذ تقف آمنة وهي تنقر في الخشب إلى أن قفز إلى
جوارها ديك جعلها تفر من نقرات الغزل التي أراد أن يتقرب بها إليهاء فلم
ا
عرّفني (ليث) على خاله (أواس) فوجدته رجلا مهيبًا قويّا شديد بياض الوجه
ذا شعر اجعد قصير احمر اللون» وذقن حمراء نحيلة الشعر تنتثر فيها بعض
الشتعيرات البيضاءء كانت فلامحة تلق عن 'قينة أغراب قارات الذين: تقيل
أبشارهم للسمرة وأجسادهم للنحول, علمت أن قبيلة (غبيل) التي تنحدر
منقا عائلة الشنيخ (أواس) ليست :فى الأصل من أفل قارات» ولكنوم ترجوا
إلى أرض يثرب من بابل وأن جدهم الأكبر (يثرب بن عبيل) هو من أقام تلك
البلدة. تم عاشوا بها قرونا إلى أن نازعهم في ارضهم العماليق, فخرجت
قبيلة (عبيل) من يثرب ولم يبق من نسلها سوى عائلة الشيخ (اواس).
لاحظت أن وا خفيًا يربط بين (ليث) وابنة خاله (لامار)ء تفضحه خلجات (ليث)
المضطربة كلما وقعت عينه على الفتاة البيضاء ذهبية الشعرء وحينما أتت
(أروى) كي تخبرنا أن (لامار) سوف تصحبنا في نزهة إلى بساتين الكرم,
سمعت خفقات قلب (ليث) وهي ترقص فرحا.
في بساتين الكرم في يترب زاب جنة من جنان الأرضء» خففت الوطء حتى لا
تؤذي أقدامي أعشابًا لم أر مثلها في خضرتهاء لها رائحة رطبة ندية؛ أظلتنا
سقيفة ممتدة تكاثتفت فوقها أوراق الكرم وتتدلت بين فجواتها العناقيد, بعضها
أحمر كالياقوت, وبعضها أخضر كالزيرجد, فتذكرت عنقود العنب الذي عاد به
النقباء الأتنا عشر من الأرفن الفقدسة بعحمه الفوول :وجد تتفي تضوف إن
كانت هذة الفناقيد الصقيرة بمثل هذا الجمال: قكيف هى بشاتين الكرمر فى
قطفت بصع حبات بيدي, :وتذوقفت إحداها فذابت حلاوتها في حلقيء
فابتسمت الفتاة حين رأت قر الطعم على .:وجحعي» ٠ فقطفت بيدها عنقودا
كاملاء وأعطته ل (ليث) أولاء ثم قطقًا ثانيًا ل (أروى) وثالتا لي.
- قالت الفتاة وهي تشير إلى صومعة على مقربة من البستان:
- هل تريدون رؤية معصرة الخمر؟
قالت (اروىك) في تعجب واستنكار:
- أتبيعون الخمر في يثرب؟
قالك الفناة بيضوت يكنات قاذ نا كشعرها' الهفدف المسنةرسلن وقد تحدرزت
وجنتاها:
- المحصول وفيرء ولا يباع بأكمله. فنعصر بعضه خمرًا ونجفف بعضه زبيبًا.
قالت (أروى):
- ومن يشتريها؟
قالت (لامار):
- يشتريها الأعراب من غير الأحناف.
لم أشهد أبي يشرب خمرًا من قبل؛ ولكني علمت أن بني إسرائيل قد
شربوها في الليلة الماجنة التي أقاموا فيها قداسًا للعجل الذهبيء بعدها
نهِرَ (موسى) الناس ومنعهم من شربهاء وحذّر أن يأتي الرجل إلى الصلاة
في خيمة الاجتماع مخمورا2. تعجبت من أن أبناء (إسماعيل) أيضًا لا
يشربونهاء وتساءلت كيف حفظ بنو (إسماعيل) وصايا أبينا (إبرام) وتناساها
بنو إسرائيل بمرور الزمن؟
ألهذا السبب كان لزامًا أن يرسل الرب نبيًا إلى بني إسرائيل كي يعيدهم
إلى ملة أبينا (إبرام)؟!
عادت الفتاة إلى السؤال في براءة:
- هل تحبون رؤية المعصرة؟
قال (ليث) مسرعا:
بينما قالت (أروى):
- أرغب في البقاء هنا.
فرددت أنا بلا تفكير:
- وأنا أيضًا سأظل هنا.
انطلق (ليث) مع الفتاة سعيدّاء بينما جلست أنا و(أروى) على أريكة خشبية
موسدة بفراء الغنم فبدت وثيرة ناعمة, كانت المرة الأولى التي أقترب منها
بهذا القدر منذ كنا في (الحجر)ء تعلقت عيناي بوجهها وتشبثئت نظراتي
بلحظيها لا تريد أن تغادرهماء اضطربت: فأحنت رأسها خجلا وقالت:
- لا تنظر إليّ هكذا يا (شمعون).
تنهدثتٌ وأنا أقول:
- اشتقت إليك!
ازدادت حمرة وجهها فزادتها ملاحة. ثم قالت متلعثمة:
- اشتقت إليك أنا أيضًا.
قلت لها فرحا:
- تحدثت إلى الشيخ (عابر). وخطبتك لنفسي منه.
فغرت فاها مندهشة وهي تقوك:
- أحقًا يا (شمعون)!
لماذا فعلت؟
تعجبت من سؤالها ودهشتهاء فقلت:
«ط ا سودي الوك ماك ١ يف
صمتتء ورأيت الحزن في عينيهاء فقلت وقد أصابني بعض الغيظ:
- توقعت أن تفرحيء فلماذا الحزن؟
قالت:
- أخشى أن يعلم عمِّي (دومة)؛ وكلّما تخيلت ردة فعله ارتجفتء قلبّه مكلوم
على ولده ولو علم أنك تبغي خطيبة ابنه سيجن جنونه. أغاظني أكثر
تبريرها . فقلت في غضب:
- الخطبة لم تعقدء وأمرها مُرْحَأ حتى يوافق الشيخ (عابر). وقد خطبتك أنا
من الشيخ (عابر) وأرْجَأها هو حتى يعود الشيخ (نابت)2. تم قمت من
مجلسي على الأريكة وسرت بضع خطوات ثم قلت وأنا أوليها ظهري:
- الكفّتان متساويتان يا (أروى)!
والأمر لك!
ظال: الضيمة: لحظاتة تمر :ستففعة حوفت ركائفاء .وق قلبين: لها فعدت» الفا
حالسا وقلت:
- لماذا تبكين؟
استمرت في البكاء وقد دفنت وجهها في راحتيهاء أزحت كفيها عن وجهها
برفق؛ وادرت وجهها نحويء فقالت والدموع تغمر وجهها:
- ليت الأمر لي يا (شمعون). أنت لا تدري أعراف قبيلتناء الكلمةٌ عقد. وقد
وعد ابي عمي (دومة) ولن ينقض وعده.
شعرت باليأس من كلامهاء فقلت في شيء من الغضب:
- إذن ما جدوى بقائي؟!
حين نصل إلى بكة سوف أعود مع قافلة الشمال.
- تريد أن تقتلني بذهابك. كيف أطيق الحياة بعدك إذا غادرتناء ما أسهل
الفراق عندك يا (شمعون)!
اضطربت مشاعري وامتزج الغضب باليأس والحيرةء ولم أعرف ماذا أقول. قمت
ثانية من. محلسي على الأريكة وأستدت كتفي إلى جذع الكرمةء قامت
- لا تقس علي يا (شمعون)!
فبي ما يكفيني من الأحزان!
فقدت أبي وهو سنديء ولا أريد أن أفقدك!
لا أجد من ألجأ إليه سواكء فحتى الدعاء إلى الله كففت عنه بعد أن عاقبني
الله بدعائي.
لم أحتمل انكسار نفسهاء فضممتها إلى صدري وأحط رأسها بذراعيء قبّلت
شعرها وانا اقوك:
- وأنا ليس لي سواك يا (أروى): لا قبيلة ولا أب ولا أمء أنت فقط من تمنحيني
الأمل للبقاء. يغضبني أن تسقي هذا الأمل بماء اليأسن: إن لم تقو على
الجعاة فاطلدي الخيولنا: فانا على تفةيات الث سسيحعل لنا الخيرد
هدأت نفسها فرفعت رأسها نحوي وهي لا تزال مستندة إلى كتفي وقالت
في صوت عاشق:
- كيف تملك هذا اليقين في قلبك؟
قلت:
- لا أملك غيره!
فمثلي لا يحيا إلا بالأمل؛ ولو حاد عني لهلكت.
سمعنا صوت ضحكات (ليث) و(لامار). فابتعدنا وجلست هي على الأريكة,
اقتربا منا وهما لا يزالان على ضحك ولاحظت اضطرابًا في مشية (ليث) وكأنه
يتحسس خطاه. وكانت الفتاة تبدو خجلى وهي تضحك لضحكاته؛. تعجبت
(أروى) من أخيها فقالت:
- ما بك يا (ليث)؟!
صمت فجأة., ثم نظر وهو يكتم ضحكته نحو (لامار) وقال:
- لا شيء.
3م اتفجر ضاحكا هرة أخرى:
قامت (أروى) وهي تقول:
- حسنًا هيا بنا فقد تأخرنا.
وبينما كنا نستدير عائدين: أسندت كتف (ليث) بيدي حتى تستقيم مشيته:
فقال لي:
- لماذا تسندني؟
لا أسندكء بل أتوكأ على أخي الأصغر.
وأدرت وجهي بعيدًا عن رائحة الخمر التي فاحت من فمه.
«اليوم الرايع عشر»:
قضيت اليومين السابقين بين الخيل المصابة في مربطها الخاص بعيدًا عن
باقي الدواب» ملأت حوضًا كبيرا بالماء ووصعت به كمية كبيرة من بذور الحرمل
وصرت أسقي الخيل منها ثلاث أو أربع مرات يوميّاء ساعدني الشيخ (أواس)
فى تطهير الثوز باستخذام متقوغ: التو وتصحدي بآث: أظهرها أيضًا تبعص
النبيذ قائلا:
- نغسل جروحنا بالخمر فتبرأ سريعاء أظن أنها قد تساعد الخيل على
التعافي أيضا.
وبالفعل كانت الجروح والبثور تسرع في الالتئام كلما مسحناها بالخمر. رغم
استيائي من رائحتها التي جعلتني أنقحت كيف يقدم أحدهم على شربها!
ذه ,ظويرة :للك" | لرومر كفك ا ولي حؤله يسا فين الكزض محوف» نامل دم الها
وأتفكر بخالي: صفت نفسي للسير وحيدًا رغم عدم صفاء الجو في ذلك
الصباح, كانت الرياح تتسارع؛ تنحني لها سعفات النخيل فوق الجذوع وينتفخ
ثوبي بسببها حتى بدوت كخيمة تسير على قدمينء: دخلت إلى سقيفة
الكرم فقد كانت الرياح بها أهدأ فوجدت الشيخ (عابر) والشيخ (أواس)
والشيخ (دومة) يجلسون على ذات الأريكة التي حلست عليها مع (أروى)
قبل تيومين: ندتندوك. إلى الجذان وصعين الرية المصطدور يه يطعي علق
أصواتهم, ألقيت عليهم التحية وكدت أتركهم ولكن الشيخ (عابر) دعاني
للجلوس.
جلست على العشب إلى جوار الأريكة فقدم لي الشيخ (أواس) عنقودًا من
الفني تناولته ميته رش ]9 .
قال الشيخ (عابر) مستكملًا حديتا بدؤه:
- حسنا!
عفان وان كاه دلا العاهفة:
سألت عن أي عاصفة يتحدثون: فأجابني الشيخ (أواس) بأن رياح السموم قد
بدأآأت من جهة الشمال وأن الرمال الثائرة على الطريق تنذر بقرب وقوع
عاصفة على طريق مكة وأنه من الخير الاختباء بين جبال يثرب حتى جلا:
قال الشيخ (دومة) وهو يكتم حنقه:
- لو لم نعرج إلى يثرب لسبقنا العاصفة إلى بكة!
قال الشيخ (أواس) بكلمات مزجت بين الفتور والتهكم وكأن الود بينهما
موصول على شعرة:
- العاصفة دائمًا أسبق يا شيخ (دومة)!
ظني أنك لم تختبر رياح السموم من قبلء؛ ولكني رأيتها وأنا طفل في
العاشرة: إنها لا تَبقِي ولا تذرء ولولا لجوء ابائنا إلى الجبال حينذاك لهلك بنو
عبيل!
قال الشيخ (عابر) وهو يومئ برأسه مؤيدًا:
- كان ذلك منذ زمن طويل ولقد هلكت فيها كثير من أهل القبائل.
قلت:
- ومتى تنجلي العاصفة؟
قال الشيخ (أواس):
- لا ندري أحيانا تنجلي في بضعة أيامء وأحيانًا تظل تثور وتهدأ لعدة أسابيع!
قال الشيخ (دومة) ناقمًا:
- ما كان ينقصنا إلا مرض الخيلء ورياح السمومء حتى تُبْطِىَ بالسير إلى بكة.
قال الشيخ (عابر):
د لماذا الفكلة :راي
نحن بأمان الآن ولن يضيرنا الوصول إلى بكة بعد عشرة أيام أو بعد شهر.
قال الشيخ (دومة):
- الأمر يزداد خطورة يا أبتاه في بكة. ففي آخر ليلة لنا في المتعشىء
اخيرتف رجحل من قافلة الجنوب أن (خزاعة) لن تنتظر حتى سيق الحج كي
تُغير على (جرهم).
صمت قليلًا ثم تابع في أسف:
- أخبرني الرجل أنهم يجمعون المال والسلاح وأن أمر الحرب قد أصبح وشيكا.
قال الشيخ (أواس):
- وإلى أي الجانبين تقفون يا شيخ (دومة)؟!
كنت أتذكر جيدًا ما قاله الشيخ (عابر) من قبل في (الحجر): من أن بني يطور
لن ينصروا أي من المتعاركين: ولكنني فوجئت بالشيخ (دومة) يقول في حدة
وكأنما استتثاره 0 الشيخ (أواس):
بيننا وبين (جرهم) صهر وحلفء ولن نقبل أن يضيمهم أحد.
قال (أواس) كالمعتذر أو كالمحاور:
- المعذرة يا شيخ (دومة). ولكني علمت أن باقي بطون بني (إسماعيل)
يقفون في صف (خزاعة).
بدا الانزعاج على وجه الشيخ (عابر) بينما بدا الغضب على وجه (دومة) وقال:
- سيندم هؤلاء على نصرة الخبيث على الطيبء. وستدافع (جرهم) وقيدار
ويطور عن حق (جرهم) في ولاية البيت.
رأيت الشيخ (عابر) صامنًا واجمّاء وولده (دومة) يتحدث في قرار الحرب دون
اعتبار لكلامه السابق: ورأيت في عينيه نظرة تحيرت في أمرهاء أهي نظرة
حزن على ما آلت إليه الأمور في بكة:, أم أنها نظرة حزن من ولده الذي يتعجل
في خلع عباءة السيادة عنه؟
ويبدو أن الشيخ (أواس) قد استشرف أن الشيخ (عابر) ليس على اتفاق تام
مع ما يقال فقال مهدئا من وتيرة الحديث:
- أسأل الله ألا يتقابل بنو (إسماعيل) بسيوفهمء وأن يحفظ البيت من كل
مكروه.
ثم أردف موجهًا كلامه إلى الشيخ (عابر):
- معذرة يا شيخ (عابر). قد طلبت مني شقيقتي أم (ليث) أن تمكث هي
وابناؤها في يثرب حتى يعود الشيخ (نابت) من (إدوم).
فاجأني حديثه فشعرت بغصة في حلقي!
تعلقت عيني بالشيخ (عابر) الذي صمت قليلًا كي يتفكرء. ولكن الشيخ
(دومة) قال مستتنكرًا:
- ولماذا تترك بيتها وبيت زوجها في غيابه؟
قال الشيخ (أواس):
- المرأة تشعر بإعياء السفرء وترغب في الراحة في ديار أهلها يا شيخ
(دومة).
ثم أردف وكأنه يذكره بما قال:
- كما أن الحرب على الأبواب في بكة وليس من الحكمة أن تصحب النساء
إلى هناك!
قال الشيخ (دومة) في حدة:
- النساء يرافقن أزواجهن أينما كانوا يا شيخ (أواس).؛ وزوجة أخي تظل في
كنفنا حتى يعود. وخطيبة ولدي لا تفارق ديارنا حتى يبني بها!
مادت بي الأرض ووجدت الدهشة على وجه الشيخ (عابر) وقال الشيخ
(اواس) في تعجب:
- أخطب (عمرو) (أروى) لنفسه؟!
قال الشيخ (دومة) والحدة لا تفارق صوته:
- نعم خطبها من أبيها في إدومء ولكنه أرجأ الخطبة حتى نعود إلى بكة!
ارتفع صوت الرياح وصمت الجميع وتوجهت الأنظار إلى الشيخ :(عابر): الذي
أسند رأسه إلى يده الممسكة بعصاه وكأن رأسه قد أثقلتها الأفكار, ثم رفع
رأسه بعد برهة وهو يقوك:
“الأضويها قالة الشدفة (أوابتئ) "تق (أروف) وأمها فى زكرت ونزافقنا (ليك)
إلى بكة:
هم الشيخ (دومة) بأن ينطقء, ولكن الشيخ (عابر) وقف قائمًا وقال:
تنما هوه إلى الو تفقة مدت الذة نعمت الزفاك:
«اليوم العشرون»:
رأيت غضبة الصحراء وعرفت أن للرمال غدرًا يفوق غدر البحارء ارتعدت جبال
يثرب لصفيق الرياح الهادرة وحملت الرياح معها كثبانًا من الرمال دارت في
موجات متتابعة التوت لها جذوع النخل حتى لامست سعوفها ارض الوادي,
واكتسشحت ححافقل. الزمل.بساتين: الكروم غير عابئة نياج الخوض الذي
ضربناه حولهاء فأحالته خرَقًا تذروها الرياح, كنا قد رفعنا الخيام من النزل, قبل
ذلك بيومين حينما رأينا اشتداد الريح: وأمرنا الشيخ (أواس) بأن نلزم المنازل
الحجررة: وافسضاف كلمت تمق اهل :يقرب انين او زلانه من ,قبيلة 'السسة
(عابر)؛ وجاء نصيبي أنا و(ليتث) أن نمكث في منزك الشيخ (أواس) نفسه
خلال تلك الأيام, ربطنا الدواب والإيبل في حظائر آمنة مسيجة بسياج مرتفع
من الحجر أقيم في سفح الجبل حتى لا تفر الدواب منه خوقًا من العاصفة,
شعرت أن كل شيء كان معدًا سلقًا وكأن قبيلة الشيخ (أواس) قد اعتادت
على عواصف الصحراء. ومع ذلك كانت ذروة العاصفة أمرًا مهيبًاء ظننا معه أن
الهلاك قادم لا محالة. ظل الشيخ (أواس) يطوف في البيت كالزنبورء يتلصص
من بين فرحات النوافذ وقلبه ملتاع على أهله: وزرعه ودوابه: يتمنى ان تهدا
العاصفة كي ينظر إلى ما خلفته من دمار, رفقت بنا الأقدار فتحملت أحجار
المنازل وطأة الرياح رغم تسلل الرمال داخلها من بين فرجات النوافذ التي
تحطم بعضهاء طعم التراب ظل في أفواهنا طيلة هذا اليوم وفي الأيام التالية,
التصفت: الوماك يكل شديء :بالضنا6 والملابسن :والماء والطعام: وختى. تتتعيرات
أنوفنا حتى صرنا نتنفسها ليل نهار طمرت الرمال بعض الآبار وأتلفت بعض
الزروع وهدمت جزءا كبيرا من سقيفة العنب؛: ولكنها لم صب أحدًا من
القبيلتين بأذى: في اليوم التالي للعاصفة: بكّر الشيخ (أواس) في الخروج,
بعد أن هدأت الريح كي يتفقد النزل, أحزنه رؤية الدمار الذي لحق بسقيفة
العنب:. ومعصرة الخمرء وحين تفقد الدوابء لم يجد أثرًا لمهرته الشهباء
المقربة إلى قلبهء ويبدو انها فزعت من الرياح فقفزت من فوق السياج
واختفى أثرها في الصحراء. تمتم الشيخ (أواس) ببعض الكلمات: أعقبها
بقوله (الحمد لله). تعجبت من ا الرب على مصيبة أحلت به
قد أتفهم أن يجزع الإنسان للمصيبة؛ أو أن يصبر عليهاء اف اننا برض رضىئ
العاجز الذي لا يملك حيلة لهاء ولكن أن يشكر على المصيبةء فذلك مقام لم
أره من قبل؛ فقلت له:
- ظننتك ستشكو إلى الله ما نزل بك!
قال وهو لا يزال يتمتم بالحمد:
- أشكو إليه صنيع من؟!
ذلك صنيعه هوء والحمد لله أن لم يجعلنا غايتها!
أصابتني كلماته بالسكينة؛. فقلت له وأنا أشد من أزره:
- أستطيع أن أصلح لك سقيفة العنب.
قال لي متعجبًا:
أحفا تستطيع؟!
قال (ليث) متحمسًا:
- (شمعون) هو أفضل نجار رأيته!
قال (أواس):
- يكن فضل منك يا (شمعون). لدينا أخشاب سنط وسروء ماذا تريد أيضًا؟
قلت:
- فقط أحتاج إلى البراغي, ولدي دقماق وأزاميل.
قال:
- ساتي لك بها من حداد يثرب.
قضيت هذا اليوم في قص الأخشاب.» وتجميعها وساعدني في ذلك (ليث),
ووجدها الفتى فرصة كي يعتذر عما وقع منه يوم ان زار معصرة الخمرء ناولني
بعض البراغي في يدي وقال في خجل:
- أشكرك أنك لم تفضحني أمام (أروى)!
أخذت البراغي منه ثم قلت له مشاكسًا:
- ولكني أشك أنك اكتفيت بتذوقها!
ضحك وقاك:
- نعمء قد تحديت (لامار) بأنني أستطيع أن أشرب قدحين منها دون أن أتأثر!
ثم ضحك أكثر وقال:
- ولكني خسرت التحدي.
قلت غامرًا بعد أن أوقفت طرقات الدقماق:
أظن أت ما أشسكرك لمرتكن نشؤة الخمر فحسب!
بل تشوة الحت أيضا.
بان عليه الخجل أكثر وقال:
- يبدو أني مفضوح عندك يا (شمعون)!
قلت مازحا:
- ليس عندي فحسب!
ثم أردفت:
- أتحبها؟!
قال مضطرربا:
ذا لخ أذر]
ولكني أتمنى ألا أفارق جوارها في يثرب!
ثم أردف متلعتما:
- أشعر أن (لامار) لا تنتمي إلى هذه الصحراء. مثلها مثل يثرب. كلاهما
استثناء في صحراء فاران البائسة. أحيانًا أتساءل. كيف ضل ذلك الملاك
الأبيض ذهبي الشعر طريقه إلى تلك الأرض القاحلة: كلما أتيت إلى يثرب
وأراهاء أتذكر حكايات أمي عن أجدادنا في بابل وأتخيلها أميرة بابلية وقعت
أسيرة في تلك الأرض فوي لبستت: فتلنا في أي نتديء:
توقف عن الكلام, ثم تنهد وكأنه يزيح عن صدره همه الصغير وقال مستفسرًا:
- أهذا هو الحب؟
ثم قلت في وجوم وأنا أقارن حالي بحاله:
- وما يمنعك أن تخطبها لنفسك بعد أن يعود أبوك. هي ابنة خالك ولن يحول
بينكما حائل!
فردٌّ في وجوم أكبر:
- الأمر ليس بتلك السهولة يا (شمعون).: الحياة في القبيلة وفي بكة أصبح
يحكمها الفخر والخيلاء والاستقواء بالنسب والعشائرء أنت لم تر منا سوى
جدي الشيخ (عابر) وابي (نابت): وهما خير من بقي من ولد (إسماعيل).: اما
ة اتذرف أن زوجحة عمي (هند) قد عيرت أمي ذات مرة بنسبها الأعجمي, وأن
عمي (دومة) يدعو خالي (أواس) ب_«أواس الأبرص» في جلساته الخاصة!
شعرت بالغضب والحزن معاء وفاجأني أن وجحدت العصبية تنخر بين بني
(إسماعيل) كما نخرت من قبل بين اسباط بني إسرائيل فقلت:
- ولكن جدك (عابر) لا يزال حيًّا وكلمته نافذة حتى الآن!
قال (ليث):
الناس تخضع لصوت القوة,. وتستهين بصوت العقل. وعمي (دومة) هو من
يحمل لواء القوة الآن.
صمت قليلًا ثم قال في حزن:
- كان أبي كالدرع الذي يصد عنا سهام الكره؛ أما وقد غاب عنا فقد انكشفت
صدورنا لكل رام.
شعرت بهعموم الفتى وأشفقت عليه ولكني شعرت بأن معاناته لا تزن نتفة
من معاناتي المنتظرة. سألته متحسسًا أملًا أتشبث به قبل أن أهوي في
بحر اليأس:
- قل يا (ليث). هل يقبل قومك أن تخطب (أروى) لشاب من بني عبيل!
ضحك وقاك:
- أهون على عمي (دومة) أن تترك (جرهم) أمر البيت ل(خزاعة) من أن
يحدث هذا!
فهويت بالدقماق من الغيظ على رأس البرغي وأنا أتخيل رأس (دومة) بين
يدي.
«اليوم الخامس والعشرون»:
كان الوقت مبكرًا حينما علت الجلبة في الحيء. سمعنا طرقًا على باب دار
الشيخ (أواس)؛ فاستيقظ كل من في الدار وخرجنا نستطلع الأمرء كان الناس
يتجمعون حول فرسة الشيخ (أواس) الشهباء التي حملت على ظهرها رجلا
يكاد يسقط من الإعياء وهو يستند برأسه على عنقها ولا يمنعه من السقوط
سوى تشبث أنامله على لجامهاء وكأنه يتشبث بآخر أمل له في الحياة, كان
الناس قد رأوا الفرسة تهبط وحدها من فوق الجبلء ثم دخلت إلى الحي
كانم تعرف الطريق إلى بيت الشيخ (أواس)؛ فاستوقفوها وهم يتعجبون من
أسرع الشيخ (أواس) ومجموعة من الرجاك إلى حمل الرجل الفاقد الوعي.
وبسطوا جسده على الأرض؛ كانت ملابسه رثة ومُتربة: وكأنما طحنتها رحى
العاصفة, تحركت أجفان الرجل دون أن يقوى على رفعهاء فعلم الناس أنه لا
يزال حيّاء وضع الشيخ (أواس) قطرات من الماء على شفتيه اللتين تشققتا
وكأنهما لم يذوقا الماء لفترة طويلة: ابتلت الشفتان بالماء فتوردتا ودب فيهما
لون الحياة وتحركت اضانة الرحل وكانو اتتلقت إلى المزيت رفع النسيى راسنه
ثم افرغ المزيد من الماء في الجوف المتعطشء. فظلت انفاس الرجل تلهج
وهو يعب منها دفقة بدفقة: ولم تهدا انفاسه إلا بعدما ارتوى.
أراح الشيخ (أواس) رأس الرجل إلى الأرضء: ثم غسل وجهه وشعره بالماء
كي يزيل عنها الاتربة وكي يساعده على استعادة وعيه.
وما أن فتح الرجل عينيه. حتى تذكرت ذلك الوجه الذي بدا أشد نحولًا عن
ذي قبلء ذكرتني بوجهه تلكما العينان اللتان لا يمكن نسيانهما حتى وإن
غارتا في محجريهماء فقد كان هذا الرجل هو (دغس). الذي قتل الضابط
(كرونوس) من قبل وحمل معه الشيخ (نابت) و(عمرو بن دومة)!
يهك. وفك اليسن: يقليل كنا تجلين: خميفًا .فى ضهن كار القنية: (اواس): أنا
والشيخ (عابر) و(دومة) ومعنا (ليث): نتطلع بعيون مترقبة إلى (دعس) الذي
تمدد جحجسدهة على اريكة في صحن الدارء كان الرجال قد خلعوا عنه ملابسه
وحمموة ثم ألبسوه حلباب الشيخ (أواس)., استرد بعضا من وعيه فجلس
على الأريكة التي بسطوا عليها جسده. طاف على الوجوه المتطلعة بنظرات
زائغة. وكانه يتساءل عما اتي به إلي ذلك المكان وحينما وقعت انظاره على
الشيخ (عابر)ء اجتهد ليفتح عينه وكأنه يتحقق مما رآه: ثم رفع يده وكانه غير
مصدق تم قال في صوت اجهشه البكاء:
- أنت الشيخ (عابر). حمدًا لله. حمدًا لله.
ثم قام بصعوبة فجلس عند قدميه وقبل يده وهو يجهش بالبكاء. مسح
الشيخ (عابر) على راسهء وقال وهو يهدئ من روعه:
- حَمدًَا لله غلى: نجاتك: اسسترح يا بتي فييدة أنك قد قاهشيت الكثير:
هدأ روعه قليلاء فقال:
#رايت العلاك تعيدي مزات:وقرات"وظنتنت أنها النماية:
أجلسه الشيخ (أواس) على الأريكة؛, وقدم إليه قدحًا من المرق الدافئ وقال:
- كيف أتيت إلى هنا وكيف نجوت من العاصفة؟
رشف رشفة من القدح ثم أتبعها برشفات أخرى وكأنما استطاب طعمه ثم
نذأ يتحدت ليحكي لنااعن رحلتةه:النقئ خاضها بحت وضل الينا ققال:
- كنت قد جاوزت (الحجر) ببضعة أيام حينما اشتدت الريح القادمة من
الشمال. أحسست بأن تلك الرياح الساخنة التي تحمل ذرات الرمال
اللاسعة ليست مجرد رياح الهبوب التي تحدث كل عامء توقعت أن تشتد مع
الأيام التالية. فقررت أن أنطلق بفرسبي بأقصى سرعة لعلي أسبقها إلى
ملاذ آمن يقيني شرهاء أيقنت بعد أيام أن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا
أنفهك]
فقد أُحهِد الفرس وأبطأ في العدو. وأوشك الماء الذي أحمله على النفاد,
تحملت العطش وآثرت الفرس على نفسيء حتى لا يهلك فأهلك معه, مررنا
على موضع المتعشىء فوجدناه خاويًا على عروشه.: قد نزح عنه أصحايه
حوفا من العاضفة ولاذوا بالحيال: ترجكلت قن الفرس وبحنة عرتى عن البقر أذ
عن مشرب الدواب, وحدت المشرب وقد بقيت به بعض المياه الراكدة فتركت
الفرس يلعق ما به؛ بينما ذهبت أنا كي أحضر الماء من البئر وكي أملأ قربتي,
ألقيت بالدلو داخل البئر وفجأة سمعت صوتها الهادر يملأ الأفق من جهة
الشمالء, .التفت خلفي فرأيتها تعدو نحوي بقوة لم أر مثلها في حياتي؛: كانت
كمئات الأفراس تحمل على ظهورها ملائكة العذاب. وتسحب خلفها سحابة
من الرمال حجبت ضوء الشمس عن الأرضء أدركت أني هالك لا محالة,
35 لا أزالك أمسك بحبل الدلوء فقفزت إلى داخل البئر وأنا أتشبث به
غلفني ظلام البثر ولم أشعر إلا وكثيبًا من الرمل يهوي فوق رأسي ويطمر
البثئر في طرفة عين: ففقدت وعيي وقد تيبست يدي على حبل النجاة.
صمت لحظات وعيوننا تتعلق به. أمسك بالقدح فرشف منه رشفات أخرى ثم
500 من الوقت مرٌ وأنا على حالي: ولكني شعرت بأنفاسي تزهق
تحت الرمال التي طمرتني» انتفض جسدي كله وكأنه يبعثت من جديدك
ووجحدت يدي لا تزال تمسك بالحبل. استجمعت ما بقي لي من قوة ومنحتها
افت وقول بين العظام الدف حلفنة" الغا ضفة خطرت خؤلي فلم اجة الكرين |
هل طار مع العاصفة أم فر منها لا أدري؟
ولكني في كل الأحوال كنت ممتثًا لأنني ما زلت حيًا.
قتف زشلفة | شرك ثور قال:
- انتظرت حتى هدأ صغير الريح وقمت أمشي إلى جهة الجنوب لعلي أرى
ناجيًا أو أجد ملجأ آوي إليه. مر يومان وأنا انيز بصعوبة: أحمل قدمي التي
تغوصٍ إلى منتصفها في الرمال بجهد بالغ واسشتعين بيدي أحيانًا كمن يسير
على أربع. فجأة وجدت شيئًا على مرمى البصر بعث في قلبي الأملء رأيت
وكأن حطام هودج تتلاعب به الرياح ويتدحرج في الطريق. دفعت جسدي
المنهك بقوة وكأني أسبح في بحر الرمال. وصلت إلى المكان فهالني ما
رأيت. عشرات الجثث من الرجال والنساء قد تنائرت في الصحراء. ميزت منها
بعض الأحباش والجنوبيين: شعرت بالغتيان حين رايت كلاب الصحراء وقد
بقرت بطن ناقة نافقة: وأخذت تنهش في لحمها وعلى مقربة منها تقف بعض
الحدأ على جثة رجل حبشي تنقر عينه ورأسه. فرّت الحا طائرة حين راتتي:
وراقبتنيٍ الكلاب وهي تنظر إلى حيفتها بإحدى عينيها وتنظر 'نحوي في حذر
بعينها الأخرى. سرت بين الحطام لعلي أجد بعض الطعام أو الماء. وأخيرًا
وحدت ضالتي في هودج محطم به خبز وقربة مملوءة بالماع فجلست على
الأرض بين الجيفء غير عابئ بشيء سوىف ان أسد جوعي وأروي عطشي.
كان صوته قد تهدج حين وصل إلى هذا الجزء من القصةء فربت الشيخ (أواس)
على كتفه ليهدا من روعه وقال:
- وكيف وجدت فرستنا الشهباء؟
قال:
فى الى حدقي ملك ها اشتتفافف دملة من الماء والطعافر :وظللة
أسِير سبعة: آيام حتى نفد مني. الطعامة اتجهت: إلى. سفح حبل وتخيرث
موضعًا تسثرة. الصخور وقررت الا أنحرك هده حتى. يحين الأخل: فانتظار الأحل
خبر من السعي إليه أحياناء فجأة وجذتها تخرح .من بين ثنايا' التخبال» أكانت
كينا نسن :وى «منن: ختوقفاء أم أن الرب قد أرسلها لي؟
لست أدري!
ولكني أدركت أن الرب ينظر إليّ برحمته للمرة الثالثة. وبعد أن امتطيت
ظهرها بصعوبة؛ عقدت لجامها حول يدي وتركتها تطوي اهن الصحراء كما
صمت وعيوننا تفيض شفقة عليه. تذكرت الشيخ (أواس) حينما قال «نحمد
الله أن لم يجعلنا غايتها», وانتابني الخوف,. حينما تخيلت مصيرًا يشبه مصير
قافلة الأحباش لو كنا تبعنا راي الشيخ (دومة) واستأنفنا المسير إلى بكة.
أفقنا من صمتنا على سؤال الشيخ (دومة) الذي قال:
انتبو (دعس) وكأن أحداث العاصفة قد أغفلته عن السبب الذي كان قد خرج
من أجله. صمت قليلا ثم قال وقد ظهرت على وجهه علامات الحزن وهو
يقوك:
- حئت إليكم برسالة من «إدوم».
خفقت قلوبنا جميعا وقال الشيخ (دومة) في انفعال:
قال (دعس):
- مات الشيخ (نابت) وهرب (عمرو) مع (شهبور) إلى مجمع البحرين.
00 00 00 00 0
أناخ الحزن رحاله في يثرب. واتخذ من حي بني عبيل مربطاء عم السواد
على الدور وأنّت الجدران لصوت النحيب. بكى الجميع حزنا 0 الشيخ
الجليل الذي ملأ القلوب بهيبته وفضله. كنت أقل الناس صحبة للشيخ
(نابت): ورغم ذلك انفطر قلبي عليه. وشعرت بذات المرارة التي شعرث بها
يوم مات أبيء فَلِلْفَفْدِ مرارة لا يتغير طعمها على أي حالء حين نطق (دعس)
بالخبر المشئومء أمسكث بيد (ليث) في قوة, واحطت كتفه بيديء اعلم جيدًا
تلك اللحظة التي يشعر فيها المرء بأنه قد اقتلع من أرضه اليايسة وصار معلقا
في الهواء. لا يحتاج المرء حينها إلا ليدٍ تُمسيك به مثلما أمسكت بي يد
(بصلئيل بن حور). أقيمت صلاةٌ للدعاء للشييخ (نابت). وجدتني اقف خلف
الصفوف أدعو له وأبكي, قد كان أبي أكثر حظا منه؛ مات وهو ينظر إلى ولده:
أما هو فقد مات غريبًا وحيدا متألمًا من جرحه, ما أقسى أن يغادر الإنسان
دون وداع من يحب!
ما أقساها على التارك والمتروك!
حين فرغ الشيخ (عابر) من الصلاة. رأيته يسير إلى دارة متكا على عصاه
أشعر بظهره قد انحنى أكثرء أهو الحزن قد أثقل كاهله؟
أفرضلية التقكفقن اليه
أم هو ذبول النفس حين تفقد زهرتها وتجف ورقتهاء كان أكثر تماسكًا حين
كان يحدوة الأمل في نجاة ولده: ولكن انتزاع الأمل يخير .القوى. ويوهن
القلب. أشفقت عليه من ابتلاء في اواخر سني عمره. وقد أؤتبكتة الرحلة
على النهاية والرسالة على التتمة.
كان المصاب كبيرًا على الجميع. كنت أجول في الحيء فأشعر بالحزن في
العيون. انزوت النساء في منازلهن حداداء فلم أستطع رؤية (اروى). حتى
الشيخ (دومة). اعتكف في بيته: وكأنما كسر فؤاده فقدان أخيه وولدة: ولم
أجد سوى (دعس)., الذي استعاد عافيته وبدا قويًا كما كان رفيقا لي في تلك
الأيام. كنت أجلن إليه أسأله عن نفسه وعن تفاصيل تلك الأيام التي تلت
عودتهم إلى «إدوم». حفظت كل شيء عن ظهر قلب ورأيت في قصته ما
يستحق أن أكتبه في أوراقي: وهذا ما حكاه لي (دعس) في أيامي الأخيرة
بيثرب.
الذي زنانيه فأنا ١ اعرف لي 5 0 5 في قرية 0 75
فوق جبال «إدوم» بالقرب من بصرى وتحيط بها قمم «أدوم» الشاهقة من
كل جانب؛ غرندل ليست قرية عادية. هي أرض الأسود ومملكة الأبطال؛ لا
نخضع لسلطان ولا لحاكمء لا يستطيع الغريب الدخول إلينا ونعرف لها نحن
أهل القرية- ألف مدخل ومخرج. الأمر باختصار كما نقول في قريتنا:
«غرندل لمن عاش بها». قديما كانت قبيلتنا تقطع الطرق على القوافلء» وتثير
الرعب على طريق البخور. حتى جاء الملك (هوشام) ملك «ادوم» وطلب
ل ل ل ند قفا . وعقد معه صلحاء هل
ملك «إدوم» يطلب الصلح مع رجال غرندلك ويجلس مع شيخ قبيلتها رجلا
لرجل!
كان من شروط الصلح أن تكفّ القبيلة عن تهديد التجارة على طريق البخور,
مقابل اموال يرسلها إلينا ملك «إدوم», وأن يسمح لأهلٍ غرندل بالتجارة في
العاصمة بصرى بلا قيد أو شرطء وظل الأمر كذلك إلى أن جاء الملعون (هدد
بن بدد). فأنكر الصلح الذي عقده (هوشام) وضيق على أهل القرية في
التجارة. وفي يوم من الايام غدر (كرونوس) اللعين بشيخ قبيلتنا وقتل عددا
كبيرًا من خيرة رجاله. وحاول_الهجوم على غرندلء: ولكن استعصت عليه
حبالها وطرقهاء يومها أقسمنا ألا نترك ا قريتناء ووجدنا من أهل «ادوم» من
يشاركنا نفس الرغبة, وكان من بين هؤلاء التاحر (شهبور)ء: الذي جمعتني به
صداقة وطيدة. وكان بمدنا بالمال مقابل أعمال تثير الرعب في قلوب الجنود
الادوضييى»
«في يوم من الأيام أخبرني (شهبور) بأنه على يقين بأن (كرونوس) يشتبه
بهء وأنه قد قرر الرحيل عن (بصرى).؛ ولكنه يخشى أن يطارده (كرونوس)
وجنوده؛ وجدتها فرصة لا تعوض للانتقام من (كرونوس).: تريصنا به على طريق
الحجر خارج اسوار بصرىء وانتظرنا حتى حانت اللحظة وانتقمنا منه وحدث ما
حدث للشيخ (نابت). و(عمرو بن دومة).
نوها عونا إلى رهن نوا ربساك عض وهاي الإتارة انوع في بصرفه حدى
لا يفكر جنود الإدوميين في العودة إلى القافلة. حطموا الحوانيت واشعلوا
النيران في بعض المخازن؛ واعتدوا على بعض التجار حتى تفشى الذعر في
السوف.وابشعلت الشبرطة والعنود المرترقة بالتسيظرة :على القوضى: ليلنها
اتينا بالطبيب لعلاج الشيخ (نابت) الذي فقد الكثير من دماثه بعد ان بتر
(كرونوس) ذراعه. فصل الطبيب الذراع عن آخرها ثم قام بكيّ منبت الذراع
بسكين ملتهب كالجمر حتى التصق اللحم بالعظمء ومع ذلك ظلت الدماء
تقطر ولم تتوقفف قرابة التلاثتة أيام وفي اليوم الرايع أصابت الشيخ حمى
ل ا ا
نسمع صوت أضراسه وهي تتحطمء ولا نستطيع فعل شيء., ذعِر (عمرو بن
دومة) و(شهبور): وظنًا أن شيطانا قد مس الشيخ (نابت), أتينا بالطبيب مرة
أخرى فنصحنا بأن نعصب عينيه وأن نضعه في ماء مالح في حجرة مظلمة.
فالماء المالح يوقف التشنجاتء وعصابة عينيه والظلام سيحجبان عنه ما يراة.
هدأت التشنجات قليلاء ولكن الحمي لم تهدأ وبلغ به الوهن مبلغه حتى
شعرنا بأن الموت يتشممه ويوشك ان يفتك بهء. فاعد له (عمرو) قبرًا فوق
أعلى ربوة في جبال (غرندل) ووضع لَه شاهداء ويوم دفتاه وصلى عليه
(عمرو) و(شهبور) وبعض الرحجال» أمطرت السماء مطرًا خفيفا وشعرت بأن
سماء (غرندل) فرحى بضم 00 هذا الرحل الصالح».
اتطلف وى الكت بيدة المي كه واحد بقع حيارة رمح ورتير 0
بيده اليمنى قدحًا مملوءا بالخمر, » تورد وجحمهه بعد أيام من مكوثه في يترب»
وبدا في تياب الشيخ (أواس) كتاجر منعم ثتري. شعرت أن الرحل قد بذل ثياب
الشظف وخشونة المحاربين بتياب الرفاهية سريعاء فكان يسرف في الطعام
والشراب, ويقبل على الحياة ببشر وحبور: رغم الحزن الذي يحيط به في كل
مكان. في ذلك اليوم أخبرني بباقي قصته فقال:
«ظللنا في (غرندل) أيامّاء لا يخرج منها أحدء فقد علمنا أن (هدد بن بدد) قد
اغضبه ما حدث في بصرىء فعزل قائد الشرطة. وارسل فرقة كبيرة من الجند
بقيادة ضابط جديد كبير اسمه (جندار)ء كان الناس يتحدثون عن (جندار) بانه
خليفة (هدد بن بدد) وتلميذه المحبب إليه. وفي اليوم الأول لوصوله. اغلق
(جندار) ابواب مدينة بصرى ولم يسمح لاحد بالخروج منهاء وقال قولته
«هناك من أهل (بصرى) من يطعم كلاب (غرندل) ولو منع عنهم الطعامم
وهيف اكات كن ترعنق مدنه دور الفعل: كافالنا رجال كن نهيف رانوة اليا
بالطعام والماء عبر دروب (غرندل) الخفيةء فلما أغلق (جندار) الأبواب على
بصرىء انقطع عنا الزاد والماء, احتملنا انقطاع الطعام أيامّاء ولكننا لم نحتمل
انقطاع: الهياه. أرسلنا يعض الرعال» خفة الشمال: ناحية .الكزك. كي ياتونا
بالمؤن فكادوا يقعون تسرك في يد جنود (جندار) وهم على أبوابهاء
واسيقطظنا ذات :ضياع على صوت: النفيرة» والكراس ٠ يضركون" لقدوم
الإدوميين. فقد وشي احد اعواننا في بصرى _بسبب التعذيب- باحد الدروب
الخفية الئ:غرنيل: كات هناك خطة محكفة فتفق علنوا قن قل للفرقب فى
حالة وقوع هجوم من (جندار) وجنوده: تفرق الرجال في لمح البصر؛ وهربت
كل مجموعة من طريق مختلفء, اخذت معي (شهبور) ورجاله و(عمرو بن
دومة). وانطلقنا في طريق يؤدي إلى خليج (لحيان). كانت خطورة هذه
الطريق أنه يمر بواد منخفض ينحدر بشدة حتى يصل إلى الخليج, والوادي
مكشوف فن حانبية ويسبهل على الرماة قنضنا'إن أذركوناء كانت التجاة فى
أنه نطلق في أقصف مشر عة فيل: أن مدر كا الخوة: وبالفعل لمرتنقطع هن
العدو حتى وصلنا إلى الخليج عند منتصف الليل؛ وعند الفجر كانت السفينة
التي ستقل (شهبور) ورجاله إلى مجمع البحرين تتأهب للرحيل. وقف
(عمرو) على الشاطئ مامز تكلم الحبال لا بريد أن يركب, ترجاه (شهبور) أن
يركب ولكنه أبى قال في حسم:
لن أترك اهلف !
قال (شهبور):
لا أريد أن أفقدك كما فقدت عمك!
يكفيني ذنب واحد أمام الشيخ (عابر).
تردد (عمرو) قليلًا. فقلت له محذرا كي أدفعه للرحيل:
- هيا يا (عمرو).؛ إذا انبلج النهار فلن ينجو أحد على الشاطئ!
هيا يا بني فهم في أعقابنا الآن.
نظر إلى كالمستغيث فقلت له مشجعًا:
- هيا يا بني وسأصعد وراءك.
أمسك بسلم الحبال وصعد في بطء وهو يلقي بنظرة حزن على الشاطئ,
وما أن استقر فوق ظهر السفينة. حتى أخرجت سيفي وضربت به سلم
الحبال ضربة قطعته, تم ضربت ضربية أخرى قطعت بها حبل المرساة
فانسابت السفينة في مياه البحر.
قال (عمرو) صارحًا:
- قد وعدتني يا دعس.
وقال (شهبور) لائمًا:
- لماذا فعلت هذا يا دعس؟!
قلت في صوت عال وقد أخذت السفينة في الابتعاد:
- لن أترك رجاليء لا تخش عليّ سأبدأ من جديد!
وبينما كان قرص الشمس يعلو في الأفق»؛ كانت السفينة تتضاءل وهي تغيب
في عرض البحر»!
انتهى كلام (دعس).
وهذا ما كان من خبر التاجر (شهبور)ء و(عمرو بن دومة) في «إدوم» وحتى
رحيلهما من غرندك.
0 00 00 00 00
«اليوم الأخير»:
كا "مع سعيقة العتسى الم أفردك هله اللدوة دفي أن أهروله إلمها :وات
اختضنها في قوة لدقائق: طويلة تحتى :شتعزت بها تفنى بين ذراعي: قبلت
شعرها وجبهتها. وتلامس خدانا اللذان غمرتهما الدموع. قالت وهي تدفن
راسها في صدري:
- هل كتب علي أن أفقدكم جميعًا في وقت واحد؟!
أبي وأخي وأنت؟!
اعتصرت جسدها بذراعي وأنا أقول وقلبي ينفطر حزنًا عليها:
قالت وهي تتشبث بأصابعها في كتفي:
- أريدك بجواري الآنء لا تفارقني يا (شمعون).
قبّلت أصابعها وأنا أقول:
- أعلم: أعلم يا حبيبة القلب!
ولكن :هذ أقضل؛ لكا
لن تحتملي عناء ا لسفر وسط هذه الأحزان» ولا ندري ما ينتظرنا في بكة!
ثم أجلستها على الأريكة وضممت رأسها إلى صدري بيدي اليسرى؛ وربت
على خدها وأنا أقول:
- أفضل لك أن تكوني مع خالك (أواس) من أن تكوني مع عمك (دومة).
تم أردفت:
- سننهي تجارتنا في بكة ثم أعود إليك.ء سأخطبك من جدك (عابر) مرة أخرى
لنفسيء وإن لم يسمح عمك (دومة) بزواجنا سأهرب بك ومعي من الأموال
ما يكفينا!
- أي أموال يا (شمعون)؟!
قلت:
- هذا أمر لست في حل أن أذكره. ولكن ثقي بي يا حبيبتي؛. أطمانت
عيناهاء ولكن لم يطمئن قلبها تمامًا فقالت:
- أخشى عليك يا (شمعون) من الصراع الدائر في بكة!
- تلك معركة لا ناقة لي فيها ولا جمل يا (أروى).؛ ولولا أمانة أحملها في
عنقي ما أكملت المسير إلى بكة ولبقيت إلى جوارك هاهنا.
قالت متعجبة مرة أخرى:
- لقد عدت إلى الألغاز يا (شمعون): أمرك عجيب اليوم: عن أي أمانة تتحدث؟
- هذا أيضًا أمر لست في حل أن أذكره.
ابتسمت أخيرًا ثم قالت وهي تحيط وجهي بكفيها الصغيرين:
- عدني يا (شمعون) أنك ستعود.
قلت بلا تردد:
- أعدك.
قالت:
قلت:
- أعدك ألا أتأخر بعد أن أرد الأمانة إلى صاحبها.
قالت غاضبة:
- هذا وعد فيه استتثناء!
- هذا وعد فيه صدق!
- أحبك.
- وأنا أذوب فيك عشقا.
وبينما كنا نهم بالقيام سمعنا صونًا خلف الجدار. فزعت (أروى). فأسرعت أنا
بالدوران خلف الجدار لأستطلع الأمر. فوجدت (دعس) نائمًا على الأرض:
يستند براسه إلى الجدار ترتجف انفه مع صوت شخيره ويغط في نوم عميق,
وفي يده قدح من الخمر انسكب ما به على صدره.
00 00 00 00 0
للوداع شجنٌ وللفراق ألم فإذا أتثبع الوداع فراق صار الشجن والألم رفيقين
للمرء في حله وترحاله,, ومع ذلك حين ارتفع صفير الحادي القيت إليها بنظرة
واثئقة تحمل رسالة لو كُتبت بمداد لكانت من كلمة واحدة هي (سأعود). لا
أدري كيف ثفا سكت ولا من أين أتيت بتلك الثقة: ولكدي: كنت أسبعو يشيقور
جديد اسمه (اليقين)؛ تذكرث يوم خروجي من قادش برنيع متلصصاء حينها
تركت أمي دوت ان القي إليها بنظرة وداعء تركت الرسالة لل -(عامير) ولم أترك
لها كلمة واحدة. كنت أجبن من أن أواجه نظرة عينيهاء أو أتخيلها تقرأ كلماتي
وتبكي» آثرت ألم الفراق على احزان الوداع المتجددة التي تظل ملتصقة بروح
الإنسان طيلة حياته.
ما بين خروجي من قادش برنيع قديماء وخروجي من يثرب اليوم فارق كبير؛ لا
قاسن<الدنافداةالسستيةة وانما تقا :قد يك من أحداث: كلتا القريتين واحةٌ
تتوق النفسٌ للعيش بهاء وكلتا الرحلتين كانت إلى أرض يتقدس فيها الرب
ويرفع فيها اسمه. ولكن شتان بين (شمعون) «التائه» في قادش وشمعون
«المستيقن» في يثربء عبر بي الشيخ (عابر) من منازل التيه. إلى منازل
اليقين: وأدركت من الإيمان حلاوة: لم أذقها ونبي الله بينناء أصبت الفطرة من
الدين بعيدًا عن الزواجر والنواهي وتذمر بني إسرائيلء ورأيت الله يتجلى
على عباده بقبسات من صفاته لا لشيء سوى التسليم والخضوع له وحدة.
احببت الرب قبل أن اخشاه. واشتقت هذه المرة إلى رؤية ارضه المقدسة, لا
لأحقق حلم أبيء: ولكن لأشعر بقربي منه وطمعًا في أن تتنزل عليّ رحماته.
للوداع شجن وللفراق ألمّء فإذا أتبع الوداع فراق صار الشجن والألم رفيقين
للمرء في حلّه وترحاله: وحينما اشرفت جبال بكة في الأفق علا صوت
الحادي بكلمات ملأت الفضاء من حولنا ومست نغماتها أوتار قلبي, وجدتني
ارددها مع جموع القافلة الذين رددوها بحناجر باكية قائلين:
«لبيك اللهم لبيك؛ لبيك لا شريك لك لبيك»
3 -5
الكتاب الثالت
تنتن الذنيا عليّنا يحالها فإن لها حَالَا وَفِيهَا التَشَاجْرٌ وصرنا أَحَادِينًا وَكُنا
كذْلِكَ عضتنا السئون الْغْوَابرٌ (عمرو بن الحارت الجرهمي)
الورقة الثامنة والثلاثون
مالت الشمس في السماء ولامس قرصها جبال «فاران». حينما بلغت
القافلة حدود «بكة», استقبلتنا جموع من الأطفال ونساء من الأحباش على
أنوات القرية: هزولوا تاحيتنا وهم تقؤلون في لبخة مينتعظفة:
لمر أ علينا العاقضفة مسلاه لمرس غلينا القاضفة ولام
كان رُكَّاب القافلة يلقون إليهم ببعض التمراتء فيتصارعون عليهاء جرى طفلٌ
أسمر 0 أجعد الشعر إلى جوار عربتي وهو يقول كلمتين بدا لي أنه لا
ألقيت إليه بثمرة رمّان أحضرت عددًا منها معي من «يثرب»., فالتقفها في
سعادة وهو لا يكاد يصدق, 0 بعض الأطفال الأكبر سنا فجروا تجاهه:,
فانطلق مهرولًا محاولًا الفرار منهم
قال (ليث) الجالس إلى جواري حزينا:
- زاد فقراء البلدة: لم نرَ كل هؤلاء الأحباش قريمًا.
قال (دعس) الذي كان يستلقي بظهره على العربة مسندًا رأسه إلى جوال
- قلت القوافل إلى «بكة» بعد أن سرت أنباء الحربء. كما أن الناس لا تأمن
«حرهم» على اموالها.
57 أن يعرف (دعس) القاطن في «إدوم» أخبار «بكة» الواقعة بين
كنال ل ولكني تذكرت أنه لا بد وقد جمعته أحاديث مع (عمرو بن دومة)
والشيخ (نابت) عن «بكة» وأحوالها.
نظرت إلى الطفل الأسمر الذي أدركه أقرانه فأسقطوه أرضًا وتقاسموا معه
ثمرته رغها عنه, شعرت بعْضّة وشفقة عليه, لا يوجد أقسى من رؤية طفل
جائعة- حذا إف الحروت لا نأني أبذا: بكير: لها لوبي بلفة: كل من .عولها:
والعجيب أن من يشعلها هم الطامعون ومن يكتوي بنارها هم المساكين!
مرك يرع | مورلل لات كت لاك بعكو لزني مايه
بجبل حوريب في برية سين.
لمح (ليث) نظراتي فقال:
ردّدت الاسم خلفه:
- (عرفة)!
قال (ليث):
- نعم!
يصعد إليه الحجيج في أشهر الحجء فيناجون الرب ويعترفون بذنوبهم!
عجيب أمر هؤلاء القوم!
جعل الرب لهم جبلًا مقدسًاء مثلما جعل لنا جبل حوريب ثم سمح لهم بأن
يناجوه من فوقه دون نبي كليم او كاهن!
ترى كيف يكون البيت الذي أقامه لهم أبونا (إبرام) بين جبال فاران؟!
رسمت له صورة في مخيلتي فبدا كأنه خيمة اجتماع عظيمة, لها مذبح
فسيح تحيط به المباخر من كل جانبء؛ وفي القلب يقع قدس الأقداس الذي
يتجلى فيه الرب على كاهنهم. ٠ ثم محوت تلك الصورة, ورسمت صورة أخرى
أفخم وأكبر» فرأيته مثل معابد المصريين الضخمة المهيبة التي فلات أمي
رافتيي بحكاورها:
قطع تفكيري صوت (دعس) وهو يقوك:
- حميل هذا الصندوق يا (شمعون)!
يبدو لي مثل صناديق الأعراس التي تصنع في مصرا
أسقط في يدي ونظرت خلفي فوجدته وقد أزاح غطاء القماش من فوق
الصندوقء واخذ يتطلع إلى الصندوق بنظرة متفحصة بها قدر لا باس به من
الوقاحة, قلت حاسمًا:
رفع حاجبيه وهو يقوك:
| 2
أعدت غطاء الكتان فوقه وأنا أقول بلهجة غير ودودة:
- أخشى عليه من الأتربة. فهو كل ما بقي لي من ذكرى أمي.
ايتَسيمر ايتهنامة مستفينة: ثمر اسعلقى غلى تظموة مرة أخرف:
بعد وقت غير طويلء ارتفع صفير الحادي فتوقفت القافلة في حي (بني يطور)
أول الأحياء في «بكة» من جهة الشمال؛ الحي فسيح كبيرء نيت منازله من
طابق واحد بلبنات من الحجرء وطليت جدرانه بأصباغ حمراء. ميزته عن باقي
الأحياء. قفز (ليث) و(دعس) من فوق العربة بينما بقيت أناء انتظرت طويلا في
مربط الدواب حتى اناخ الرجال الإبل. وحملوا بضاعتهم إلى الصوامع.
ربطت العربة في المربط وحملت صندوق أغراضيء وسرت في طرقات الحي
لا ادري اين يكون مبيتي. جاءني صوت (ليث) وهو يقف في نافذة محطمة
لأحد المنازل وإلى جواره (دعس):
- هيا يا (شمعون): هنا سيكون مبيتك!
كان المنزلك هو منزل الشيخ (نابت): الذي خلا من ريّه ونسائه؛ المنزد
متسع.؛ به ثلاث حجرات متتالية. لها سقف من جريد النخلء تفتح أبوابها
على فناء فسيح به خزانة تخلو من الطعام وأريكة موسدة بجلد وحشوة
ليف وفي منتصف الفناء حذيل نخلة مبتورة يحككون بها الخيل المُجربة: بدا
المنزل متريًا
بفعل العاصفة, ورآية بعض أجزاء السقف والنوافذ محطمة. قلت وأنا أقف في
الفناء حاملًا الصندوق:
- يحتاج المنزك إلى تنظيف وإصلاح.
قال (ليث):
- ليس الآن. سنذهب الآن لنغتسل من «زمزم» ثم نطوف بالبيت!
قلت في شيء من الفرحء وأنا على شوق لرؤية البيت:
|
قال (ليث):
- نعم؛ فهذا أول شيء يفعله القادم إلى «بكة»!
ثم أشار إلى إحدى الحجرات وقال:
- ضع أغراضك هنا!
ع
وحين دخلت الحجرة شعرت بأنفاس (أروى) تتردد بهاء رأيت سريرها
المفروش بوبر الإبل ومنضدتها التي لا تزال عليها مكحلة جف كحلهاء ومراة
مكسور انعكست عليها ابتسامتي وملامح وجهي المغتبطة!
00 00 00 00 0
لم أجده كخيمة الاجتماع؛ فلا بخور» ولا مذبح: ولا قدس للأقداس, ولم أجده
كمعابد المصريين؛ فلا أعمدة: ولا تقوش» ولا تصبء لم أجد سوىف بناء من
الحجر تساوت أركاثه., ووضع في أحدها حجر رٌ أسود؛ بناء فطريًا بسيطا بساطة
الصحراء من حوله؛ يتجرّدٌ من كل أبّهةِ وزينة تَجَرّد الطائفين من حولي
غمرتني الصفوف المترجّلة تجاهه يأمواج من التراتيل والتسابيح لم مير منها
سوى بعض الكلمات. مثل (للحي أسبّح) و(للعظيم أسجد).ء وتلبية تعلو كل
حين حتى تصل إلى عنان السماء فتضئ نفسي بوهج من السلام.
حفظتها من أول مرة؛: وظللت أكررها:
«لبيك اللهم لبيك: لبيك لا شريك لك لبيك». حتى نداؤهم كان بسيطا
مباشرًا يبلغ مقصده دون زخرفة ولا إطناب.
بعد أشواط تلاتة,. كان جحسدي يدور في فلك البيت, » وروحي تدور في فلك
أعلى وأرقى: شعرت بها تسبح في مراتب من النشوة غير مدركة للأجساد
المحيطة بعاء نشوة لم أشعر بها من قبل في صلاتي الساكنة. ووصلت
ذروتها مع الشوط الأخير.
من المؤكد أن للحركة صنيعها في تهيئة النفس للخشوع والاستسلامي
57 رقصات الأحباش الماحنة في صلاتهم أمام الإله (عتتر) وسقوطهم
مغشيا عليهم من النشوة والمجون» كلاهما نشوة: ولكن شتان بين نشوة
السقوط ونشوة الرقي!
انتهينا من الطواف وأنا أشعر بسّكينة: لا أدري سببها؛ 'فأنا ما زلت غير موقن
(موتسن) في خيمة الاجتماع: ولكنيٍ على الأقل موقن بأن رحمات الله
ليست بعيدة عن هذا البيت. أدرك الآن أن لهذا المكان قدسية لم تمنحها له
حكايات الناس عنه, وما ميزه تلك سكيد الذي دل على لبانس"
أخدلي (ليث) من يدي بن
- (شمعون)!
تعال!
توجهنا إلى حجر على مقربة من البيت أحاطت به ثلة من الناسء فرغوا
لتوهم من الطواف. كان بعضهم يمسحه بيده ثم ينصرفء والبعض الآخر
ينحني له ساجدًا على الأرض فيقبّله ثم ينصرف.
الحجر صغير أبيض اللون مطمور حتى منتصفه بالرمالء وقفنا قبالته. فأشار
(ليث) إلى سطحه وقال:
انظرا
هذا أثر قدمي أبينا (إبراهيم)!
مرّ من أمامي رجلٌ فمسح الحجر بيده ثم انصرفء. تطلعت إلى أثر القدمين
اللتين بدتا بلا أصابع.
وقلت مشدوها:
3
- حقا!
قال متحمسا:
- نعم. كان يقف هنا على هذا الحجر وهو يبني البيت. فغاصت قدماه في
الحخر المبتل وتركت اذا لم تمحه السنونة
الحجارة أصدق من الكلمات دائمّاء ونقش مثل هذا يستدعي كل الحكايات
التي سمعتها عن بناء البيت ويجعلني اراها بعيني والمسها بيدي.
هوي (ليث) عليه مُقبلًا بينما اكتفيت أنا بمسيّه بأناملي.
تذكرت ما قاله (شموع بن ذكور) عن قبر أبينا (إبرام) في الخليل؛ وعن بيته
الذي دنسته الأوثان, وبالأخص تمثال عشتاروت العارية, تُرى هل أمر الرب
أبانا (إبرام) بأن يبني له بيثًا في تلك الصحراء لعلمه بما سيحدث لبيته في
الأرض المقوسة؟
أثارت رؤية الحجر في نفسي شجوتاء وعاودتني ذكريات لهفة أن على
دخول الأرض المقدسة أرض الآباء والأجداد!
وازددت حنقًا على بني إسرائيل الذين تركوا قبر أبينا مدنسًاء بينما يقس
(بنو إسماعيل) اثرا لقدمه حين تركنا مقام (إبراهيم)؛ وجدنا الناس تتزاحم
بالقرب من بئر زمزمء ظننت أن الزحام لأجل الماء ولكني وجدت الناس تتجمع
في حلقات حول رجل تظهر بالكاد راسه فوق الجموع المحيطة به. وهو
يمحلاث "يصوت غال» ويشير بأضبعه إلى تففالين "خلفه نحمًا :من الجعر :رحا
رديئاء أحدهما على هيئة رجل والآخر على هيئة امرأة, كان الرجل يتحدث
نصوت غخال افرث :إلى الضراع فجمع:الناس :من تخولة:
- انظروا يا حجيج بيت الله انظروا يا عباد الرحمن, انظروا إلى غضب الله
وسخطه., هذان مَنْ أتيا بالفاحشة في حجر الكعبة, وظنًا أنهما بمعزل عن
عين الرب؛. قد جعلهما الرب مسخين يطلان عليكم ليذكراكم بقبيح ما فعلت
«جرهم»!
تذكرت ما سمعته من قبل في (الججر) عن (إيساف) و(نائلة).
وتذكرت (الغوث) سيد قبيلة «طيئ» وهو يضحك وحسده يرتج في المغطس
«أي شيطان أوحي إليهم بأآن يضعوا حجرين بين «الصفا» و«المروة» في
الليل» ثم يأاتي إحدهم في اكد فيروي لهم تلك القصة البذيئة».
وحلفاء «خزاعة» يلصقونها ب«جرهم» أمام سمع وبصر الجميع!
سمعت بين الصفوف صوت الشيخ (دومة) وهو يقوك:
- كذبت وفسقت يا رجل!
كسر الناس الحلقة ثم أفسحوا طرفيهاء حتىي أصبح الشيخ (دومة) في
منتصفها مواجمًا الرجل الذي فوجئت به شابًا في مقتبل العمر شديد
العيونس:
قال الشيخ (دومة) في غضب عارمر:
شعرتٌ أن عاقبته قد تكون غير محمودة:
- ما كان لسدنة البيت أن يأتوا بقبيح في بيت الله الحرام!
تجمع حول الشاب بعض رفاقه الذين لا يقلون عبوسا عنه ووقفوا إلى جانبه
وكانهم يظهرون الدعم له.
تردد الشاب قليلًا أمام غضبة الشيخ (دومة) قبل أن يقول:
-:من أنت أيها الغريت؟!
وكيف تحكم بما لم تر؟!
قال الشيخ (دومة) وهو لا يزال على غضبته:
- غريب أنا (دومة بن عابر) سيد قبيلة (يطور بن قيدار بن اسماعيل). فمن
أنت يا وليد الأمس؟!
ارتبك الشاب خصوصًا بعد أن علت همهمات ساخرة بين رجال قبيلة الشيخ
(عابر).
فقال وهو يزيد من عبوس وجهه كي يخفي ارتباكه:
- أنا (إياد بن المنذر) من بني تيماء.
تذكرت أن قبيلة تيماء من (بني إسماعيل): وأن الشيخ (أواس) قد ذكر أن
بعض قبائل (بني إسماعيل) قد اصبحت تدعم خزاعة.
فقال الشيخ (دومة):
- من «تيماء»!
ولا تخجل من أن تقدح في أخوالك؟!
قال الشاب في عنف:
- وأقدح في آبائي وأجداديء إذا أتوا بما يخالف شرع الرب!
ثم قال متجاورًا مقام الأدب مع الشيخ (دومة):
- اسمع يا شيخ بني يطورء لن نبرح البيت حتى تُذكّر القاصي والداني بما
فعلته «جحرهم» بشريعة الربء ولن يمنعنا مانع من ان نزيل عن هذا البيت ما
وقع به من دنس!
قال الشيخ (دومة) في عنف مضاد:
- إن كان هناك من دنس فهما هذان النصبان اللذان ينضحان بهتانًا وإفكا.
قال الشاب (إياد) في ذهوك:
- أتسب آية الرب وتصفها بالدنس؟!
انحنى الشيخ (دومة) والتقط حجرًا من الأرض ثم قذفه تجاه التمثالين: ثم قال
- بل أرجم آية الشيطانء أيها اللعين!
بهت الناس وتراجعوا مذهولين: وكأنما توقعوا أن تسقط عليهم صاعقة من
السماءء؛ وانتفخت سواعد الشاب وكأنما راودته نفسه على الانقضاض على
الشيخ (دومة): لولا أن أمسك بعضده زملاؤه.
والنقة تظرافثنات قرع الذدنا مو غكلال تقم ضيف :في توف إبوة مع نظرات
ثم رفع الشاب سبابته وقال وجسده ينتفض غضبا:
- ستندم أيها الشيخ!
ستندم على نصرة مَنْ دنس بيت الله الحرام!
وإنّ غدًا لناظره قريب.
ثم انصرف مع زملاثه تاركا في نفسي سؤالًا:
لماذا يكون دائمًا يومنا الأول في أي مدينة هو الأسوأ على الإطلاق؟!
وعدنا أنا و(ليث) إلى المنزلء بينما ذهب الشيخ (دومة) مع بعض الجراهمة
لمقابلة (عمرو بن الحارث الجرهمي) في سقيفته.
وحين وصلنا إلى المنزك لم نجد فيه (دعس) ولكني رايت جِرّة ة زرقاء من الجرار
الإدومية مكسورة ومحطمة على عتبة البابء أزاح (ليث) حطام الجرّة بقدمه
دون أن يعيرها اهتمامًاء ولكنني وقفت أمامها لبرهة أتأملهاء أثار حطام الجرّة
في نفسي ظنونًا ورفع بعضها إلى درجة المخاوف, جريت إلى غرفتي في
سرعة وفتحت بابهاء » توجحهت إلى الصندوق وانحنيت أفتحه, كان كل شيء
على ما 0-0 اغلقت الصندوق وحلست على الفراش وانا اتنهد, شعرت بلوم
على سوء ظنيء ولكن قاحما ظل يتكبييدي اتنا نؤوي ذئبًا في دارنا.
00 00 00 00 0
الورقكة التاسعة والثلاتوت
الأيام التالية كانت هادثة؛: افترشنا الأرضء ووضعنا بضاعتنا في مكان لا يبعد
كثيرًا عن موضع احداث اليوم الاول. في مواجهتنا نرى البيت الذي لا ينقطع
عنه الطائفون والعاكفون وإلى اليسار نرى تمتالي (إيساف) و(نائلة). اللذين لا
ينقطع عنهما الزائرون أيضا.
الناس تنتهي من طوافها ثم تذهب لرؤية آية الرب التي حلت عقابًا على
المخطئين. السوق في «بكة» هي المنتهى التي تجمع الجميعء. الغريب عن
المكات يدرك مغ اللحظة الأول أنه لول اليك لما كانت ندركة»)
لا شيء يغري في هذا الوادي المقفر.
لا بد وأن أبانا (إبرام) قد تعجب من اختيار الرب لهذا المكان الموحش المحاط
بالجبال كي يبني فيه بيته!
أشعر الآن بأن هذا البيت هو خبيئة الرب؛ التي أمر نبيه بإخفائها في عمق
الصحراء بعيدًا عن اعين الممالك. حتى إذا تدنست بيوته الأخرى:. وجد
المؤمنون لهم بيتا يعبدونه فيه.
السوق هنا تختلف عن سوق بصرى. لا حوانيت من الحجرء ولا صوامع
ضخمة؛ وإنما خيامٌ تنصب وأمامها تفرش البضائع.
واختلفت أحجام الخيام بحجم ثراء صاحب البضاعة؛ خيمة (عمرو بن الحارث
الخرهمي) لم تكن بعيدة غناء الخيمة كييرة بديعة كفتزل أفيم من القماش:
امامها فرشت بضاعته التي يقوم ببيعها اقاربه وابناء عمومته. إلى جوار
الخيمة ربطت خمس نوق فقئت عين لكل واحدة منهاء علمت أن هذا مقياس
لثراء الشخصء كل عين مفقوءة تعني ألف ناقة!
أي أن (عمرو بن الحارث) يمتلك وحده خمسة آلاف ناقة!
لم أره في السوق ولا حول البيت في أياهف الأولى في «بكة», كان لا يغادر
سقيفته المعروشة التي أقامها في مكان قريب اسمه «أجياد», علمت أيضًا
أن هذا المكان هو المكان الذي وطئت فيه جياد جده (المضاض) خيل أعدائه.
فأسماه الناس «أجياد».
في ذلك الصباح كنت أقف إلى جوار (ليث) أمام خيمتنا في السوق نتطلع
إلى باعة القافلة وهم يبيعون بضاعتنا إلى الناسء, أعداد المشترين ليست
كبيرة, الناس تقلت في أواني الفخار الإدومي وأعينهم تدور عليها ثم يتركونها
ويشتروت الحنطة والحبوب» تفقد الزينة قيمتها في اوقات الشدة أو ربما تكن
هذه هي قيمتها الحقيقية!
قلت ل_(ليث):
قال:
- لم يرض عمي (دومة) بذلك.
قال لي:
«لا يهان الذهب إذا لم يجد من يشتريه».
ل ل
وبضاعته!
قلت ل_إ(ليث):
- أريدٌ أن أبدأ عملي في النجارة: من أين لي بالأخشاب؟!
فكر قليلاء ثم قال:
د الأخشاب يأتون بها من شعاب «بكة» ومن أحراش تنمو على محرى
الوادي.
جاءتني فكرة أن أخرج بالعربة في الصباح كل يومء فأجمع الأخشاب ثم أعود
قبل أن يحل المساء. هذا تفل من لحاوس قي السوف بلااعول حعيقي
فأعداد الباعة تفوق أعداد المشترين
بعد الظهيرة. عرجت إلى منزل الشيخ (عابر) كي أستأذنه في أن أبدأ عملي
منفردّاء ولعلي اتخذتها ذريعة كي أراه, فقد كان الشيخ (عابر) يلزم بيته أغلب
الأوقات:. وكادها . أراذ. أن بعترل» الجدل؟ الذائر يين+الناس. فى أمر «مخراعة»
و«اجرهم».
طرقت الباب ففتحت لي خادمته قالت لي:
- الشيخ في قيلولته!
قبل أن أنصرفء جاء صوت الشيخ (عابر) من الداخل:
- أدخليه يا أم سعد.
دخلت إلى المنزل المرتب النظيف والبسيط أيضّاء بدا لي أنه أصغر من منزل
الشيخ (نابت): فبه حجرتان فقط وفسحة صغيرة بها خزانة للطعام.
دخلت إلى حجرة الشيخ فوجدته ممددًا على سرير يرتفع قليلًا عن الأرض؛
جلست القرفصاء إلى جواره وقبّلت يده. رفع يده وربت على كتفي قائلا:
- كيف حالك يا (شمعون)؟!
- بخير حال طالما إلى جوارك يا شيخي الحبيب.
ارتسمت ابتسامة على وجهه الذي بدا لي أكثر نحولًا عن ذي قبل فأعادت
إليه ضياءَ غاب عنه منذ مات ولده الشيخ (نابت): ثم قال لي:
- هل تعجبك «بكة» أم لا يزال قلبك معلقا بالأرض المقدسة؟!
ضحكت وأنا أقول:
- قلبي أصبح معلقًا ب«قادش برنيع».: وبالأرض المقدسة. وب_«يثرب»»,
وب-«بكة» ايضا.
ولا أدري كيف سيتسع لكل هؤلاء؟!
قال وقد زادت ابتسامته:
- ذلك قلب المؤمنء لا تسعه أرض ويسع الدنيا بحالها.
استأذنته في العمل بالنجارة كما عزمت, وأن ابني لنفسي بيتا منفردًا في
أطراف «بكة», فأذن لي بالأولى ولكنه تردد في الثانية قائلًا:
- كن بيننا في الحي ذلك أفضل في الأيام القادمة.
ترددت قليلًا قبل أن أميل على أذنه وأهمس له بشكوكي حول (دعس). بدا
اتشكك فيمن حوليء فقال بصوت خفيض:
- إن شئت أحضرت الصندوق إلى هنا!
قلت متحيرًا:
- فكرت في هذا الأمر أيضًا ولكني أخشى أن أثير شكوكه نحو الصندوق.
- أراك تثقلٍ على نفسك وعلى الرجل بيظنونك يا (شمعون). ما رأينا منه إلا
إخلاصا ووذا تجاه ولدنا (نابت).
وحين ذكر اسم ولده, 0 الدموع 5 إلى مقلتيه. فآثرت ألا أنبش
ا يا شيخ (عابنا تحدتني نفسي بأن أخرج بليل» فآخد دقماقي
وإزميلي وانتتنف انس (إيساف) و(نائلة)!
ابتسم وقالك:
- حتى أنت تصدق ما يقولون!
قلق :ونا أهن راسي نميا
- كلاء ولكني أكره قبح التمثالين. كانت أمي تحدثني عن هيبة تماثيل
المصريين وجمالهاء 0-0 براعة زوج عمتي (الشامري) في النحت. ولكن
هذا القبح المجاور للبيت يزيل عن النفس كل صفاء بعد الطواف؛ ومما يزيد
من ديه تلك د اوبات التي يتداولها أنصار «خزاعة» تحت أقدام التمثالين.
- أتدري يا شيخ (عابر)؛ أن أعداد الناس حول التمثالين تفوق أعداد الطائفين
أحيانًا؟!
وأكاد أقسم أنني أرى في عيونهم رهبةً وخوقًا أمام التمثالين أكبر من تلك
التي أراها على وجوههم أثناء الطوافء ينظرون إليهما على أنهما آية من آيات
6 الرب2. ويخشونهما ويقفون أمامهما بيخشوع يفوقف خشوعهم في
0.
قال في أسف:
- شجرة الإفك تترعرع حين تسقى بماء الكذبء. ويمد الشيطان في ظلها!
ثم انقبض وجهه حزنًا وهو يتابع:
- لن تنتهي تلك الفتنة على خير!
قلت له:
- وما العمل؟
قال:
- تُصلح «جرهم» من شأنهاء فالناس تميل إلى العدل, فإن لم يجدوه: مالوا
إلى القوة املا فيه. ولا خير في إذا قدمت القوة على الإصلاح,. اسمع يا بني!
اجعل نهجك في الحياة الإصلاح ما استطعت؛ فذاك هو نهج الأنبياء.
قلت مترددا:
- وماذا إذا بغى الشرء أما يحتاج الأمر إلى قوة للقضاء عليه؟!
قال:
- اجعل قوتك في تقويم المعوج لا في كسره!
لو أراد الله لنا حياة بلا شرور لما أتينا إلى هذه الدنيا.
قلت:
- النفس تميل إلى النيل ممن ظلمهاء ولسنا حجارة بلا أرواح.
قال:
- ذلك حديث الشيطان. يغري به صاحبهء كي يبدل عليه غايته.
من أراد الخير عفا وأصلح عند المقدرة.
قلت دون قصد:
- أراك تميل إلى الصبر على «جرهم»: وتتوجس من أمر «خزاعة»., فلماذا لا
تنضم إليهم في (سقيفة عمرو بن الحارث)؟
أرى الشيخ (دومة) يجمع رؤساء القبائل من الحجيج؛. ويخطب فيهم كي
يستميلهم إلى حلف يجابهون به «خزاعة».
شعرت بخطئي حين رأيت على وجهه الغضب لأول مرة منذ رأيته في
«رسه» وانا طفل صغيرء. اغمض عينيه. ثم فتحهما وهو يرفع راسه إلى
عريش السقف وكأنه ينفث غضبه في الفضاء. صمت لحظات ثم قال وهو
يمسك عصاه المستندة إلى الحائط بجوار سريره:
- خذني إلى سقيفة (عمرو بن الحارث) يا (شمعون).
دخلنا إلى سقيفة «أجياد» التي أقامها عمرو بن الحارث. السقيفة أشبه
بقاعة حكم يصعد الداخل إليها على درج يقف أمامه عبدان حبشيان منتفخا
الصدر مفتولا العضد. سمحا لنا بالدخول فقط حين عرفا مني أن الشيخ (عابر)
هو والد الشيخ (دومة): القاعة من الداخل تتراص على جانبيها الأرائك
الخشبية الموسدة بفراء الغنم يجلس عليها بعض الرجال الذين بدوا من
هيئتهم وكانهم من علية القوم.
في صدر القاعة كانت هناك أريكة كبيرة يجلس عليها شاب يكبرني بخمس
سنوات أو تزيدء بدا لي من فخامة ملبسه انه (عمرو بن الحارث) الجرهمي.
الحجرة مسقوفة بالخشب المعشقء وتتدلى من الواحها قناديل اربعة.
وعلى جدرانها علقت سبعة سيوف لامعة وسبع دروع صلدة. لم ادر ما السر
في هذا العدد تحديدًا ولم اتوقف عنده كثيرًا حينما وقع بصري على غزالتين
من الذهب وضعتا إلى جوار أريكة عمرو.ء يخطف بريقهما الأبصار وتتلألاً
جوهرتين في موضع العينين منهما.
سكت الجميع لدخول الشيخ (عابر). وقام (دومة) من مجلسه فقبل يد أبيه
وأجلسه على الأريكة مكانه: بينما وقفت أنا إلى جوار الباب. فلم يدعني أحد
للدخول. هممت بالخروج ولكن الشيخ (عابر) قال لي:
- انتظر يا («شمعون): فلن يطول مقامي هنا.
انتظرت وأنا أنظر بطرف عيني إلى نظرات الشيخ (دومة) غير المرحبة.
قال (عمرو بن الحارث) في لهجة مهذبة وصوت رخيم:
- يسعدنا طول مقامك معنا يا شيخ (عابر).
قال الشيخ (عابر) بحسم ووضوح:
لو كان في مقامي سعادة لدعيت إلى هذا الجمع من قبل أن يبدأ.
همّ (عمرو بن الحارث) بالحديث؛ ولكن الشيخ (دومة) كان أسرع فقال:
- الأحداث تتسارع يا أبتاه» ولم يتسع الوقت لإخبارك بالأمر.
طرق الشيخ (عابر) بعصاه على الأرض بقوه وقال:
- الأحداث أسرع من أن يحط بها شيخ (بني يطور) أم أن الأمر قد صار بيدك؟!
تراجع (دومة) أمام غضبة أبيه. وأسرع (عمرو بن الحارث) فقال:
- معاذ الله يا شيخنا!
أنت كبير بني يطورء وما كنا لنقطع أمرًا دون أن نسمع منك الرأي والمشورة.
صمت الشيخ (عابر) لحظات هدأت فيها أنفاسه ثم قال:
0
- وإلام انتهي العزم؟!
هم الشيخ (دومة) بالحديث ولكن (عمرو بن الحارث) أشار بيده ليسكته وقال
في لهجته الودودة التي أطفأت غضب الشيخ (عابر) قليلًا:
- هؤلاء هم سادة ورسل «بني لخم» و«جذام» و«طيئ», ونقمر سادة (بني
إسماعيل) من بني قيدار وبني يطور!
اتفقنا يا شيخ (عابر) أن نحفظ للبيت حُرمته, وألا نرقع السيف إلا إذا بي
علينا.
قال الشيخ (عابر):
- وماذا عن باقي قبائل (بني إسماعيل) العشرة؟!
قال (عمرو) وقد تبين لي أنه مُقَوّه. يجيد الحديث:
- هم أصهارنا ودماؤهم حرام علينا إلا إذا لم يراعوا حقها!
قال الشيخ (عابر) لائمًا:
- أبعد العهد وولاية البيتء: تثيرون الفتنة كي تتمسكوا بملك زائل وتدفعون
بفتنتكم (بني إسماعيل) للقتال بسيوفهم؟
شعر (دومة) بالحرج من كلمات أبيه. وصمت (عمرو بن الحارث (قليلًا ثم
ابتسم وقال في هدوء:
- وهل خُنَا العهد أو قصّرنا في الولاية يا شيخ (عابر)؟!
ما كان لحيّ غيرنا أن يفخر بمثل ما أديناه للبيت من حقوق.
قال الشيخ (عابر) منفعلًا:
- هنا مربط الفرس يا (بن الحارث)!
إنه الفخرا!
أنتم تفاخرتم على الناس بولاية البيت ولم تصونوا عهد (قيدار بن نابت) حين
عهد بالولاية إلى جدك (المضاض):. فرضتم على الناس العشور والمكوسء:
واستحللتم اموال البيت لانفسكم ومنعتوها عن الحجيج.
صمت (ابن الحارث) مبهوتاء وتابع الشيخ (عابر):
- قل لي يا (بن الحارث): من أين أتيت بتلكما الغزالتين الذهبيتين؟!
ارتبك الشاب قليلًا ثم قال:
- أهدتها إلينا قبيلة من الجنوب قربانًا للبيت!
ثم عقب الشيخ (دومة) وقد فهم ما يرمي إليه أبوه:
- وضعنا الغزالتين في السقيفة. خشية أن يسرقها أحدهم من البيت.
هرّ الشيخ رأسه أسقًا ويأسًا وقال:
- وما حاجة بيت الرب للذهب والفضة: ومن حوله يطوف الحجيج جوعى
ومرضىء اطعموا هؤلاء فهم زينة البيت بحق.
ثم قام الشيخ (عابر) وألقى إليه برداء النصح الأخير ليستر به خجله قائلًا:
- اسمع يا بُنيء قد كان أبوك رفيقا لأبنائي, واستبشرت به خيرًا حين تولى
ولاية البيت لكن القدّر لم يمهله طويلًاء فعسى أن تقيم العدل بين الناس كما
كان يطمح أبوك: واعلم أن لقمة تضعها في فم جائع خير لك من سيف تضعه
في يد فارس.
ثم قال وهو ينظر إلى ولده (دومة):
- أما أنا فأعتزل بيتي حتى تزول تلك الفتنة, فمن أراد أن يتبع أمري من (بني
يطور) :فليشيغه :ومن راد أن سميز :في طورق! الفمع فليسير :. فالكل :موهون يها
كت
ثم أشار إليّ وقال:
- هيا يا (شمعون) خذني إلى داري.
نكرت الخ عوارة: وانا اشكد ساعده إلي ساعديء ورغم وهنه شعرت بمدد
من قوته يتسلل إلى جسدي.ء. فرفعت راسي في عِزَّة, وخرجت في حال غير
الذي دخلت به؛ وبينما كنت اهبط الدرج القيت نظرة على (عمرو بن الحارث)
الذي اراح خده إلى قبضته:ء وقد بدا عليه الوجومء وتذكرت قول الشيخ (عابر):
«اجعل قوتك في تقويم المعوج لا في كسرة».
00 00 00 00 0
الورقهه الاربعوت
في خلال أسابيع قليلة,. جمعت قَدْرًا لا بأس به من الأخشابء كنت أخرج كل
صباح بعربتي التي تجرّها بغلة عفية إلى شعاب «بكة», فأقضي النهار في
قطع الجذوع والأفرع, ساعدني في ذلك أن الأشجار في الشعاب صغيرة
نحيفة لا تحتاج إلا لفأس ويدٍ تُجيد الضرب في موضع واحد دون خطأ.
أكنوقدف تلك الحرفة قوة في ساعدي وصدذريء ولفحتني الشمس في
ذهابي وإيابي فمنحتني سُمرة؛ جعلت (ليث) يسخر منها قائلا:
- صِرْت كالعبيد الأحباش في سمرتك وقوة بنيانك, احذر من أن يبيعك عمي
(دومة)!
وصنعت لي عريشا في طرف حي (بني يطور) بعيدًا عن المنازل. وضعت به
الأخشاب التي جمعتها على مدار شهر كامل واتخذته مقدًا لحرفتي» بدأت
بصنع الصناديق. فهي بسيطة الصنع وزهيدة الثمنء ودائمًا ما تجد من
يبتاعها. كنت امكث اليوم كله في عريشيء اقطع الالواح, واجمعهاء وكلما
تجمع لدي عشرة صناديق» حملت الصناديق العشرة على عربتي الخشبية
وخرجحت لبيعها لأوك مرة. تجنبت الوقوف في السوق وانتظار المشتري
وفضلت أن أطوف بها في الطرقات بين الأحياء. فأغلب النساء يحببين
الصناديق: والقليل منهن يذهبن إلى السسوف» مررت بجمع من 0 في
رفعن خمرهن. فوق رؤوسهن وهن ينظرن إلى الصناديق بتعجبء. رفعت
صوتي دون أن أنظر إليهن:
- «صندوق العروسء أبيع صندوق العروس».
نادت اكبرهن سنا
قلت:
- بثلاث فِضِّيات يا خالة!
بدا أن السعر قد أغراهاء فأشارت إليّ كي أقفء ثم قامت من جلستها في
صعوبة وهي تتوكأ على كتف إحدى الفتاتين,» الخطن بالعربة وأخذن ينظرن
إلى الصناديق بإعجابء. ورأيت الفرحة في عيني إحدى الفتاتين» فخمنت من
فرحتها أنها على وشك الزواج.
قالت المرأة العجوز:
- فضية واحدة تكفي يا ولدي!
قلت مبتسما:
- قد غبنتي ولدك يا خالة!
أفلا جعلتيها اثنتين؟!
لم أستطع أن أجادلهاء نزلت من العربة. فحملت الصندوق ووضعته أمام باب
الدار, فناولتني الفضية؛ وقدح البُرّ وهي تدعو لي بالرزق والمحبة بكلمات ما
زلت اذكرها:
- فتح الله لك أبواب رزقه؛ وحبّب فيك القريب والغريب وسائر الطريق!
فرحتي بالفضية وقدح البر كانت كبيرة؛ أولى بركات «بكة» علي 5-5
أطوف كل يوم بين أحياء «بكة» ودروبهاء رافقني (ليث) في بعض هذه
الجولات وكان يدلني على ار الدروب؛: عرفت اتنا ء الأحياء والجبال
المحيطة ب_«بكة»؛ «قعيقعان» و«أجياد», و«الحجون», و«أبي قبيس»,
فا اتاتفؤلاء القومنيكيوة الجر كما يستفسون!
عُدْت في أحد الأيام وقد انتهيت من بيع الصناديق كلهاء أربط حول وسطي
كيس نقود به عشرون فضية؛. واحمل على عربتي جرتي عسل وعشر
بيضات وقدحًا من تمر حصيلة يوم واحد!
دخلت الحي الخالي بعد الظهيرة: واتجهت إلى المنزل؛ البيت عادةً ما يكون
خاليًا في هذا الوقت. يمكث (ليث) في السوق حتى نهاية اليوم: أما (دعس)
فيعود في وقت ماخر من الليل, وأحيانًا لا يعود. وجد (دعس) نفسه في
أجواء الحرب المرتقبة. فمحارب قوي مثله يصبح له شأن بارز في أوقات
الاضطراب: وتقدز خدماتة باموالك ليست بالقليلة.
حين دلفت من الباب وجدثه يجلس على الأريكة. يرتدي جلبايبًا قصيرًا تحته
سرواك صيق ويتمنطق بحزام من الجلد يتدلى منه حسام قصير وفي يده
خنجر صغير يزيل بطرفه ما تراكم من أوساخ تحت أظافره.
ألقيت التحية. وغفممت بالدخولك إلى ححرتي» ففوجنت ببابها مفتوحاء دلفت
مسرعا وألقيت نظرة على الحجرة, فوجدت اغراضي ملقاة على الأرض
وصندوقي مفتوح:, ويبدو أنه قد عبث به قبل دخولي.
قبل أن أستدير فوجئت به يدفعني إلى الحائط؛ ثم يجثم بساعده على
صدريء غرز نصل خنجره في عنقي حتى أدماه؛ ثم اقترب بوجهه منيء وقال
بكلمات تفوح منها رائحة الخمر:
- أين الذهب؟!
حاولت أن أدفعه ولكنه ضغط بساعده وكوعه أكثر على صدري حتى شعرت
بان ضلوعي تتحطم وغرز النصل اكثر حتى ظننته سيخترق عنقي.
قلت وأنا أتلقف الهواء بصعوبة:
دأ قن
أنا لا أملك شيئا.
قال في جنون:
- الذهب الذي وضعته بيدي في الجرار مع (شهبور)!
من نقله وأين ذهب؟!
قلت وأنا بالكاد أستطيع أن أتنفس:
“لا أدرق غن أفي شيء تتحدث!
قال في ترهيب:
- حقا!
لاتذري عن شديء اتخدت]
وماذا عن هذه الرسالة.
ثم رفع النصل عن عنقي وأخرج من جيبه رسالة (شهبور) وهو يقول متهكمًا:
«ليكن السر بينك :وبين الشية (غابر): إن:مت: قالمال لكماء وإن عُدَتُ فلك
الربع مما حفظت»., ثم صرخ في جنون:
هانق كاذن ايها الفيزائنيئ انث لض :دوكاذتن!
ثم طوى الورقة ووضعها في فميء قاومته ولكنه أطبق على عنقي بيده
اليسرى في قوة وظل يدفع بالرسالة في فمي حتى شعرت بالاختناق وهو
يصرخ كي جنون:
القن :وكات وتسستحقة أن:تقوت لكذيك:
مادت بي الأرض وشعرت بقرب الهلاك؛ ومنحتني الرغبة في البقاء قوة
جمعتها في ساقي فركلته في بطنه فاطاحت به الركلة خطوات للوراء. وقبل
أن يسحب حسامه هويت على رأسه بجرة العسلء فسقط على الأرض
تختلط دماؤه بالعسلء. وسقطت أنا إلى جواره من الإعياء. تنزف الدماء من
عنقيء وأتلقف الهواء بجهد بالغ وضلوعي تكاد أن تنخلع مع السعال.
جلست على الأرض وأسندت ظهري إلى الحائط. وقد استسلمت لما قد
العجيب أنه بعد أن اعتدل من ترنحه, لم يُجْهز عليّ بل أخذ يحبس دماء رأسه
بيده ثم جلس على الأرض وأسند ظهره إلى الحائط المقابل لي تاركًا الخنجر
إلى جواره وحسامه في غمده., وكأنما قرر أن يمنحني هدنة, قال وهو
يمسح الدماء والعسل عن وجهه بطرف توبه:
- لو كان معك سيف لقتلتك الآن؛ فأنا لا أجهز على رجل أعزك.
وددت لو أتبعه بضحكة ساخرة ولكن حالة ضلوعي لم تسمح لي:
قال وهو يقطع جزءًا من ثوبه ضغط به على جرح رأسه النازف:
- لم أنو قتلك: أنا أعاقبك فحسب لأنك كاذب.
قلت في جرأة غير هياب:
- وأنت خائن!
رفع حاجبه ونظر إليّ شذرًا وكأنه يحذرني من التمادي؛ ولكني لم ألتفت إلى
تحذيره واردفت:
- تخون صديقك وتطمع في أمواله. ولا شك عندي في أنك ما تركته إلا لأجل
هذه الأموال.
صمت قليلا ثم قال مستنكرًا:
: أخون صديقي!
ثم ضحك ضحكة قصيرة وهو يقوك متهكما مكررًا عبارته:
- اخون صديقي!
|
اسمع أيها الفتى!
تبدو لي مخلصًا شجاعًا ولكنك غرّ تحمل في صدرك قلب طفل لم يرَ بعد غدر
الأيام ولم يزّق قهر الرجالك.
سكت قليلا تم قال:
- أتدري ماذا فعلت كي أحفظ صديقي الذي تتهمني بخيانته؟
قد تركت بلدتي «غرندل» بسببه للأبد!
«غرندل» التي عشت فيها أربعين عامًا من حياتي لا أعرف لي وطنًا سواها!
أتدري ماذا فقدت أيضًا بسببه؟
فقدت رجالي وخلعوني من رئاستهم وطردوني من الحجر!
قالوا:
اندي أضعت «غفرتدل» التفن اتتكضت على الغراة لعشيرات السدين:
أتدري ما هي ثالثة الأثافي؟!
قد فقدت جاريتي التي أحبها!
وقتلتها بيدي حتى لا تقع أسيرة في يد المرتزقة!
صمت قليلًا وكأنما اختنق صوته حين ذكرها ثم قال:
- قل لي أيها الغرٌ أي مال يعوض فقدان الوطن والأصدقاء والحبيبة؟!
شعرت بالشفقة عليه لم أكن أتخيل أن يحمل في قلبه كل هذه الهموم: بل
لم أكن أتخيل أن يحمل في صدره قلبًا يشعر ويتألم.
عجبًا!
حتى قساة القلب تلين قلوبهم أحيانا تحت وطأة الألم.
قلت رغم ذلك:
- وهل يشفع لك ذلك أن تستولي على أموال صديقك؟
لمعت عيناه وكأنما نسي ما به من حزن عند ذكر المالء وقال:
- المال سيجعلني أملك الرجال والسلاح: وأعود إلى بلدتي مرة أخرى كي
أطرد منها المرتزقة المحتلين.
قلت:
- ولكنه ليس ملك لك.
قال في غضب أخافني:
- ولن يكون ملك لأحد أيها الغبي!
أنا أحق الناس به!
أتظن أن (شهبور) وعمرو سيعودان؟!
نظرت إليه مصدوماء فقال وهو يحرك سبابته في الهواء:
- هل تظن أن سفن (هدد بن بدد) لن تلحق بهما؟
لم تنج سفينة منه من قبل أيها المعتوه!
إن لم يكونا غرقى الآن في خليج لحيان تأكلهما الأسماكء فلا بد أن يكونا
سرف في سجون (هدد بن بدد) يلاقيان أشد العذاب.
انقبض قلبي لكلامه. وقلت في غضب وحزن:
- كنت تعلم بذلك ولهذا تركتهم يذهبون وحدهم!
قال:
- تركت لهم الفرصة الأكبر في النجاة!
أطرقت حزينًا فقال محاولًا استمالتي:
- لو كانا في سجون «إدوم» الآن؛ فلا سبيل لنجاتهما إلا بأن أعود بالسلاح
والرجال: فقط أحتاج المال لذلك.
- إن لم يكن المال معك فهو مع الشيخ (عابر): ولا أريد أن ينال الشيخ الجليل
اذى!
أصابني تهديده بالخوفء ولكنني تماسكت ولم أظهر له شيئًا منه وأنا أقول:
- لن تجد المال مع الشيخ (عابر)!
فقد ذهب المال إلى من يقدر على حمل الأمانة!
انتفض جالسًا على ركبتيه وكأنما لدغه عقرب وقال:
و
تكلم؟
- (عمرو بن الحارث الجرهمي)!
أعطاه الشيخ (عابر) المال يوم عدناء قال له:
إن عاد (شهبور) رَدَّ إليه ماله وإن لم يعد فالمال قربان للبيت ينفقه كيف
يشاء!
قام من جلسته وانطفأ بريق الأمل في عينه وحلّت مكانه الخيبة. عض على
شفته بغيظ حتى أدماهاء ثم بصق بصقة اختلطت فيه دماء شفته ووجهه ثم
انصرف.
بعد ساعات عاد (ليث) من السوقء رآني وأنا لا دل على جلستي يبدو على
وجعي 7 وقد تمزقت ملابسي واآتثار الدماء لا تزال عليهاء انزعج فهرول
تجاهي قائلا
- ما بك يا (شمعون)؟!
قلت في ألم وأنا على يقين بأن أحد ضلوعي قد تحطم:
- هاجمني كلب عقور في الحي الخالي عند الظهيرة!
قال (ليث) منزعجًا وهو يساعدني على النهوض:
ا
- حقا!
وهل لا يزال الكلب طليقا في الحي؟!
قلت وأنا أستند إلى كتفه:
- قد أصبته في مقتلء وأظنه سيفر إلى الصحراء بلا رجعة.
دخلت إلى الحجرة فخلعت ملابسي الملطخة ولففت صدري 'بتوب عدة مرات
فجبر ما به من ألم شكرت (ليث) واستأذنته في أن يتركني لأستريح: أغلقت
باب الحجرة, ثم حتوت على ركبتي متألمًا أمام الصندوق المفتوح, حذبت
المقبض السري في زاويته فاستدار قاع الصندوق لأعلى. رأيت سبائك
الذهب تتلألأً تحته فحمدت الرب كثيرًا ثم اعدت المقبض إلى موضعه واغلقت
الصندوق. قمت بصعوبة واتجهت إلى سرير (اروى). القيت بحجسدي عليه
مستنزف القوى, لوهلة شعرت بها إلى جواري تتحسس موضع دائي»
اضالف تظيهها ادر قل اكت ادر كفي الهو من در قا امن ليده
إعناقى ؟!
في اليومر التالي :ذهيت إلى مزل الشية (غاير) القريب'محتملا الام صدرف:
حين راني تعجب. وسالني عن جرح رقبتي فاخبرته بما حدث. شعر بالحزن
5-5 على (شهبور) و(عمرو بن دومة), واستحسن صنيعي او كذبتي فقال
- أجرى الرب على لسانك ما كنت أنوي فعله بالمال. فقد عزمت أن أحفظه
حتى يعود (شهبور)؛. ونذرت إن لم يعد (شهبور) أن أنفقه على الحجيج.
سالته:
- أتحب أن أحمله إلى (عمرو بن الحارث الجرهمي)؟
هزرأسه نفيًا وقال:
- إياك يا (شمعون)!
١
لو استطاع (عمرو) أن يبدد الغزالتين لينفق بهما على حربه لفعل!
نظرت إليه متحيرّاء وشعر هو بثقل الأمانة التي أحملها وأشفق على منهاء
فصمت قليلًا مفكرًا ثم قال لي:
فس مين فعه اعون ليا لج راك ا ف وشعرت فيها
بالخلاص من ذلك القلق الذي قلقل يحياتئ وكدث: أفقذها بسبه: فقئلث يده
ثم خرجت من عنده شاكرا.
00 00 00 00 0
الورقة الحادية والأربعون
مرّ أسبوعان تحسنت فيهما آلام صدري ولكن ليس للدرحة التي أستطيع
معها قطع الأشجارء اكتفيت في تلك الأيام بالخروج مع (ليث) إلى السوق,
وأحيانا كنت أذهب وحدي للطواف بالبيت. أو الجلوس في حلقات الشعر
التي بدأت تتزايد بين «الصفا» و«المروة»,. ف (عمرو بن الحارث الجرهمي)
كان شاعرًا مفوهاء وشجع ذلك الشعراء للجلوس في حلقات يتبارون فيها
بالكلمات المنظمة التي تنتهي أواخرها بحروف لها رنين كضربات الصنج,
استهوتني تلك لمات د كنك انون بقزاعة” فض السفواء :واتفتي 51
احاكيهمء. رغم عدم فهمي لبعض الكلمات.
لم أرَ (دعس) في تلك الأيام, فهو لم يعد إلى البيت مرة أخرى؛ ولم تكن له
أغراض بالبيت كي يعود إليهاء اخبرني (ليث) أنه يراه دائما في حي «اجياد»
يحوم حول سقيفة (عمرو بن الحارث): ولم ينس أن يذكر تعجبه من تلك
كظله.
وفي صباح أحد الأيام علت في السوق جلبة: ورأيت رجال «جرهم»
يتمنطقون بالسيوفء وتكائفت الحركة عند سقيفة (عمرو بن الحارث)ء فقد
سرت: أنباء أن قافلة ل«خزاعة» سوف تصل إلى «بكة» في غضون أيام
يتقدمها سيد قبيلة «خزاعة» (عمر بن لحي)., وعلمنا أن القافلة تستقر الآن
في واد خارج «بكة4 اسمة «ايطن من .
لم ينقطع زيت القناديل عن سقيفة (عمرو بن الحارث) ثلاثة أيام متتالية فقد
كان رؤساء القبائل يصلون الليل بالنهار للتشاور في امر القافلة. انقكسمت
الآراء حول ما يجب عمله؛ رأى سادة «جرهم» ومعهم الشيخ (دومة)- أن
هذا إعلان للحرب ورأى آخرون ومنهم «بني قيدار» و«كندة» أن القافلة آنية
للتجارة؛ وأن هذا أمر معتاد في الأشهر التي تسبق الحج مباشرة: وأنه لا
ينبغي أن يرفع السلاح حول البيت الآمن. وأن الأمر لا يعدو محاولة من
«خزاعة» لإثارة غضب الجرهميين.
وقال شيخ قبيلة «كندة ل_(عمرو) محذرا:
- نعينكم على الحرب ولكن لن نرفع سيوفنا على قوم قصدوا منافع البيت في
الا دون جرم
واستقر الرأي على أن يُرسل وفد من نقباء القبائل من ذوي الحِكّمة لمقابلة
(عمرو بن لحي) لمعرفة نواياه أولاء ثم محاولة تحذيره من أي صدام في
الأشهر الكزم ثانا
واختاروا رجلا من كل قبيلة: وكان مما أثار عجبي وحيرتي أن رأيت (دعس)
ضمن النقباء السبعة الذين اختيرواء عجيب أمر هذا الرجلء يتلون كالحرباء
في سرعة ويجيد بناء جسور الثقة مع من حوله اسرع من تبديل ملابسه.
وخرج النقباء في غرة شهرهم (الأصم) والذي علمت أنهم يسمونه بهذا
الاسم؛ لأنه لا تسمع فيه صلصلة السيوف. ومع ذلك لم تتوقف طرقات
المطارق على السنادين؛ تسحق تحتها الحديد المحمي فتُشكله سيوفا
ومتاريس, بأعداد لم أرَ مثلها من قبل وكأن الحرب التي أوشكت نذرها قد
صارت: أموًا واقعًا لا محالة:
وأمحيَت إلى (ليث) أنه من الضروري أن نقوم نامي البيت. فنحن لا ندري ما
الذي قد تحمله الأيام القادمة2. ومنحتنا أيام الترقب لعودة النقباء فرصة
للعمل. فقد كسدت الأسواق: وكنز الناس أموالهم تحسبا لما قد يحدث فلا
بيع ولا شراء. جمعنا الأحجار والأخشاب.: وبدأنا في إصلاح البيت وتحصينه:
قمنا بتعلية جدار البيت أولا حتى صار من الصعب أن يتنسورهة أحدهم ثم
أضفنا ألواحًا من الأخشاب وجريد النخل إلى عريش السقفء بعدها قمت
بإصلاح النوافذ وأبواب الحجرات؛ وأضفت الها' حشوات من الحشتث: “ثم
صنعت لها المزاليج حتى صارت كابواب الحصون.
وعاد (ليث) ذات مساء فوجدني قد صنعت حوضًا من الحجر في فناء الدار
الداخلي حول جذيل النخلة المبتورة. ملاته بالتراب وغرست به عيدان من
الريحان فملاً عبيرها الدار وأاأضفى عليها بهجة تسر الناظر إليها.
قال (ليث):
- تجيد الزراعة أيضًا يا (شمعون)!
قلت ضاحكا:
- ف كانت تعره ن الفواة فانرا فس نرف اف د
ابتسم قائلا:
- لا تفتأ تذكرها بكل فضل أنت فيه!
قلت في شجن:
ِ- أرتدي روحها بخلّة جسدي.
قال متأثرًا وكأنما تذكر أباه:
- وأبوك؟!
ماذا ورتت عنه؟!
عجزت عن الكلاما
وفيقت حتى طال صمتي.. سرت خطوات 7 ثم جلست على الأرض واسككدثت
ظهري إلى الحائط فجلس إلى جواري 00 إلى العريش وأنا أقول له:
- أتدري يا (ليث)؟
أنا لم أشعر بقذر ما صنعه أبي لي في حياتي حين كنا في برية سينء, لكني
أشعر به وأعيشه الآنء أرى طيفه يميق امام :ونظلا قدمي آثار أقدامه في
كل خطوة أخطوهاء أصبحت الآن أشبهه في كثير من الأمور». ناهزت طوله أو
أكثر بقليل, ٠ حينٍ أرى وجهي في مرآأة (أروى) المكسورة, أظن اتن أراة:
نفس الجبهة والأنف والعينان: ولولا لفحات الشمس في برية «فاران» لظل
0 كوجهه . العجيب أن صوتي أيضًا قد اقترب من صوته: وحديتي
صار أشبه بحديته, وأراني أتمثله في غضي وفرحي فيا نف دا
أظن يا (ليث) أن صفات الأب لا تورّث؛ لأنها لا تموت. هي تنتقل بحالها في
حسد جديدء ما زلت اذكر لحظة موته؛ اتدري ماذا قال حينها:
«الحمد لله الذي ترك بضعة مني سترى الأرض المقدسة».
كان يعلم أنني بضعته: والبضعة إذا كبرت صارت كالأصلء أنا لا أفتقده الآن؛
لأنة معي أينها كنت وكل ما أخناة آلا أحقى حلهدة أنه متهما ينال هل
تفهعمني؟
لم أسمع إجابته. بل سمعت صوته ينتحب وقد تذكر أباه, ربَثٌ على كتفه ثم
شددت عضلده بيدي وأنا أقول:
- صدقني يا (ليث). أنا أيضًا أرى فيك الشيخ (نابت): ويوم من الأيام ستكون
سيدًا لقومك كأبيك, وستحمل بين ضلوعك قلبًا كقلبه يمتلأ رحمة,. وحكمة,
وعدلا.
ثم قلت باسما:
- ولكنك إياك أن تتحدي (لامار) مرة أخرى وإلا أغضبت روح أبيك!
ابنتسم وقال:
- (لامار)!
ليت شعري كيف حال «يثرب» وأهلها الآن؟
أشتاق إلى أمي ور(أروى) كثيرًا!
قلت مؤمنا بغير قصد:
- وأنا أيضًا نظر إليّ مندهشًا فقلت مسرعًا:
أقصد أني أشتاق إلى «يثرب» وبساتينها!
00 00 00 00 0
أشرفت رءوس الإبل من فوق كثبان الرمال جهة الشرقء وملأ صوت رغاؤها
الوادي بين جبلي «قيقعان» و«ابي قبيس», خرج الناس عن بكرة ابيهم إلى
سفوح الجبال تتطلع أعينهم إلى القافلة الأكبر في تاريخ «بكة» منذ وطئت
وديانها إبل «جرهم».
تقدم الركب عشرون ناقة مفقوءة العين. تنوب كل واحدة منها عن ألف,
خطفت العيون المفقوءة أبصار الناس؛: وظلوا يتهامسون:
كرف يفتك تمن وا عد دريف القاناقة؟!
لحظات وكانت خفاف الإبل تعلو فوق الكثبان الناعمة: تتأرجح على أسنامها
زنابيل الغلال التي تحمل الخير إلى «بكة».
أصاب المشهِدُ رجاك «جرهم» وحلفاءهم بالذهول: انتحى الفرسان جانيًاء
وأعادذوا السيوف الئ أعمادها , :ثمز وقغوا الى خوار العامة والحجيخ بطاعون
اكتملت غرابة المشهد برؤية نقباء «جرهم» السبعة يسيرون جنبًا إلى جنب
مع (عمرو بن لحي) في مقدمة الركبء توقفت القافلة بالقرب من المسعى,
ظل الجميع في مواضعهم بينما قفز (دعس) من فوق جواده وسار خطوات؛
قبل ان يعتلي صخرة عند اول «المروة» وقف عليها وقال بصوت عاك:
- أيها الناسء: هذا (عمرو بن لحي الخزاعي). سيد قبيلة خزاعة, قد جاء إلى
البيت آمنًا : مطمنئنًا لا يحمل سلاحًاء ولا يهتك حُرّمة. حاملا معه قريانه إلى
انتشمقة ناكرا كين راية (دقنس) تسخدت!
ها هو يبرل جلده مرة أخرى!
خرج نائبًا عن «جرهم». فعاد يتحدث بلسان «خزاعة». دار في عقلي سؤال
عَما إذا كات ياقي التقناء قد تحدوا تخدؤوةء: وان تشسككت في ذلك حيتما رارك
التزامهم الصمت ولمحت الخجل في عيون البعض منهم.
جاءت الإجابة من ناحية «الصفا». فقد علت جلبة؛ ثم رأينا أشراف «جرهم»
على الطرف الآخر يتقدمهم (عمرو بن الحارث) وإلى جواره الشيخ (دومة)
وخلفهم ماثئتا فارسء. يرتدون جميعا زي الحرب وإن كانت السيوف في
اغمادها والسهام في اكنانها. ثم وقفوا قبالة قافلة «خزاعة» في تبات لا
يفصلهم عنها إلا رمية رمح.
تنقلت الأعين بين «العمروين»: (عمرو بن الحارث) الشاب الذي يحمل على
ظهره تاريخ اسلافه في سدانة البيت لتلاتمائة عامء ويقف أمامه (عمرو بن
لحي) الرجل المحنك الذي يتطلع إلى مستقبل قومه في الولاية ويريد أن
يؤسس لها.
أناخ النقباء الستة الباقون رواحلهم حين رأوا ركب (عمرو بن الحارث) قادماء
نزلوا عن ظهورها وساروا تجاهه بينما ظل (دعس) على وضعه فوق الصخرة,
قال رسول قبيلة «كندة» وكان أكبرهم سنا:
- يا سادة «جرهم» و«قيدار», قد جاء سيد قبيلة «خزاعة» مسالماء يبغي
البقاء فى ««مكة» حتى أشسفر الحح: .وقد أاعطى الفهد يألا يرقغ ديفا أو تهذز
رمحا.
صمت (عمرو بن الحارث) قليلاء ٠ ثم نظر إلى رجاله عن بمينه ويساره ثم قال
وكأنما قد اتفقوا على ذلك مسبقا:
- و«جرهم» لا ترفع سيفها إلا على الباغي المعتديء فمن أتى إلى البيت
يسأل الأمان فهو في حمانا إلى أن يرحل!
ابتسم (عمرو بن لحي) باستخفاف أطفأ حالة الفخر التي تحدث بها (ابن
الحارث): ثم قال بصوت عميق ظننته يأتي من بطن الوادي:
- لا يسأل أمثالنا الأمان!
وحمى «خزاعة:
» هو الحمى يا (بن الحارث)!
انتفض فرس عمرو بن الحارثء وكأنما أغضبته إهانة سيدهء. فرفع ساقيه
نافررًا في غضب, ثم قال (عمرو) وهو يلهث منفعلا:
- للبيت سدنة يقومون على فرائضه يا (بن لحي)؛ وفريضة البيت العشر مما
تحملون!
اتسعت ابتسامة (ابن لحي) أكثر وقال في هدوء رجل ينظر إلى طفل منفعل
ولا يابه بما يقولك:
- وفيم تنفقون العشر يا فتى «جرهم»؟!
على الحجيج أم على أنفسكم أم على السلاح؟!
رفع (عمرو) رأستة في شممء. تم أشيان بيده إلى جبال «الحجون» التي تقع
على اطراق «بكة» من جهة الشرق وقاك:
- سل الناس من «الحجون» إلى «الصفا» عما جادت به أيادي «جرهم»
ضحك (عمرو بن لحي) ضحكة أطاحت بهيبة (ابن الحارث): وأشعلت غيظه ثم
قال مخاطبًا الجموع من (بني إسماعيل) والحجيج:
- انظروا يا أهل «بكة»!
ينفقون قرابين البيت على الحجيج ثم يقولون:
هذا ما جادت به يد «جرهم» على اهل «بكة».
ثم صرخ في غضب هادر أرهب القلوب:
- الجود بما تملك يا (بن الحارث)؛ وليس بأموال المؤمنين.
صمت الجميع: فللحقيقة سطوع مثل الشمس يؤذي عيون المتعامين عنهاء
راي غضبا يكسو وحجوةهة بعض الجموع المتجمهرة ونكوسا أصاب رءوس
البعض» عجبًا لأمر هذا الرجل استطاع بغير سيف ولا رمح أن يصيب غريمه
في مقتل!
بات جليًا أن معركة الكلام خاسرة: ومع ذلك غمغم (عمرو بن الحارث) بكلمات
لا معنى لها كي يوقف نزيف كرامته فقاك:
- قل ما شئت!
فلن ينكر عِزَّنا إلا جاحد؛ ثم أنشد في صوت عالٍ كي يسمعه الجميع:
مَلَكْنَا فَعرَّرْنَا فَأَعْظِمْ يِمُلْكِنا
فَلِيس لحي غيّْرنا نمّ فاخِرٌ
وكأنما أعطى بأبياته الفرصة ل_(عمرو بن لحي) كي يجهز عليه: فألقى (ابن
لحي) بسهمه الأخير قائلًا بصوت فاق صوت عمرو علوًا:
- أيها الناس؛: ما جئناكم كي نفاخركم بملك أو نمن عليكم بعزء فلا عز إلا لرب
هذا البيت!
هذي تجارتنا قد أتينا بها إليكم: لا نقول هذا لنا وهذا لله بل هي كلها لله لن
يبقي جائع: ولا معتر في «بكة» ولا من حولهاء فمن أراد طعاما اطفهناة: ومن
أراد كسوة كسيناة؛ والفضل لكم ولا منة إلا للّه!
ثم هتف في رحاله:
- أنيخوا الدواب!
فهنا سيكون حي «خزاعة» بإذن الله!
وانطلقت الحناجر الجائعة تهتف ل(عمرو بن لحي) بالحمد والشكر. وحين
أناخ دابته, انطلق الناس إليه يقبّلون رأسه ويدة بينما سحب (عمرو بن
الحارث) رجاله؛. يظللهم الوجوم وقد أدركوا أن الأيام المقبلة ستكون حيبَلى
بالغدر بعد أن لقحها (عمرو بن لحي) بالمكر.
00 00 00 00 0
الورقة الثانيهة والاربعوت
مرت الشهورء واقتربت أيام الحج في شهر (بُرَكَ) الذي تبرك فيه الإبل القادمة
من كل فج عميقء لتحل معها بركات الحجيج على البلدة التي تهوي إليها
الأفئدة, رأيت أصناقا من البشر لم أرها من قبل واستمعت إلى لهجات شتى
لم أفهم معظمها. وعلمت أن بطون العرب من ولد (إسماعيل) أكثر من أن
تحصى, ومع ذلك كان الجميع يطوفون حول بيت واحدء ويلهيجون بنداء واحدء
ويستتروت برداء واحد: ويصعدوت إلى جبل واحدء الوحدانية في تلك البقعة
كانت هي الشيء الأقدس والأكثر تميرّاء لم يخرق ناموس الوحدانية في ذلك
العام شيء سوى الوفادة. فمن قام على وفادة الحجيج في هذا العام كانتا
قبيلتين بدلا من قبيلة واحدة. امتدت خيام «خزاعة», من نهاية «المروة»
وحتى جبل «قعيقعان».: وفيها كان الطعام يعد لإطعام الحجيجء. وامتدت خيام
«جحرهم» من «الصفا» وحتى «بئر زمزم»: ومنها كان الماء يخرج لسقاية زوار
البيت.
رغم انشغالي بصنع الصناديق أحيانًا وانشغالي بالبيع بدلا من (ليث) في
التسوق أحتانا أخرى: لمر امع لعي فقن قنساك قن النور فى تلك الأنامر
رافقت الشيخ (عابر) و(ليث) في مواضع شتى حول البيت كانوا يطلقون على
كل واحد منها اسم (المشعر). يستحضرون فيها مشاعر تضافرت كأغصان
شجرة ملتفة؛. مزحت بين رحمات تجلت في الماضي ورحمات ترتجي في
الحاضر.
هنا هرولت الجارية (هاجر) أم (إسماعيل) بين «الصفا» و«المروة», تبحث عن
الماء لوليدهاء. تسعى رغم انقطاع الأمل؛ فيتفجر الماء لسعيها وكأنما
ليعلمهم الري أن السعي معقود على الرجاء؛ وهناك انتصر أبونا (إبرام) على
همسات الياس ووسوسات التثبيط؛ رجحم الشيطان الذي رآه او استشعرة لا
ادري؛ ولكنه انتصر عليه ولم ينثن له عزمء وبين هنا وهناك: كان ذلك الجبل
الذي يقفون فوقه يعترفون بذنوبهمء ويرجون رحمة ربهمء يتحدثون إليه لا
يفصل بينهم وبين ابواب السماء حجاب.
أما آخر الأيام فكان أعظمها وأجودهاء قدمت القرابين إحياءً لذكرى فداء أبيهم
(إسماعيل)؛ امتلأ حرم البيت والأحياء المحيطة به بلحوم القرابين ودمائهاء
رأيت الأحباش وعبدة الأوثان يأتون من الجنوبء. ومن بطون الجبال يرجون أن
ينالوا من تلك اللحوم فلم يرُدهم أحدء لم يُسأل أحد عن جنسه. أو قبيلته أو
أنعانة :و الحق: أضع» لم أر مفلع*هذا القطاء غير العمشيروط 'فئ درية :سيق ».
فهنا تتنزل الرحمات بلا شرط ولا انتقاء.
وتنافست «جرهم» و«خزاعة» في الذبائح؛ ذبح (عمرو بن الحارث) في ذلك
اليوم خمسين راس بعيرء فرد عليه (عمرو بن لحي) بذبح مائة راسء فضلا
عن عشرات الذبائح التي قدمتها باقي القبائل قربانا للبيت: المنافسة بين
الأغنياء تعود بالنفع على الفقراء دائمًا حتى ولو كانت رياءً.
كنت أجلس آنا و(ليت) والشيخ (غابر) فى خيمة ضمن مخيم أفيم في واذفي
بين جبل عرفة وبيت الربء. يستريح به الحجيج بعد يوم عرفةء اعد الطهاة
لحم جزور فطعمنا منه وطعمه الفقراء ايضا.
ابتسم (ليث) وقال:
- أراك أديت مناسكنا كاملة يا (شمعون): وكأنك على ملة أبينا (إبراهيم).
لم أتردد في الإجابة. فقلت في غير تردد:
- أنا على ملة أبينا (إبرام) يا (ليث). وظني أنه ما من دعوة تدعو إلى الخير,
وتدعو إلى عبادة الرب الواحد إلا وهي دعوة ابينا (إبرام).
رفع (ليث) حاجبيه مندهشاء بينما انتبه الشيخ (عابر) لكلماتي فقال في
حبور.
- بارك الرب فيك يا (شمعون): أصبت كبد الحقيقة. فإنما هي مشكاة واحدة
يقتبس منها الكل نوره.
قلت وقد أمسكت بطرف الخيط من تشبيه الشيخ (عابر):
- كنت أنظر إلى النور من قبل من خلال تقب ضيق يا شيخ (عابر), أما الآن
فالنور يملا قلبي وبصري.
دمر أردقت:
- أتدري يا شيخ (عابر)؛. لقد رأى أبي ذلك النور رغم الظلام الذي عشناه في
برية «سين»: نظر الى النور من خلال نبي الله (موسى) فملاً الإيمان قلبه,
لم يفتح بنو إسرائيل قلوبهم وصدورهم مثلهء أوصدوهاء فعميت أعينهم عن
الرؤية: لو كانوا مثل أبي لكان نور الرب قد ملأ برية سين مثلما يملأ برية فاران
الآن.
صمت الشيخ (عابر). وظل مطرقًا لحظات قبل أن يقول:
- من يدري يا (اشمعون)., لعل الله يدير مشكاته من «بكة» إلى «سين»!
شعرت بتخوفه مما تحمله الأيام المقبلة فقلت وقد فهمت مغزى كلامه:
- أتظن أن «خزاعة» لن ترحل بعد انقضاء الحَح؟
أمال رأسه جانيًا والتفت إلى خيامهم التي ملأت «قيقعان» وقال:
- هذه رحاكٌ إذا بركت لم تظعن!
لم أفهم معنى المثل الذي ضربه فأردف مبينًا:
- أتى (ابن لحي) بكل ما يملك: وهذا شأن المستقرء وليس المغادر.
قلت:
- ولكنه لم يأت بفرسان ولا بسلاح.
قال:
- ولم يأت بولده (تعلبة).
قلت وقد ساورني القلق:
- أتظنه يغير على «بكة» بعد انقضاء الحح؟
- لا أدري؛ ولكن إن لم يحصل على مراده بالمالء فسيحصل عليه بالسيف.
لذنا بالصمت بُرهة: لا أدري لماذا قفزت إلى مخيلتي صورة العرافة (أم إياس)
في تلك اللحظة. تذكرت ما قالته لي في تلك الليلة المظلمة؛ قالت:
عما قريب تفقد سندكء وقد تركت (أروى) في «يثرب».
ثم قالت:
إذا وقع الخطب هناك فانحٌ بأهلك.
فماذا كانت تقصد بالخطبء أهي تلك الحربء أم أمر آخرء أم أن الأمر لا يعدو
ترهات صادفها واقع يسهل استشرافه؟
انقضت أيام الحجء. وقفلت رواحل الحجيج عائدة إلى أوطانهاء أدركت وضعًا لم
أره من قبل ورأيت حالة بين الناس لم أرها في حياتي في يوم من الأيام
حالة من الرضى والشعور بالريح, فقد ربح الجميع؛ ربح الناسكء وربح التاجر
وربح الفقير؛. وربح السادة والأشرافء ربما الوحيد الذي طالته الخسارة كان
(عمرو بن الحارث الجرهمي). لم يخسر مالاء فما اوتيه من قرابين وهدايا
لاجل البيت يفوق قدرة صوامعه على تخزينهاء ولكنه خسر مكانة بعد أن بدا
حليا أن (عمرو بن لحي) قد زلزل بجوده وعطائه مكانة «جحرهم» في الوفادة.
فرغت «بكة» من ضجيجها وزحامهاء وذهبت سحابة الإيمان التي ظللت
البيت مع أنفاس البسطاء الذين جاءوه شعنا غبرًا من كل فج عميق, ولم يبق
بها إلا سادة العرب الذين اجتمعوا كي يضعوا حذًا للصراع الدائر على ولاية
البيت, جميل أن يكون من بين السادة من يدعو إلى الحكمة, ويهتم لأمر
الوحدة؛. ولكن الخوف من أن تشتري الأنفس بالمال أو أن تمتطي المصلحة
حواد الحكمة فتوجهه كيف تشاء!
أقيمت في «قيقعان» سقيفة ل(عمرو بن لحي)؛ فاقت سقيفة (عمرو بن
الحارث) في «اجياد». وتردد الوسطاء من ذوي الحكمة بين «قيقعان»
و«أجياد» كي يمدوا جسور التواصل بين الزعيمين المتنافرين. وكان من هؤلاء
الوسطاء الشيخ (عابر). و(الغوث) سيد . قبيلة «طيئ».
حين زأبك الغوث تذكرت صدره العاري المتهدل في حمام (الحجر). وبحثت
عيناي عن رفيقه المنمق (زبيد) فوجدته وقد بدا أكثر نحولًا وإن حافظت عيناه
على بريقف المكر فيهماء أستطيع أن أخمن لماذا وافقت «جحرهم» على
(الغوث) وسيطا رغم ما بينه وبين قبيلة «خزاعة» من مصاهرة وعهد
فحديث (الغوث) الذي استمعت إليه في حمام (الحجر) كان يشي ببغضه
ل (عمرو بن لحي) رغم القرابة بينهما.
اقترح (الغوث) أن تعود «خزاعة» إلى ديارهاء وأن تافكن دن بتجارتها كل عام على
أن تعفي من (العشر) عن دخول «بكة».
كان وا طعا انم يكمل وسالة (عمزوية العارة] الذي لقجوا له
قال (عمرو بن لحي) مؤمنا:
- وكأن غضبة «خزاعة» كانت لمال أو تجارة يا سيد قبيلة «طيئ»!
قال (الغوث) في جدية باطنها التهكم وإن لم يبد على وجهه شيء:
- وفيم الغضبة إذن يا سيد خزاعة؟
قال (ابن لحي) ململما عباءته الحريرية تحت إبطه:
- غضبة للبيت الذي انتهكت حرمته وفجر به الزواني!
وغضبة للفقراء الذين يقتص الغشر من أموالهم!
وغضبة لأموال البيت وجواهره التي تزين بيوت السادة من «بني جرهم».
قال (الغوث):
- وما السبيل لحقن الغضب يا سيد خزاعة؟!
قال (ابن لحي) وهو يلوح بيده في الهواء:
- ترحل «جرهم» عن «بكة» ويقوم على أمر البيت من يقدر على خدمته بلا
جور ولا ظلم!
ظهر الغضب على وجه (الغوث) وقال:
تركوه 6 من «جرهم» عن طيب 00 وإن أخذ من 00 لعاد
إليهم: ولا شان لقبائل العرب بذلك!
قال (ابن لحي):
- وماذا لو ترك (بنو إسماعيل) أمر البيت لخزاعة؟!
قال (غوث) في غضب حقيقي هذه المرة:
- تكون ألّبت عليك قبائل العرب يا (بن لحي)!
لا فضل ل_«خزاعة» على «كندة», ولا فضل ل_«كندة» على «طيئ».
دع الفتنة نائمة ولا تغتر بشراء الفقراء من (بني إسماعيل) بالمال: فوالله
احكر واعد من النيت اكب البقم من" الدقاء وما فيها:
تلاقت نظرات الرجلين وتصادم البغض بينهما وقد تكشفت السرائر أمام
الجميع: وتحدت الشيخ (عابر): بعد أن أدشكت شهرة الوذ غلى الاتفطاع بين
الرجلين:
- يا سيد «خزاعة», محمود لك الغيرة على البيت والاهتمام لأمره؛. ولكن أمر
(بني إسماعيل) موكول إليهم كما قال الشيخ (غوث). ونأبى أن نكون قميضًا
تتجادية" أيذي القتصارعين.وليسن لنا فى. هذا الصراغ تناف الأ امو البيت
والحجيج. وحقن الدماء في البلد الحرامي وقد لاقى الحجيج في عامهم هذا
من الكرم وحسن الوفادة ما لم يلقوه في أي عام من الأعوام منذ نشأته:
قال ةس عوض ا خليكم ها دشي اليه (بنو يطور بن إسماعيل).
استحوذت كلمات الشيخ (عابر) على عقول الحضور؛. فللحكمة صوت ينصت
إليه الجميع؛ فقال (عمرو بن لحي):
- هات ما عندك يا شيخ (عابر).
قال الشيخ (عابر):
- ما يرضينا أن يطرد أخوالنا من «بكة» أو أن ينزع عنهم شرف خدمة البيت
وهم من قاموا على أمره ثلائثمائة عام وإن كنا نلوم عليهم الظلم في فرض
العشيور على التاسنء فإني:والله أرعة أن يقسشجر أمر البيت إلى أثلاثة اقسمام:
فتكوت الوفادة :واطعامر الحجيح لتد«كراعة»., والستقاية ل تاجرهف»: أما الهذانا
والقرابين فيقوم عليها حلف من سادة قبائل العرب ومعهم (بنو إسماعيل).
فيتفقوت الأموال في امعه الخق الى فرخها الرن علينا
لمعت عين (ابن لحي) وكأنما راقه الرأي: وهدأت غضبة (الغوث) ولكن صوت
الحمق جاء هده الهرة هن الشية زدوقة) الى كان حضر الجليية ثانما :عن
«جرهم» فقاك:
- نترك بيت أبينا (إسماعيل) لقبائل العرب تتشارك فيه أبتاة!
قال الشيخ (عابر) دون أن يلتفت تجاهه:
- البيت بيت الرب وليس بيت (إسماعيل): ويتشارك فيه كل من أمن بالرب.
قال (دومة) حانقا:
- لا تتسع «بكة» ل_«خزاعة» و«جرهم», إما «جرهم» أو «خزاعة».
قال (زبيد) رفيق (الغوث) الذي كان يراقب الحديث بعيني تعبان طيلة الجلسة
اضدقت :يا شيخ (دوقة): وإث اشتكديا سيد (غوث) قدمنت' الراف:
أشار إليه الغوث موافقاء فقال:
- تقيم «خزاعة» ببطن المُرّ خارج «بكة» فلا تتجاوزهاء فإن كانت أيام الحج
اتت بقافلة الوفادة إلى هذا الحي بلا سلاح ولا فرسان.
استحسن (الغوث) الرأي؛ وتوقعت أن ينبذه (عمرو بن لحي). ولكنه قال:
- لا بأس ولكن بشرط؛ أن تنزع «جرهم» سلاحها.
قال الشيخ (دومة):
ومن يزود عن البيت ويدفع عنه المعتدين؟!
قال راون لض ناك
- وهل يروم البيت معتدون؟!
ثم قام من جلسته مُنهِيًا الحديث وقال:
قد قبلنا بشروطكم يا شيخ (عابر)ء ويا شيخ (غوث): وهذا هو شرطنا الوحيد,
م سلاحهاء نرتد إلى «بطن مر»: ونحقن الدماءء وإلا فالغلبة لمن
00 00 00 00 0
الورقة التالته والاربعوت
مرت الأيام حثيثة الخطى تتلاحق أحداثها في سرعة حتى صِرّنا نصبح على
حال ونمسي على حال آخرء لم يقبل (عمرو بن الحارث) في بادى الأمر
بشرط «خزاعة». ولكنه أذعن في نهايته بالقبول على ان ينفذ في موسم
الحج المقبل: ولم يوافق (عمرو بن لحي) بالخروج إلا بعد أن كتبت شروط
الصلح في صحيفة. شهد عليها رؤساء القبائل وشهد عليها (عمرو بن
الحارث) بنفسه.
وبعد أن جرى الصلح: استعدت القبائل للرحيل عن «بكة»: وودع (الغوث) سيد
قبيلة «طيئ» الشيخ (عابر) في منزله؛ وقال له:
- بارك الله فيك يا (أبا نابت). حقنت دماء العرب وحفظت للبيت هيبته وشرفه.
قبّله الشيخ (عابر) في كتفه وقال:
- الشكر لك يا سيد «طيئ»., لولاك لتمادت «خزاعة» في غيها!
قال (الغوث) وهو يهز رأسه:
- أرجو أن يصدق (ابن لحي) في عهده.
قال الشيخ (عابر):
- نسأل الله له ولنا السلامة.
وقبل غروب ذلك اليوم خرجت آخر قبائل العرب من «بكة» ولم يبق سوى
«خزاعة» التي جمعت أغراضهاء وشدّت رحالهاء وأعلن حاديها أن الرحيل
يجوف يكون م سرون تمش اليدمر الخال :قددة أنشيارها (جهرة بن لحي
وبدا ان سحابة الفتنة التي قد اظلت البيت سوف تنقشع ولو إلى حين.
في تلك الليلة جلست في الدار على سرير (أروى): أدوّن أوراقي على ضوء
فنديل من الزيت: وحظر لي أت اسالتفسي:
لماذا أدوّنها؟
ومن سيقرؤها؟
ولكني لم أجد حقًا إجابة إلا أن هذه الأوراق هي الشاهد الوحيد على
الوحيد الذي يربط بين حياتي الماضية وحياتي الحالية.
مرّ وقت طويل حتى اقترب الليل من منتصفه وأنا ما زلت منهمكًا في الكتابة,
شعرت بالإجهاد فتمطعت متتثائبًاء وبينما كانت ذؤابة القنديل تتراقص وهنا
أمام تقاؤبيء بعد أن كاذ زيثها أن يجف: سمفت صوتا كحفيف: الأرجل خارع
البيت, أطفأت :ذؤابة القنديل وقد خطر لي أنه ريبما يكون (دعس) قد عاد.,
أنصت قليلًا وألصقت أذني بالجدار. ثم نظرت من فرجة النافذة مستترًا
بجسدي خلف الحائط, رايت بعض, الرجال الملثمين, ريتهامسون ويحملون في
أيديهم المشاعل التي انعكست أنوارها وصنعت ظلًا داخل حجرتي» انطلقوا
جميعًا إلا واحدء انتظر حتى اختفى حاملوا المشاعل ثم رأيته عائدًا؛ رغم
الظلام شعرت اني اعرفه. طوله وصوت انفاسه يوحيان لي بانه الشيخ
(دومة).
جلست على الأرض مستندًا بظهري إلى الحائط؛ فآيّا ما جمع هؤلاء الرجال
في تلك الساعة من الليل. فهو بلا شك ليس بالأمر الذي يستبشر به!
عدت إلى فراشي وألقيت ظهري على السرير وقد طار من عيني النوم,
ظللت اتقلتن :من حكنت الى حندن: وكلما خف :ضوت: .تجانبىي: انتضيت” اذناى
ككلية مت يعر الخط نر
فجأة شقّ سماء «بكة» صراحٌ ملأ جنبات الوادي, وأخرج الناس من
صياصيهم. خرجت أهرول من باب الدار.ء وكدت أصطدم في الظلام ب_(ليت)
الذي أيقظته .أصوات الصراخ مثليء خرجنا من باب الدار فوجدنا سماء «بكة»
وقد أضاءتها ألسنة اللهب المتصاعدة من جهة «المروة» حيث توجد أخبية
«خزاعة» وخيامها.
انطلقت أنا و(ليث) تجاه الجبل الذي امتلأ سفحه بالبشرء بعضهم هرب من
الحريق وبعضهم تجمع كي يتعاون في إطفائه وطقطقات النيران تبدو في
أذدئ كاصطكاك فكي ذئب تنسحق بينهما عظام شاة رضيعة؛ تنقلت حرار
الماء بين جسر الأيادي الذي امتد بين القمة والسفح, وأسرعت أنا و(ليث)
في معاونة الرجال في نقل الماء من زمزم إلى «المروة», قبل أن تنتقل
ألسنة النيران إلى سقيفة (عمرو بن لحي).
كم قضينا من الوقت؟
لا أدري. ولكن عتمة الليل كانت قد انجلت وحلّ محلها سيداف الفجر حين
توقفت النيران. وانطفأت آخر السنتهاء جلس الرجال المتعبون إلى الأرض؛
وانطلق بعضهم خلف الإبل التي شردت خوفا من النيران. كلمات مثل الغدرء
ونقض الصّلح, والانتقام, بردوت بكترة بين الناس» سمعت اسم (دعس) بتردد
أيضاء وقيل إنه شوهد مع ر بعض الرجاك حول «المروة» قبل اندلاع الحريق
مباشرة.
مع تباشير الصباح, ظهر (عمرو بن الحارث) ومعه سادة «جرهم» والشيخ
(دومة)ء زيارته المتأخرة اثبتت شكوكا حاكت صدور الناس ولم 00 ساحته
- براءة من العهد بيننا وبينكم.
عاد (عمرو بن الحارث) ورجاله إلى سقيفته في أعالي «أجياد»: وهو لا يعلم,
ما الذي حدث ومن فعلهاء ارسل فرسانه للبحث عن (دعس) فلم يجدوة.
انضم من بقِيّ من أنصاره إليه في السقيفة لا لينصروه. ولكن ليبرئوا
شاحدهم من الاعتداء وليتتظروا يها ستؤول اليه الأموز.
حذره شيخ قبيلة «كندة» من انتقام «خزاعة» وحلفائها قائلًا:
- لا يزال (ثعلبة بن عمرو بن لحي) رابضًا في (بطن مُرٌ) ومعه فرسانه
وسلاحه وأنصار له من قبائل العربء ولا يفصل بيننا وبينهم إلا بضعة أيام.
الشيخ (دومة) كان يؤكد أن ما حدث خيانة. وأن (دعس) قد فعلها باتفاق مع
«خزاعة» كي تتخذها ذريعة لنقض الصلح بعد ان قفل الحجيج من «بكة»
وغادرها حلفاء «جحرهم».
لم يهتم الحاضرون بصراخ الشيخ (دومة).: ولا بالأعذار التي يسوقهاء اهتموا
بأمر واحد؛ ألا تقع حرب في «بكة» تاني على الأخضر واليابس» والحل أن
تترك «جرهم» ولاية البيت كاملة ل_«خزاعة», وانساب هذا الرأي كالماء بين
الشقوق حتى غمر الجميع وجعل «جحرهم» تبدو وحدها كجزيرة منعزلة لا
يقف عليها إلا (عمرو بن الحارث) وبجواره الشيخ (دومة).
وحمل الرجال ما وصلوا إليه من رأي إلى (عمرو بن لحي). وصعدوا به إلى
ارتقى الرجل على ذل الرجال الذين جاءوا إليه محملين بالخوف والرجاء. فقال
في كبر وصلف:
- الولاية لنا شاءت «جرهم)>» أم أبت.
قال بعضهم في خنوع:
- جثئنا إليك لنحقن الدماءء؛ ونرب الصدعء وكلنا أبناء عمومة يا سيد «خزاعة»!
ازداد في صلفه أكثر فقال:
- بل سبق السيف وأهدرت الدماء يا أهل «بكة»!
لا مقام ل .«جرهم» في «بكة» أو ما حولها من القرى.
قال أحدهم بين الاستعطاف والاستنكار:
- يغادرون «بكة» وهم سدنة البيت وأخوال (بني إسماعيل).
قال في غضب أرعبهم:
- البيت بيت العرب وما كانوا أولياءه!
وحق هذا البيتء. لو بقي منهم أحد في «بكة» لأهدرت دمه ولأبحتٌ ماله
ونساءة: ولاجعلن العرب تتحدث عما فعلته «خزاعة» ب_«جرهم».
ثم أردف متوعدًا:
- اسمعوا وعوا يا (بني قيدار) و(يني يطور), ما أتينا لننزع عنكم شرفكم ولا
لنخرجكم من مساكنكمء ولكنا قوتلنا في حرم البيت واحرقت ديارناء فلئن
ناصرتم ظالما فانتم على ظلمه: ولتبؤوا بإاتمه. ولئن لزمتم مساكنكم حفظنا
لكم قصلكص نوها نال من قكا ثكم أحد.
ثم قال في حسم منهيا النقاش:
- وغدًا تعلم «خزاعة» من يجاورها حول البيت:. ومن يرحل عنه!
وعاد الوسطاء إلى (عمرو بن الحارث) منكسي الرأسء عاجزي النطق.
استشاط (دومة) غضبّاء وبهت (عمرو بن الحارث) حينما رأى التخاذل في
عيون أنصاره من (بني إسماعيل): فلم تفلح كلمات (دومة) المؤحجه للعصبية
وحقوق الخئولة في رفع الرءوس المنكسة: وإظهار بريق أمل في العيون
التي ملأها التخاذل؛ بات واضحًا أن أنصار الأمس قد تراجعواء وأن «جرهم» قد
فقدت داعميها من السادة والبسطاء على السواء. وكأنما حق على (عمرو
بن الحارث), أن يجني ثمار ما زرعه أباؤه من قبل وحينما سألوه عما ينتوي
فعله قال:
- كتب على «حرفم» أن تذود عن البيت كافرة وفاجرة: ولئن تخطفتني
جوارح الجبال؛ ونهشتني سباع الصحراء ما تركت ملكا ملكنيه الله وما خّنت
عهدًا قطعه آبائي وأجداديء فوالله لتعلمن «خزاعة» أن بالعرب رجالا صدقوا
وعدهم: وأن الشرف أحب لديعم من الدنيا وما فيها.
ثم هتف على حراسه قائلًا:
- يا حراسء نادوا في الناس بالحرب» وليتأهب الفرسان بالسلاح: وليلجاً
الرعاة إلى الجبال. وليلزم من يخشى الحرب بيته؛ فإنا والله نحمي البيت
بصدورنا ونجير الضعيف فينا.
وعند الظهيرة, رايت المنادي يتسور جدران البيت ثم يقف على سطحه. قبل
أن يسك بوقا. ذكرني ببوق (بني إسرائيل) نفخ فيه ثلاثاء تم قال كلمة
واحدة كررها أيضا تلاثا:
“حون
الخوت!
العري!
وحملت الأيام التالية في رَحِمِها نذر شرء وتأهب الناس لميلاد حرب كبرى قد
تغير محرى تاريخ البيت لقرون قادمة؛ الكثير من الناس لم يكن يعنيهم امر
المتحاربين قذر ما كانت تعنيهم حياتهم التي قد تحترق في أتون المعركة,
نزع البسطاء أعمدة أخبيتهم وحملوا أغطيتها من الصوف والوبرء ثم صعدوا بها
إلى أعالي الجبال يدفعون أمامهم أغنامًا هي كل ما يملكون من حطام الدنياء
احتمى أكثرهم بجبلٍ الرحمة؛ فقد وقر في قلوبهم أن أذَى لن يطولهم فوق
الجبل المقدس, تحصنت بيوت الأشراف في «اجياد» و«ابي قبيس» بالحجارة
والمتاريسء ولجا (بنو إسماعيل) إلى منازلهم في البطحاء فخلا الوادي إلا من
البيت الذي صار مهجورا لا يشرف عليه إلا تمثالان قبيحان على هيئة بشر.
جاءت الأنباء أن (عمرو بن لحي) قد التقى بولده (ثعلبة) في «بطن مر». وأن
حلفاءهم من القبائل قد انضموا إليهم: وانهم في الطريق إلى «بكة».
ومما أثار الخوف بين الناس في «بكة», ما تردد من أن (ابن لحي) كان يحمل
العرافة (طريفة) على هودج في مقدمة الصفوف فلا يقطع واديًا ولا ينزد منزلا
إلا بامرهاء و(طريفة) عرافة يخشى الناس سحرها وصِدّق نبوءاتها.
دونًا عن باقي أحياء (بني إسماعيل). كان حي «يطور» في البطحاء يعج
بالجدل والانقسام.
لم يفلح الشيخ (دومة) في جمع الناس للحرب معه؛ لم يثتق فيه الناس,
وعيره بعضهم بعقوقه لوالده الذي انقطعت الصلة بينهما منذ حادتة سقيفة
(عمرو بن الحارث)2.» شعر (دومة) لبان والحزن وبالغضب أيضاء ذهب إلى
والدة مرتديًا زي الحرب» حين طرق الاب كنا أنا و(ليث) بالداخل::ذخل متكسش
الراسء وقف امام والده وقال:
- خذلني قومي يا أبتاه!
أشاح الشيخ (عابر) بوجهه بعيدّاء فقال (دومة) مكسورًا:
اري3ك أن "تتصرئى]
قال الشيخ (عابر) في غضب ضعضعته شفقته على انكسار ولده:
- أنصرك على غدرك!
ظننتك أحمقّ غضوبّاء ولكني أراك الآن خائنًا للعهد غادرًا.
لم يدفع عن نفسه اتهامًا بل قال وكأنه يلقي بأمنية تمناها ولم تتحقق:
- لو نجح (دعس) لقضينا على شر «خزاعة»!
قال أبوه:
- بل اقض على الشر بداخلك أولًا!
أعماك غضبك عن رؤية الخير من الشرء ووثتقت في قاطع طريق!
|
أتظن أنك كنت قادرًا على شرائه بالمال؟
من يبيع نفسه بالمالء. يبحث دائمًا عمن يدفع أكثر؛ وها هو قد باع نفسه
وباعك ل_(ابن لحي)!
ثم أردف مؤنبًا:
- تخون العهد يا ابن (عابر)!
وتريد أن تسفك الدماء الآمنة في الأشهر الحرم!
قال (دومة) مدافعا:
- كنت أدافع عن البيت!
وعن ملك أبينا (إسماعيل): وعن ملك أخوالي!
صرخ الشيخ (عابر) غاضبا:
- ما كان (إسماعيل) ملكا وما كانت سقاية البيت ملكا.
ثم قال ناصحًا:
- اذهب يا بني فقل لصاحبك أن يترك أمر البيت؛ وليحقن دماء قومه.
قال (دومة) معاندًا:
- وتعيرنا العرب ما حيينا؟!
قال الشيخ (عابر):
- صدّقني يا بني؛ لئن بقيت «جحرهم» شوكة في ظهر «خزاعة», خير من أن
تنكسر شوكتها في حرب تستبد بعدها «خزاعة» بالامر وحدها!
قال (دومة) متنهدًا:
- سبق السيف كما قال (ابن لحي) يا أبتاة.
قال الشيخ (عابر):
- بل لا يزال السيف في غمده.
تثر زوف قيما يشية الرجاء:
- ارحلٌ مع أخوالك يا بنيء ودع الأيام ترب ما وقع من صدع.
وقبل أن يجيب أباه. علا صوت النفير من فوق جبل أبي قبيس, وحملت الرياح
أصوانتظيول: تقرغ فتتهد النتصية (دومة) ثم قال"
- أستودعكم الله يا أبي؛ لو عاد (عمرو) ولدي فلم يجدنيء فقل له:
إن أباك قد مات عزيرًا.
ثم خرج وصفق الباب خلفه.
00 00 00 00 0
الورقة الرابعة والأربعون
«انتهت الحرب باسرع مما كنا نظن؛ اتسشحقت المتارسن: التي أقمتها في
سفح «أجياد» تحت سنابك خيل «خزاعة»,. لم تحتمل المتاريس وطأة
جحافل الجيش الذي فاق عددنا بخمس مراتء رجال «جرهم» كالأسود ولكن
الأسد إذا تكاثرت عليه الضباع أنهكته.
كانت هذه كلمات (عمرو بن الحارث)»؛ كنا أنا وهو فوق جبل «الحجون» بعد
ابامرمق المعركة. نتطلع إلي جبل «أجياد» الذي تصاعدت منها أعمدة الدخان
في الجهة المقابلة بعد أن أتت النيران على كل منازل «جرهم».
لم يرض رجال «خزاعة» إلا أن يحرقوا منازل «جرهم» عن آخرهاء لا يريدون أن
يتركوا لهم أنرًا؛ فالآثر يثير الحنين والشوق والرغبة في الرجوع!
أبادوها وكأنها لم تكنء: قبل أن يحرقوا البيوت. أخرجوا النساء والأطفال
والشيوخ من المنازل, جمعوهم مع الأسرى في مخيم ب-_«البطحاء», وأبقوا
على حياتهم في انتظار ما يأمر به سيد «بكة» الجديد (عمرو بن لحي):
أهدروا دماء (عمرو بن الحارث) بعد أن طمر «بئر زمزم» بالحجارة والتراب
0 بالأرض, ارتكب (ابن الحارث) ارم الأعظم, وأتى بأحط, ما يمكن أن
000 حين شعر در الهزيمة. وحين سمع المنادي رفول في الطرقات
من يأتي به قتيلًا فله مائة رأس بعيرء ومن يأتي به أسيرًا فله ألف؛ أدرك أنهم
بريذوة الإ قاء على كانه الذي لا الى ء إلا لمعرقة السو ادق وحمل هم
يريدون أن يعرفوا اين اخفى غزالتي الذهب واين وضع سيف (المضاض بن
جرهم)؟
اذا عوقو الجر بن فط عليه الانمعالة.
بعد أن رأى الهزيمة وشيكة. تسلل هاربًا من فوق جبل «أجياد», خلع
ملايدة:وارتوف حلنانا مركا والقى على رابيتة ها ا تلم بطلوفة ذم شيا
إلى البطحاء وسار بين الجموع التي خرجت من بيوتها تهلل بنصر «خزاعة».
رأى جماعة من الناس يهرولون خلف ناقة مفقوءة العين من نوقه الخمسة.
انتحى جانيًا بعيدًا عن الناقة المذعورة التي لا ترى شيئًاء سقط لثامه ومع
ذلك لمر تعرقه: أكون | منماف اعد الرحال: يديل الناكة وفملف اشن عرافينها مه
خلاف. فسقطت الناقة العمياء كالطود.
ارتقى أحدهم فوق ظهرها ثم عقرها وهي تنتفض من الذعر والألم» شعر
بالألم يعتصر قلبه: او لقره بد ل الك ل كر
عيناها لأتيحت لها فرصة للهروب.
ألقى خماره أرضّاء فقد أدرك أنه مجهول بين الناس. سار مكشوف الوجه,
حتى وجد نفسه في أطراف البطحاء, حشي أن يخرج إلى الصحراء فيلمحه
الكشافة من فوق الجبل فيشتبهون بامره. قرر ان ينتظر حجتى يجن الليل
الذي تفصله عنه سويعات قليلة, نظر حوله فوجد عريشًا أقيم وحده في
اطراف البطحاء. ويبدو انه غير مسكون. دخل في حذر فوجد دقماقا وصناديق
غير مكتملة وعربة بلا حصان تستند إلى قائميهاء أدرك أنه عريش لنجار: وأن
النجار غير موحود: اختبأ في العريسش جامعا ركبتيه إلى صدرة: ويدة تتحسس
جرحا غير نافذ في جانبه.
بعد قليل مدد ساقيه واسترخى بظهره؛. اطمأن للسكون من حوله؛ فأغمض
عينيه وانتظر مجيء الليلء ولكن الليل حين زاره وجده نائماء فارخى عليه
سكونه وتركه؛ فلم يفق إلا في الصباح حين دخلت انا عليه العريش.
حين رأيته نائمًا خدعتني هيئته وظننته عابر سبيل, ولكنه حين فتح عينيه
عرفته؛, فأنا لا أنسى العيون أبدّاء ذُعر لرؤيتي. ولكنه تماسك بعد وهلة:
تظاهر بأنه عابر سبيل» فأحنى ظهره وأطرق برأسه إلى الأرض وهو يقولك:
- معذرة يا سيديء. قد داهمني الليل فبت في العريش الخالي خشية
الذئاب.
تجاوزني في سرعة واصطدم كتفه بكتفي وهو يخرج من الباب. استدرت إليه
بعد ان خرج من باب العريشء وقلت محذرا:
- الطريق ليس آمنًا!
يبحثون عنك في كل مكان.
تجمد في موضعه لحظات. تم فرد ظهره. واستدار إليّ وهو يقول في عزة
الملوك:
- عرفتني إذن!
من أي البطون أنت؟!
قلت:
- لست من أهل «بكة»!
قال متعجيا:
- ولماذا تحذرني؟!
كان بإمكانك قتلي وأنا نائم وتأخذ المائة رأس بعيرء أم تريد أن تسلمني إليهم
حا كيه تطفر :رالا لف راش ؟!
هيا أيها الشاب اصرخ؛ واستدع الكشافة فلو كنت مكانك لفعلت.
أشرت إلى يدي الخاويتين من أي سلاح وقلت وأنا أنظر إلى بقعة الدماء التي
كبرت وطفحت على ملابسه:
- لا أريد هذا ولا ذاك!
فقط أريد أن أساعدك على النجاة.
قال متشكدا:
- لماذ|؟
- لأن كل إنسان يستحق فرصة للنجاة.
رأيت في عينيه تصديقا وبريقًا للأمل؛ فقال:
- وهل تملك أن تساعدني؟
- أجل فقط انتظرني لبعض الوقت وسأعود إليك.
عاد الشك إلى نظرته. فقلت مطمتنًا:
- سوف أتي ببغلة تحملنا إلى خارج «بكة».
لا أدري لماذا وتق في كلماتيء ربما لأن الكلمات الصادقة تجد طريقها إلى
القلب دون المرور على العقلء وربما لأنه لا يملك خيارًا آخر.
وجدته متلهفا قلقاء قال:
- تأخرت طويلًا!
قلت:
- معذرة. توقفت أكثر من مرة خشية أن يتبعني أحد.
ألقيت إليه بِصرّتي القماش وقلت:
- هذا طعامٌ. وذاك ملبس بدل جلبابك الملطخ بالدماء بعد أن تفرغ من الطعام.
فتح ضُرَّةَ الملابس أولًا وهو يقول:
- لا وقت للطعام.
فرد الزي أمامه فوجده جلباب امرأة. ومعه خمار رأس.
قال مندهشا:
- ما هذا؟!
قلت:
هذا أفضل شيء للخروج من هناء ارتدة الآن ثم أردفت مبتسمًا:
- أرجو أن يتسع ثوب (أم السعد) لك!
علقت العربة على سرج البغلة, ثم وضعت فوقها بقايا أخشان وبعض
الصناديق غير المكتملة.
خرج عمرو مرتديا جلباب (أم السعد) الذي وصل إلى كفل ركبتيه بقليل,
واضعًا على رأسه خمارها.
كدت أضحك: ولكني تراجعت!
قلت له:
- هيا اقفز.
قفز فوق العربة ثم استلقى على ظهره وأسند رأسه إلى أحد الصناديق
وستر ساقيه بغطاء من الخيش ووجهه بالخمار الأسود.
قال من خلف الخمار:
- اتجه إلى «الحجون»!
انطلقت بالعربة من «البطحاء» ودرت حول جبل أبي قبيس دورة كاملة. وحين
اقتربت العربة من سفح «اجياد». حدث ما كنت اتوقعه.
استوقفني بعض فرسان «خزاعة» حين رأوا العربة. سألني أحدهم:
- من أي نأنئ ومن أن البطون أنت؟
قلت في هدوء:
- أعمل نجارًا في «البطحاء» وأنا مولى الشيخ (عابر) من «بني يطور».
دار الحارس حول العربة وكأنه يتعجب من صنعتهاء ثم نظر إلى (عمرو)
المستتر بزيه متعجبا.
فقلت فختصرًا الحدية: قبل أن ييعالئف:
- هذه أمي: وهي مريضة, وتسا دهت بها إلى أخوالي في «الحجون».
اقترب من أحد الصناديق فجذبهاء فسقط قلبي بين أضلعي وتمنيت أن يحفظ
(عمرو) هدوءه.. قلب الرحل الصندوق بين يديه وقاك:
- تبدو ماهرًا أيها الشابء أفلا تركت لي هذا الصندوق؟
خشيت إن وافقتء أن يحذو الآخرون حذوه فقلت متذمرًا:
- ألم يرفع سيد «خزاعة» العشور عنا؟!
أجاء إلينا بالعدل أم أن الظلم قد بدل ثيابه فحسب؟!
شعر الرجل بالحرج, فألقى الصندوق فوق العربة وقال ناهرًا:
- هيا أيها الشاب؛ تبدو مشاكسًا ولا تخجل من الجهر بالشكوى.
تنفست الصعداء حين أفسح الطريق أمامناء فصفعت مؤخرة البغلة بيدي كي
تسرع الخطىء فانطلقت في سرعة تقطع الطريق إلى جبال «الحجون»
التي لاحت قمتها في الأفق.
اعتدل (عمرو) قليلًا من رقدته: بعد أن اطمآن قليلًا لخلو الصحراء. فتح صرة
الطعام. وبدا يقضم قطعا من الخبزء سألته عما سيفعله بعد أن يصل إلى
«الحجون», فأجاب:
2 ظرني فرقة من الحراس مع زوجتي وأبنائي: أرسلتهم إلى هناك قبل
الحرب بايام تحسبًا لما قد يحدث.
قلت:
- إذا كنت تتوقع الهزيمة؛ فلماذا لم تحقن الدماء وتترك الأمر ل_«خزاعة»؟
صمت قليلا.. فشعرت أني قد تجاوزت في سؤاليء ولكنه قال بعد صمته:
- المُلكٌ لا يُترك أيها الشاب ولكنه يُنتزع انتزاعًا.
ثم عاد إلى صمته مرة أخرى قبل أن يقول:
- يمكنك تركه قبل أن تستويّ على عرشه:ء فإن استويت على العرش فالأمر
ليس لك!
ثم شعرت بصوته يتهدج وهو يقول:
- حين مات أبن (الحارث). رجوت أعمامي بأن يعهدوا بالأمر لأخي الأصغر
(الوليد بن الحارث): ولكنهم أبوا ذلك؛ لأنه لا يزال صغيراء لم يكن قلبي معلقا
بالحكم بقذر ما تعلق بالشعرء حتى أمود البيت لم أكن على علم بها قبل أن
اتولى امر «جحرهم» : البيت الوحيد الذي تعلق به قلبي منذ الصغر كان بيت
الشعر. عشت فيه وعاش فيّ وودت الا افارقه.
أشفقت عليه وشعرت بصِدْق حديثه؛ ولكن هذا لم يمنعني من أن أعود
لاساله مرة اخرى:
- وماذا ستفعل بعد أن تصل إلى «الحجون»؟
قال:
- سأعود بأهلي إلى الجنوبء. هناك سأبدأ من جديد ويومًا ما سأعود لأسترد
ملكي وملك ابائي!
قلت متحسسًا كلماتي حتى لا أغضبه:
- وهل سيغفر لك الناس طمر «زمزم» وسرقة غزالتي الكعبة؟!
صمت قليلا ثم قال:
- يوم نعود سيعلم الناس أن «جرهم» لا تدنس شرفها بالسرقة!
كنا قد اقتربنا من جبال «الحجون». أشرف إليها بناظريه وكأنه لا يصدق أنه
سيلتقي اهله فوق الجبل؛. ربت على ظهري وهو يقوك:
د اشكرك ايها الشّات: 'لهةفى عدقى كين لن انساة :ها حييت!
ثم قال متعجبًا:
- أنا لم أعرف اسمك!
ما هو اسمك؟!
وقبل أن أجيبه. سمعنا صيحة عالية أفزعتناء ورأيت فارسًا يخرج علينا من
جانب الطريق وكانما انشق عنه بطن الجبلء يلوح بسيفه في الهواء وينحدر
تجاهنا في سرعة:؛ وحين اقترب مناء وتبينت ملامحه مادت بي الأرض وكاني
أراه يبعث من جديدء فقد كان (دعس) يحمل سيفه. الذي تلألأ نصله في
الهواء فبدا كليث تلمع أنيابه قبل أن ينقض على فريسته الثمينة.
ضرب بسيفه سرج البغلة فانقطع. ومالت العربة على جانبها فسقط الجميع:
انا و(عمرو) والبغلة وحمولة الاخشاب والصناديق. قفز من فوق فرسه في
رشاقة وفي لحظة كان نصل سيفه يقف على نحر (عمرو بن الحارث). وقف
يلهث وعيناه تنظران في ظفر غير مصدق أنه وقع على الصيد الثمين, فك من
نطاقه حبلًا ملفوفًا تدلى من جانبه؛ ألقى به إلىّ وهو يقول لي في أمر نافذ:
- اربط قدميه إلى يديه.
تنقاعست في القيام رغم نظرة الشر التي رمقني بهاء فركل (عمرو د
الحارث) بقدمه بقوة في جانبه ففتق له جرحه وصرخ (عمرو) عاليًا قبل ان
يسقط على جانبه وقد جحظت عيناه من الألم.
صرخ في جنون أرعيي:
- هيا وإلا قتلتك!
أمتستكة بالحبل وعقدته حول يدي عمرو وقدميه كمن يربط بعيرا .يوشك على
نحرة؛ لم تطاوعني تنفسي أن أعقد العقدة .الأخيرة فترددت وأنا أنظر إلى
عيني (عمرو) التي تفيض بالألمء فإذا بركلة أخرك تطيح بي بعيذاء. قبل أن
يقوم هو بعقدها في قوة صرخ لها (عمرو) من الألمء ليث وهو يلف باقي
الحبل حول رقبة (عمرو) وقال وهو ينظر إليّ في احتقار وشماتة:
- ألم أقل لك إنك غرٌّ تافه. تحمل في صدرك قلب طفل!
ثم قال وهو يضع سيفه في غمده:
ثم انحنى وحمل (عمرو) على كتفه كمن يحمل جوالا من الطحين؛ ووضعه
مكبلا فوق ظهر فرسه.
وقف يلهث كخيل تضبح في عدوها للحظات, أتبعها بزفرة طويلة كنفرة فرس
ثم التفت إليّ وهو يقول مستكملًا حديثه:
- أما أنا فلا أمنح الأغبياء إلا فرصة واحدة؛ وقد أضعتها أنت.
أخرج سيفه, ورانيت في عينيه عزما على قتلي, انتفضت واقفا وأمسكت
بقطعة خشب ووقفت مباعدًا بين ساقي متأهبًا للقتال بسيف من يخشبء
كنت أعلم أنه لن يؤخر قتلي سوى للحظات: ولكن نفسي أَبَتْ أن أذْبح بلا
مقاومة كالبعير. طوحت الخشبة تجاهه مرات ولكنه تفاداها قبل أن يحيلها
نصفين بضربة واحدة من سيفة.
صرخ ورفع يده بالسيف عاليًا في الهواء وانتظرت أن تقبط على رأسي ولكنها
لم تهبطء تراشقت سهام عدة في صدره وكتفه فجحظت عيناه في ذهولك
وألمء ترنح قليلًا ونظر إلى مصدرها فرأى ثلاثة من الأحباش من فرسان (عمرو
بن الحارث) ينسلون من فوق الجبل.
شد أحدهم فوسه عن آخره ثم أفلت السهم الأخير الذي اخترق عنقه قبل
أن يسقط على ركبتيه أرضاء فتخ عينيه بصعوبة, ثم نظر إلى وابتسم ساخرا
غير مصدق أن نهايته قد جاءت بتلك السهولة, وقال ببصوت متحشرج:
- فليمت (دعس).: ولتحيا (غرندك).
تم سقط على وجهه بلا حراك.
00 00 00 00 0
فوق «الحجون» اختلطت دموع الفرح بدموع الشوقء. احتضن (عمرو بن
الحارث) زوجته وأولاده وشقيقه (الوليد بن الحارث) وانهال عليهم جميعا
بالقبلات. لم يصدق أنه لا يزال حياء وأن الحياة قد منحته فرصة أحخوف: لا
شيء للإنسان يعدل فرصة ثانية بعد أن تنغلق أمامه السيل ويضيق به
الحال؛ وبعد أن أفرغ دموع أشواقه تجاه أهله. نظر إلي فمتناء » تقدم مني
خطوات ثم احتضنني بلا كلمات. ربت على ظهري في قوة تم قال:
- آنا اقدين للم عيباني
لم أجد ما أقوله. ولم أعرف ما يمكن أن يقال في تلك اللحظات. مسح دمعه
ثم أشار إلى حارس من حراسه؛ كان يحمل بين يديه صندوقاء فتح الصندوق
وأخرج منه كيسًا من المال بدا من ثقله أنه يحوي مئات الدنانير» وضع كيس
المال في يدي وهو يقوك:
- هذا لا يوفيك حقكء ولكننا نكرم من أكرمنا!
لم أطبق يدي على كيس المالء؛ نظرت إليه ثم إلى الصندوق وقد خطر لي
أنه قد سلب أموال البيت معه. : اخسض يفا يدون في .راشع فقال:ونقو :يطيق
يدي على كيس الماك:
- المال مالي من التجارة. لم يكن ل_«جرهم» أن تسلب أموال بيت الرب.
ثم مال على أذتئ وقال:
- سيأتي يوم نعود فيه إلى «بكة» ويسترد كل ذي حق حقه.
وضعت يدي التي تحمل الكيس جانبًا وقلت في هدوء:
- وإن لم تعد؟!
قال:
- حينها سيصل المال لمن يستحق, والله كفيل بهذا!
قلت:
- وددت لو لم تطمر البئر وتخفي الغزالتين!
قال:
- لن يهتم لأمر البئر إلا ولد (إاسماعيل).؛ والغزالتادن سيشهدان على من يُعَظّم
امر البيت.
- حزين لفراقك ولكني أتوق إلى لقاء آخر بمشيئة الرب.
تنهد ثم استدار وسار حتى وصل إلى الحافة, سرت خلفه ثم 'وقفت إلى
جواره. تطلعنا إلى أعمدة الدخان التي تتصاعد من فوق جبال «أجياد», زفر
وكانه يزيح هما كالجبال ثم قال:
وَقَائْلَة وَالدَّمْعْ سكب مُبَادِر
وَقَدْ شَرقت بالدَّمْع مِنْهَا الْمَحَاجِرٌ
كَأَنْ لَمْ يَكْنْ بَيْنَ الحجُون إلى الضَّمَا
نيس وَلَم يَسْمْر يبكة سامة
لم يستطع أن يكمل.. صمت قليلا ثم استدار قائلًا:
- يا حراسء؛ احملوا المتاع فقد آنَ وقت الرحيل.
وقبل أن يتحرك الركب التفت إليّ وأنا جحالس على عربتي أيمّم وجهي شطر
البية) اللجرار وقال:
«اسبيت اذ تكبروي :ها انتتفك >
- (شمعون بن زخاري) وإن شئت ناديتني (شمعون المصري).
00 00 00 00 0
الورقة الخامسة والأربعون
استند بساعده الأيسر إلى ساعدي الأيمن وتوكأ على عصاه بيده اليمنى.
كان يسير واهنًا مرتجفًا. حتى ظننت أن عشرة أعوام قد أضيفت إلى عمره
في ذلك اليوم!
دخلنا إلى المخيم الفسيح الذي أقيم في صحراء البطحاء لأسرى «جرهم»:
سمح لنا الحراس بالدخول بعد أن أذن لنا (عمرو بن لحي) بذلك وأرسل معنا
خادمه. أكرم (عمرو بن لحي) مقام الشيخ (عابر) فعفا عن الشيخ (دومة)
وابقى على حياته بلا فدية, ولكنه لم يبسمح له بالبقاء في «بكة», امر بطرده
مع نساء «جحرهم» وشيوخهم خارج «بكة», قال في حسم:
- لو كنت قاتلا رجلا من (بني إسماعيل). لكان ولدك يا شيخ (عابر). ولكني
أعفو عنه إكرامًا لقذرك شريطة ألا يجاورني في «بكة» أبدًا ما حييت.
سرنا في المكان الذي يشبه مربط الدواب في قذارته ورائحته. كانت الخيمة
التي بها محبسه في طرف المخيم من جهة الغرب» دخلنا عليه فوجدناه
مكبلا من قدميه في سلسلة من حديدء وقد عقدت يداه خلف ظهرة: شعره
صار أشعث وتنائرت لحيته حتى بدت كطلح نخلة التصق بوجهه المتسخ
الذي لم يخل من جروح جحفت دماؤها وبقيت آثارها عليه.. حين رآه والده
ارتعش جسده وانتفض وأخذ يتمتم ببعض الذكر, أجلسته على حجر إلى
جوار ولده في رفق» أمر الخادم الحارس بأن يفك قيده. تم تركنا وانصرفء؛ ما
أن انفكت يداه حتى انحنى على قدم أبيه يقبّلها وهو يجهش بالبكاء الحار,
ربت أبوه على ظهره وهو يقول:
- حمدًا لله أنك ما زلت حيّا يا ولدي.
قال وهو لا يزال يبكي:
ذاليندي: فت ولم د ذلك الذك اتذف حاق :ينا يا أبتاة!
قال أبوه مُهِوْنًا:
- الحرب كر وفرٌ يا بني.
لاذل سفئ: ول عويدذومن سدقي اللمه:واجعل ذلك لله محدة:
قال في كرب:
- لم ينصرنا أحد يا أبتاه. كيف هان أمر «جرهم» على الناس هكذا|؟!
أغلق الناس بيوتهم في وجوه الفارين من جيشناء أسلموهم إلى عدوهم
وكان لم يكن بيننا وبينهم ود في يوم من الأيام!
قال أبوه:
- لم تقدم «جرهم» ليوم كهذا يا بني!
جنى (عمرو بن الحارث) ما زرعه آباؤه.
قال في حزن:
- لهفي عليك يا (بن الحارث)!
لا أدري إن كنت قتيلا أم أسيرًا أم شريدًا في الصحراء.
نظرت حولي لأتأكد أن أحدًا لا يستمع اليناء تم قلت هامسًا:
- هو بخير!
ينتظرك في «سباً»!
اتسعت عيناه من الفرحة؛ وقال:
- حقًا يا (شمعون)؛ كيف عرفت؟!
قال الشيخ (عابر) في خفوت وهو يرمقني بحنو وتقدير:
- أخرجه (شمعون) من «البطحاء» إلى «الحجون», وأنقذه من القتل على يد
(دعس) الخائن!
ولقك الكا نيك اع
نظر الشيخ (دومة) إليّ في ذهول وقاك:
- أنت يا («شمعون) فعلتها؟!
أطرقت برأسي خجلا رغم لمعة الزهو في عينيء فاغرورقت عيناه بالدموع,
وقال:
- كم أسأت الظن بك يا بني وأغلظت إليك في القول!
ربت الشيخ (عابر) على كتفه وقال:
- لا تثريب يا (دومة)!
هيا لتعد إلى البيت.
سألة في اتكشنار”
- هل دفعت فدية ل(ابن لحي) يا أبتاه؟
تنهد الشيخ (عابر) ثم قال:
- ليته قبل الفدية وأبقاك!
بل أمر بخروجك مع «جرهم» من «بكة»!
تنهد هو في ارتياح وقال:
- خيرًا فعلء والله ما كنت لأجاوره في «بكة». وهو سيد عليها.
لم يعد إلى داره. فضّل أن يذهب إلى دار أبيه أولّا ليغتسل وليبدل ثيابه حتى
لإ تراه زوجته وبناته على هذا الحال: وصلنا إلى دار الشيخ (عابر) بعد مرورنا
بأحياء (بني إسماعيل). نظرات الشماتة في أعين الناس من (بني
إسماعيل) لها لسعٌ شعرت به وأنا الغريب. فما بال وقعها على الشيخ (عابر)
وولده.. حتى الناس من (بني يطور). لم تخل كلماتهم المرحبة ودعوات
الحمد بالسلامة له من غبار حقد فضحته العيون والخلجات وخائنة النظرات,
البشر هم البشر في كل مكانء لا فرق بين الحقد هنا في برية «فاران»
والحقد هناك في برية «سين».
حين دخلنا البيت كان (ليث) في استقبالناء انحنى ليُقَيّل يد عمه ولكنه
سحبها وأحاط بها راسه ثم قبُلهاء ربما لأول مرة منذ مات الشيخ (نابت).
تعجب (ليث): فقال الشيخ (دومة):
- أنت الآن رفيق جدك وسيد (بني يطور) المقبل يا (ليث)!
قال (ليث):
- حفظك الله يا عمي وأعاد إلينا (عمروًا) سالمًا.
وكأنما أثار ذكر (عمرو) الشجن في نفسه. فقال:
- اذهب إلى داري يا (ليث)؛ وقل ل(أم عمرو) أن تستعد وبناتها للرحيل
فالليلة نرحل عن «بكة».
ثم ذهب فاغتسل, واستبدك ثيابه اكوك ووضعت له (أم السعد) طعاماء أكل
منه قليلًا ثم عافه؛ قال لأبيه:
- متى تعود إلى «رسة» يا أبتاه؟!
صمت الشيخ (عابر) قليلًا ثم قال:
- لن أبرح «بكة» حتى يعود (عمرو) و(شهبور)؛ أو تعود أنتء أو يتغمدني الله
برحمته فالحق ب_إ(نابت)!
تألم (دومة) لكلمات أبيه فقال:
- اغفر لي يا أبي!
قال الشيخ (عابر):
- يغفر الله لنا يا بني!
هذه أقداره ولا حيلة لنا في القدر.
قال الشيخ (دومة):
- وماذا عن (أروى) وأمها؟
اضطرب قلبي عند ذكر (أروى): لا أدري لماذا شعرت أنبي قد شهدت تلك
اللحظة من قبلء هل لأنني توقعت أن يسأل عنهاء أم لأنني لم أنقطع عن
التفكير فيها منذ انتهت الحرب, كنت أشرع في كل يوم في سؤاك الشيخ
(عابر) عنها 6 أتراجع عن ذلك وحين سأله الشيخ (دومة) ظننت أني قد
قال الشيخ (عابر):
- سأرسل إلى الشيخ (أواس) من يعيدهما.
ثم صمت لحظات قبل أن يقول للشيخ (دومة):
- اسمع يا (دومة)؛ إن (أروى) في حِلّ من خطبة (عمرو)!
رأيت على وجهه مزيجًا من الحزن والألمء وتعكر صوته ببعض الغضب وهو
يقول لابيه:
- هل جزمت بهلاك (عمرو) يا أبتاه؟
أردف مسرعا:
- معاذ الله يا بني!
بل أدعو له بالنجاة في ليلي ونهاري.
قال (دومة):
- فلم الحلّ من العقد ما دام الأمل معقودً|؟
قال الشيخ (عابر):
- ولماذا نذر الفتاة كالمعلقة. وقد يرغب في خطبتها أحد؟!
قال في غضب صريح هذه المرة:
- ومن يجرؤ أن يخطبها على خطبة (عمرو)؟
لا أدري ما الذي دفعني كي أتكلم في تلك اللحظة!
شعرت أنه إما أن أتكلم الآن أو لأصمت إلى الأبد. قلت له:
- أنا يا شيخ (دومة)!
بهت الرجل وتلون وجهه بألوان شتىء وهو يكظم غيظه وغضبه قبل أن يقول:
- كيف تخطبها على خطبة (عمرو)؟
تعتدي على حق ولدي وهو من اتخذك صديقا له!
قلت مسرعا:
- بل كان ولا يزال أخي وصديقيء ولكني لم أخطبها على خطبته يا شيخ
(دومة). بل خطبتها قبله!
والشيخ (عابر) يشهد أني طلبتها لنفسيء قبل أن يعلم أحد بأمر تلك
الخطبة!
حتى (أروى) نفسها لم تكن تعلم بخطبة عمرو لها!
هب واققًا وقال في غضب هادر:
- هل حدّثتها في أمر الخطبة دون إذن وليها؟!
والله لقد أتيت كبيرة تسيل لها الدماء!
ثم التفت إلى أبيه وقال في كبره المعهودء كأنما عاد لقبحه مرة أخرى
ونسي ما كان فيه:
- هذا هو عابر السبيل الذي عطفنا عليه وآويناه يا أبتاه!
همّ الشيخ (عابر) أن يتحدث ولكني أسرعت بالحديث عنه وكأنما انحلت
عقدة لساني فقلت:
- واله ما كنت عبدًا ولا أجيرًا ولا عابر سبيل!
بل تبعتكم طوعًا وطمعًا في علم هذا الشيخ الجليل: الذي أدين له بالفضل
والنعمة.
فقد خرجت من داري مشتت الفكر, حيران الفؤاد. فأنار هذا الشيخ عقلي
بحكمته. وهدى قلبي بيقينه, وما كنت لأعدو على حرمة بيته غدراء وإني
والله لأبذل الدماء فداءً لهاء وما دفعني للحديث إلى (أروى) إلا خوفي من أن
أكون :قد أسات. تأويل كرمها وقضلهاء. فأردت أن أستبين رايها :قبل الحديت الى
جدها.
ضحت اليف [ذدوة وكا نما الحمهة كلبزاد::وظاك الضمفة الاون ضوة
أنفاسي المتلاحقة. ألقى إلى الشيخ (عابر) بنظرة استحسان تم قال
بكلمات رقص لها قلبي:
- (أروى) في حل من خطبة (عمرهو) يا (دومة) ولها أن تتخير من يخطبهاء فإن
شاءت قبلت ب_(شمعون).؛ وإن شاءت انتظرت عودة (عمرو).
بهت الشيخ (دومة) وقال غير مصدق:
- ترفض ابن عمهاء فارس قبيلته وتتزوج غريبًا معدما!
بأي عقل تتزوجه إلا إذا كان بينهما عشق؟!
غضب الشيخ (عابر) هذه المرة وقال لائمًا:
- كف عن هذا يا (دومة)!
فوالله لا تنقص منزلة (شمعون) عندي خردلةً عن منزلة (عمرو) و(أروى)!
وما عاد (شمعون) غريبًا بعد أن امتد فضله عليك: وعلى ولدك منذ عرفناد!
ولو كان الفقر معرّة. ما تزوج أبونا (إسماعيل) من «جرهم» من قبلء وقد كان
غريبًا وحيدًا في هذا البلد.
حين انتهيى من كلامه, شعرت بالدموع تكاد تطفو إلى مقلتي» لا أدري هل
أثارتها كلمات الشيخ (عابر): أم أني أشفقت على نفسي من إهانات الشيخ
(دومة) المتكررة.. أخرجت كيس النقود الذي أعطانيه (عمرو بن الحارث) من
نطاقيء فتحته وألقيت بدنانير الذهب في حجر الشيخ (دومة) وأنا أقول:
- هذا كل ما أملك من مال يا شيخ (دومة).
قد وهبه لي (عمرو بن الحارث) حين كنا فوق «الحجون»., لا حاجة لي به
واعطيه كله مهرًا ل_(اروى)!
ووالله لو كنت أملك أكثر منه لقدّمته لها عن طيب خاطر.
أطرق الشيخ (دومة) صامتا وهو ينظر إلى دنانير الذهب في حجره. نكس
رأسه وكأنه عاد إلى (دومة) الكسير الأسير المقيد بالسلال في خيمة
الأسرىء مدّ يده فأخذ الكيس وجمع به الدنانير مرة أخرى ثم قام بوضعه في
يدي وهو يقول في حزن:
فوالله ما قصدت معرّة: ولتعذر أبّا يتشبث بالأمل في عودة ولده الوحيد!
ثم نظر إلى أبيه وقال:
- الأمر متروك لك ول_(أروى) يا أبتاه!
حينئذٍ 00 (ليث) ومعه زوجة عمه (هند) وبناتها. انطلق (دومة) إلى زوجته
وأولاده يجمعهم في حضنه كطائر يحيط بجناحيه فراخه.
ولما هدأت المشاعرء قبّل يد والده ورأس (ليث) وشدّ على يديء ثم أخذ أهل
بيته وخرى.
00 00 00 00 0
الورقة السادسة والأربعون
وجَلَتْ «جرهم» عن «بكة»: ووطتت «خزاعة» وحلفاؤها الأرض المقدسة في
برية «فاران»:. انزوى الشيخ (عابر) في داره. وقد هزلت صحته؛ء ووهن
جحسدة. وكانما انسلخت منه قطعة اخرى برحيل (دومة). بعدما انسلخ
معظمه من قبل برحيل (نابت)؛ لم يعد يغادر الدار إلا لقضاء حاجة: رافقته
طيلة الوقت. كنت أطعمه بيدي أحيانًا وأبيت تحت قدميه. كي أعينه على
صلاة الليلء؛ استمتعت بالقرب منه في تلك الأيام لا سيما وأنني قد شعرت
بغربة في «بكة» بعدما تبدلت وجوه الناس التي الفتهاء وأصبح للكلمات لحن
مختلف تعذر علي فهمه في بعض الأحيان: أحياء (بني إسماعيل) أيضًا تبرّلت
بها الأخوالت وعم الشقاقء وكثرة الشجار فيما بينهم بسبب نقص الماء. لم
ينس الناس أن الشيخ (دومة) كان عونا ل(عمرو بن الحارث) الذي طمر
بئرهمء: فزاد ذلك من الغضب على (بني يطور) رغم حب الناس للشيخ (عابر)
وتقديرهم لهء وفي يوم من الأيام أراد (بنو إسماعيل) الذهاب إلى السيد
الجديد. كي يستأذنوه في إعادة حفر البئر المعظم.
وأرسل الشيخ (عابر) (لينَا) بدلا منه فسار بين الناس أن الشيخ قد أصابه
الكبر؛. وانه يعد حفيده كي يصبح سيدا لقبيلته.
حين عاد (ليث) كنت أجلس إلى جوار الشيخ (عابر) في داره: بدا وجه (ليث)
غائمًاء فسأله الشيخ (عابر):
- بماذا أجحبتم؟
قال (ليث):
- رفض (عمرو بن لحي) أن تحفر البئرء وقال:
«لن نمحو إثم جرهم».
- ومن أين يشرب الناس والدواب؟!
الآبار حول «بكة» قليلة ولن تكفي تلك القبائل التي جاءت مع «خزاعة» فما
باله إذا وفد الحجيج العام المقبل!
أجاب حانقا:
- حدثناه في ذلكء فقاك:
«ستحفر «خزاعة» آبارهاء وسيرد الحجيج من آبار بيني عامر».
قلت ساخرا:
- أراه يتحدث وكأنما أسرّت إليه (طريفة) بأماكن الماء!
قال (ليث) متعجيا:
- العجيب أن (بني إسماعيل) انصرفوا وقد سلّموا بحديثه. وهمس بعضهم,
بان «خزاعة» واهل الجنوب بارعون في حفر الآبار وحتما سيحدونت الماء!
ثم نظر إلى جده الذي كان صامتا يتطلع إلى العريش في وجوم.
وقال:
- لم أشعر بخير في حديئه يا جدي!
قال الشيخ (عابر) باقتضاب بعد برهة؛ فقد صارت كلماته قليله واستجابته
- يريد أن يطمر شأن (بني إسماعيل) كما طُمرت بئرهمء وأن يرفع من شأن
(بني عامر) ببئر جديد!
قال (ليث) مؤكدًا:
- هذا ما شعرت به أيضًا يا جدي.
وق الأنامز الثالنة «تحفق «ما:قالة: (عمرووتن لشىاء وضدق ها شاه الشكة
(عابر)؛ حفرت «خزاعة» بئرًا ضخما جهة الشرق من البيت على سفح جبل
«خندمة», وتفجر ماؤه عذبًا رقراقا. فهلل الناس فرحًا بالخير الذي حل على
يدي (عمرو بن لحي) ولم تنس أن تلعن (عمرو بن الحارث) الذي طمر بثر
زمزم قبل رحيله: وسبقت «خزاعة» الجميع فضربت أخبيتها حول البئر» #حتات
لا ينازعها فيه أحدء وتردد أن (عمرو بن لحي) سيبني سقيفة لم يشهد
العرب ملفا إلى هوا القن الخديدم: كدى إذا جا مويدم احج استزق:» 00
سقاية الحجيج بنفسه من سقيفته؛ وتجوّلت أنظار الناس إلى المكان الجديد
الذي أطلق عليه «اشعب بني عامر», فأقيمت حوله الأسواق: وعمر بالمنازل
الحجرية: وبدا أن أيام (بني إسماعيل) قد دالت برحيل «جرهم»»: وأن أيام
«خزاعة» قد دانت: ولا يعلم أحد ما الذي ستسفر عنه تلك الأيام إلا الله.
ولم أنشغل بملاحقة أحداث «بكة» وأخبارها بقدر ما انشغلتٌ بحال الشيخ
(عابر) وحالي» أرسل الشيخ (عابر) (ليثا) ومعه دليلان إلى «يثرب» كي
يعيدوا (اروى) وأمها إلى 0 'شعرت بالقراع قراب (ليث): وقرض الانتظار
وأحلته إلى منزل بديع من الحجر والخشبء تمثلت ما كانت تحكيه أمي عن
بيوت المصريين. وشرعت أحيله إلى واقع تراه العين, أعانتني دنائير (عمرو
بن الحارث) في اكتراء بعض الأحباش الذين أعانوني في بناء الجدران.
وكسوتها بالطين والرمل المذاب: لونت حوائط البيت بنقوش زرقاء وصفراء
وأحطت فناءه بسور يناهز قامتي طولاء ثم غرست في أركان الفناء الأربعة
فسائل نخل تحيطها احواض الرياحين. جعلت في منتصف الجدار الشرقي
للسور بايا من الخشب له مزلاج؛ وعلى جانبي الباب نقشت على الحجر
أريع كلمات بحروف مصرية قديمة؛ اثنان على كل جانبء لم يعلم أحد معناها
سواي.
وذات ظهيرة وبينما كنت أكلينن فوق السور أتقيئن حرفه بمطرقتي وإزميلي,
رايت (أم السعد) تقترب وهي تنادينيء: انتفضت لرؤيتها وظننتث أن مكروها
أصاب الشيخ (عابر). قفزت من فوق السور منتصبا وقلت متلهفا:
- خيرًا يا خالة!
قالت مطمئنة:
- خيرًا يا رشمعون), لقد جاء البشير.
رقص قلبي فرحا وقلت:
اك
قا
نعم ٠ وأخبرنا أن الشيخ (أواس) وعائلته قد رافقوا القافلة. يريد الشيخ
أواس) أن يعتمر وأن يرى الشيخ (عابر).
- ومتى يصلون؟
قالت:
- غدّاء وقد أمرني الشيخ (عابر) بأن نعد منزلك الشيخ (دومة) لاستقبال
الضيف وعائلته!
تنهدت وتطلعت إلي الأفق الذي سيتزين غدًا بأحب قافلة إلى قلبي, تمنيت
لو تأدّن الليل يأن .ياتي. الصباح .مكانه. على أن أردٌ الدين عنه أيامًا من عمري
بعد ذلك: فيكفيني عامًا من الانتظار فاق بشجونه وأحزانه عمرًا بأكمله؛ ما
زلت أذكر وجهها وهي ترنو إليّ خائفة يوم خروجنا من «يثرب», كنت أنظر
إليهابثقة في اللقاء مزة أخرى.:خينها لم أدر .ها مضدر :تلك الثقة أما الآن
وبعدما رأيت الموت مرات ومراتء أدركت أن مصدرها هو «يقين المُحب».
فالأقدار لم تضعها في طريقي عبنًا ولم تختبرنا بالفراق مرات ومرات عبتاء
وإنما ليستيقن المحب من حبهء والعاشق من عشقه.
لكزتني (أم السعد) في كتفيء فأخرجتني من شرودي وهي تقول:
- هيا يا (شمعون): فلا طاقة لي بتنظيف بيت الشيخ (نابت) وبيت الشيخ
(دومة) وحديء سترافقني حتى ننتهي منهما.
سرت وراءها وأنا أقول متنهدًا:
- أرافقك يا خالة حتى المنتهى.
وحاد الصباح بشمس أخرى أشرقت جهة الشمالك فسطع نورها من خلف
جبل الرحمة؛ رأيت القافلة الصغيرة تهبط من فوق جبل النور. فوددت لو أهرول
إليها كي أستقبل رواحلها بالضم والقبلات؛ أناخ الحادي ناقة الشيخ (أواس),
نم المومكين 'الاخرسن اللدوق حجيا عن :يدي فلنا نفعت ذقانة: قبل اث آزاة:
علت كلمات الترحيب بالشيخ الكريم واستقبله (بنو يطور) بالعناق والقبلات,
وحينما وصل إليّ ضممته إلى صدري وقبّلت كتفيهء وعيني معلقة على
الهودج الذي انطوت ستائره واستعد لكشف خبيئته التي انتظرتها قرابة العام.
هبطت وهي تستر شعرها ونصف وجهها بخمارها ولحظاها يبحثان عني بين
الرجال: حين التقى اللحظان طفّت في المآقي دموع فرح واختلجت الشفاة
همسا :وحرتثة: الفيون حدينا صاحنا طحت أن كلمانه فد وضلتة: إلى كل
الواقفين من حولي.
دفعني (ليَت) آمافة حين :تسهرت فدهي لفترة:طويلة: فعن طريق. الشية
(أواس) وقال للشيخ:
- جدي في البيت!
قد توعكت صحته وأصبح غير قادر على الخروج.
توجهنا إلى البيت. تسير خلفنا الأمَّانِ وبنات الخالء. رائحة طعام (أم السعد)
كان اولك ما استقبلنا 3 كناء البيت. وحين دخلنا وجدنا الشيخ (عابر) يجلس
رأسه وكدية له إلى جواره. . راعها ان تراه ذابلا واهنا تتحرك يداه في
اهتزاز وصعوبة: ضيحت ملامح وجهه جامدة, حتى حديته صار بطيئًا جامدًا لا
حزن فيه ولا فرح جلس الشيخ (أواس) على أريكة أخرى إلى جوار الشيخ
(عابر) بينما دخلت زوجته وبناته مع أمم (ليت) الى الحجرة الداخلية وبقيت أنا
و(ليث) واقفين إلى جوار الباب. هو يتطلع إلى الحجرة التي دلفت منها
(لامار)ء وأنا أتطلع إلى (أروى) التي جلست إلى جوار حدها تدلك يده بين
كفيهاء لم يثقل الشيخ (اواس) على الشيخ (عابر) في الحديث. كان يعلم أن
لا يزال جريحًا حزينا على فقدان ولديه, فاكتفى بأحاديث المجالس التي لا
تعدو عن الترحيب وحكايات السفر والطريق. وحين دخلت (ام السعد)
بالطعامء توقف الحديث. وهمت (اأروى) بالقيام كي تلحق بالنساء في الحجرة
الداخلية. ولكن الشيخ (عابر) رفع يده المهتزة وقال في بطء:
- (أروى)..!
عفادت اله تريقة وكلميية" اللي جوارة قائلة:
- لبيك جدي!
وضع يده على كتفها ثم قال:
- (عمرو بن عمك دومة).
نظرت إليه في وجل وانتظرت في قلق حتى يستجمع كلماته التالية: فتايع
بعد برهة:
أطرقت إلى الأرض ولكنها لم تستطع أن تخفي ابتهاج ملامحها.
رفع يده التي تحمل العصا وأشار إليّ وهو يقول:
- و(شمعون) هذا قد طلبك لنفسه فماذا ترين؟!
شعرثتُ بالخجل لي ولهاء بعد أن تجمّعت علينا العيون. ووددت لو انطلقت
خارجًا.
قالت وقد ذهبت أنفاسها مع ضربات قلبها المتسارعة فخرج صوتها خفيضًا
مبحوحا:
- الأمر لك يا جدي؛ عمرو أخي وشمعون زينة الرجاك.
هز رأسه واجتهد كي يبتسمء ولكن ابتسامته لم تنفرج عن أسنانه التي
كنت أعطة على كمالقا تر قال:
- فليحفظ الرب أخاك (عمروًا): وليبارك لك في زوجك (شمعون).
أفلتت (أروى) منه ثم أسرعت إلى داخل الحجرة خجلىء. وسمعنا تهليل
النسوة بالداخل وزغردة خفيضة أطلقتها (أم السعد).. ربت (ليث) على كتفي
في قوة وقال:
- نعم الصديق ونعم الصهر!
خطوت مسرعًا إلى الشيخ (عابر)؛ ثم جنوت على ركبتي أقبل يده.
قلت وقد طفرت الدموع من عيني:
- لن أنسى فضلك ما حييت!
ربت على كتفي في وهن وقال:
- عوضني الله بك وب_(ليث) عن فقدان (عمرو) و(نابت).
صمت لحظات ثم قال في صوت مرتعش كارتعاش يديه:
- ولو كان (نابت) حيا لتركها تتخير زوجها الذي ترضيه!
حينئذ تحدث (ليث) وقال:
- وأنا يا جدي!
نظرنا إليه فوجدنا صدرة يعلو ويهبط من الاضطراب.
فقال الشيخ (عابر):
- أنت ماذا يا ولدي؟
قال وقد تعرق جبينه خجلا:
- أريد أن أخطب (لامار) ابنة خالي لنفسي!
ضوك شويع فض 1 الشيخ (عابر) إلى الشيخ (أواس) الذي فاجأته
العبارة, فصمت قليلًا ثم قال
- نعم الشاب (ليث): ولكني أسألها وأسأل أمها أولًا... وقبل أن يكمل عبارته,
انطلقت زغردة أقوى من سابقتها من داخل الحجرة ملأت البيت بهجة وميزنا
فيها صوت (أم لامار)!
ضحك الشيخ (أواس) وقال:
- مبارك يا بنيء؛ لو علمنا أن الأفراح تنتظرنا في «بكة» لعجلنا بالزيارة من قبل.
00 00 00 00 0
الورقه السابعةه والاربيعوت
وحين عزمت على الكتابة عن الليلة التي ينيت فيها ب(أروى). تملكني
الخجلء وجف المداد في قلمي حياء. والحق ان الخجل كان رفيقي في هذا
اليوم منذ بدايته وحتى نهايته.. في الصباح طلبني الشيخ (أواس) في
مضيفته بدار الشيخ (دومة): بالق عن أشياء تحدث في ليلة البناء لم أجد
إحابة عنها سوى الصمت,ء فأنا لم يكن لي أقران من الصبية أتحدث معهم عما
يجيش في صدري من نزق وميل للإناث: وحين كبرت قليلاء لم تكن لي
خبرات مع النساء سوى خيالات جامحة أراها في مناميء كلما استثارتني
نظرة خائنة أو كلمة عابثة من إحداهنء المرة الوحيدة التي تحدثت فيها مع
ابي عن النكاح كان عن نعجة وكبشها الذكرء رايت الكبش يمتطيها ويحكم
ساقيه على ظهرها وهي اسفله تثئن دون ان تهرول مبتعدة. حين هممت
بان اضربه كي ابعده عنها حتى لا يؤذيهاء نهرني ابي وقالك:
«دعها لعلها تصير عشراء».
أدركت حينها أن النكاح يؤدي للإنجاب, ولكني لم أرفق تفكيري في معرفة
طريقة إنجابي» ومنعني الحياء من أن أسأل 5 عن ذلك وحين صممت
(أروى) إلى صدري لأولك مرة وتنسمت عبير شعرها اشتعل قلبي بالنبض,
وحين تكرر ذلك اشتعل جسدي كله بالنبضء. وشعرت بثورة ظلت تلاحقني
في صحوي ومنامي لم يخمدها سوى الاعيب الوهم ومجون الأحلام.
في ذلك الصباح. وجد الشيخ (أواس) الصمت رفيقي عند كل سؤالء
فاستفاض هو في الحديث. هتك أستارًا كنت أستشرفٍ بعضا مما .وراءها
بفطرتي» ويغم على بعض منهاء فلما مزقتها كلماته, حقلت وقد أبنت أمافف
الحقيقة عارية.
لا أدري لماذا لم يدعني الشيخ (أواس) أتكشف الأمر وحدي؟!
الشعور بأن من حولك يعلمون ما أنت مُقدِم عليه يفقدك بهجة المغامرة: ولذة
الاكتشاف, ويجعلك تحمل عبء نظرات العيون من حولكء. كيف تستباح اولى
كلاه نس | بوذا القدومن السو !
وخطر في بالي سؤال عما إذا كانت (أروى) على علم بذلك!
وأباح لي هو بأن زوحته وأم السعد يمكتان عندها منذ ليلة اسن يخضبانها
بالحناء ويعدّانها للزفاف. لم اتشكك لحظة في أن حديئثا قد جرىك بينهما وبين
(أروى) يشبه حديت الشيخ (أواس) لي.ء وشعرت حينها بأن حاك الكبش
الدي وظئ: بعهته أمافئى كان إكتن سيرًا مق حالي وتيت لو أرزق كدرًا من
بلادته في تلك الليلة!
عُدتٌ إلى منزل الشيخ (عابر) كي أتجهز للزفاف. فقد جرى العرف عندهم أن
تجهر الزوع في بيت والعروس: :في بيت آخزء :ثم 9 سنوي إلى دار البتاء:
تحممت وازلت أدران جسديء وتعطرت بالطيب ثم ارتديت قميصا أبيض ناصع
البياض» وانتعلت حذائي المصري الذي ادخرته ليوم كهذاء وبعد أن انتصف
النهار خرجت في موكب من الفتيان يتقدمهم (ليث): امتطي ناقة يتدلى من
جانبيها انماط الحرير وتتزين راسها بإكليل من الزهر. ويسير امامها حبشيان
يتلاعبان بشعلتي لهب ويدق آخرون الدفوف من حولهماء وصلنا إلى موضع
الوليمة التي أقامها الشيخ (عابر) والشيخ (اواس) إلى جوار «الصفا»,
فأنيخت الناقة ونزلت عنها ثم اتجهت إلى الشيخ (عابر)ء الذي كان جالساء
فقبّلت يده ووقفت إلى جواره. . توافد إلينا الرجال من بطون (بني إسماعيل)
وأيضًا من «خزاعة», فقد كان هذا هو أول زفاف في «بكة» بعدما انتهت
الحرب ووضعت أوزارهاء وجاء (عمرو بن لحي) وولده (ثعلبة) تتقدمهما جلبة
وجمع من الناس وتسير خلفهما ناقة اهداها لوليمة الزفاف, تناول القصابون
الناقة, وداروا بها إلى المذيح المقام خلف «الصفا», وهفهي تحجر وراءها جمع
من الأطفال يهللون في بهجة. وكان اليوم يوم عيد. مدت صحاف الطعام
المملوءة باللحم والمرق والثريد. ودارت كئثوس الخمر في ركن حوى كبراء
القوم من «خزاعة» وبعض المقربين إليهم من (بني إسماعيل): ولكن لم
يشاركهم الشراب احد من (بني يطور)!
وتعاقبت زَمَرٌ الوافدين على المادبة. وكلما رحل فوح تلاه فوج آخر حتى اقترب
النهار م الزواك: ومالت الشمسن: إلى العفيب:.حييقن: علت حلية من جهة
البطحاء. ورأينا موكب النساء قادما تسبقهن نقرات الدفوف, وتنطلق من
الستقهن الرغاريد التى تصدر صوئًا كالسهام يدفع عيوث الحاسدين عن ابفى
عروس.. جلست (أروى) على «مزفة» من الخشب وكأنها هودج مكشوف
فوق ناقة مزينة الجوانب بانماط الحريرء وقد ارتدت ثوبًا زاهياء يكشف عن
يديها وكعبيها اللذين تخضبا بالحناء ويفوح من راحلتها عبير عطرها الذي
سبقها إلينا. وحين وصل الركب إلينا أنيخت ناقتهاء ثم هبطت من فوق
(مزفتها)ء وجلست أمامي على سنام ناقتي المناخة وأنا أحيط ظهرها
بدراغعىي: فحين تاءث ينا الناقة على قانقيها؛ علف الزغاريد مرة أعركة :سيار
بنا الركب إلى داري الجديدة في طرف البطحاء.
وصلنا إلى البيت. وقد غابت الشمس أو تكاد, دخلت أنا وهي و(أم السعد)
و(أم لامار) إلى الدار. تعجبت من بقاء بعض النساء والرجال من بينهم أمها
و(ليث) والشيخ (أواس) خارج الدار!
جلست (أم لامار) على أريكة في صحن الدارء بينما وضعت (أم السعد)
الطعام الذي تحمله والفاكهة في الخزانة؛ ثم دخلت إلى حجرتناء فنفضت
السرير بيدها. واشعلت قنديل الزيت ثم خرحت.. احتضنت (اروى) التي امتقع
لونها وقالت لها وهي تضع في يدها خرقة بيضاء:
- هيا يا بنت السعد والشرف!
ثم جلست إلى جوار (أم لامار) على الأريكة في انتظار خروجي من الحجرة,
استعدت كلمات الشيخ (اواس) التي حكاها لي في هذا الصباح. فشعرت
ببرودة أطرافي ثم نظرت إلى المراتين متحرجا.
أامنسككة نيك (أروق) !وهممثت بالدخولٍ إلى الحجرة فوجدت يدها أشد برودة
مني وكأنما غابت عنها الحياة. وتسمّرت قدماها فلم تستطع أن تدلف من
بابها.
- هيا يا (أروى): الناس في انتظارنا.
فركت يدي بيدها وهممت بالدخول مرة أخرى ولكنها تسمّرت مرة أخرى,
وسمعتها تنتحب, لم أستطع أن أتحمل هذا القدر من القهر لي ولهاء فالتفت
إليهما وقلت حاسما:
- اخرجي فأخبريهم أن العروس بنت سعد!
شهقت (أم السعد) وقالت:
- كيف؟
أدميت أصبعي في برغي الباب: ولطخت به الخرقة البيضاء وقلت لها:
- هكذا!
أرادت أن تتحدث. ولكن (أم لامار) التي كانت تشعر بالحرج هي الأخرى,
التقطت الخرقة من يدي وقالت ل(أم السعد):
- أطلقي زغردة يا (أم السعد).
فأطلقت زغردتهاء وسمعنا جلبة الناس بالخارج؛ حينما خرجت إليهم المرأتان
بالبشرىء وبعد قليل هدأت الأصوات ورحل الجميع ولم يبق الا انا و(أروى)
وسكون الليل؛ رايت وجهها عن قرب لأوك مرة في ضوء القنديل: استردت
نوها عم إن -عمدك الأضوات 'واطمافك لتحيل الكميع» انسدكية انما في
المجروح فقبّلته وهي خجلى مما حدث, ضممتها إلى صدري وشعرت بنعومة
خدها على وجهي لأول مرةء استكانت رأسها مطمئنة وأحاطت كتفي
بيديهاء وكأنها تستجير بحضني. حرك خضوعها وضعفها شوقي إليهاء
فضممتها اكثر حتى لامست دقات قلبي قلبهاء لا شيء يثير الشوق في
قلب الرجل قدر خضوع امرأة محبة: ولا شيء يحرك صلابته قدر ذوبانها بين
يديه.. وحين تلامست الشفاه عفوّاء مسّ القلب متعة لم أختبرها من قبل
حتى :في اكد ا خلافي مجوناء: حدقا :تلك المنغة إلى عالم :من السك لا
يرضى إلا بالمزيدء وكلما ارتقينا فيه منزلة كلما انفصلنا عن عالمنا أكثر,
وكأنما خلعت أراوحنا رداء الجسدء وأبت إلا أن تعلق في سماء النشوة حتى
تصل إلى متتفاها:. أفلتنا عقال الخحل وأعلقنا باب الحجرة ذونة: حَملتها إلى
مخدعناء وقضينا الليلة ننهل من كئوس الحبء ونرمح في بساتين العشق,
ونترئح من سكراته مرات ومرات حتى أنهكنا التعب وغبنا في النوم على
فرش مخملي يهدهد الروح ويسمو بنا بعيدًا عن عالم الأنعام الذي أراده لنا
الشيخ (أواس) و(أم السعد).
واستيقظنا من نوم طويل خلا من الاحلام. على طرقات متقطعة على باب
البيت: ازتذيت قياني وحرحك إلى الغباء مقط قدي ضوة. الشفمش التي
ارتنفعت في السماء. فتحت الباب فوجدت (ام السعد) تضع يدها على فمها
وعيناها تذرف الدموعء. قالت وهي تكتم صرخة تريد ان تمزق صدرها:
- مات الشيخ (عابر) يا (شمعون)!
0 00 00 00 00
«ويكأنه أسلم الروح بعد أن أتم فضله علي!
ويكأن الرب قد أرسله رسولًا من أجلي أنا فقط!
».. هكذا كنت أبكيه وأرثيه وأنا أسير في جنازته التي امتدت صفوفها ما بين
«المعلاة» و«الصفا».. صعدنا إلى الربوة التي اقيمت عليها مقابر اهل «بكة»,
نحمل المحفة الخشبية التي ربط إليها جسده الملتف ب_اكمله في لفائف
بيضاء إلا من وجهه الذي تُركت صفحته البيضاء مكشوفة لنراة ونلقي عليه
النظرة الأخيرة قبل أن يطويه التراب. ظئي أن أحدًا في «بكة» لم يخرج كي
يودعه إلى مثواه؛ لم أتخيل ذلك القذر من المحبة في القلوب لهذا الرجل,
كانت الأقدار كريمة معي؛ إذ منحتنني تلك الفرصة كي أقترب منه؛ء وبالأخص
في أيامه الأخيرة. فأي خير قد فعلته في حياتي حتى يكون هذا الرجل هو
معلمي ودليلي في الحياة؟
حين نظرت خلفي ورأيت الصفوف الممتدة إلى السفح تتراص للدعاء له
شعرت بان السماء قد تفتحت وذقنات لاستقباله, وحين تعالى تسبيحهم
باسم الرب (القدوسء القدوس, القدوس) شعرت بأن أرواح الأبرار» قد أت
لاستفياله: هكذا حيزي دات"هرة عن أرواة. الملاتكة. لمش ين يخول
العرشء الذين يصنعون مشيئة الربء ويرفعون المُسبّحين معهم إلى أعلى
فنزلة: غدنا إلى الدار الع بخلث من المعرين وقي حلفى :مرارة. الفقق قرة
اخرى. اشفقت على (اروى) و(ليتث) اللذين فقدا اباهماء وها هما يفقدان
جدهماء حتى عمهما (دومة), قد ذهب بلا رجعة: قد يكون حالي أبنو "فت
جالهقا: :ولكن الم الانكسارييكوت ذاتما أهد على هن اعفاد التفندا
أَخّر الشيخ (أواس) عودته إلى «يثرب» عدة أسابيع.
أراد أن يطمئن على أخته وأولادهاء وأراد أكثر أن يؤمِّن انتقال سيادة القبيلة
إلى انك أعقه (ليث)؛ شهر نان أبناء. اخئى. الشيخ (غات) قد تطمكوت إلى
السيادة بعدما مات (نابت) ورحل عنهم (دومة), السيادة في القبيلة تكون
للحكمة أو الغاك أه القوة ؤزليث) نوات كات واعرًا“ لا يملك إزا'من هذا تحد
الناس في (بني يطور) عن مصير تجارتهم بعد الشيخين (نابت) و(دومة),
لاسيما وان سيلعهم قد بارت في موسم الحج الماضي بسيبب النزاع بين
«جرهم» و«خزاعة».
فضلًا عن الشقاق الواقع بينهم وبين بقية (بني إسماعيل) في تلك الأيام,
أثار بعضهم الشكوك في القدرة على العودة إلى «رسة» أو التجارة بينها
وبين «بكة» وهم لا يملكون مؤن السفر من الأساس. وأتاروا شكوكا أكثر
حول مستقبل القبيلة مع زعيمها الصغير.. وحينما اجتمع بهم الشيخ (أواس)
اقترح عليهم ان يقوموا برحلات قصيرة للتجارة بين «بكة» و«يثرب»؛ فذلك اقل
كلفة وأيسر مئونة. وشجعهم على تجارة الكرم وعصيرهاء فالخمر قد اصبحت
شراب السادة في «بكة»,. وسيلقى بيعها رواجاء وكان مما قاله لهم مشجعا:
- قِدرٌ من الخمر يعدل ثمن جوالٍ من الطحين!
ثم زين لهم الأمر بأن وعد بأن يهب (بني يطور) قافلة من كرم بساتينه كي
تباع في «بكة».
وقال مؤكة| على فراكة. مج :هذا الحدية:
- إذا أهلّ عليكم الصيف خرجتم بقافلتكم إلى «يثرب» فوهبنا لولدنا (ليث)
قافلة من الكرم لم تر «بكة» مثلها من قبل!
شعرت باستنكار لما قاله. ووجدت في كلامه خرقًا لما كان يسير عليه الشيخ
(عابر). ولكني فوجئت باستحسان العيون من حولي للفكرةء. بل رايت في
عيني (ليث) فرحا بهاء فقلت مستنكرا:
دازبية الكهد فى القزية الممضيخة؟!
قال الشيخ (أواس):
- سبقنا إلى ذلك الكثير. والخمر ليست مهجورة في «بكة» يا بني!
قلت:
- ولكن الشيخ (عابر) كان يكرهها ويذم شاربها.
قال الشيخ (أواس):
- أنا أيضًا لا أشربها ولكني أبيعها لمن يرغب.
قال ابن أخي الشيخ (عابر) الذي سنحت له الفرصة بعد كلامي للهجوم على
رأي الشيخ (أواس):
- لو كان الشيخ حيا لنهركم عن هذا!
نبيع الخمر في «بكة» ونعين الفاجر على فَجْره!
أما يكفي ما فعله (إيساف) و(نائلة) في حرم الكعبة بسبب الخمر؟!
قال الشيخ (أواس):
- الخطيئة على مَنْ أخطأ. وإن صحَّت الرواية فقد تحمّلا وزرهما!
وجدتني أقول منفعلًا:
- والخطيئة أيضًا على من أعان عليها!
نظر إليّ مندهشًا ورأيت استنكارًا في عيني (ليث) وبعض الجلوس.
فقلت وقد شعرت بالحرج من العيون المتفحصة:
- يا شيخ (أواس)., أنتم قوم على الفطرةء ولم تروا غضب الرب وعقابهء. قد
اتنا من قوم يمسخون على مكانتهم إذا أخطئواء ولو أخطأ فيهعم الفاجر
لعُوقب الصالح على عدم ردعه له!
قال أحدهم ساحرًا:
- وماذا ترى يا صهر الشيخ (عابر)؟!
0 والعجوة كما كنا نفعل, وإن شئتم نبيع الصناديق أيضاء وأنا كفيل
ا
علت الضحكة بينهم: ورأيت بعض الحرج والغضب في عيني (ليث) وانبرى
أحدهم قائلًا:
- نِعْمَ الرأي ما قاله الشيخ (أواس). ولو كان الشيخ (دومة) بيننا لذهب إلى ما
ذهب إليه الشيخ (اواس).
ثم قام من مقامه وصافح (ليتا) قائلا:
- بارك الله فيك وفي خالك يا (ليث): سر على بركة الله ونحن معك.
فإذا بالناس يحذون حذوه ويقومون الواحد تلو الآخرء يصافحون (ليثا) وكأنهم
يمنحونه البيعة. حتى اولئك الذين أضمروا في نفوسهم بغضا ل_(ليث) أو
استنكارًا لما ذهب إليه قاموا فمنحوه البركة.
ووجدتني وحدي في جانبء والآخرون في جانب آخرء فقَمُت من مجلسي
وذهبت إلى (ليت). وضعت يدي على كتفه وقلت له:
- فليّرشْدك الرب لما فيه الخير لنا ولك أخي الحبيب.
ثم تركته وانصرفت.
00 00 00 00 0
الورقه الثامنة والاربعوت
اقتربت أشهر الصيفء, واشتد قيظ «بكة» مبكرًا رغم أننا كنا لا نزال في نهايات
شهر نيسان؛. استعدت قافلة (بني يطور) للخروج إلى «يثرب» للعودة بقافلة
الكرم أو» قافلة الخمر» كما أحببت أن أدعوها!
كنت في العريش الذي أقمته بجوار المنزك ل صنع بعض الصناديق
المتأخرة على أصحابها ومعي غلام حبشي يعاونني في كشط ما أقوم
بتجميعه حينما دخلت علينا (أروى) العريش ببطنها المنتفخة بحملها والتي
جعلت أنفاسها تتهدج مع كل خطوة تخطوها.
أسرعت إليها ووضعت لها صندوقًا كي تجلس عليه: جلست صامتة وفي
عينيها حديث تبوح به بالنظرات بعد أن عجزت كلماتها عن إقناعي به خلال
الأيام الماضية.
قلت لها:
© لفاذ] لمر تر فلي ( ام الشيهد) :فى :ظلدفي يذلا :من ان مركي مره ا الدان فين
هذا القيظ؟
اتجهت ببصرها إلى الغلامء وكأنها لا تريد أن تتحدث أمامه.. أمرثٌ الغلام بأن
يذهب للطعامء والراحة وجلست على صندوق آخر قبالتها تم قلت لها:
- هات ما عندك؟
قالت:
- ستخرج قافلة (بني يطور) بعد أيام إلى «يثرب».
قلت:
غوها اننا
قالت ثائرة:
- (ليث) أخيء و(أواس) خالي يا (شمعون).
وأنث تقيز النانين :ضدهها:
قلت صادقا ولائمًا في ذات الوقت:
معاة الله يا '(أردى) أنه انير الناسن عليهما: فحزليك) أخي أيضا والشية
(أواس) بمثابة الخال لي.
أموتكت نيدي بوكارها تعتذن ثم-قالفة: متوسجلة:
- إذن فلماذا امتنعت عن الخروج معهم؟!
لماذا جعلته يبدو صغيرًا في أعين الناس, حتى قال عنه الحاقدون:
«قد اعتزلته أخته وزوجها»؟!
قلت لها صارما:
- خير له أن يقولوا ذلك بدلا من أن يقولوا حاد أحفاد الشيخ (عابر) عن مسار
جدهم!
- أحزن لذلك أيضًا يا (شمعون): ولكنه ضيق الحال وعوز الحاجة!
أما ترى أن (بني يطور) قد صاروا أفقر بطون (بني إسماعيل): وأهون الأحياء
في «بكة»!
لم ينس الناس ما فعله عمي (دومة)!
قد امتد حقد (بني إسماعيل) على (بني يطور) وحقد (بني يطور) على أحفاد
الشيخ (عابر)!
وإن لم يَسْعَ (ليث) إلى جلب الماك لانفرط عقد القبيلة من يده!
قلت لها متعجبا:
- وهل كان الشيخ (عابر) يركن إلى المال حين قاد (بني يطور)؟
وهل لو عاد الشيخ (نابت) حيا هل كان سيسلك نفس الطريق؟!
صدّقيني يا (أروى) المال وحده لا يساوي شيئًا إن لم يزينه الشرف!
والقوة وحدها لا تساوي شينًا إن لم تزينها الحكمة!
تم أردفت:
- أما يتعظ هؤلاء بما وقع ل (عمرو بن الحارث) الذي ركن إلى ماله؟
أما يتعظون بما وقع للشيخ (دومة) الذي اغترّ بقوته؟!
نظرت إلى عيني وكأنها ترىك شخصًا آخر لا تعرفه ثم قالت:
- من أين جاءتك تلك القسوة؟
قلت مبهوتا:
- قسوة؟!
قالت باكية:
- نعم!
- ليست قسوة يا (أروى) ولكنه اليقين!
يقين من رأى بعينيه كيف تغزل شراك الفتن فيتعثر بها أكثر الناس تبانًا!
رأيت أبي يا (أروى) وهو يفرٌ من نار الفتنة إلى «رسّة», حين رآها توشك أن
تلتهم الجميع وكان زوج اخته هو الذي ينفخ في نارها!
|
رأيت” أيضًا كيف يكوت: عقا الرت: علئ. أناسن تحايلوا على شرعه واعتدوا
علي حُرّمة السبت فنالوا العذاب مع الذين _بخلوا عليهم بالنصيحة, صدقيني
يا (أروى) قد رايت أكثر مما رأى قومك, وتعلمت من جدك الشيخ (عابر) أكثر
مما تعلموا!
المال وحده لا يساوي شيئًا إن لم يزينه الشرف!
والقوة وحدها لا تساوي شيئا إن لم تزينها الحكمة!
مسحت دموعها وقالت وهي تقوم من مكانها وكأنها لم تسمع ما قلت أو لم
0
- اعتزل الفتنة. واعتزل أخيء واعتزلني أنا أيضًا يا (شمعون). وحسبي من
الخذلان ما رأيته منك اليوم!
ثم انصرفت عائدة إلى الدار.
(رومانا) و(أروى) امرأتان عاشتا في حياتي وكلتاهما على طرفي نقيض!
كنت أرى أمي كإلهة المصريين (حتحور) التي رأيناها من قبل في برية
«سين», امرأة فاتنة لها قرنان. ويبرز من جسدها أغصان ترسل الفيء
وتسقي الظمانين: في الأم البارة التي تعطي الحنان بلا حدود. وتمنح بلا
مقابل,» أما (أروى) فكانت ظبية صحراوية جامحة, يقولون هنا:
إن الظبي يكره المكوث في مكان واحدء ويضربوت به المثتل فيقولون عن
الشخص الذي يغادر حاله أنه «كالظبي يغادر ظله», وكذلك كانت هيء كان
جموحها يقودها في كل شيء؛ إذا أخيرة: وإذا كرهت. واإذا غضبتء وإذا
رضيت.. حتى في الفراشء كانت تجمح جموح فرسة ترمح في البيداء إذا كنا
على وفاق» وإذا عضبت انطوت على نفسها كمحار رخو انكمش على نفسه
في قوقعته,. كنت أقارن بين تقلبها وبين رسوخ (رومانا) الدائم فاتعجب من أن
كلتيهما امرأة. وأتعجب أكثر من عشقي لكلتيهما رغم وقوفهما على طرفي
نقيض.
اعتزلتني (أروى) أيامًا بعد أن غادرت قافلة (بني يطور) «بكة» من دونناء
اتخذت لنفسها مخدعا آخر ونقلت أغراضها في حجرة أخرى.
أغضبني ذلك ولكني تفهمت حزنهاء اشتريت لها زجاجة عطر وتركتها على
دولاب أغراضها فلم تفتحها وتركتها على حالها لأيام. ما أزعجني حقا أنها
كانت تعتزل الطعام أيضاء وكنت أخشى وهن الصيام مع وهن الحمل عليها
وكنت أوضي (أم السعد) بأن تقوم بإطعامها. فقد كانت (ام السعد) تعيش
معنا منذ مات الشيخ (عابر). وكانت تقوم على شئون البيت وتعد لنا الطعام
وتُعؤوّض (أروى) ولو قليلًا عن غياب أمها التي رحلت مع أخيها (ليث) إلى
«يثرب».. جاءتني (أم السعد) ذات ظهيرة بطعام الغداء في عريش النجارة,
وقالت:
- (أروى) لم تأكل الزاد منذ أمس!
تنهدت يائسًا وأنا أقول:
- وماذا عساي أن أفعل يا خالة؟!
لا تقبل لي كلمة ولا نصحًا.
- مسكينة تلك البنية!
مات جدها وأبوهاء ورحل عنها أمها وأخوهاء وزادها الحمل وهنًا على وهن!
قلت زافرا:
- لا ينقصني تقريعك يا (أم السعد). أم تريدين أن تزيدي من غمّي؟!
قالت:
- معاذ الله يا (شمعون). ولكني أشفق عليها وأخشى عليها الهلكة: أفلا
وعذتها ولو كذبًا بان تلحقوا بقافلة (بني يطور) بعدما تضع حملها!
لم أحد ما أقوله.. فقالت حانقة:
- عنيد أنت يا (اشمعون)!
حتى الوعد تبخل به عليها!
زفرت في يأس وأنا أقول:
- مالي حيلة أخرى يا (أم السعد)؛ ما دام في هذا نجاتها فإني فاعله؛ ولن
اعدها كذيا!
بل أفكر بالأمر بعد أن تضع حملها.
ابتهجت فرحا وقالت:
- حسنا اذهب لتخبرها بذلك.. قلت لها:
- ليس الآن!
لديّ أعمال وسأعود إليها قبيل الغروب.
انصرفت مبتهجة وقالت:
قبل الغروب, كنت قد فرغت من أعمالي؛: ا لي الغلام الحبشي من
المنزل إناء به ماء وثويًا نظيقًا وزجاجة الطيب والدهن والمشط؛ فأخذتهما
وتركته ينصرف على أن يعود مبكرًا في الصباح, ذهبت إلى الخلاء خلف الدار
فخلعت ملابسي وتحممت, أجتهد في أن أزيل عرق الصيف اللزج من شعري
وجحسدي؛ وبعد أن تحففت بتوبي القديم» لبست ثتيابي البيضاء النظيفة. ثم
مسحت شعري بالدهن ومشطته إلى فرقين انسدلا على أذئي وطيّبت
مغرقه ببعض الطيب.
كنت أميِّي نفسي بأن تسر (أروى) بما سأخبرها به. وأن يصل ذلك ما انقطع
بيننا من الشوقٍ طيلة الأسابيع الماضية. حين دخلت إلى صحن الدار وجدتها
تجلس على الأريكة إلى جوار امرأة غريبة فأربكتني المفاجأة رغم أن المرأة
لم ترتبك. فلا هي سترت رأسها ونحرها بخمارها المنسدل على كتفيهاء ولا
فردت ساقها التي طوتها اسفل عجيزتها فكشفت عن ركبتها وجزءًا من
فخذها!
3
أطرقت بصري حياء وغمغمت قا
- عمتم مساء.
ثم دلفت إلى الحجرة الداخلية دون أن أنتبه إن كانت إحداهن قد ردت التحية
ام لا!
تبعتني (أم السعد) إلى الداخلء. قلت لها متأفقًا:
في السرفة
قالت وكأنها تزف إليّ خبرًا:
- صديقة قديمة ل(أروى).؛ أتت لتزورها وتمكث معنا بضعة أيام.
قلت مستنكرًا:
- تمكث معنا وتترك قومها!
ألا ينتخي رجال قبيلتها؟!
:قي قناة قنمة من ا قيدار) كانت في عمر (أروى) حين ربّاها الشيخ
(نابت) في بيته لسنوات وصارت مع الأيام صديقة (أروى) المقرّبة. فلما بلغت
سن العاشرة طلبتها خالتها وألحّت في طلبهاء فتركها الشيخ (نابت) لها.
- كانت خالتها رين ال الفتيات: وتُفئي في ليالي 508 فلما رأت ابنة أختها
وقد نضجت واشرقك على البلوغ آوتها إليها كي تساعدها في عملها
وتتكسب من ورائها!
قلت ساخرًا وأنا أهمس متلها:
- وأين خالتها الآن؟
قالت.وكاتها تشمت ٠ رها:
- ماتت نمّاصة النساءء بعد سنوات قليلة ولم تهنأ بتدبيرها!
قلت لها في مرارة:
#روكمر ين الوقف. فشكف تمفنا 'زبونة التخاضة تلك الذي لذ معحي: عن
الرجال!
قالت مؤنبة:
- لا أدري!
ليتها لا تغادرنا!
فقد أكلت (أروى) معها وشربت, ولم ينقطع الضحك بينهما حتى عُدْتَ أنت!
قلت مبهوتا:
0
|
حتى عدث أنا؟!
ثم أردفت:
حسنا يا (أم السعد): فلتذعيتي أنا فع خزتي وغمي فيكفيتثي :شنقاء اليوم
وتعبه!
وبعد أن انصرفت خلعت ثيابي وألقيت بجسدي على السرير وقد أذركت أن
امنياتي في تلك الليلة قد افسدتها تلك الفتاة.
00 00 00 00 0
الورقة التاسعة والاربيعون
الأيام التالية كانت شديدة الصخب في «بكة». فهو موسم الخروج إلى
الشمالك في رحلة الصيف, أعد كل حي رواحله, وعلت أصوات الحداة في
الطرقات تدعو الناس للإسراع في الخروج:؛ الكثير من هذه القوافل تتجه إلى
أرض «كنعان» والقليل منها إلى «آشور» و«بابل» و«مصر».
أحوقةئى مشناهة الرحيل: فالرجحيل عندي له .تحن وذكرى'لآ تتمحىئي ليوم
خروجي من «قادش برنيع».
لو كانت الأمور سارت كما دُيّر لها لكنت اليوم أرافق إحدى هذه القوافل إلى
أرض «كنعان»!
القدر الطف يلا شلك 0 0 توق ل 5 00 0
اليوم خارجًا إلى الأرض المقدسة ومعي افع و(أروى) وباقي عائلتي؟!
قافلة ارا كانت هي الأكبر والأعظم, تضاربت الأنباء حول مرافقة اعمره
يمنعه الخروج ولكندي رأيته في يوم الخروج على اسن القافلة, وال جواره
(طريفة) العرافة التي أنبأته بأن :علاج ما ألم به من مرض موحجود في دض
«كنعان». وسمعت من يهمس بأن الجن قد أخبرها بذلك!
وتعتحبت» من أن الجن قد عجزت عن علاجه في «بكة», فأرسلته إلى أرض
«كنعان» كي يعالح!
ظني أن (عمرو بن لحي) يجيد نشر هذه الأخبار التي تزيد من رهبته بين
حين رحلت آخر قافلة. هدأ الصخب في «بكة» وخلت القرية إلا من النساء
وبعض الشيوخ ورجال لا يملكون تجارة. وصنف ثالث من الشباب لم اشعر
بوجودهم في الشهور السابقة: ولكنهم ظهروا في الطرقات وكانهم خرجوا
من الجحور بعد ان خلت القرية من رجالها.
كانوا شبابًا في مثل عمري أو أصغر قليلًا من أبناء الأثرياء في «بكةيي
يعقصون شعورهم في جدائل, » ويسير الواحد منهم وقد تدلى من نطاقه زفق
الخمر, » يشربون في الطرقات ويتجمعون مساء في موضع يقال له «الدكة»
يعاقرون فيه الخمر وترافقهم القيان والفتيات الماجنات من بني جلدتهم..
العجيب نهم أطلقوا على أنفسهم اسم (الأندرون): وكأن الواحد منهم هو
الأندر في قومه!
كنت عائدًا إلى الدار قرب المساء أحمل في يدي لفافة ورق ودواة حبر فارغة.,
فقد كنت قد فرغت من عملي مبكرّاء وخرجت إلى خلوة ألفتها في تلك
الأيام تحت صخرة في جبل «المروة», فأخذت أدون كلماتي وأسطر أوراقي
حتى فرغ مني الحبر, فجمعت اللفائف وعَذت إلى الدار لا سيما وأن
الشمس قد مالت إلى المغيب, كدث أدلف من باب السور حين خرجحت
صديقة (أروى) منه. اصطدمت بها فسقطت مني الأوراق والدواة: اعتذرت
إليهاء وجثوت الملم أشيائي فجثت على ركبتيها أمامي تجمع الأوراق وقد
ارتبكت متليء انفتحت إحدى اللفائف أمامها فقالت مندهشة:
- أتجيد الكتابة؟
قلت لها مرتبكا:
تكفنت قن الكلمات كفرقالت فى تعسن:
- أي نقوش هذه؟
قلت وأنا أتناول اللفافة من يدها وأطويها:
- هي حروف مصرية.
نظرت إلى عيني في جرأة أربكتني أكثر وقالت:
+ انك مصرف؟!
قلت وأنا أحيد ببصري عنها:
- أمي مصرية.. تحولت نظرتها الجريئة إلى نظرة إعجابء زاد من ارتباكي.
تم قالت:
- هذا رائع!
حين رأيتك تدخل علينا أول مرة؛ أدركت أنك مختلفء. كم أنت محظوظة يا
(أروى) لأنك لم تتزوجي من هذه القرية البائسة.
قمت واققًاء تظاهرت بطي الأوراق وأنا أنظر إليها بطرف عيني ثم قلت:
- أشكرك:
وهممت أن أنصرف.
فنادت عليّ قائلة:
- ألا تحب اللهويا ...؟
ما اسمك؟
التفثٌ إليها وقلت:
- (شمعون)!
وحينها وقع بصري عليها بالتفصيل لأول مرة: كانت بيضاء ممتلئة الوجحه
والشفتين, كحيلة العين وطويلة الأهداب, تجدل شعرها في ضفيرتين
أرختهما أمام كتفيها فوصلتا لأسفل صدرهاء وترتدي تويًا فضفاضًا طويلا
يكشف عن نحرها وأعلى الفاصل بين نهديها.
قلت وقد ارتبكت وتعرّق جبيني:
- ماذا تقصدين؟
قالت:
- يخرج الشباب إلى (الدكة) فيستمتعون بالشراب وغناء الإماء ورقص
الجواري.
تعجبت من أن تأتي امرأة خُرَّةَ بفعل كهذا. فقلت لها مستنكرًا:
- ولكنك لست بجارية حتى تفعلي ذلك!
ضحكت ضحكة قصيرة شعرت بمرارتها وقالت:
- اليتامى أحطٌ قدرًا من الجواري في هذه القرية يا (شمعون).
ثم أردفت في مرارة أكثر قائلة:
- الجارية لها سيد ينفق عليهاء وقد يعتقها سيدها فتتزوج من عبد مثلهاء أو
ينجب منها فتصير أم ولد وتفتح لها أبواب الجنان. أما اليتيمة فلا هي حرة ولا
هي عبدة!
لا يرغب فيها أحدء ولا سبيل لها كي تعيش سوى أن تتسول الناسء أو أن
تعاشر الرجال تحت الرايات الحمرا!
ألخّ على سؤال شعرت بوقاحته بعد أن سألته وقلت لها:
- وأنت بأي طريق تعيشين؟!
قالت في شيء من الفخر وقليل من التحدي ردًا على وقاحتي:
- أغناني الغناء عن ذل السؤال وعار الزنا!
ثم قالت وقد انفتح قلبها وتطايرت منه الذكريات:
اتدرف؟
لعلي كرهث خالتي حين انتزعتني من دار الشيخ (نابت)!
ولكني الآن أتذكرها بكل خيرء؛ وأدين لها بالفضل أن علمتني الغناء.
أحيانًا أتفكر كيف يمكن أن يكون حالي لو بقيت في دار الشيخ (نابت) حتى
الآن؟
أفضل الظن أني كنت سأكبر وأصير خادمة؛ مثلي مثل (أم السعد).؛ لا زوج ولا
ابن ولا مال. أعمل يوميًا مقابل الطعام مثلي مثل البعير في مربط الدواب!
أتعلم يا (شمعون)؟
أنا الآن حُرَّة!
بل أكثر حرية من حرائر تطوي مخادعهن أنّات ذُلهِن.
قلت وقد لانت كلماتي أمام منطقها وشعرت بمزيج من الشفقة عليها
والإعجاب بها:
- ألا تكرهين الغناء بين السكارى؟!
قالت في صدق:
- أبغضه؛ ولكني لا أظهر عليهم إلا حين يستبد بهم السكرا!
حينها أبدأ بالغناء من وراء حجاب!
أشعر حينها بأني أغني لنفسي وليس لهمء لا أظن أن أحدًا منهم يعرف
شكلي.ء وأنا أيضًا لا أعرف أيّا منهم فأنا لا أنظر إليهم: كل ما يعنيني بعد أن
أفرغ من غنائي هو تلك الدراهم التي يعطيني إياها أصحاب الدكة.
صمتتء فجمعنا الصمت لحظات ولم أجد ما أقوله. فتنهدت ثم قالت:
- لا أدري لماذا تحدثت إليك أيها المصري!
ثم ضحكت وقالت:
- ولكني سعيدة بذلك, ولا زلث أغبط (أروى) على حظها!
أليس لك إخوة؟!
لا
قالت وهي تستدير منصرفة:
- أعلم حظي!
دعني الآن حتى لا تضيع على دراهم الليلة!
كدت أنصرف ولكن خطرت لي خاطرة فناديتها وقلت:
- انتظري!
فالتفتت وعادت تنظر إليّ مستفسرة.
- هلا امتنعت عن الذهاب إلى الدكة الليلة:. وأعطيتك بعض الدراهم؟!
قطبت حاجبيها وقالت:
- لماذا؟
قلت لها:
- أريدك أن تغني ل_(أروى) فهي حزينة بعض الشيء.
انفرج فمها عن ابتسامة واسعة وقالت:
ا
- حقا!
قلت لها:
- نعمء وهاك الأغنية التي ستغنيها.. ثم أمليت عليها كلمات الأغنية التي
كنت أاسمعها من (رام) في «قادش برنيع».
وأضفت إليها اسم (أروى) وقلت:
أتعرفين 0 أنت يا ايا (أروى)؟
اعد وا لك اق اجن او كر لعي امد 0 :
تبرق ثم تطفر بها الدموع: قالت وهي تشوق وتضع كفها على قلبها:
- ما أرق هذه الكلمات وما أعذبها أيها الشاب!
كم أنت حنون يا (شمعون)!
ثم مسحت دموعها التي سّحّت على وجنتيها وأنفها التي سالت؛ وقالت:
- لا حاجة لي بدراهمكء. ساتي بالمعازف وفتاتين من صديقاتيء اترك لنا باب
الدان مميوفا:
ثم استدارت وهمّت بالانصراف فقلت لها:
عا تكزلة نا ها اسك ؟
نظرت إليّ وقالت:
- اسمي (هوى)!
فايتسئمت: وأدركت أن لكل امرى من اسشمة تضينًا!
م مه مه مه مه
دخلت إلى الدار. فوجدت (أم السعد) تغط في نومها في حجرتهاء ورأيت نور
القنديل يطفأ في حجرة (اروى), وكأنها. تريد أن تخبرني بأنها ستخلد إلى
النوم, عر أفتح 3 0 0 كنت أفعلٍ كل يوم» دخلت إلى جردي
وبين (هوى) وأتعجب. هي نفس الفتاة التي رأيتها منذ يومين ولم أشعر
تجاهها بالود حتى بعد ما حكته لي (أم السعد)ء الآن 00 تجاهها بالشفقة
وأرى فيها قلبًا ينبض بالتفاصيل, لكل إنسان حكايته التي لا يستطيع أحد أن
يرويها عنه.
بعد قليل تسللت (هوى) من الباب ومعها الفتاتان. تحمل إحداهما عودذا
مزهرا وتحمل الأخرى صنجًا نحاسيا ياه جلسن على الأرض متقابلات, وجلست
أنا على الأريكة, امليت عليها الكلمات مرة أخرى فحفظتهاء اثارت إلى
إحدى الفتاتين فداعبت أناملها العود. ثم اشارت إلى الثانية فنقرت على
الصنج, وكأنهن قد اتفقن على ذلك مسبقا. . تناغمت الألحان وملأت البيت
برنينها وايقظت البهجة في الدار. خرجت (أروى) من باب حجرتهاء 0
بنا. ووقفت مندهشة خجلى أمام الباب, حينئذ ذْ خرج صوت (هوى) شجيا ة
يطرق القلب ويعصف بالروح شجناء وحين قالت:
ما حمل كد نك بالجواهر ا
وعتقك بالقلائد!
أشارت إلى (أروى) بإصبعها في دلال. ثم قامت من جلستها وأمسكت بيدها
وأجلستها إلى جانبي وقالت:
«أتعرفين من دنا (أروى)؟
أنت كالسّؤستة في الحّسن حين تنثر عبيرها بَيْنَ الأشّواك كذلك أنت يا
صغيرتي تنثرين عبيرك في قلبي فتغيب عن قلبي النساء».
بكت (أروى) وهي تحتضن صديقتهاء وتوقفت المعازف و(أروى) لا تتمالك
نفسهاء قالت باكية:
لاع
- كم أحبك يا (هوى)!
ضمتها (هوى) وقالت:
موكة يعرك نك | الشات:
التفتت إليّ (أروى) وهي تنظر إليّ نظرة جمعت كل الحب والاعتذار» وخرجت
ام الستعذ): فى :تلك اللحظة ننتاء: فاند هيت وقالت:
- ما هذه الجلبة؟!
ضحكت (هوى) وقالت:
لذ شيئء ا زآمراالتسهة د كفل تومكة: :ولك افتدف :نكا نا للفقاتين بف
حجرتك وسأبيت أنا مع (أروى) في حجرتها!
وحين اقترب الليل من منتصفه سمعت طرقا خفيفًا على باب حجرتيء. فتحت
الباب فدلفت منه (أروى) مسرعة وألقت نفسها في حضنيء, أغلقت الباب
وضممتها إلى صدري في قوة رغم بطنها المنتفخة؛ ملأ عبير عطرها الجديد
أنفي فأيقظ كل حواسيء قبّلتها في شوق, وحملتها إلى فراشنا وقضينا ليلة
ذكرتني بليالينا الخالية.
00 00 00 00 0
الورقة ال _خمسون
واستيقظت ذات صباح على (أروى) وهي تتألم وكأنما أطبق على بطنها
مارد, دفعتني بيدها فاستيقظت فزعاء رابك وجهها ممتقعاء وفي تحيط
بطنها بيديها وكأنما ترجوها ألا تنشقء قالت في إعياء:
هرولت إلى حجرة (أم السعد) فأيقظتها واستيقظت معها (هوى).
أخبرتها بحال (أروى) فأمرتني بأن أضع جولقا من القش في الفناء الخلفي
للدار وأن أحضر لها صندوقا من صناديقي الخشبية؛ ثم أمرت (هوى) بأن
تذهب إلى دار (ميمونة) قابلة الحي وأكدت عليها أن تأتي بها وألا تتركها دون
أن تصجهها إلى الدان.
قراح الكقيز من القت قملات الحؤلق يكشاظ الحهتية من عرييةن الخارة:
ثم أخذت صندوقا وضعته في الفناء, رأيتها نان مستندة إلى كتف (أم
السعد) بيد. وتسند بطنها بيدها الأخرى وهي تعض على شفتيها من الألمء
فخاة عببال:منها'الماء قرحت نففقة وقبالمة: طماتتها رام السعة -وقالت
بفرح:
- قد جاءت البشرى. فتماسكي حتى يأتي البشير!
تناولت الحجرين فوضعتهما متباعدين اسفل الصندوق تم فررجت بين ساقي
(أروى) ووضعت قدما على كل حجرء ثم أمبيكة بجولق القش فافرغته بين
الحجرين اسفل (أروى) وسوت القش بيديها.. كنت لا أفهم ما تفعله. ولكني
وثقت. يفا وقة شعرزة يانها تعي :ما تفعل: مخظر لي أنها لا بد وقد مارستت
العيالة من فتل تقرانة هرات
كين رانك اقفن مذهولا::قالت لى:
- اذهب يا (شمعون) فلا ينبغي لك أن تطلع على ما هو آت.
انصرفت من فوري, خاصة بعدما علت صرخات (أروى) المتألمة. خرجحت من
الفناء. فرأيت القابلة (ميمونة) تهرول خلف (هوى) تكاد تتعثر في جلبابهاء
وهي تحمل في يدها سكينًا وقماطا من القماش.. فارتجفت مما سيفعلنه
بها ووقفت غير بعيد استمع إلى صرخات (اروى) التي تمزقت معها احشائي:
(ميمونة): أي ألم هذا الذي تتحمله المرأة كي تهب الحياة إلى جنينها؟!
وأي معاناة تلك التي تبدأ بها حياة الإنسان؟!
ربما كانت مشاركة الألم بين الأم ووليدها هي السبب في ارتباط روحيهما
بعد ذلك فلا شيء يُقرّب النفوس أكثر من مشاركة الألم.
بعد لحظات كفت (أروى) عن الصراخ, وبدأت صرخات الطفلء: كلاهما صراخ
ولكن شتان بين صراخ (أروى) الذي يفطر القلب. وصراخ الطفل الذي يُلمْلم
الروح: ويبهج النفسء ويقرع الاذن كنغمات (هوى) وصديقاتها!
نادت على (أم السعد)ء: فهرولت اليهاء رأيت (أروى) جالسةً على الصندوق:
تنظر إليّ في سعادة. رغم إعيائها الشديدء بينما كانت (ميمونة) القابلة
تقمط الطفل بلفائف القماش و(هوى) تهيم ببصرها في وجه الطفل الذي كف
قالت (أم السعد) وهي تنظف فخذي (أروى) اللتين تلطختا بالدماء:
- مبارك يا (شمعون)!
أفحيتك نيدة الينات:ذكرًا!
نظرت إلى الطفل الذي بادلني النظر؛ دون أن ألمسه:ء فقالت (ميمونة):
- بورك هذا الطفل!
لم أرَ طفلًا يُولد من قبل مفتوح العينين!
قالت (أم السعد):
- رزقه الله عيني جده الشيخ (عابر)»؛ ليته يُرزق بصيرته.
قالت (هوى):
- بماذا تسمونه؟
أنا أحَن سدم (حندن)!
صرخت فيها (أم السعد) وقالت:
- خيبة الله عليك. حفيد الشيخ (عابر) يسمى جنديًا؟!
كنت أعلم أن الجندب اسم حشرة تشبه الجرادة ولكني لم أرَها.
قلت ضاحدا:
- نترك الاسم لك كي تطلقيه على ولدك يا (أم جندب)!
ضحكنء فنظرت إلى (أروى) وقلت:
- نسميه (إبرام)ء جمع جدنا (إبرام) بين (بني إسماعيل) و(بني إسرائيل) من
قبلء وها هو ولدي يجمع بينهما الآن!
قالت (أم السعد):
- بورك الاسم يا (أبا إبرام)!
وضعته ميمونة بين يدي (أروى) وقالت:
- دعيه يشتمٌ عرقك ليعرفكء ثم ألقميه ثديك حتى وإن لم يُدِرّ لبنَا كي لا
يزهد في الرضاع.
حملته (أروى) وسعادة وجهها تمحو كل أثر لألم أو إجهاد. قلت
- وأنا؟
ضحكت (أم السعد) وقالت:
- لا حاجة له فيك ليعرفك, الولد لأمه ٠١ شهرًا.
ثم قالت لي آمرة:
- هيا يا (شمعون)؛ ضع الخلاص في الجولقء وادفنه في الصحراء وحذار أن
تتبعك الكلاب: فلو أكلت الكلاب الخلاص لمات الولد.
لم أفهم ما هو الخلاصء ولا لماذا يسمونه هكذا ولكني حملت جولق القش
الذف تعطتت رانكتة الدماء المغترة على,ظهري. وسكت في يدي فأساء
وخرجت به إلى الصحراء. حفرت حفرة عميقة تاكدت من أن الكلاب لن
تستطيع نبشهاء وألقيت الجولق بها.ء تم أهلت عليه التراب, .أثار المشهد
أفكاري وتذكرث يوم أهلنا التراب على جسد أبي بعد موته؛ نبدأ الحياة بدفن
وننهيها بدفن: وكأننا من تلك الأرض أتينا وإليها نعود!
حين عدت إلى البيت وجدت (أروى) نائمة تحتضن الطفل النائم بينما وقفت
(أم السعد) في الفناء أمام الموقد تعد لها لحمًا ومرقًا كي تستعيد قوتهاء أما
(هوى) فكانت تجلس على عتبة حجرتها تحك كعبيها بحجر مبتل وقد وضعت
قدميها في إناء.
قالت (أم السعد) حين رأتني أدخل إلى حجرة (أروى):
- لا تدخل عليها واعتزلها حتى تبرأ من نفاسها!
- أعتزلها!
|!
إلى متى؟!
قالت:
1 أربعين يوما وليلة.
فغرت فاهي دهشة وقلت:
- أربعين يومًا وليلة؟!
تضيع أيام العمر ما بين حيض ونفاس!
!|
ضحكت (هوى) وقالت:
- تزوج عليها أخرى!
إن حاضت إحداهماء برئت الأخرى!
نهرتها (أم السعد) وقالت:
- ومن أدراه ألا يوافق قمر الأولى قمر الثانية!
ضحكت (هوى) مرة أخرى وقالت:
- إذن فليتزوج الثالثة!
قالت (أم السعد) مُحذرة:
- لا تطعها!
أما سمعت عن الذي قال لصاحبه أتزوج الثانية فأصير خروقًا ينعم بين
كيف حالك يا خروف؟!
قال صرت نعجة ترعى بين ذثبتين!
انفجرت ضاحكًا وقلت:
- هوني عليك يا (أم السعد)!
لا أريد أن أكون خروقا ولا نعجة.
فقط أريد أن أنام في مخدعي!
قالق وقانها مسد عقا د
- نقلت 5 في حجرة أخرى!
ذقعفت نأت 0 ل الحجرة 0 0 ا العيشىي طق الباب
وقال لي:
- هناك ضيف بالعريش يريد الحديث إليك يا سيدي!
تنهدت وأنا أنظر إلى (أم السعد) في غيظ ثم قلت:
- لا أمل لي في القيلولة اليوم!
ثم قلت:
- حسنًا يا غلام. سآتيك في العريش!
م مه مه مه مه
دخلت إلى العريش فوجدت رجلا مهيبًا يقف في وسطهاء يقلت الصناديق ني
يديه وينظر إلى صنعتها بعينين بعينين خبيرثين» براققة غلام حبشي» بينما وقف
غلام آخر إلى جوار الناقة التي ناخت خارج العريشء ألقيت عليهما التحية ثم
أردفت:
- يبدو أن السيد الكريم تعجبه صناديقنا!
استدار الرجل وقال في لكنة غريبة عن أهل «بكة» ولكني فهمتها:
- لا حاجة لي بالصناديق ولكني أنظر إلى دِقَّة الصنعة.
- وفيم يحتاج السيد الكريم صنعتي؟
قال الرجل في جدية:
- اسمي (جُديس) وقد أتيتك من «الشعيبة».
أتدري ما «الشعيبة»؟
هززت رأسي نفيّاء فقال بلكنته الغريبة:
- «الشعيبة» هي مرف على شاطئ البحر تبعد مسيرة يومين عن «بكة».
لم أكن أعلم أن «بكة» قريبة من البحر إلى هذا الحد. كنت أظن أن العمر قد
ينقضي في السير في وديان «بكة» وجبالها دون أن يصل المرء إلى منتهاهاء
هززت رأسي متفهمًا ولم أقاطعه كي يدخل في مضمون الحديثء فتابع:
- ترسو عندنا السفن القادمة من الشمال من «صيدون» و«كنعان». والسفن
القادمة من الجنوب من سبأ ومن الحبشة: البعض يرسو للتزود بالمؤن؛
والبعض يرسو لإصلاح ما لحق به من عطب في البحارء أيام الصيف الأخيرة
في موسم العمل من كل عام يي-*كتشى البحارة ثورة البحر في الشتاء. ولا
تتحمل سفنهم لطمات الأمواج.
نجمع النجارين من كل الأحياء للعمل في المرفاء ويقولون:
إنك أفضل النجارين في هذا الحي!
فما رأيك في أن تعمل معنا هذا الصيف وسنجزل لك العطاء؟
قلت له شاكرًا ومعتذرا:
د أشتكرك» ولكن الا خيرة لي بتصضنة السفن: كما أن زمحدي قذن أتحيت- اليوم
ولدها!
رأيت على وجهه عدم التصديقء نظر إلى الصندوق الذي كان يقلب فيه منذ
قليل وإلى عربتي الخشبية التي ارتكنت على جانبها وقال:
- مين يجيد هذا العمل الدقيقء لا يعجزه إصلاح مركب تجمعت ألواحها بالدروع
ال
والدسر.
شعرت بالامتنان لكلماته, وظننت أنه سينصرف حين قام من جلسته., ولكنه
أخرج من نطاقه كيسا من النقود, وضعه في يدي وقال بطريقة تاجر اعتاد أن
نوي أ تفاوض بزيادة السعر:
- هاك +0 فضية ولك مثلها بعد كل مركب تقوم بإصلاحه!
الحق أن النقود في اليد تُغري المرء وتعيد نظم كلماته.
قلت في لهجة مترددة عن ذي قبل:
- الأمر ليس له علاقة بالمال. فزوجتي قد أنجبت اليوم كما أخبرتك ولا
أستطيع تركها.
وضع في يدي كيسًا آخر مثل سابقه وقال:
ثم ابتسم لأوك مرة وقال:
- على الأقل تهرب من قيظ الصحراء في «بكة» إلى نسمات البحر في
«الشعيبة».
كانت نقود الرجل وكلماته كفيلة بأن أحسم أمري فقلت:
- ومتى السفر؟
قال:
سأمكث في «بكة» عشرة أيامء أطوف على ما بقي من أحيائها ثم يتحرك
الركب من البطحاء إلى «الشعيبة».
صافحته وأنا أقول:
- نعد الرحال وأرافقك مع أهلي إلى «الشعيبة» بإذن اللّه.
00 00 00 00 0
الورقة الحادية وال _-.خكمسون
انحدرت العربة بين التلال الوعرة التي فصلت بين «بكة»,: و«الشعيبة»: ارتح
جسدا (أروى) و(هوى) اللتان تشبثتا بجانب صندوق العربة بيد وأمسكتا
بقغفص مبطن بالقمااش وضع فيه (إبرام) بيد اخرق: بينما حافظت (أم السعد)
بالكاد على أتزانها بآن انستدت ظهرها إلى زاوية العربة. وتشبتئت في حرف
الصندوق بكلتا يديها.. انتفخت مظلة القماش التي ظللت العربة بالهواء كخباء
أوشك أن تعصف 3" الرياح, ورم ا أن عجلات العربة ستتحطم وفي
وصلنا إلى السفح., فأوقفث العربة, ودرث حولها كي أطمئن على (أروى)
وعلى الطفل (إبرام). فوحدتهما بخيرء قامت (هوى) من جلستها علي العربة
ومدت لي يدها كي أساعدها على النزولك وهي تشعر بالإعياء, وما ان نزلت
تستند بظهرها إلى عجلات العربة في إعياء.
قالت (أم السعد) مُوبّخة وهي تمسك ظهرها متأوهة:
- ألم يكن من الأفضل أن تكتري لنا ناقتين بدلا من تلك العربة التي كادت أن
اغتظت منها ولم أشأ أن أقول:
إنها أصرت أن تركب العربة بدلا من أن تركب الناقة مع الغلام الحبشي.
- هذا أفضل بكتير!
ككفينا قلقلة النوق وجمعنا ركاب واحد!
كان (جُديس) وقافلة النجاريين لا تزال أعلى المنحدر تهبط على مهلء: بكى
الطفل (إبرام)؛ فألقمته (أروى) تديهاء نظرّت إليه في حب وهو يمتص حلمتها
مغمض العينينء غير عابئ بما يحدث حوله!
نكلرةالأمر الي ققد من عيديها كانت لاا#نتاسسس ف وهوها الذف تحمل
ملامح طفلة: ولكن يبدو ان الفتيات يولدن وفي قلوبهن حنان الأمومة. . حينما
أخبرتها بأمر الانتقال إلى «الشعيبة», قالت سعيدة:
«ذلك رزق (إبرام) قد ساقه الله إلينا!
84
تؤمن مثل قومها بأن الذكور يأتون بسعة في الرزقء وأن البنات يجلبن ضيق
الرزقء: رغم كونها أنثى!
النساء هنا لا يخفين سعادتهن بأبنائهن الذكور ويرضعنهم ذلك الشعور في
المهد. تم يشكين ظلم الرجال بعد ذلك!
أما (هوى). فحين علمت بأمر السفر إلى «الشعيبة» فغرت فاها وقالت
مذهولة:
ا
- حقا!
ثم شعرت بقلبها يخفقء وصوتها يتهدج لا أدري إن كان فرحًا أو قلقا وقالت:
- سوف أرافقكم إلى هناك وإن شئتم اتركوني هناك وحدي!
لم تفوت (أم السعد) عليها فرصة التأنيب فقالت:
- نتركك؟
إلى متى ستظلين هائمة على وجهك يا فتاة؟
فردت عليها (هوى) حينها في حِدَّة أخرستها:
- دعيني وشأني يا (أم السعد)!
ورّعتُ كسرات الخبز والجبن على النساء الثلاثة. وجلست مستندًا إلى
صخرة: أنظر إليهن وانتظر وصول (جَدَيس) وباقي الرجاك.
تفكرت في حالي متبسما!
فللنساء في حياتي نصيب كبير؛ أمي و(سولاف) و(باتشيفا) في برية
«سين», و(أروى) وزهوى) و(أم السعد) في برية «فاران». ثلاثة اجتمعن مع
اي وثلاثئة اجتمعن معيء يبدو أن النساء لا يجمعهن إلا قلب يشعرن معه
بالعطف والامان.
مع قدوم الليل. وصل (جديس) وباقي الرجال إلي أسفل السفح, اكيت
الآبل: وخريت» الأخبية: واستعد. الناس. للمتيت». أخلدت: النساء للتوم :في
الخباء. بينما جلست أنا خارجه وقد أشعلت النار في شجيرة تحطبت
أغصانهاء فقد كانت نسمات الصيف الأخيرة تزيد من برودة الليل.. طقطقات
الحطب في النيران جعلتني لا أشعر بأقدام (هوى) حينما جاءت وجلست
حاوف أذ ريها انسلات قف قنع الكباء فقوف كرف لا تودظ شنار
حلست وقد ضمت فخذيها إلى صدرها وأحاطت ساقيها بساعديها.
سألتها وأنا أتطلع إلى صفحة وجهها في ضوء النيران.
- كيف حالك؟
أما زلت تشعرين بالإعياء؟!
هزت رأسها وقالت:
- أشغر يه قليلا.. لمحت فى وحفها مسشتحة حزن فقلت:
- أرى في وجهك حزنًا يا (هوى)؟
ظلت تتطلع إلى ألسنة النيران المشتعلة ثم قالت بدون أن تنظر إلىّ:
- هل تجيد سبر الأغوار؟
قلت:
- لا يحتاج الأمر لذلك. فحزنك قد غادر أغوارك: وانعكس على صفحة وجفك!
نظرت إليّ وقالت وهي تجاهد الابتسام:
- تجيد الكلام أيها المصري!
ثم أردفت:
- أظن أن جميع الرجال يجيدون الكلام!
ثم طفرت في عينيها دمعة وهي تقول:
- ويجيدون الوعود والكذب والخداع كذلك!
أدركت أن أحدهم قد أصابها بخيبة أملء وشعرت بأنها تحمل همومًا على
كتفيها. فمددت كلماتي كي اعينها على حملها. قلت:
- ما بك يا زهوى)؟
مسحت الدمعة التي فرت وقالت:
- لا شيء يا (شمعون). هل لي في أن أطلب منك أمرًا؟
قلت لها مشجعا:
- بالطبع!
اطلبي!
قالت في رجحجاء:
- لا أريد العودة إلى «بكة»!
اتركني في «الشعيبة».
قلت لها مباشرة:
- أهو شاب من «بكة»؟!
ترددت في الحديث قليلاء ثم قالت:
- كان في «بكة»!
قلت:
تقل بخذ لاف ؟
نظرت بعيدًا عن النيران وكأنها تستر عينيها بالظلامء ثم بدأت في السرد
وكانها تتحدث إلى نفسها قائلة:
- رأيته في «الدكة» الصيف قبل الماضيء الوحيد الذي كان يذهب إلى
«الدكة» فيجلس وحدة دون صحبه. كنت حين اصدح بالغناء أراه يتطلع إلي
بشغفء لا يصرف عينيه عني ولا ينشغل بشرب ولا طعام أحسست بأنه
يريد أن يبقى عقله متيقظًا حتى يراني, واوفحت إلى “فشتكي عانة ناتقي :قن
احلف اناء ولمتوقة ا كل ليسم
مرة بعد مرة أصبحت أغني له وحدة: أصدح بصوتي لأحله. وإذا غاب, غاب
عني صوتي» ووقعت في هواة حتى قبل أن أعرفه: ثم كانت صدمتي حين
علمت تقل قد وقعت في غرام (الوليد بن الحارث), أخو (عمرو بن الحارث)
الجرهمي.
فغرت فاهي دهشة وأنا أتذكر الفتى الذي كان بانتظارنا فوق الحجون,
درك نهاية قصتها التي ذكرت بدايتها للتوء ولكني انتظرت أن تنقص علي ما
بين البداية والنهاية!
قالت وقد عادت إليها المرارة في الحديث:
- لم يكن ل_«الهوى» أنا'يزتط فيق:سكد من سناةة «اتهرهقر»::ؤقداة يتيمة من
(بني قيدار) إلا تحت أستار الكتمان: فخادنته وصرت جاريته التي لم يشتريهاء
أقيل بالسر .من القوف: واقيل بالفزل من النشوة: :وأققنص فين حيانة شويعات
فى الجباة بالسفة لي
- وحين أشرفت الحرب مع «خزاعة» عرز لقاؤناء كان معموما فيق. أو الحرب
وي*كتشى أن يصل الأمر إلى الناس :فيزداد غضبهم على «جرهم»: وحين
وقعت الحرب وانهزمت «جحرهم»: لم أره بعدها.. بحثتت عنه بين الأسرى فلم
أجدة: وبحتت عنه بين القتلى فلم أجدهة: دفعت أموالًا للإدلاء كي باتونف
يخبرة» فجاءني أحدهم بالخبر وقال إنه هرب من «بكة» مع أخيه آخدًا معه
أقؤالة وجواريه.
لمر أشأ أن أذكة:صذق الدليل: وما كانت :هي بحاحة إلى ذلك: ففد كت وهف
تقول:
- لم أتخيل أن يتركني وكأنني أهون ما ملك!
ولم أتخيل أن يرحل عني بدون كلمة وداع.
- تمنيت حينها لو ان «بكة» كلهاء ولكنني كنت أخشى الهلاك.. انتظرت أن
تأتي أشهر الصيف بفارغ الصبر فلعل عودتي إلى ليالي السّمَر تخفف عني
الحزن والعناء. إلى أن 0 (أروق) في منافي!
رفعت حاجبي دهشة وقد استحوذت كلماتها على مسامعي فلم أقاطعهاء
فتابعت:
- كنت قد انقطعت عن (أروى) لأكثر من سبع سنواتء ولم أعرف أخبارهاء
وفي ليلة حلمت بها تزورني ثم تاخذ بيدي إلى مكان رايت فيه بيتا من
الخوصء؛ وحين دخلت وجدت رجلا يشبه (الوليد) يجلس في هذا البيت في
انتظاري!
أتدري أين كان ذلك المكان؟
لفر اح فتابعت:
كان مكانا على شاطئ البحرا
وأنا التي لم ترَ بحرا في حياتها من قبل!
لهذا كين .| خوورتكي انث بأمر «الشعيبة» أدركت أنه لم يكن حلمًا بل طائف
ي مند
كن لما
ا وشبعرت يأن الله قذ, اشتحات لذعائي الذي لمر بتفظع هد
عني (الوليد)!
تعجبت من كلامها ككرت فيه عجيب أمر هذه الأحلام!
أحيانًا تأتينا بالبشرىء وأحيانًا تأتينا بالتحذير. أهي حقًا أطياف من السماء؛ أم
أنها آلام النفس ورغباتهاء تفر من ثكناتها في الليل فتعبث بنا ونحن نيام ثم
تغادرنا وقد ألقت في تفوسنا بعضًا من بذور الأمل.
قلت لها وأنا أتحسس كلماتي كي لا أفسد عليها أملها:
- أيّا ما سنجده في «الشعيبة», فهو بشرى لك يا (هوى)!
ابتسمت وقد فطنت بذكائها إلى معنى كلامي وقالت:
- رقيق القلب أنت يا (شمعون)!
ثم أردقت:
- على أية حال أنا لن أعود إلى «بكة» حتى أعود إلى نفسي!
وحينئذ علا بكاء الطفل (إبرام). فقامت هي من جلستها وعادت إلى الخباء.
وحين التفت ورائي ايك ظل (أروى) خلف الخباء وهي ترضع الطفل الذي
قرصه الجوع في جوف الليلء ولم أدر هل أيقظها صوت الطفل, أم أنها كانت
مستيقظة قبل ذلك؟
00 00 00 00 0
وصلنا إلى شاطئ «الشعيبة». علمت حين زاب البحر لماذا أطلق الناس
على المرفأ ذلك الاسم؛ فعشبات البحر كانت تنمو أسفل الماء وكأنها غابات
من الشجر التفت وريقاتها الصغيرة الملونة, فبدا البحر اللجي وكأنه بيت ممرد
من الزجاج حوى بداخله بستانًا بديعًا من الزهر.. أوقفت العربة ونزلنا نتطلع
إلى البحر. شهقت (أروى) من الجمال. وضعت يدي على كتفها في حنان,
وأنا أرى في عينيها نظرة السعادة: بينما سارت (هوى) حالمة؛ وهي تملأ
صدزها :من سعهاث: البكر الرطبة؛ :واذتيها ياضوات "الأمواج: التي عهرك
سمعنا. . سارت حتى وصلت إلى حد الماء الذي كان يزيد وينتحسر مع كل
اندفاع موجة؛ أو انحسارهاء فخلعت نعليها ووقفت تبلل قدميها بسعادة طفل
يرىك الماء لأوك مرة.
- ارجعي يا (هوى). حتى لا يجذبك الجن إلى قاعه!
أهل «بكة» كانوا يخشون البحر ويعتقدون أن الجن يسكنون في جوفه, وأن
نساء الجن يخطفن رجال الإنسء بينما يخطف رجال الجن نساءهمء لم ترد
(هوى)ء وظلت تسير بمحاذاة الماء غير واعية وكانما جذبها جمال البحر قبل
ان يجذبها الجن إليه!
أما أنا فلم يكن البحر غريبًا بالنسبة ليء. فلا زلت أذكر يوم الخروج بتفاصيله
حتى الآن:. بل أشعر برذاذ البحر على وجحهيء كلما استدعيت مشهد انفلاق
البحر بعصا نبينا (موسى) الى عقلي!
فذقلا حافنا. (ككومين افا خا إل :تنا كن الضياةنى السهعادرة: للهوفا:
البيوت هنا من طابق واحدء لا تزيد عن حجرتين؛. معظمها قد بني من
الخشيب: :والقليل متها بالحجر:
رائحة السمك كانت تملأ البيوت والشوارع. ذكرتني تلك الرائحة بقرية
«عصيون جابر»: وعائلة الشيخ (بنحاس) والد (عامير) التي هلكت بعد ان
عصى ابناؤه قر الرب وقاموا بالصيد في يوم السبت!
لحقنا الغلام الحبشي بعد قليل بالناقة, وضعنا متاعنا في البيت الذي اختاره
لنا (جديس) ثم اخذ الغلام الناقة والعربة وذهب بهما إلى مربط الدواب بعد
قليل جاءنا غلام الشيخ (جديس). يحمل صحيفة بها وليمة من الأسماك
مختلفة الأنواع. تفوح منها رائحة شهية جذبت خلفها سربًا من القطط؛. فقد
كانت القطط تملأ شوارع القرية. قذفت بقطعة سمك بعيدًا عن الباب فهرولت
نحوها ' القورة وشاوعت عليهاء تمه أعلقت اليانوجلسنا حَميعًا لناكل ظعامنا
الأول في «الشعيبة».
ما أن بدأت في الطعام. حتى ارتفع صوت النفير؛ وبدا أن مركبًا قد وصلت إلى
المرفاء, بعدها علا صوت اقدام الصيادين وجلبتهم خارج الباب. شعرت بالإثارة
وأردتٌ أن أخرج إلى المرفا كي ارق المركب التي وصلتء. فرغت من الطعام
في سرّعة. ثم قمت من مجلسيء قالت (هوى) وهي تقوم مسرعة:
- آتي معك؟!
قالت (أم السعد) مستنكرة:
- تخرجين بين الرجال؟
كنت أعرف ما تريده: وما تتوق إليه نفسها قلت لها:
- ألقي الخمار على رأسك واتبعيني.
نظرت (أم السعد) إليّ ثم إلى (أروى): ورأيت الضّيق على وجه (أروى) رغم
أنها لم تُفْصح عنه ولو بنظرة., ناديت على الغلام الحبشي تم خرجت إلى
الطريق؛. تبعت خطوات الناس بين الأزقة الضيقة. فوصلنا إلى المرفا بسهولة,
كانت أول مرة أرى فيها سفينة كبيرة تحمل ما يزيد عن مائة بحار. تعجبت
كيف تطفو تلك السفينة بحمولتها فوق البحر, سحب الرجال الواقفين على
الشاطئ حبل المرساة فتبعتهم السفينة في بّطء وكأنها ناقة عصيّة قبل أن
تستوي بجانبها بمحاذاة الشياطئ, ربط الرحال حبل المرساة .من الأمام
والخلف إلى عمودين كبيرين دقا على الشاطئ كوتدي خيمة. ثم القى رجال
السطح سلما من الحبال على جانب السفينة هبط منه البحارة الواحد تلو
الآخر.. ما هي إلا دقائق حتى اكتظ المكان بالعمال والحمالين والبحارة الذين
تعالت صيحاتهم بلهجات شتى حتى إنني لم أميّز صوت (جديس) وهو ينادي
عليى:
- (شمعون)!
التفت إليه حينما مست يده كتفي قال في صوت عاك:
ونقة ةا التعارون العمل :فى ثللة السسقيكة .نفد أن بقوع الققان م تفل
حمولتها.
أومأت له برأسي وقلت له وأنا أرفع صوتي كي يطغى على الجلبة:
آنا مهد
أشار إلى عدد من الصوامع وقال:
- هنا يخزن البحارة بضائعهم.
ثم أشار إلى بيت آخر وقال:
- وهنا تخزن ألواح الأخشاب ودروع النخل والحبالء إذا ن شئت أن تحصل على
نصيبك من الأخشاب المكشوطة فعليك أن تبكر 0 ستنفد وتضطر إلى
الانتظار.
قلت للغلام الحنشي وأنا أشير الى مخزت الأخحشات:
- غدًا تُبكّر إلى هناء وتحجز نصيبنا من الأخشاب.
أومأ الغلام متفهمًاء وهرّ (جديس) رأسه مستحستاء ثم قال للغلام:
- وحين تأتي إلى هناء أَخْيرهم أنك من رجال (جديس)؛ فلكل مجموعة من
النجارين رئتيسهم» وانا رئيسكم.
ثم قال وهو ينصرف:
- حسنًا أراكم غدًا على خير.
عدت أتطلع إلى السفينة التي امتدت من جانبها محفة كبيرة وصلت إلى
الشاطئ؛ وعلى تلك المحفة كان العمال يحملون الجوالق والبضائع فينقلونها
إلى الصوامع: مهارة العمال. وسرعتهم جعلتني أدرك أن كل شيء في هذا
المرفاً كان منظمًا وأن (جديس) كان محقا في جمْع كل هذا العدد من
التجارين::قسفيية واجدة قد نحتاع الى قسوة قجارين على الأفل: للعقّل يها
أفقت من تركيزيء والتفت إلى (هوى) التي كنت أظنها لا تزال واقفة خلفي
كي أقول لها إننا تستعؤد أذراجناء ولكتئ لم أحدها!
تلفت يمينا ويسارًا ثم مسحت بعينئني الزحام لعلي أجد امرأة ترتدي خما ر
أسود ولكني لم أجدها وكأنها ذابت بين الجموع.
قلت للغلام في ضيق:
- أين ذهبت السيدة (هوى)؟
هز كتفيه وقال:
د لآ أذرق :يا شبيدى!
زفرت وأنا ألعن غبائي الذي جعلني أصحبها إلى هنا ونحن لا نزال في يومنا
الأوك!
كيف لم أفطن إلى لعنة اليوم الأول التي تطاردني في كل مدينة أذهب
إليها؟!
قلت للغلام:
- هل تستطيع العودة إلى الدار وحدك؟
قال:
- حسنا!
اذهب إلى هناك: ولو وجدت السيدة (هوى) بالمنزل: فعد واخيرتدي: وإن لم
تجدها فلا تُخبر أحدًا بغيابها حتى أعود.
هز الغلام رأسه متفهماء ثم انسل بين الزحام واختفى في لحظات.. تلفت
حولي وانا احذث نفسي واتساءك:
من أين أبدأ البحث عنها؟!
هداني بصري إلى ربوة عالية وضع عليها سار مرتفع وراية حمراء كي تراها
السفن القادمة من البحر؛ أدركت أن هذه هي النقطة المثلى لرؤية المرفأ
كاملاء هرولت إلى الربوة وصعدت هضبتها وأنا أتشبث في صخورها بيدي إلى
أن وصلت إلى قمتهاء وقفت الى جوار الشاري الث من التفت» اتلفت يعيتي
في كل الاتجاهات وأنا أقول لنفسي:
* آين أنكتيا (هون)؟
فجأة رأيت على البعد خيالا أسود يسير منفردًا بمحاذاة الشاطئ في الاتجاه
الآخر من المرفاء شعرت أنها قد تكون هي وحين حدقت عيني» وأمعنت
اللظر أدركك دن قن دوا وحار هعالطا قن دوق رسيا اها خف عدي
قلبي فناديت ياعلى صوت:
- زهوى)...!
ولكن ندائي لم يتجاوز أسفل الربوة من شدة الجلبة في المرفاء وقفت أن
من الخوص يقف عر على الشاطئ نعيدًا عن الغرقا وزهوف) تستير اليه
كالمسحورة لا تأبه لخمارها الذي أطاح به الهواء ولا لنعلها الذي سقط من
قدميها في الرمال. سارت حافيةً وكانها تسير على خطى حلمها الذي
أوشك أن يتحقق: قررت أن ألحق بها وقد علمت وجمتهاء شمرت جلبابي
ووضعته في سروالي» ثم نزلت الربوة في قفزات متسارعة كغزال جبلي؛ وما
أن وصلت إلى سفحهاء حتى هرولث مسرعا إلى بيت الخوص وأنا أدفع
الأحساد المتلاحمة في المرفاً بعيدًا عنيء وأذني تتلقى الشتائم بلهجات
شتىء وصلت إلى الشاطئ وهي على بُعَد خطوات من بيت الخوص؛ ظللت
أنادي عليها وأنا أهرول:
- (هوى).. (هوى).. ولكن هيهاتء فلم تكن لتلتفت عن وجهتها وهي على
بعد خطوات من حلمهاء وصلت إلى بيت الخوص, فدلفت من بابه واختفت
بداخله, ضاعفتث سرعتي» ٠ وصدري يتمزق من خفقات قلبيء وصلت إلى
الخوص. فأمسكت بحافة الباب وأطحت بجسدي داخله:. وأنا أقول لها في
صوت يتهدج من التعب:
- (هوى)... لماذا لا تردي علىّ؟
رأيتها تقف في منتصف البيت: أمام رجل عريض المنكبين يقف أمامها وقد
أولى ظبهرة للباب وعيناها مُعلقة به في صمت أذهلتني المفاجأة.
وأنا لا أصرّق أن يكون كل هذا العبث حقيقيء, استدار الرجل في بُطْء والتفت
إليّء لم يكن الرجل الواقف أمامها هو (الوليد بن الحارث) بل كان رجلا آخر,
ريخل لمر ف الذناف ويف عنتقم ولا ملا فخ محية رقم اللكية التشتمراء الى
نبتت عليه وعلامات الشقاء التي ظللت جفنيه: نظر الرجل إلىّ في ذهول
وكأنما يتيقن مما تراه عيناه, تم هتف:
- (شمعون)!
وهتف” أنا"
- (عمرو بن دومة)!
00 00 00 00 0
الورقة الثانية وال .خمسون
اندفع كل منا تجاه الآخر يحتضنه في مشاعر هادرة صادقة؛ ودموع الفرح تبلل
اعينناء بينما وقفت (هوى) ذاهلة مما يحدث امامهاء وبينما نحن كذلك إذا
بصوت ياتي من خلفنا وهو ينادي على (عمرو).
التفثٌ لأجده التاجر (شهبور) وقد بدا أكثر نحافة وأكبر عمرًا عن ذي قبل بعد
ان طالت لحيته وأصابها بعض الشيب.
فقذف بنفسه هو الآخر بيننا وجمعنا عناق طويل وكأنما حملتنا أجنحة القدر
جميعاء وألقت بنا إلى تلك البقعة من الأرض كي نلتقي فيها بعد الفراق.
لم أدر كم من الوقت قد مرٍّ ونحن جلوس في ذلك البيت الخوصي, نتحدت
فيما وقع من أحداث خلال الأعوام الثلاثة الماضية: كانت أخبار الحرب قد
وصلت إلى المرافئ التي توقفوا بها وعلموا نتقًا من أخبار «جرهم»
و«خزاعة». ولكن لم يصلهم امر الشيخ (عاير) و(دومة): بكيا حين علما بوفاة
الشيخ (عابر) ورحيل الشيخ (دومة).
وسألني (عمرو) السؤال الذي كنت أراه في عينيه منذ جلسنا:
- وماذا عن (ليث) و(أروى) هل رافقا أبي إلى سباً؟
قلت:
- كلاء خرج (ليث) و(بنو يطور) إلى «يثرب» مع الشيخ (أواس) لأجل التجارة.
ثم أردفت بعد لحظة من ضمت:
- أما (أروى) فقد مكثت في «بكة» حتى تضع مولودها.
رأيت خيبة الأمل والحزن على وجهه؛, تنفس في عمق ثم قال في أسى:
- تزوحت (أروى)؟!
قال ذاهلا:
- أنت يا (شمعون)؟
- نعم وأتجبت لي (إيرام).
قام من مجلسه واستدار ليخفي وجهه عني سار خطوات ثم وقف إلى
نافذة البيت الخوصي التي تطل على البحر واتشوف منها براسه وكأنه يتلقف
منها الهواءء ظل صامنًا إلا من صوت أنفاسه التي سمعتها تتلاحق مع صوت
أمواج البحرء لاذ (شهبور) بالصمت وكأنه على عِلْم بمعاناة رفيقه؛ بينما أخذت
(هوى) تنقل بصرها بيننا في تعجب وقد ساورها الشك فيما يحدث.
كنت أشعر بالإشفاق تجاهه. فما أقسى أن يعود الإنسان بعد الغربة: ليجد
الشمل وقد تفرق» والحبيبة وقد غادرت, كنت أتوقع منه الغضب أيضاء ولكني
سمعته يقول في رفق وهو ينظر جهة البحر:
- أتدري يا (شمعون) ما هو أكثر شيء أحزنني طيلة تلك السنوات؟
لم ينتظر مني الجوابء؛ بل أردف قائلًا:
- إني كنت أشعر بأنني قد ظلمت (أروى)!
فلا أظلم من أن نرهن حياة من نحب على تصاريف الأيام.
ثم تابع:
- كنت ألوم نفسي أني خطبتها من أبيهاء تم تركتها وأنا لا أدري هل سأعود
إليها أم لا.. يوم ركبنا السفينة أنا 'و(شهبور) من «غرندل» بعد وفاة عمي
الشيخ (نابت), تمنيت أن أعود إلى أب وأقول له:
(أروى) في حل من خطبتي!
طيلة تلك الأيام كنت أتمنى ألا يحرمها أبي أو جدي من أن تتزوج فيكفيها ما
عانته بعد فقدان ابيها.
ثم التفت وهو يحجز دمعة في عيونه ويقوك:
- مبارك لك يا (شمعون)!
لو كان لي أخت لزوحتك إيّاها.
قمثتُ من مجلسي فاحتضنته وربثٌ على ظهره في قوة وأنا أقول:
- نغم الأخ أنت يا (عمرو). حمدًا للرب أن عدت إلينا سالمًا.
ثم قلت مازحًا كي أخفف من حدّة المشاعر:
- شكرًا لك يا (هوى) أنك قد أتيت بنا إلى هنا.
كانت (هوى) تسح دموعًاء بعد كل ما سمعتهء فقال (عمرو) وكأنه تنبه
لوجودها:
- مَن الفتاة؟
وما قصتها؟
قلت ضاحكا:
- هذه هي (هوى) ربيبة الشيخ (نابت)؛. وصديقة (أروى) في الصغر.
قال (عمرو) وكأنه قد تذكرها:
- أنت (هوى) الطفلة المشاكسة التي كانت تطارد صبيان الحي بالحجارة في
صغرنا؟
مسحت (هوى) دمعتها وقالت وهي تلقي إليه بنظرة حنين لم تخف علينا:
1 وأنت (عمرو) أنبل أطفال الحيء الذي كان يدفع عني وعن (أروى) غباء
ن!
ضحكنا ثم قلت لهمء وأنا أدعوهم للتحرك:
- هيا بنا نعد إلى البيت. ستفرح (أروى) و(أم السعد) بمجيئكما.
ثم أردفت:
- كما أنني أريد أن أعرف منكما كيف وصل بكما الحال إلى «الشعيبة».
وبينما كان (عمرو) يتجاذب أطراف الذكريات مع (هوى). همست في أذن
(شهبور) السائر إلى جواري:
- الامانة لا تزال معي. سوف أاردها إليك حين نعود إلى «بكة».
0 وجهه بالسعادة وأسرع الخطى حتى ظننته سيسقط متدحرجًا من
6
00 00 00 00 0
الورقة الثالئة وال-.خمسون
كانت هذه هي أفضل ليلة أولى ليء منذ خروجي من «قادش برنيع»,
شعرت بدفء الذكريات واستعدتٌ أيام اللقاء الأولى مع قبيلة الشيخ (عاير)
في تل العراد.. فرحت (أروى) و(أم السعد) بشدة لعودة (عمرو)؛ أصرّت (أم
السعد) أن تعد له عشاءً يُذكره ب_«بكة».
لمرجد لحماء :فا فده حيرا تمر طايكا واضافت]إلنة السمن : والعفل:
فأكلنا وشربناء فهر أوت النساء إلى فراشهن وجلسنا أنا و(عمرو) و(شهبور)
خارج المنزكل, عا الحطب وجلستُ أستمع إلى ما رواه (عمرو) و(شهبور)ء
فاكتمل في عقلي ما بدأه (دعس) من قبل» وقررت أن أكتب عن تلك الرحلة
فصلا في كتابي يكون فيه خبر ما وقع من أحداث ل_(عمرو بن دومة) والتاجر
(شهبور)؛. منذ خروجهما من «غرندل» وحتى وصولهما إلى «الشعيبة». وهذا
ما ورد على لسان (شهبور):
«انطلقت بنا السفينة من خليج «لحيان» في فجر تلك الليلة التي هربنا فيها
من «غرندل». كان (جندار) وجنوده قد وصلوا إلى الشاطئ فوجدوا السفينة
تشق عباب البحر ولا يبدو منها إلا ساريهاء فعادوا أدراجهم وقد يئسوا من
الوصول إليناء ورغم أننا كنا في أمان, لم أدع الحذر يفارقنيء, وأمرت البحارة
بألا يكفوا عن الدفع بالمجاديف ليل نهار. وقفسمتهم إلى فرقتين؛ فرقة تجدف
بالنهار والأخرى تجدف بالليل: إلى أن لاح لنا في الأفق شاطئ مجمع
البحرين.
- تركنا السفينة التي أتينا بها من غرندل ومكثنا في «مجمع البحرين» عدة
ايام. اشتريت خلالها يضائع بكل ما تبقى معي من نقود وقمنا بنقلها إلى
السفينة التي ستقلنا إلى «كوش». وكانت تلك السفينة ضخمة: يعمل بها
قرابة المائة بحار. فضلًا عن العمال والتجار.
وفي صبيحة يوم السفرء علا بوق السفينة؛. استعدادا للرحيل. وصعد الناس
إلى سطحهاء وصعدت انا و(عمرو) ورجاليء. وتحركت بنا السفينة فوق الموج
الهادئ تحيط بنا سفن أصغر ومراكب صيد خرجت كلها تبغي الرزق من البحر
وقد استبشرنا خيرا برحلة لا يعكر صفوها شيع وما أن استقبلنا الأفق
وايتقدنا عن الشناطئ حتى وجدنا المحن وقد انكرت نه عشسرات: السقن التى
تحمل الرايات الإدومية؛ تتقدم تجاهنا من ناحية الشرقء. هرولت إلى رئيس
البحارة الكوشي وأنا أطلب منه أن يستدير عائدّاء وحذرته من أن السفن
الإدومية تقطع الطريق» وتعتصب السفن, ولكن الرحجل لم يتخيل أن أحدّا قد
يقطع طريق البحر على أناس يبغون الرزق. فاستمر في الإبحار قدما وكأنما
ظن بي الجنون.. حينئذ أبحرت إحدى السفن الإدومية تجاهنا ورأيت (جندار)
يقف على منحاها وهو يلوح بيده في الهواء تجاه قائد السفينة الكوشية
يأمره بالوقوف. لم يأبه قائد السفينة لإشارات (جندار) أو لعله لم يفهمهاء
فارتفع صوت البوق من فوق سفينة (جندار) ثلاث مرات قبل أن يشتعل البحر
فجأة, انطلقت عشرات السعام المشتعلة من فوق سفن الإدوميين نحو
السفينة الكوشية. شقت السهام طريقها ورشقت بين الالواح فامسكت
النيران في جانب السفينة:؛ أدرك قائد السفينة الكوشي خطأه, فحاول أن
ينقذ حمولته فأدار الدفة في قوةٍ وم رجاله بالتجديف في سرعة: ولكن
حاتت الضفينة المائل تلقى دفقة أخرى من عشرات الشهام المشتهلة.
وأمسفق النوات :هذه العرة فى بض 'الببخازة: فصلا العيراع وعمر الدعر وقدف
بعض الناس بانفسهم في المياه هربا من النيران المحيطة بهمء ولم تحتمل
المتفينة دورتها فمالى إلى حانتها واوشكت على الفزق.
صمت مرة أخرى وكأنما أرهقه التذكر أو أثار أحزانه, ثم عاد إلى حكايته فقال:
- وما أن رأى (جندار) صيده وقد أوشك على السقوط. حتى سنو بسفنه
نحوناء كي يجمع ما يستطيع من الغنائم: ولم يكن أمامي أنا و(عمرو) سوى
القفز في المياه رغم أننا لا نجيد السباحة ولكننا فضلنا الموت غرقاء على
الموت حرقا أو الموت في سجون الإدوميين, ولم تمر سوىف لحظات بعد أن
قذفت بنفسي في الماء حتى كلّت يدي من التطويح, وشعرت بجسدي كله
يتصلب, وكأنما استسلم للغوص إلي قاع البحر وشعرت بأنها النهاية,, ولكن
فجأة أمسكت يدي بحبل لم أدر من أين أتئى: تشبتت بة :في قوة: وقد أدركت
أنه حبل النجاة وفرصتي الأخيرة للحياة. وحدت نفسي منجذيا به وقد غمر
الماء وجهي وعيني وأنفي: فلم أرَ إلى أين يقودنيء. ولكنني بعد قليل
وجدتني محمولا بايادٍ متعددة ووجدت نفسي مستلقيًا على سطح سفينة
صيد صغيرة وإلى جواري (عمرو) وحولنا عدد من الصيادين.
سكت قليلا ثم قال في أسى:
- أعادتنا السفينة التي كان يمتلكها شاب في مثل عمرك إلى مرف «مجمع
البحرين», فعدنا كما بدأناء وقد فقدنا أموالنا وتجارتنا والكثير من رجالناء ومكثنا
أيامًا في مجمع البحرين ضيوفا على هذا الشاب وأهله, نتقاسم طعامعم
على قلته. فقد أصبح البحر محذوراء لا يخوض غماره أحد خشية الرعب
القابع في خليج «لحيان».
هت قليلا قمر ارذف:
- كادت الحسرة أن تقتلني» وشعرت 2 سأظل حبيسا في ذلك المرفاأء
وتمنيت أن نصل إلى «بكة» بأي طريقة كانت وكنت أخرج في كل نهار إلى
صخرة عالية كالهضبة عند ملتقى البحرين» أشرف من فوقها نحو الأفق؛
وأتمنى لو أجد مركبًا ولو صغيرًا- يأخذني إلى أي مرفا بعيدًا عن خليج
«لحيان».
وفي يوم من الأيامء بينما كنت آوي إلى الصخرة وكان (عمرو) يعاون الصيادين
في بعض أعمالهم: إذا برحلين يأويان إلى الصخرة في موضع قريب مني
أحدهما شيخ كبير ولكنه قفوي البنية, جفوري الصوتء والآخر شاب فتىّ
يحمل على كتفه زنبيلًا به طعامء علمت من رائحته أنه سمك, كان الإرهاق
يبدو على الرجلين: وكأنهما قد أتيا من سفر بعيدء ترك الرجلان متاعهما
واستلقنا إلى الصحرة زمردفيا في :نوهر عميق.
لذ اذى كم من الوفت :قد مهكوانا :قوف الصهرة: انام تتاظي المعو واتفكو في
حاليء حتى فر بريح لطيفة تمر إلى جوار أذني: بشعرت معها بأن
أخدًا قدفة الى جوارف: ولكتى: حين الثفت لمراجد ثنينًا.
نظرت إلى النائميّن فوق الصخرة؛ فوجدتهما على حالهماء ولكني رأيت شيئًا
جعلني اشعر بالرهبة والخوف.
تابع وقد ارتعش صوته وكأن الرهبة لا تزال ترافقه:
- رأيت زنبيل الطعام يتحرك: وكأنما ديّت به الحياة: وفجأة انفتح الزنبيل عن
فرحة ضغيرة خرحت: متها سمكة: ظلت تتلوى فوق الرمال وكأنها تبحث عن
قطرة ماء تعينها على استعادة الحياة, انكمشت في مجلسي.ء وقد ظننت أن
جنيا يعبث بي فوق تلك الصخرة, ويمارس بعض ألاعيبه أمامي: ولكن الموج
ارتفع فجأة وطالت مياهه السمكةء فتلوت بشدة ثم قفزت قفزة طويلة إلى
البحر
أيقظ رذاذ الموج الفتى النائمء فقام متثائبّاء وحين نظر إلى الزنبيل وجده
مفتوحًا ولم يجد سمكته. لعله ظن أن طائرًا قد التقطهاء فقام إلى حافة
الصخرة ونظر إلى البحر فلم يجحد أثرًا لطائر. لكنه وحد السمكة تدور في الماء
أسفل الصخرة, أردت أن أقول له إن تلك السمكة هي سمكته: ولكني
خشدية أن يدموفتىرالحنوت: أو أن يظن بي السرقة.
عاد الشابء فأيقظ سيده في رفقء ثم حمل زنبيله وانصرفا.
وشتعرة. 'بالخوق: .من - النقاء قوق فلك الصحرة الدي: تعبت: نيوا الشبياظين:
فقمت من مجلسي وقررت العودة إلى النزل؛ ولكن الفضول دفعني؛ لأن
ألقي نظرة أخرى على السمكة, فوقفت على الحافة ونظرت إلى البحرء فإذا
ع ارأة:
صمت وقد علت أنفاسه: ثم لمعت عيناه وهو يقوك:
- رأيت شيخًا لم ترّ عيني مثله قط في البهاء والرهبة, يحيط النور بوجهه
وكأنما أتترفت الشمس على صفحة وجهه وحدة: يتكئ على عصاه ويقف
على صفحة الماء دون أن تبتلّ قدماه. تدور السمكة حوله وتتقافز لتمس
راحة يده: وكانها كلب يقفز ليقبّل يد سيده.
ارتجفت خوقا وعدت إلى الدار. وحين عاد (عمرو) لم أحدثه في الأمر» وكتمت
الأمر عن الجميع: واستقر في نفسي بان كنت متوهماء وأنه ربما دفعني
الجوع 0 والوحدة فوق الصخرة.ء إلى ذلك الوهم.
وذات صباح أراد الشاب الذي أنقذنا الخروج إلى ميناء «عصيون جابر» مع
بضعة مراكب اخرى للصيدء فقد كان هذا الجزء من البحر هو الأكثر أماتا في
الخليج. واقترح (عمرو) أن نرافقه: لعلنا نجد سفينة أخرى أو وسيلة تحملنا
إلى مكان يقربنا من «بكة»: واتفق (عمرو) مع صاحب السفينة أن نعمل بهاء
وأن“عين التحازة :فئ: التحد يف حدى :تصل" العن هناك ققابل أت بحملا محة
في رحلته.
وفي يوم السفرء عج المرفأ بمراكب الصيد التي سترحل إلى «عصيون جابر».
ووقفت أنا فوق السطح أتطلع إلى الشاطئ.
وأرقب الناس وهم يصعدوت إلى السفن والمراكب, فجأة رأيتهما مرة أخرى؛
الشيخ الأبيض وخلفه الرجل القوي, ارتحجف قلبي حين رأستمماء وبقدر
دهشتي كانت سعادتي!
فقد أيقنت حينئذٍ أنني لم أكن واهمًا حين رأيتهما عند الصخرة!
9 لكنني تساءلت:
ما الذي جمعهما مرة أخرى؟
ناكقةالشية على الشناك صاحي السفينة يضوف ثافلميضل :الى القلت وقال:
نتروا
نريد أن نرافقكم.
ورغم أن السطح كان مكتظًا بالناسء؛ اسستجاب الشاب بغير جدال وأفسح
لهما الطريق: قصعد اليه ورفيفة. دون أن يسالهم أحد عن قيض أو مال:
ددني كنت أفك إلى جور السلمر سسؤت يدك مامسكت بيد الشعه كي
أعينه على الصعود إلى السطح.؛ والتقت عيني بعينه, إن قلت لكم إني قد
تساكوك ممما ف الوضقه فا لجلادة اللعينة ونا طني البظطرة!
وقفت غير بعيد أترقب كل حركة يقوم بها وكل كلمة يهمس بها في أذن
الحل الحوف الى وفقه إلى هوارة مطاطف الرانين تخاقتة الصوث.. فكانة
صبي في حضرة معلم.
صمت لحظاتء تم تابع:
- غابت عيني عنهما للحظات؛ ثم استدرت ثانية, فلم أجدهما على السطح.:
بحثت عنهما بين الوجوه التي ملات السفينة فلم اجدهماء خطر لي انهما قد
يكونان قد نزلا الدرج إلى اسفل السفينة. تلصصت في سيري ثم هبطت
الدرج: فرأيتهما دون أن يشعرا بي في القاع.. كان الشيخ يجلس القرفصاء
وقد وقف خلفه الرحجل القوي, سمعت طرقا ولكني لم أعرف ما الذي يفعلانه
إلى أن سمعت صوت الرجل القوي يقول في حدّة بصوته الجهوري:
- أخرقتها!
ستغرق أهلها بسوء فعلتك!
قام الشيخ من جلسته. وقال في تحذير غاضب:
- ألم أقل لك لا تتبعني؟
صمت الشيخ الآخر وانطفاً وهج غضبه: وعاد كالصبي المطيع وهو يقول:
- معذرة على ما قلت.
لم يلتفت إليه الشيخ:. وقال:
- هيا بنا.
حينها صعدت أنا الدرج مسرعًا ووقفت على السطح وأنا ألهج من الانفعال:
ماذا أفعل؟
هل أخبر صاحب السفينة بما حدث أم أصمت؟
إن هذا الشيخ الجليل لا يمكن أن يأتي بفعل شنيع كهذا إلا لسبب أجهله.
فجأة عاد الشيخ ومعه رفيقه؛. قال الشيخ لصاحب السفينة الذي كان يأمر
رجاله برفع السلم استعدادًا للرحيل:
- المعذرة أيها الغتى!
تلك ليست وجهتنا.
أرخئن الشاب السلم مرة أخرى: فهبط الشيخ وتبعه رفيقه: وما هي إلا
لحظات حتى غابا وسط الجموع الواقفة على الشاطئء: كدت أصرخ وأقول
للنا
سن.
حجر أصم وانطلق النفير الأخير وتحركت السفينة. تشق العباب في اتجاه
الشماك.
سكت لحظات ثم قال:
- وراني (عمرو) مرتجقاء وممتقع الوجهء فقال لي:
- ما بك؟
هل أصابك البحر بالدوار؟
لم أجد ما أقوله. فأومأت له برأسي وقلت في صعوبة:
- ربما.
ابتعدنا عن الشاطئ وكنا في منتصف المسافة بين «مجمع البحرين»
و«اعصيونت جابر», حين علا صوت البوق فوق الساري واشار الدليل المعلق
فوقه تجاه الأفق وهو يقول صارحًا:
- سفن إدومية!
اشتد الهرج والمرج. وتجمع الناس عند مقدمة السفينة ينظرون في وجل
إلى سفن الإدوميين التي كانت تبحر تجاهنا في سرعة.. اضطرب الشاب
صاحب السفينة واسقط في يده وهو لا يدري ماذا يفعل؛ إن حاول الدوران
ستتساقط عليه سهام الإدوميين المشتعلة, وإن انتظر سيسطون على
سفينته ,2 فجأة علا صراخ أخرورايت رجلا يقف على الدرج وهو يقوك:
- الماء يتجمع في قاع السفينة. سنغرق جميعا!
أسرع قائد السفينة إلى القاع الذي امتلأ إلى منتصفه بالمياه. نسي أمر
السفن الإدومية. فقد كان الوضع داخل السفينة في تلك اللحظة أخطر من
خارجهاء أمر الجميع بأن يقوموا بنزح المياه من القاع حتى لا تغرق السمية”
تراص الرجال في صفوف امتدت من القاع إلى السطح., وتنقلت الأواني
المملوءة بالمياه المنزوحة من القاع من يد إلى يد إلى أن أفرغتها اليد
الأخيرة في البحرء أما أنا فكنت أعاونهم في نقل الماء. ولكن عيني لم تغب
عن سفن الإدوميين التي اقتربت منا بشدة.
وفجأة ارتفع بوق السفن الإدومية تأمرنا بالوقوف, فتوقف البحارة عن
التجديف, اقتربت منا إحدى السفن ووقفت بمحاذاتناء كان عليها ضابط وثلة
من الجنود تأهبوا جميعا بالأسلحة وهم ينظرون تجاهنا في حذر.
لاحظوا ما نقوم به من نزح المياه فتمعن الضابط قليلًا ومال على أذن أحد
الجنود وتحدث إليه بكلمات. اعتدل الجندي ثم تقدم نحونا وقال:
- ما الذي يحدث عندكم؟
لم أنتظر أن يرد صاحب السفينة أو أحد من البحارة. فقلت بصوت عال:
- تحطم قاع السفينة وتوشك السفينة على الغرق!
همس الجندي في أذن الضابط بما قلته؛ فأومأ برأسه ثم علا صوت الجندي
وهو يشير بيده لباقي السفن:
- أفسحوا الطريق لتلك السفينة!
فصرخت أنا بصوت عال قائلًا للبحارة:
اتشتانفوا التحديف: الطريق مفتوخ:
واتسعت فَرْجة بين السفن الإدومية, مررنا من خلالها قبل أن تطبق طرفيها
مرة أخرى, لتحجز باقي السفن عن المرور, وكأنما كان الخرق الذي صنعه
ذلك الشيخ في قاع السفينة هو السبب في فرحجة النجاة التي عبرنا منها
مى فين الشقن الادومية:
وحين هبطنا في ميناء «عصيون جابر». تلاشت رغبتي. في السفر إلى
«كوش» أو إلى مكان.
وقررت العودة مرة أخرى إلى «مجمع البحرين». كي أعرف سر ذلك الرجل
حتى وإن مكثت عمري كله هناك.
وتوقفٍ (شهبور) عن الحديثء بعد أن اشتد به التعب, فاستأذن في النوم
على أن يستكمل حكايته في اليوم التالي؛ فأطفأنا نيران الحطب. وقمت
وعندي شغعف بأن أعرف سر ذلك الرجل الذي غير من حياة (شهبور) وترك
فيه ذلك الأثر.
00 00 00 00 0
الورقة الرابعة وال.خمسون
استيقظت مبكرًا في الصباح, وكان الجميع لا يزال نائمّاء خرجت إلى صومعة
الخشبء فوجدت غلامي الحبشي قد سيقني إلى هناكء وقد أعدّ الألواح
المكشوطة. التي حملناهاء وصعدنا بها إلى السفينة.. ورّع (جديس) العمل
على النجارين» وامرلف بأن أنزل إلى القاع مع اثنين آخرين كي نتحقق مما
يكون قد لحق بقاع السفينة من أضرارء حين دخلت إلى القاع؛ تذكرت قصة
(شهبور) التي حكاها لي في الليلة السابقة؛: أدركت أن قاع السفينة هو
اخطر جزء فيهاء تتحمل اخشابه لطمات الأمواج: وصدمات الصخور, وتبدو
علامات الاصطدام بالقاع كندبات الجروح, لكل منها ذكرى ومغامرة في ذلك
التخر المخيف المتلاظم الأمواج:
لم يكن حال تلك السفينة سيئاء فرغنا من العمل بها بعد الظهيرة بقليلء.
وحين صعدت إلى السطح نقدني (جديس) كيسا .من المال به خمسون
فضية: اشتريت سمكا مطبوخًا وخبرًا من السوق» وغذت إلى المنزك.
فوجدت (أروى) وحدها وقد بدا عليها القلق حين رأتني.
سألتها وجِلا:
وها نافع
وأين (إبرام)؟
قالت في تردد:
- أخذته (أم السعد) إلى خوص (عمرهو) ابن عمي.
- لماذا؟
قالت في تردد:
قلت لاثما فعلهما:
- يختنه؟!
ولماذا لم تنتظرا عودتي؟
قالت وهي تشيح بوجهها في خجل إلى (أم السعد):
- إنك سترفض ختانه لأنك لست من قومنا!
لم أتمالك: تفسي من الضحك: فقلت:
- ولماذا أرفض ختانه وأنا أيضًا مختون؟!
نظرت نحوي في دهشة وقالت:
- حقا يا (شمعون)!
قلت لها وأنا أخبط غلى رأسي غير مضدق:
- تزوجنا منذ عامء ولا تدرين إن كان زوجك مختوتًا أم ل١؟!
قذفتني بثمرة بصل وقالت في خجل:
- وما أدراني أنا بأشياء الرجال يا (شمعون)؟!
ثم كتمت ضحكتها أكثر من مرة وهي تتردد في البوح بشيء ما.
فقلت لها:
- قولي ما عندك ولا تكتمي شيئا.
قالت وهي تكتم ضحكتها:
- أتدري أن (أم السعد) كانت تتندر عليك قبل ليلة زفافنا.
كيف تتزوجين رجلا غير مختون؟!
ولكن زوجة خالي قالت لها:
وما الضير في ذلك؟
خالها (أواس) لم يختتنء. وكل (بني عبيل) لا يختتنون؛ ثم قالت ل.(أم السعد):
«الزيادة خير من النقصان في هذه الأشياء يا أم السعد»!
أفلتت منها الضحكة التي كتمتها طويلًا ثم قالت:
- والآن أدركت أن بك نقضًا يا (شمعون).
وضعت السمك جانبًاء ثم قذفتها بثمرة البصل وأنا أندفع نحوها بجسدي,
حاولت أن تفر ولكني امسكتها وقيدت ذراعيها بيدي خلف ظهرها وهي
تحاول أن تتملص منهاء قبّلتها في شفتيها رغمًا عنها وأنا أقول:
- حسنًا!
سأريك نقصي الآن!
ظلت تشيح بوجهها حتى لا أقبّلها وهي تضحك قائلة:
- كلا يا (شمعون) لم تمر أربعون ليلة!
تذكرت شريعة (أم السعد)؛ فأفلت يدها وأنا أقول:
- سحقا!
ألن تنتهي تلك الأيام؟!
لا أدري من وضع تلك الشريعة!
قالت وهي تمط شفتيها:
- شرعها من شرع الختان علينا وعليكم.
ثم قالت متفكرة:
- أظن يا (شمعون) أن الرب قد شرعها؛ لأن المرأة لا تشتهي الوصال في تلك
الأنامن فقلنها يكون معلقا بوليدها أكثر م روكها.
قلت مازحا:
- كرهت (أم السعد) من قبلء وبكلامك هذا سأكره (إبرام) أيضًا!
قالت معاتبة وهي تعقص حاجبيها وتشير بإبهامها للخلف كي تذكرني بما
قيل:
- تزوج الثانية كما نصحتك (هوى)!
قلت باسما:
- أخبرتك (أم السعد) إذن؟!
ضيقت عينيها وقالت لتثير غيظي:
- تخبرني (أم السعد) بكل شيء!
تم قالت معددة:
- عمومًا افعلها يابن (رومانا) حتى أجعلك نصبًا إلى جوار (إايساف) و(نائلة).
انفجرت ضاحكاء وقلت:
- كيف تجرئين؟
قالت جادة:
3 بدعائي!
فالرب لم يخيب دعائي في يوم من الأيام.
تم قالت في حنان:
- دعوته وأنا طفلة كي أراك مرة أخرىء فرأيتك. ودعوته وأنا فتاة كي أتزوجك
فتزوجتك, ودعوته وانا زوجتك كي يرزقني منك بالولد فرزقني.
أثار حنانها مشاعري؛: فضممتها إلى صدري وتنهدت وأنا أقول:
- أفلا دعوتيه أن يجمع شملي بأمي؟!
: أدعوه!
أدعوه يا (شمعون) كل يومء ولن يخيب الرب رجائي.
حينئز سمعنا صوت بكاء الطفل خارج الباب. ثم دخلت (أم السعد) تحمله وقد
تلطخ قماطه ببعض الدماء, أسرعت (أروى) نحوه تحمله في لهفة, وألقمته
تديها ليكف عن البكاء ثم دخلت به إلى الحجرة كي ينام.
شألت (أمرالسعد):
- أين (شهبور) و(عمرو) و(هوى)؟
قد اشتريت سمكا مطبوخًا من السوق لنأكله.
قالت في حدة:
- ذهب (شهبور) للقيلولة, وتتجول (هوى) مع (عمرو) في المرفاً.
ثم أردفت في غيظ:
- اسمع يا (شمعون)!
أنت من أحضر (هوى) إلى هناء والفتاة لا ولي لها ولا رادع: فإما أن تسير
بالعرف بيننا وإما أن تفارقنا بالمعروف.
أدركت أنها لا ترضى بقرب (هوى) من (عمرو)!
هي لا تنسى أن (هوى) يتيمة وربيبة خالتها النماصة؛ وأن (عمروًا) هو سيد
(بني يطور) المرتقب, قلت لها هادنًا:
- كنت سعيدة بها من قبل!
- سعدتٌ بها لأجل (أروى): ولكني أراها اليوم تحوم حول سيدهاء وما يحق
ثم قالت باكية:
- عشث عمري كله في خدمة الشيخ (عابر) وتربية أبنائه وأحفاده بعد وفاة
زوجته. فما حدثتني نفسي يوما بان أطمع فيما ليس لي بحقء أو أن أتعلق
بأحبال كرمه كي ارت منزلة فوق منزلتي» واكتفيت بخدمة أحفاده حتى
بعد مماته!
أدركت أن المرأة تبكي على حالها وتأسى على ماضيهاء وما غضبها على
0 لم تستسلم (هوى)
لها مواسيا:
- كلنا عبيد الرب يا خالة, وقد علمني الشيخ (عابر) أننا جميعًا سواسية؛ لم
ينطق ذلك بلسانه ولكني رأيته في فعله؛ فلم يبخل عليّ بعلم ولا بصحبة,
بل وزوجني حفيدته, وانا الغريب الفقير!
قالت وهي تمسح دموعها:
- أنت رجل يا (شمعون). ولا يضير الرجل يُنْم ولا غربة.
- لو كان الشيخ (عابر) حيّاء لكره كلامك هذاء فما رأيت أحدًا أحب إلى قلبه
من (اروى) وهي فتاة.
ثم ربتت على كتفها مرة أخرى وأنا أقول:
- هوني عليك يا (أم السعد)؛ ودعي أمر (عمرو) ل.(عمرو)ء وما كان ل-(هوى)
أن ترتقي منزلة لم يكتبها اللّه لها!
ثم قلت:
- هيا لنأكل فقد حان وقت القيلولة.
00 00 00 00 0
الورقة الخامسة وال_.خمسون
في المساء. جلسنا أنا و(شهبور) وحدنا تفصلنا كومة الحطب المشتعلة؛ فقد
شعر (عمرهو) بالتعب من التجوال في المرفأ طيلة النهار فآثر النوم على
السمر.. استأنف (شهبور) ما بدأه في الليلة السابقة فقال:
- لم نمكث في «عصيوت جابر» سوى بضعة أيام فقد كان المرفا صغيرا
والصيد أيضًا كان قليلاء فقرر صاحب السفينة العودة إلى «مجمع البحرين».
أبحرنا بمحاذاة الشاطئء. وحمدنا الله أن السفن الإدومية لم تكن تجول في
خليج لحيان أثناء عودتناء حين وصلت إلى «مجمع البحرين». قررت ان اقتفي
ا ذلك الرجلء ٠ وخرجحت أسأل كنك في كل مكان. كان وصفه سهلاء فليس
من المألوف أن ترى رجلا يرندي زيا أبيض ناصع البياض لا يطوله دنس الطريق
في تلك الصحراء. وصلت إلى أول منازله, أخبرني بعض الناس أنهم رأوه في
قرية غير بعيدة تقع بالقرب من الساحلء. تركت (عمرو) في «مجمع
البحرين», وحملت معي متاعا خفيقا وركوة ماء. وخرجت امسن أخباره
في تلك القرية, سالت صيادًا من أهل القرية عنه. فنظر الرجل نحوي متفحصا
تم قال:
- هل أنت من أهل الغلام القتيل؟
اندهشت من كلامه فقلت:
- أي غلام قتيل؟
قال الرجل وقد بدا أنني أثرت شكوكه:
- الذي قتله ذلك الشيخ!
قلت له وأنا أفغر فاهي دهشة:
- قتله الشيخ؟!
قال الرجل:
- نعمء والقرية كلها تبحث عنه لتقتص منه؛ بعد أن قتل (ابن سلاس)
و(رحمة).
قلت وقد رأيت الشر في عينيه:
- نعم أنا قريب ل-(سلاس) و(رحمة)!
أرجوك أرشدني إلى بيتهماء فقد غبت عن القرية لزمن طويل.
لا أدري لماذا أردت أن أرى أهل القتيل؟
وهو أن الرجل لم يفعل فعلته إلا لحكمة لا يعلمها غيره.
وصلت إلى دار (سلاس).: طرقت الباب ففتحت لي امرأة تقدمت في العمر,
تلفتت باذنها يمينا ويسارًا وهي تقول:
- من الطارق؟
أدركت أنها قد كف بصرها أو كاد. فقلت:
- غريب يا خالة!
جئت لأرى الشيخ (سلاس»)!
أفسحت المرأة الطريق ودعتني للدخول وقي تقول:
- يرقد عاجرًا على أريكة في الصحن!
ادخل يا بني.
يا الله!
أي بؤس يعيش فيه هذان الهرمان حتى يموت غلامهما الذي يعولهما!
وأي شيء دفع ذلك الشيخ إلى قتله كما يقولون؟!
جلست الى الرجل العاجز فقلت:
- عوّضك الله خيرًا في مصابك يا شيخ (سلاس)!
قال الرحل بصوت مرتعش وهو يهز يدا مرتعشة:
- أعزك الله أيها الغريب. من أنت؟
قلت:
- غريب: جئت من مكان بعيد كي أقتفي أثر قاتل ولدك؟!
صمت الرجل لحظات ثم قال وكأنما ثقلت الكلمات على لسانه:
- وهل وجدته؟!
قلت:
الو كنت فحوته ما كفت انعك!
ضفت الورخلهرة اخرئ ثم :قال رجي
- ولن تجدة!
وهل يجد الإنسان ملك الموت؟!
شعرت برعدة في جسدي وقلت:
- ملك الموت؟!
|
قالت المرأة التي كانت تستمع إلى حديثنا:
- جاء فقبض روحه ثم انصرف!
فمن يفعل ذلك سوى ملك أرسله الله إلينا استجابة لدعائي!
قلت مشدوها:
- دعوتي على ولدك بالموت واسمك (رحمة)!
قالت المرأة في حسرة:
- حين تصير النعمة نقمة. يدعو المرء ربه بأن يسترد نعمتهء ويتعلم أن ليس
كل ها يثمناه ال سكات لتعس ةيا
حت نا نكك وخ ندنل من الكبر ولم ننجب ولذَا يعيننا في
شيبتنا. ظللت ادعو الله في كل وقت انا وزوجي أن يرزقنا بالولدء ولم أدع يوما
إلا وقدمت فيه قرباتا للرب كي يهب لي غلاما تقر به عيني,: وحملت بالولد
قبل أن ينقطع حيضي بعامء وزوجي هذا شيخ قد وهن منه العزم والعظم!
صمتت قليلًا ثم تابعت في حسرة أخرى:
- وكبر الفتى, فإذا بالنعمة التي كنا نرجوها تنقلب نقمة؛ وإذا بالعون الذي
وحوناه قي تنسننا: ضير :عورا لنا :وذلك أحاة الفتى أموال أبيه, ثم بخل عليه
بالبر والطعام ولم يرحم عجزه وضعفه.:. ثم صرنا تعير به بعد أن هجرنا وسار
مع الغيّار وقطاع الطريق!
يتكسب بالسرقة ويقطع الطريق على عابري السبيل.
ثم بكت وهي تقول:
- أبكاني حتى جف ماء عينيء. فدعوت الله أن يرده إليه؛ وأن يبدلني خيرًا منه.
مسحت دمعتها ثم قالت:
#ودات صباح سمعت طرقا على الباب والناس القوك قتل ابنك يا (رحمة). قْتِل
ل ب قله تفيحنك]!
قالوا:
إن شيخًا كبيرًا غريبًا قد جاء إلى القرية, فلقمه بحجر فمات!
ضربه هو وحده بالحجر من بين الأشقياء ثم انصرف!
أيُعقل أن تكون تلك الحادثة مصادفة؟!
كلا والله!
إنما هو قدّر الله قد أرسله في هيئة هذا الشيخ كي ينفذ دعوتي!
» حينها صمت (شهبور) قليلًا وقد أصابته رعدة. شعرت بها في جسدي أيضاء
ثم استانف حديثه قائلا:
- فقلت للمرأة:
- وهل استجاب الرب لدعائكء: وأبدلك خيرًا منه؟
أدارت رأسها ونادت قائلة:
- يا (تمار)!
خرج صبي صغير من حجرة في البيت. شديد الرقة والجمالء وقال:
- نعم يا أماد!
ثم قالت:
- أبدلني الله بطفل يتيم من أبناء القرية. وجدته أذكى نفسًا وأرحم علينا من
ولد اتجبه رحمي!
تنهدثُ ثم قبّلت الفتى وانصرفت وأنا أستعيد كلماتهاء وتردد في نفسي
سؤال ارتجف له جسديء. من هذا الرجل الذي مست يدي يديه فوق
المركب؟
اثرانىف وشحدية ند ملف تن النفماء ام سد ينف نة اعد
م مه مه مه مه
بعد يوم لم أستطع أن أنتظر حتى قدوم الليلء كي أستمع إلى (شهبور):
عدثُ من المرفاأ وقت القيلولة. فذهبت إلى بيته الخوصي على الشاطئ
مباشرة ولم اعد إلى منزلي في قرية الصيادين2. وجدته وحدهء. فقد كان
(عمرو) لا يزال في عمله مع البحارة, أدرك من شغف عيني أني قد أتيت
لسماع باقي القصة. جلست على الرملء؛ فترك أريكته الخشب وجلس إلى
جواريء اسندنا ظهرينا إلى حائط الخوصء ونظرنا من فتحة الباب إلى البحر
الذي عانقت زرقته زُرقة السماء وقال وهو يغيب ببصره في الأفق:
+ «عرحت :من العرية شه كل طرق سارية وكل تسحرة الستظل .بظلفاء
وكل حائط جلس إليهء. ولكنني لم اجده.. انتهى بي المطاف إلى قرية بعيدة
عن الا عله بسكنها نذم لا قم كن هل لعي .ول هق من اخل الضيت
يسم وحوههم الجفاء والغلظة. سالت اهل القرية عن الشيخ فلم يعرفه احد
إلى ان رايت عابر سبيل فسالته. قال:
- رأيت رجلا منذ أيام عند الحصن القديم يشبه ذلك الوصف.
انطلقت إلى مكان الحصن الذي كان يقع على أطراف القرية. لم يكن حصنا
حقيقيًاء بل كان بقايا بناء قديم مهِدّم. يبدو كحامية أقامها أحد الملوك قديما
ثم تهدمت مع مرور الأيام المكان يبدو مهجورا رغم أن مساكن القرية تبعد
عنه مسافة غير بعيدة؛ تلفثٌ حولي فلم أرَ أحدًا في المكان. ظننت أن عابر
اليل فد غم علية: الامو وتستعزت: (الياش من الغنور عل اليف كان
التعب قد بلغ بي مبلغه وقد اشتدٌ قيظ الشمس في السماء. فسرت نحو
جدار الحصن وجلستٌ أسفله, أخرجت ركوة الماء ورشفت منها رشفات, فإذا
بي أرى ظفلا بديع الشكل تنظر إلئ 'مترقتا من حلف الجدار.. اتسعت له:
ولكنه اختفى فجأة, هممت بأن أقوم لأرى أهله: ولكنه ظهر لي فجأة من
الطرف الآخر وهو يبتسم مرتديًا زب آخرا
ناديت عليه فاختفى مرة أخرى» ثم ظهر من الجهة المقابلة بزيه الأول
ضاحكاء أدركت أن الطفل يلاعبني: فأشرت إليه بقطعة خبز كي يأتيء تردد
قليلاء ثم نظر خلف الجدار. وكأنَّ معه شخضًا آخرء ثم خرج طفلان توءمان كل
مديها كعلعة البدن وكانما عسو القمن شنطرين تفيح كلذ فتهما يتدظ ةا
اقتربا مني في حذر فوضعت في يد كل واحد منهما قطعة خبز, فتناولها بفرح
ثم أخذا يقضماث متهماء بخيشذ خرجت. امرأة شانة من خلف الجدان: أدركت
من حمالها أنها.قى التى:م كه الحتسدق لؤلديها: قثادت عليفها:
- (سارم)ء (سريم)!
تعالا إلى هنا.
عاد الطفلان إلى أمهما عدوا واختفيا داخل الحصنء ثم نظرت إلىّ وقالت في
حذر:
- هل تبحث عن شيء أيها الغريب؟!
قلت في تردد:
- نعمء هل رأيت شيخًا كبيرًا يرافقه رجل في هذا المكان؟!
قالت في لهفة؛ جعلتني أستبشر خيرًا:
- هل أنت معهما؟!
- بل أبحث عنهما!
هل هما عندك بالداخل؟!
قالت وهي تهز رأسها في أسف:
- رحلا كما يرحل الحلم الجميل!
شعرت بالحزن, وقد بانت خيبة الأمل على وجهيء فقلت لها:
- ألم تعرفي إلى أين كانت وجهتهما؟
قالت:
- لا أدريء ولكنهما افترقا!
قلت في حزن:
- افترقا؟!
قالت:
- نعم. سار الشيخ من طريقء وسار الرجل من طريق آخر.
أدركت أن مهمتي قد ازدادت صعوبة؛ فالعثور على اثنين أيسر من العثور على
دالهاة | سحت فدهها ؟
قلق ؤكافيي اتكدت الى تفستف:
- لأتبعهما!
ثم قلت لها وأنا أنظر إلى الأفق في شرود:
- منذ أن رأيت ذلك الشيخ. وهو لا يفارق عقلي وخياليء وكلما تبعته ازددت
عجباء اراه يحمل في يده وعاء يمتلئ بالرحمات. ولا يحل في مكانء, الا ويقع
أمر؛ يبدو في ظاهره الشر ولكن في باطنه الرحمة.
صمتت المرأة وكأنها تتفكر فيما أقول ثم قالت:
- لم نر منه سوى الرحمة, ومثله لا يأت إلا بخير!
قلت وقد أدركت أن أمرًا قد وقع لها:
- صدقت!
ولكن كيف عرفت؟!
قالت وقد اطمأنت لي:
- حين جاءا إلى هناء كان يبدو عليهما الإرهاق والجوع: لم يستضفهما أحدّ
من اهل القرية. وخرجا منها بلا كسرة خبز ولا شربة ماء وقد اشتد بهما
التعت: تم وصلة إلئ هنا مجحليها إلى :وار ذلك العدار لتستريها:
نظرت إلى الجدار الذي لاحظت أنه حديث البناء عن باقي جدران الحصن
فتعجبت: وشعرت هي بما يدور في عقلي, فتابعت:
- لم يكن الجدار على هذا الحال: كان الجدار يوشك على السقوطء وكنت
أرتعد خوفا من ذلك فلو سقط الجدار الذي يحمل السقف الذي يؤوينا لصرت
أنا وأبتائي في الغراء:.فنحن لا تملك لنا ماوى غيرة بعد أن مات روخى.
ولن يرفق بحالنا أحد من أهل تلك القرية؛ التي لا تأبه لعابر سبيل: ولا تمسح
على راس يتيم.
عم الجط ثم أردقت:
- وحين جاءا إلى هناء خرج (سارم) و(سريم) وقد اعتادا حينما يسمعان
أهوان الغرياة علي لكة فخرعت :وراءهما الذرف القية بكلنين علق ركسية
ويحويهما بين ذراعيه, وكأنه يشتاق إليهما فتعجبت من ذلك وشعرت بالخوف
قنة: ناديك على الطفلين قعاذا فى سرعة: ققام وقال:
- لا تخشي عليهما شيئاء ثم نظر إلى الجدارء وقال:
- آنَ لهذا الجدار الذي يوشك أن ينقض أن يُقام.
ورغم فرحي بذلك, إلا أنني قلت له:
- لا أملك نقودًا لذلك.
فابتسم قائلًا وقد أضاء وجهه:
- نقدني أبوهما أجره من قبل.
ودون أن ينتظر مني ردًا شمّر عن ساعديه. ثم جمع الحجارة وحملها بين
وأخذ يعلو بالجدار. حتى أصبح كما تراه الآن.
صمتت لحظات ثم أردفت في حزن:
- وبعد أن أقامه جلس ليتحدث إلى الرجل الذي يرافقه؛. زال عن وجهه التعب
وزال عن توبه غبار البناء: فأشرق وجهه بالضياء ونصع توبه بالبياض.. تحدت
طويلًا وانصت إليه الرحل بلا همس ثم تركه وانصرف, انصرف وحدة من هذا
الطريقء وكأنه طيفٌ جميلٌ حلّ على النفس للحظات ثم رحل كي يترك فيها
ذلك الفراغ العامر والسكون الصاخب!
قلت:
- وهل كان زوجك يعرف هذا الرجل؟!
نظرتٌ نحو الأفق وقالت شاردة:
- زوجي!
ثم أردفت وقد أشرفت من مقلتيها دموع لكنها لم تنسلّ منها:
- كان زوجي صيادًا فقيرًا ولكنه كان غنيًا بأعماله!
كان كريمًا عفيفًاء يجود بما يملك على قِلَّتِه. لا يرد سائلاء ولا يمنع محروماء
وحين مات وجدت أعماله تسعى إلينا!
فتارة يأتينا صياد بطعام, وتارة يرد لنا رجل قرضًا أقرضه أياه, وتارة يجود علينا
عابر سبيل ببعض الحديث مثلك أيها الغريب!
تهدج صوتها وهي تقول:
- تزيدني تلك الحوادث شوقًا إليه. وتجعلني أشعر بأن روحه لا تزال حية بيننا
تتردد علينا في صور شتى لترعانا.
ثم قالت باكية:
- حين رأيت الشوق في عيني الشيخ وهو يجثو على ركبتيه ويحتضن
(سارم) و(سريم)؛ ظننت أنه هو!
فلم يكن أحد يحتضنهما سويًا بتلك الطريقة سواه!
تمنيت لو بقي الشيخ إلى جوارنا فترة أكبرء فقد كنت أجد فيه ريح زوجي!
ولكنه كما قلت لك. جاء كطيف جميل ثم رحل كأن لم يكن!
وصمتت المرأة. فالتزمت الصمت أيضًا.. تركت لها ولأولادها بعض الخبز ثم
قمت منصرقا وقد أيقنت أن هذا الرجل ليس ببشرء هو لطف من القدّر أرسله
الرب برسائل ليرفع الكرب عن بعض المكروبين, .وأنه لا سبيل لرّفقة القدرء إلا
ناهر صاحب القدر, تركت البحث عنه وصرت لأف عن رفيقه, وألح على
نفسي شوق كي أعرف هذا الرجل الذي أكرم برفقته!
سرت في الطريق الذي أشارت إليه المرأة أاتحسس من أخبارة, قطعت
أكل إلذ العليل ينما محوه يق اقل القرف على تائخر: خرج إذات"' 50000
تجارته. فانتهى به الحال إلى عابر سبيل يسير مجذويًا بعد أن مست يداه يد
القدر!
وصلت إلى مكان بين «مجمع البحرين». وجبل «حوريب». جلست كي
أستريح فإذا بي أستمع إلى جلبة قريبًا من مجلسي, درت خلف كتيب
الرمل؛ فإذا بي ادف ذلك الشاب الذي رأيته عند الصخرة. يقف وحوله حلقة
من الفتيان يلاعبهم بسيوف من الخشب وكأنما يدربهم على القتال. حين
رآني وقق عي المبا رده جنك الا ططاك قل سنها طل و منف ابض م د
الحذر وقال:
- هل تريد شيئًا أيها الشيخ؟!
تقدمت نحوه. تحسست كتفيه بيدي وأنا أتطلع إلى وجهه وكأنني أتأكد من
انني غير واهم. قلت له:
- أريد الشيخ الأبيض الذي كان يرافق سيدك عند «مجمع البحرين».
تراجع الرحجل خطوة إلى الوراء وقد أخذ حذره أكثر وقال:
- من أنت؟©
قلت بعيون تبكي بغير دموع وأنا أبتلع ريقا وجد طريقه إلى حلقي الذي جف:
- أنا عابر سبيل؛ وضعني الرب على سبيله أيها الشابء دُلّني عليه أرجوك!
صمت قليلا ثم تنهد وقال بعد أن شعر بصدقي:
- رحل أيها الشيخ!
رحل إلى الأبد وقد ترك فينا ما تركه فيك وعدَّمنا الرب به ما لم نكن نعلم!
قلت له متلهفا:
- من أنتما؟!
ومن سيدك؟!
ولماذا اختصه الرب برفقته؟
ضم الغلام يده إلى صدره وهو يقوك:
- سيدي هو نبي الله (موسى بن عمران).» وأنا فتاه (يوشع بن نون)..
00 00 00 00 0
الورقة السادسة وال_خمسون
بكيث.. وحق على النفس أن تبكي حين تثور عليها الذكريات.. وحق على
الذكريات أن تثور إذا عاركتها الكلمات.. فتح (شهبور) بكلماته الجرح غائرًاء
وترك المشاعر تنزف بلا انقطاع. مشاعر الشوق واللهفة. والفرح والشجن.
أدركت من كلامه أن الرب لا يزال يرعى قومي, وأنه قد أرسل إلى نبيه من
علعة حكمة: الفذر :أن .نويه فسمًا مين الطافة الخفية: الدي كنا نراها عفان
وزواجر.
تعلم (موسى) من الشيخ الأبيض أن كل ما حلّ على (بني إسرائيل) من
مصائب :هه أمر فى طاهره العداب: وقي راطنة الرعمة:
وأدرك المؤمنون من بني إسرائيل أن التيه كان حقًا عليهم كي ينشأ جيل
جديد؛ جيل يرى الله في صورته التي يحبها.
صورة الرب الذي يربيء ل١ الإله الذي يقهر.
تعلموا أن الرب غني عناء أما نحن فبحاجة إليه وبدون رعايته يتوه المرء ويحيد
عن الطريق.
اشتقت إلى أن أرى ذلك الجيل الجديد الذي يربيه (موسى) و(يوشع بن نون)
بعد أن تعلما الدرس من الشيخ الأبيض.
ولم أشعر بالأسف والغيرة على حاليء فقد كان الرب لطيقًا بي إذ لم يفوت
علي 00
0 وأنا مر بعيد.
أتفن (شهبور) من ا بعيدة 0 أن جذوري لا تزال حية بافية: وأنني
أخرى.
آهء يا (رومانا)!
انث القلب المؤمن الوحيد الذي لا يفقد اليقين مهما انهالت عليه الضربات؛»
(شهبور) أيضًا لم يعد (شهبور) التاجر الذي يؤمن بما تقبض عليه يداه. بل صار
يتىق في حدسه:, وأنقن أن القلب يرى قبل العين أحيانا.
وعصف الشوق بنفسيء وقررت أن أعود إلى قومي في برية «سين» في
اقرب وقت انهيت اعمالي في «الشعيبة». وقفلنا عائدين إلى «بكة». في
الطريق جادلتني (اروى) في توقيت العودة رغم سعادتها بوصول الأخبار عن
أمي:
قالت في رجاء:
- ننتظر حتى يعود (ليث) وأمي!
قد يكون ذلك آخر لقاء لي بهما يا (شمعون)!
وأيد (شهبور) و(عمرو) رأيهاء وقال (شهبور):
- ننتظر الحج أيضًا يا (شمعون), فقد يكون هذا آخر حج لي.
قلت له مندهشا:
- هل ستخرج معنا إلى برية «سين»؟!
قال مؤكذا:
- نعم؛ قد وجدت ضالتي هناك ولن أتركها حتى أموت!
تساءلت متعجيا:
- تتبع بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة؟!
قال:
- بل أتبع نبي الله (موسى) إلى أي مكان يذهب إليه!
فلك مسعتهر نا أقرةة
- ولماذا غدت إذن؟!
قال:
«عداث كن ,أخيزك بالأمن: ثم ابتسم وقال:
- وكي أسترد أموالي منك أيضّاء فلا ضير أن يكون المرء غنيًا ومؤمنًا!
00 00 00 00 0
حين وصلنا إلى «بكة» كانت الحياة أكثر صخبًا مما تركناها بعد أن بدأت
القوافل في العودة من الشمالء تركنا (اروى) و(ام السعد) و(هوى) في
منزليء. ثم عرجت مع (عمرو) و(شهبور) إلى منزك الشيخ (نابت): فتحنا الباب
الذي ظل موصدًا طيلة الأشهر السابقة. رايت (عمروا) يجولك ببصره في
البيت. وسمعت خفقات قلبه وكانه تذكر الشيخ (نابت). وجده الشيخ (عابر)؛
وأنامًا كان يضح فوا ذلك البيت: بالكياةء قال «مؤكد | ظدى وقد اخسق صوتة:
- ما أوحش الدار بلا سكنى والوطن بلا أهل!
ربتت على كتفه وأنا أقول:
- ستعمر بك الدار ويحلو الوطن برجوعك يا (عمرو)!
وقفنا في منتصف الدار حول حذيل النخل المبتور, رانك عيدان الريحان وقد
حَقّت من الإهمال. فجثوت على ركبتي وفركتها بيدي آسقًا وأنا أقول:
- رغم جفافها لا تزال الرائحة الطيبة تعلق بها.
قال (عمرو):
- لم أرَ ذلك الحوض من قبلء هل زرعته أنت؟!
ابتسمت وقلت:
حكيتا لوما ما وقع من (ذعنو): ا ل ان
-وآين أخفيت الذهب؟!
ابتسمت وأنا أقول:
اهنا تحية حديل السعلن!
تناولت القدوي وأخذت أحفر حوض الريحان. حتى وصلت الى كوة بين جذور
النخلة المبتورة: أخرجت منها لفافة من الخيش وضعتها على الأرض تم
فتحتها فتلألأت سبائك الذهب التي لا ينطفئ بريقها مهما طال الزمان,
نظرت إلى (شهبور) وقلت:
- تلك أمانتك يا شيخ (شهبور).
ثم انتشمت قاتلا:
- ألا زلت لا تثق في العبرانيين؟!
طفرت الدموع إلى عينيه ثم قال:
> أتق اتلكاءبيا! '(تستمعون)1- مفد رابت الشيخ (عابر) يقربك إليه. ولو ساورني
الشك فيك لحظة ما عهدت إليك بتلك الأمانة.
ثم ابتسم قائلًا:
حككت أنف كبرك كي تذل قصارق حودك في حفظها!
ثم حتى على ركبتيه؛ وقام بعدٌّ السبائك. ثم قسمها إلى تلاتة أقسام وقال
وهو يقرب قسم إلى (عمرو بن دومة):
- هذا حق الشيخ (نابت), وحقك يا (عمرو)!
ولو كان المال يفتدي من نحب لبذلته كله فداء للشيخ (نابت)!
ثم قرب قسما آخر إليّ وقال:
- وهذا حقك يا (شمعون)!
قلت صادقا:
- هذا أكثر مما وعدتني به!
قال ممتنًا:
- ولكنه أقل مما تستحق!
نظرت إلى الذهب فأضاء بريقه في عقلي ذكريات مظلمة: يوم خرجت من
«قادش برنيع» فردًا يرافقني الخوف _والجوع والفقرء. ما كان يجولك ببالي أن
يأتي يوم أصير فيه آمتاء مطمئناء غنياء لي زوجة وابن وعشيرة: ولي صنعة
أحدوا: واتكسف قتها نما يقتودى عن ذل التشؤال:
ولم يمنعني بريق الذهب من أن أدفع به نحو (عمرو) وأنا أقول:
- اسمع يا (عمرو). لو كان لأحد حق في هذا المال فهو الشيخ (عابر)!
تعجب (عمرو). وفغر (شهبور) فاه دهشة: فقلت في صدق:
- خذ يا (عمرو) هذا المالء وعد إلى تجارة آبائك: واحفظ (بني عابر) من
التجارة في الخمرء. فما كان احفاد الشيخ (عابر) أن يأتوا بنقيصة يكرهها
جدهم.
وقبل أن يعقب دفع (شهبور) بنصف ماله إليه أيضًا وقال:
- نَعْم الرأي رأي (شمعون) يا (عمرو)!
وأنا شريك لك بنصف مالي في تجارتكء أما النصف الآخر فهو دَيْن لشخص
اؤديه إليه عما قريب.
اغرورقت عينا (عمرو) بالدموع وهو يقول:
- نعم الصّحبة: ونغم الشركاء.
00 00 00 00 0
الورقه السابعهة وال _خمسون
وذاع خبر عودة (عمرو بن دومة) في «بكة», لم يكن أحد ليلتفت إلى عودته:
للا أت لاحظ الناس أن: الشات الذي اعتقى لسينوات «فخرخ أبوة من قبل
مطرودا من «بكة» قد عاد إليها وقد تزايد تراؤه.
كان رقمو يلوق ران سنو ف كل وو ف فو د اله الحو بع ادها
على رعيها (شهبور) مع رجال آخرين, وفي يوم من الأيام عاد (شهبور)
و[عمرو) ومعهما بقرة صفراء اللون. اشترياها من السوق ولم يخرجا بها إلى
المرعىء بل اتيا بها إلى مربط الدواب في منزل الشيخ (دومة).
وحين رأت (أروى) و(هوى) البقرة؛ فرحتا بهاء وقالت (هوى):
- يا اللّه!
ما رأيت بقرة في جمالهاء من أين اشتريتها يا (عمرو)؟
قال (عمرو) سعيدًا:
- باعها لنا تاحر حبشيء قالك:
إن هذه الأبقار ترعى فقط على ضفاف النيلء وإن المصريين يقدسونهاء
ويرسمونها على جدران المعابد!
قلت له متعجبًا وقد انقبض وجهي قليلا:
- وماذا نفعل بها في الصحراء يا (عمرو) إن عدنا إلى برية «سين»؟!
قال:
- ترعى مع الإبلء وتحمل أغراضناء ولعلنا نشتري لها من السوق ثورّاء فنطعم
لبنها وولدها!
قلت:
- وإن لم نجد؟!
قال (عمرو) ضاحدًا:
- نذبحها فنأكلها!
لم أشأ أن أعارضه؛ وحين نظرت إلى البقرة الصفراء. التي لا يشوب صفارها
شائبة: ؤيتلالاً لوتها الفاقع :في. ضوع النمار وكانها: قد طليت يماء: الذهث:
شعرت بالرهبة. وطاف بعقلي ذلك العجل الذهبي الذي عبده بنو إسرائيل
من قبل!
ووحدتني رغما عني شمر بنفور من تلك البقرة, التي وقفت في سكون
دابة. لم تذق ذل الحرث. ولا عناء الرعي من قبلء وكأنما عاشت عمرها
تقتات على قرابين العشب والماء التي قدمها لها المصريون على ضفاف
النيل!
وبعد أيام. عادت قافلة (بني يطور) من «يثرب». حطت الرواحل التي تحمل
قدور الخمر في الحي وخرجنا جميعًا في استقبالهم, كان العناق حارًا باكيا
بين (عمرو) و(ليث): وبين (أروى) وأمهاء فرحت الأم بحفيدها (إبرام) فرحة
عظيمة؛: حملته إلى صدرها وظلت تقيّله: ورأيت الفتاة (لامار) إلى جوارهاء
زو تسكاذة الى الطفل + وكين معنا دان الس رانف علمنا أن (لنا) قر
بنى بالفتاة (لامار) في «يثرب»!
فأطلقت (أم السعد) (زغردة) عالية. وقالت في فرحة أحزنت (هوى):
- نِعْمَ النسب يا (ليث)!
ثم أردفت:
- بارك الله لك ولابنة خالك!
والعقبى لك يا (عمرو).
امتقع وجه (هوى) ثم غادرت مجلسناء وتبعتها عين (عمرو) وهي تمشي
منكسرة إلى خارج الدارء ويعد قليل خلا صحن الدار ولم يبقى ل السنواي أنا
و(عمرو) و(ليث), كنت أشعر أن نفس (ليث) لا تزال يعلق بها بعض الكدر مما
حدث بيننا قبل خروجه الى «يثرب»:. كدر تفصح عنه عينه التي يزوغ بصرها
كلما التقت بها عيني: كان يرتدي ثيابًا تعلوه بردة من وبر الإبل. وعمامة
تمنحه هيئة أكبر من عمرة: أردت أن أمد إليه يد الود فقلت:
- حمدا للرب على السلامة يا (ليث): ومبارك لك الزواج من (لامار).
فردٌ في صوت محايد:
- أشكرك!
قال (عمرو) الذي شعر بذلكء وكان على علم بما وقع بيني وبين (ليث):
- كيف كانت رحلتكم يا (ليث)؟
وكيف حال أخوالك في «يثرب»؟
قال (ليث):
- بخير حال!
قضينا أشهر الصيف في جمع الكرم وعصره؛ وتخزينه في القدور.
ثم تنهد قائلًا:
- عمل شاق ولكنه يستحق العناء ويَّدِرٌ الربح.
ثم أردف في شيء من الفخر لم نعتد عليه في حديثه:
- الحق أن الشيخ (أواس) قد أكرم (بني يطور)؛ وأعانهم في محنتهم ولولاة
لآتت ايام الحج علينا بغير تجارة!
ابتسم (عمرو) وقال:
شعر (ليث) بالسخرية في حديث (عمرو)؛ فقال في قليل من الحذر:
ذقيفها اللتجار الأغتياء قي الأنتواق نا (فهرة): كفانا كا للتهون والمكار:
وتجازة مع الفقراء!
قال (عمرو) متعجبًا:
- تلك تجارة جدك وأبيك!
قال (ليث) في تبرم:
- تجارة لم نرث منها إلا الفقر يا (عمرو). حتى صرنا أفقر أحياء (بني
إسماعيل) وأحط بطونها!
شعرت بأن الفتى الذي خرج من «بكة». ليس هو الفتى الذي عاد من
«يثرب», خلع (ليث) ثوب الصبا وارتدى عمامة السلطة:؛ وأذهبت الخمر التي
يحملها عقله دون ان يشربها.
ع المؤلمة التي رأيت أثرها في عيني (عمرو). لم يرد (عمرو) عليه
نه
قام (عمرو) من مجلسه. وأحضر صرّة من القماش كان قد وضعها إلى جوار
الباب عند دخوله, ألقاها على الأرض بيننا في قوة. وهو يقول في حسم:
- أتيت إليك بإرث الفقر الذي ورثته عن آبائك.
نظرنا إلى الصرة التي انحنى (عمرو) عليها يفتحهاء ثم أخرج سيفًا من الصرة,
قدمه إلى (ليث) وهو يقولك:
- ذلك سيف أبيك الشيخ (نابت): الذي سقط ساعده وهو يمسك به!
ما زلت محتفظا به وأشعر بدفء قبضته عليه كلما لمسته.
ثم انحنى مرة أخرى وأخرج من الصرة عمامة الشيخ (نابت): وقال في حسم
اكثر:
- وتلك عمامة أبيك؛ احتفظت بها لأجلكء وأرى أنها تلائمك أكثر من عمامة
الاحباش تلك التي ترتديها.
اهتز (ليث) أمام كلمات (عمرو)؛ ولكنه لم ينطقء ولم يكتف (عمرو) بذلك؛: بل
انحنى ثالثة. وأخرج من الصرة نعلين وقال في صوت أقرب إلى الغضب منه
إلى الحسم:
- أما هذان فهما نعلا أبيك!
ووالله لو لم ترث غيرهما لكفياك!
فما انتعلهما أبوك وسار بهما إلا في الخير!
ثم قال في تأنيب جعل (ليث) يذوب خجلا:
- لم يتاجر الشيخ (عابر) وولداهة مع الفقراء يا (ليث)!
بل تاجروا مع اللّه!
أتريد أن تعرف ماذا ربحوا من التجارة مع الله؟!
ربحوا بركة لم تنقطع في أحفادهم, وربحوا شايًا مثتل (شمعون),. حفظ
اموالهم وعرضهمء جزاء لكرمهم وفضلهم عليهم.
ثم قامروقال:قي:ضوت هادر احرج النساء من حجراتمن:
- اسمع يا (ليث).: لا حاجة لنا بالكرّم ولا بالخمرء ولن يتاجر (بنو يطور) في
شيء حرمه الشيخ (عابر) على نفسه وجعله على أولادة محرما.
سقطت كلمات (عمرو) على (ليث) كضربات السياط على ظهر بعير غفل عن
الطريق. فاعادته الضربات إلى يقظته؛ ضربات لا تؤذيء. ولكنها تثير الحمية
والانتباه.
تحولت كلماته إلى دفاع وقال:
- ومن أين يعيش (بنو يطور) وقد بارت تجارتهم؟
- لا تخش الفقر على (بني يطور) يا (ليث). فقد صار لدينا من العير والمال ما
لا يملكه (بنو إسماعيل) مجتمعين!
ثم أردف:
- أتدري من صاحب الفضل في ذلك المال يا (ليث)؟
إنه أبوك!
أبوك الذي فقد حياته فداءً للشرف!
قام (ليث) من جلسته. وتقدم نحو (عمرو). أمسك كتفي ابن عمه؛ ونظر في
عينيه طويلاء خلع عمامة (عمرو). ووضع على راسه عمامة الشيخ (نابت)
وهو يقوك:
د أنت أحق:زهذة الغفامة :نا فيد (بقى :يظور):
ثم أمسك سيف الشيخ (نابت) ووضعه في يد (عمرو) وقال:
«وأنث أحق بهذا اليف باهاريسن (ندى يظور).
0 ورفع نعلي أبيه من الأرضء وقبَّلُهِما وهو يحتضنهما إلى صدره
وكال.
- أما هذان النعلان: فهما لي!
لن أخلعهما من قدمي ما حييت حتى لا أضل مرة أخرى عن الطريق.
احتضنه (عمرو) في قوة وربت على كتفه وقال:
- لن يضل أحد من (بني عابر)؛ ما دُمنا سويًا كما كنا في السابق يا (ليث).
ثم قال مبتسما كي ينهي تلك اللحظات العصيبة:
- هيا يا (ليث)!
أحضر زوجتك!
وأنت يا (شمعون)., أحضر (أروى) والنساء. ودعونا ننطلق إلى منزليء. فقد
أقام لكم الشيخ (شهبور) مادبة ستتحاكى العرب بها!
قال (ليث) متعجبا:
- هل عاد معك الشيخ (شهبور) إلى هنا؟!
ضحك (عمرو) وقال:
- تلك قصة طويلة يا (ليث): يحكيها لك (شمعون) بعد الطعام!
00 00 00 00 0
وانقضت اشهر الصيفء. ولم يعد (عمرو بن لحي) من تجارة الشمال: وشعر
الناس بالقلق من غياب سيد «خزاعة» الذي كان مريضاء قبل خروجه. وسرت
شائعات بين الناس عن موته في بلاد الشامء وتساءل الناس عمن سيقوم
بسقاية الحجيج وضيافتهم في هذا العام إن لم يعد (ابن لحي). واتجهت
أنظار الناس نحو فارس (بني يطور) (عمرو بن دومة): الثري الناشئ الذي عاد
فجأه ليملأ فراعًا تركه سادة «بكة» بعد رحيل «جرهم»: وغياب «خزاعة».
تناسوا ما فعلوة بأبيه قبل ذلك بعامين, وذهب إليه وقد من قبائل (بني
إسماعيل)» يستحثونه على القيام يذلك الشرف.. كان يجلس على الأرض
في خباء أقيم خلف البيت. وكنت أنا و(شهبور) نجلس الى يسارةء بينما
جلس (ليث) إلى يمينه وحولنا مشايخ (بني إسماعيل).
قال أحدهم:
- ما قولك يا (عمرو) في أن تنال هذا الشرف؟
واله لو كان الشيخ (عابر) حيًّا لفرح بعودة السقاية والوفادة إلى (بني
إسماعيل).
صمت (عمره) قليلًا ثم قال:
عرؤه]: إذ اقمس ]| نا ,السحفازةة والؤقا ذه جكونو عاذت الى نحي نمف 5
لم يفهم الرحل مقصده. فتابع (عمرو):
- تكون ذهبت إلى رجل واحد من (بني إسماعيل)!
رجل يتسيد على الناس بما أنفقه. وبعد أن تنفد أمواله. تمتد يده على
نفقه!
ثم أردف في صِذق:
- والله يا عماه؛ إنكم تخلقون في كل مرة ظالمًا جديدًا. يظلم نفسه أولاء ثم
يظلم الناس من بعده!
شعرت بالسعادة من كلمات (عمرو) راي الاستحسان في عيني (شهبور)ء
بينما بهت الرحل من كلامه؛ فقاك:
- هذا ما وجدنا عليه آباءنا يا (عمرو)!
فإن كان لك رأي آخر هات به!
قال (عمرو) في صذق:
- لا تجعلوا السقاية والوفادة حكرًا على رجل واحد ولا على قبيلة واحدة,
الكل يشارك بما يستطيع أن يجود به!
وقرابين البيت يقوم عليها حلف من قبائل العرب!
تعجبت من كلامه؛, وكأنني أستمع إلى كلمات جده الشيخ (عابر) من قبل!
أشاح الرجل بيده وكأنما ملّ من سماع هذا الكلام وقال:
- أفقْ يا بُنيً!
العرب لا يتفقون!
ولو عُهِد بالسيادة إلى حلف منهم لتنازعوها بينهم ولأفنى بعضهم بعضا.
ثم قال في حسم:
- السيادة هنا في تلك الأرض تكون لرجل واحد!
وطن سلظانة: اما بالفاله دام تالسلا عم :واما"بالفتفيرة: وا نك وفلك: الماك
قال (عمرو):
- ولو قاتلني (ابن لحي)؟!
صمت الرجل ولم ينطقء, فأردف (عمرو):
- تتركوني أقاتله وحدي!
فلو انتصرت نكون شركاء في النصرء وإن انهزمت أطرد من الأرض كما طرد أبي
من قبل!
أليس كذلك؟
صمت الرجل ونكس الآخرون رءوسهم.
فقال (عمرو) في مرارة:
- أتدري يا عماه ما آفة (بني إسماعيل)!
إنهم كثر ولكنهم كفثاء السيل!
فحقّ عليهم أن يلي أمرهم كل ظالم ومغتصب!
ثم قام من مجلسه مَنهيًا الحديث وهو يقول:
- مني الصدقة وإكرام الحجيج في أيام الحج!
ما مر المخاذة فلا حاجة ليها ولشيحنو| لاتفوكور عن ظالمرقفيرف!
وبعد أن خرجناء ذهب (ليث) و(شهبور) إلى السوق بينما عدت أنا و(عمرو)
- لا تبتة !
- يحزنني أمر (بني إسماعيل) ولكن أمر العرب يحزنني أكثرء انظر يا
(شمعون) إلى الممالك من حولناء في «اشور» و«بابل» و«إدوم» و«كنعان»
9 مصر>»».
يبنون الحواضر؛ وتصل صروحهم وأسوارهم إلى عنان السماءء ولا يزال العرب
قبائل متناحرة تتقاتل على الكلا والعير!
ثم تنهد في أسف وقال:
- أمر الرب أبانا (إبراهيم) ببناء ذلك البيت في تلك البقعة. كي يجمع العرب
حول بيت واحد. على دين واحدء فإذا بالبيت يصير سببًا للفرقة والتنازع من
أجل ولايته. 1
قلت:
- صدقت يا (عمرو)!
وقد أجرى الرب على لسانك الحق!
ولعل غياب (ابن لحي) عن الحج هذا العام يدفعهم للتعاون فيما بينهم.
فك لكي مسا في |:
- هل تظن حقًا أنه قد مات؟!
قلت:
- لا أدري!
كان مريضًا قبل خروجه!
ولكنهم قالوا:
إن (طريفة) وجدت له العلاج لدى الجن!
ثم أردفت:
- الحق يا (عمرو) أني لا أشعر بالخير نحو هذا الرجل.
قال (عمرو):
ولا أنا:
ثهر ازدف:
- ولكن لا شأن لنا به يا (أبا إبرام). نقضي حجّنا أولّا ثم نرحل!
ضحكت,. فقد كانت المرة الأولى التي يناديني فيها (عمرو) بكنية ولديء قلت:
- لم أعرف لك كُنية تحب أن تنادى بها يا (عمرو)!
ابتسم وقال:
- كانت أمي تنادي «عُميرّة «؛ ولكنني حين بلغت الصبا نهرتها عن ذلك حتى
لا يعيرتي أطفال الحي!
وكأنما أهاج الحديث عن أمه أشواقه إلى عائلته فقال:
- ما رأيك يا (شمعون) في أن يلحق بنا أبي بعد أن نخرج من «بكة»؟
قلت صادقا:
- نعم الرأي؛ ولكن هل تعلم مكانه؟
تنهد وقال:
- أرسلت إلى الجنوب من يبحث عنه: ويخبرة بأنني قد عدت إلى «بكة».
ضعت قليلا تقر قال
- قضيت أعوامًا في وحدة: وكنت اتقتق أن أعود كي يحتمع الشمل, فإذا بي
أعود لأجد نفسي وحيذا مرة أخرى.
ثم أردف وهو يتنهد.
- آن لهذه الوحدة أن تنتهي!
ظننت أنه يقصد أن تنتهي بعودة أبيه وأمه؛ ولكنه قال:
- لقد عزمت الزواج يا (شمعون)!
ابنتهجت وقلت في فرح:
- حقا!
يا له من خبر سعيد يا (عمرو)!
نِعُمَ العزم يا (أبا عميرة)!
ضحك وقاك:
- لو أنجبت ولدًا سأسميه (عابر) وليس (عميرة)!
سألته متخابتًا:
- ومن العروس؟!
تنهد ثم قال:
- اقترح علي (ليث) أن أتزوج ابنة عمنا (قيدار بن يطور) كي لا يحقد أبناؤه
على (بني عابر)!
صعقتني المفاجأة, ووحجدتني أقول له:
- وهل خطبتها؟
قال:
- كلاء لم خوسنم أمري بعد!
قلت في تعجب ولوم:
- ظننتاء تتزوج (هوى)!
أرتبك وقال:
- زهوى)!
قلت له:
- نعم!
لا تخفي نظرات الود بينكما على أحد!
فما يمنعك عن الزواج بها؟!
قال وقد ازداد ارتباكه:
- (هوى) فتاة طيبة. وقد تربت في بيت الشيخ (نابت): ولكنها ....
- ولكنها لا تصلح لأن تكون زوجة!
ثم أردفت في شيء من الحذة.
- لأنها يتيمة!
واليتيمة تصلح للمخادنة ولا تصلح للزواج!
أليس كذلك؟!
آلمته كلماتي المجردة من الزيف أو التزيين. فصمت ونظر إليّ في لوم ولم
- اسمع يا (عمرو)!
إياك وظلم القلوب!
ومثلك لا يسير على عرف ظالم!
بل يصنع هو العرف!
ولو : تزوج سيد (بني يطور) من فتاة يتيمة لأدرك الجميع ألا فرق بين اليتيمة
واليدّئة, وأننا أمام الرب سواسية.
قال (عمرو) مترددًا وكأنما تنازعه نفسه:
- كانت تأتي الغناء!
قلت:
- لو وجدت سبيلا غيره لطعم نفسها لأتته!
ذاك أهون السبل!
ظل صامنًا يتفكرء فقلت وأنا أقوم:
- زنها بميزان العدل يا (عمرو) ولا تزنها بميزان النفع!
ولعل عدلًا تصيبه يكن خيرًا من نفع ترجوه.
وبعد عدة أيام انطلقت زغرودة من كر حجرة (أروى) ميزت فيها صوت (هوى).: بعد
أن أرسل (عمرو بن دومة) يخطبها لنفسه
ثم تلتها زغرودة أخرى قصيرة تلوّنت بطعم النواح قليلًا ميزت فيها صوت (أم
السعد).
00 00 00 00 0
الورقكة الثامنة وال _-ختمسون
وكانت ليلة عرس (عمرو) و(هوى) ليلة فرح. سكنت فيها النفوس المرهقة
ورضة فلي أكنافها ند السهاذة بعد أيامر من الشقاء: ثال كل مدهما قوم عن
فقده. وبقدر النقص الذي كان يشعر به كل واحدٍ منهما منفرداء كان الكمال
الذي بدا عليهما حين اجتمعا سويّاء حتى ظننت أنهما قد خُلِقا زوجين من
قبل أن يلتقياء الفتاة الجامحة (هوى). هدأ جموحها وأتاح فرصة لذكائها
والخير الذي يملأ قلبها أن يشرقاء ظهر ذلك منذ الأيام الأولى لزواجهماء
فكانت تزور نساء الحيء وتجود عليهن بالمودة والعطاء. وكان صدقها كفيلًا
بأن يشق لها طريقًا في قلوب النساء اللائي كن ينظرن إليها نظرة استعلاء
في بادئ الأمرء وثتبت ذلك من مكانة (عمرو) أيضًا بين الرجال في (بني يطور)ء
فلا شيء يرفع قدر الرجالٍ مثل نميمة النساء في الليل؛ كان النساء
يستفضن في الحديت مع أزواجهن عن 2 (عمرو) وزوجتهء ويثنون على
50 ذات صباح على جلبة شديدة وضربات الطبوك تقرع في الطرقات,
خرجنا من الدار فرأينا جوقة من الأحباش تسير في الطريقء. تتعلق على
بطونهم طبولء؛ ربطت بأحبال إلى رقابهم وفي أيديهم مطارق كبيرة من حجلد
البقرء تقرع الطبول فترتج لها جدران المنازل. وتسير خلفهم ناقة يعلوها رجل
يرئدي زيا مزركشا وينادي بصوت عال:
> ابشدرؤا يا اهل «بكة».. عاد (عمرو بن لحي).. عاد سيد «خزاعة» لم نر نداء
تلك الطرفة من قبل :و كانها اراد (عفووتين لحفق) أنترسيل' التشارة بعودرة
ومعها تهديد لمن ظنوا به الهلاك!
عند منتصف النهار كان أهل «بكة» جميعًا يقفون عند سفح جبل «خندمة»,
ينتظرون قدوم القافلة التي لاح غبارها في الأفق عند جهة الشمالء خرجنا
آنا و(ليث) و(عمرو) و(شهبور) أيضا لرؤية القافلة بعد أن سرت شائعات بأن
(عمرو بن لحي) قد عاد بشيء من «كنعان» سيذهل قبائل العرب: ولأول مرة
يتوفف الطائفون عن طوافهم حول الكعبة, تركوا أماكنهم وصعدوا إلى الجبل.
بعد أن حملت الرياح أضوات الطبول الآتية من جهة الشمالء: وكأنما عاد (عمرو
بن لحي) بجيش وليس بقافلة للتجارة.
انقشع غبار الرمال رويدًا رويدّاء واتضحت معالم الصورة التي أزاغتها أشعة
الشمسء فبدت جلية واضحة كضربات الطبوك التي ملأت جنبات الوادي,
كانت القافلة تسير وامامها تمثال هائل وضع على محفة من الخشب لها
عجلات: ويجرها عشرة ثيران. وعشرات الاحباشء. ومع كل خطوة يزحفونهاء
كان يعلو صياح الأحباش وهم يقولون:
- هو بل ...هو بل ...هو يل.
سألت (عمرو) مستنكرًا:
- بماذا يهتفون؛ وما (هو يل) تلك التي يقولونها؟
قال (عمرو):
- لا أدري!
أسمعوم يقولون (هْبَل)!
رأيت الوحل على وجه (شهبور) وقال:
- إنهم يهتفون ل-(بعل)!
نطقنا في صوت واحد:
- بعل!
قال بيضوت مرهكن :وهو شير بيدة إلى العففال الذى جره الأحباش:
- نعم لقد عاد (عمرو بن لحي) بتمثال (بعل) إله الكنعانيين!
أفسحت جموع الناس الطريق أمام التمثال الراقد على ظهره: مرّ من أمامناء
فخفقت قلوبنا رهبة للونه الأحمر الذي جعله يبدو كشيطان نحت من العقيق,
رغم أنه كان على هيئة إنسان: وزادت صيحات الأحباش ودقات الطبول من
الرهبة في قلوبناء نظرت بعيني إلى (عمرو بن لحي) الذي كان يعلو هودجه:
وهو ينظر بعينيه يمينا ويسارًا في شموخ إلى الجموع الواجفة. وقد بدا اصغر
عمرًا واكثر قوة مما خرج من «بكة»,. عن يساره كان هودج (طريفة) العرافة,
التي كانت عيناها تقدحان كجمرتي نارء وعن يمينه ولده ثعلبة.. توقف
الأحباش أمام الكعبة. فتوقفت صيحاتهم: وقرعت الطبول ثلانًا ثم توقفت إيذانًا
ببدء (عمرو بن لحي) في الكلام.
لم ينخ (عمرو بن لحي) الناقة. بل ظل فوق ناقته ينظر إلى الناس الذين
اشرابت اعناقهم نحوه. ويجول ببصره في وجوه سادة «بكة» ينظرة جمعت
بين الشماتة والبغض. وخيم الصمت والسكون على الجميع وكانهم قد صاروا
أهامًا كذلك الصيم الراقد على ظوزة
بشعرت برعدة في جسدي نفضتني عن ذلك العالم: وتلونت أمام عيني
السسماء بالوات شيتيع ز|دودقن درسم تق ارت رطعي الي الساماة» لعل
عدا كد ما أزاة: ولكن له يلنفت أحد :لق إشارتي: أرذت أنه اتكلص ولكن
صوتي كان مخنوقاء فصرخت فلم يغادر صراخي حلقيء: شممت رائحته التي
سطعت أنفي, يوم «قادش برنيع». وسمعت وقع خطواته كضربات طبوك
الأحباشء, تلفثٌ حولي أتلمس النجدة من (عمرو) و(شهبور) و(ليث) ولكنهم
كانوا جميعًا كالأحجار الجامدة. . سمعت نغماته التي تغنى بها من قبل وكأنها
بن لحي) في اذني.
* أطفنوا الثُورَ بظلام القلوب... - أنا (عمرو بن لحي) * أحرقوا الأرضّ بحقدٍ
النفوس.. - وهذا هو صنم الرب قد تجلي عليه الرب بقدرته فاشفاني.
* العنوا مُحبّيكم... - من دعي إلى غيره فقد آذنّاه بحرب.
* ومجّدوا لاعنيكم... - ومن تقرب إليه فقد تقرب إلى الله زلفى.
* انْئرُوا بذور الكْرْهِ حتّى أراها ثُثمر... - من لم تسعه «بكة» ورِهْبَل) فليرحل
* انشروا عبيرَ الدّم حتّى أراني أثمّل... - ومن منع الحجيج عنه فقد أهدر
دمه.
* أروني دموع الندم بلا توبة... - ومن ظن أنه أعز على العرب من «جرهم»
* أروني صراخ اليأس بلا رجاء... - أما من خضع لأمرنا فقد نال من عِرٌ
«خزاعة».
وإذا بدا هده بن دومة) يضرم بصوت عالٍ صرخة أعادت الحياة إلى الأصنام
110
|
لن يدنس بيت الرب بأصنام الكنعانيين!
أشار (عمرو بن لحي) بعصا قصيرة في يده نحو (عمرو بن دومة) وقال في
برياء:
- من أنت؟!
قال (عمرو):
- أنا (عمرو بن دومة بن عابر)!
وكانما تذكر (عمرو بن لحي) اسم ابيهء فقطب حاجبيه وقال:
- ألم يُطرد أبوك من «بكة» ذليلًا؟!
قال (عمرو) وقد احمرٌ وجعه من الإهانة:
- بل خرج منها عزيرًا بعد أن دافع عن الحق!
واليوم أثبت أنه كان على حق!
ثم أولاه ظهره والتفت نحو (بني إسماعيل) وسار بينهم وهو يضع يده على
صدورهم وكانه يريد ان يطمئن أن في صدورهم قلوبًا تنبض وقال في صوت
يخنقه الرجاء:
- يا (بني إسماعيل). يا (بني قيدار) و(يطور) و(نابت): يا حجيج بيت الله!
هذا دين آبائنا يبدل أمام أعيننا!
ها هي الأصنام التي حطمها أبونا (إبراهيم) في «أور» يحملها الشيطان إلينا
في «بكة», فماذا انتم فاعلون؟!
لم يجد (عمرو) إجابة منهمء رغم دموع الحزن التي انسابت على وجوه
بعضهم.
قال (عمرو) مذهولًا:
ِ- أخينوني|
قولوا إنكم لن تسمحوا بأن نتقرب إلى صنم من دون الله!
انطقوها بأقواهكم وامنعوها بأيديكم!
قولوا إن أولادنا لن يزدروناء ولن يقولوا هؤلاء الذين أضاعوا دين آبائهم!
أجهش بعضهم بالبكاء. بكاء العاجز الذي لا يملك من أمره شيئاء فصرخ
(عمرو) وهو يضرب بيديه على صدورهم:
- لماذا تبكون كالنساء؟! ما الذي تخشونه؟
أتخشون الموت أم الجوع أم الفقر؟
ثم التقط حجرًا صلدًا من الأرض وقذف به تجاه التمثال في قوة وهو يصرخ في
جنون:
- أم تخشون تمتثالًا أصم لا ينطق ولا يسمع؟!
ارتطم الحجر بيد التمثال المصنوع من العقيق فتحطمت بدذداء وخيم الذهولك
فوق الجميع بمن فيهم (عمرو) نفسه.ء وحين أفاق (عمرو بن لحي) من
الصدمة, صرخ في صوت فاق صوت الشيطان في الجحيم وقال للأحباش:
- اقتلوا ذلك الآبق واجعلوه عِبْرةَ لمن يعتبر!
فانقففن الأخائق غلية يفوقوة كييدة بالتشاظ والعقصدى.
00 00 00 00 0
لقول الحق مهابة تهتز لها يد الباطشء وهذا ما شعر به (عمرو بن لحي),
حين رأى جمعًا من (بني يطور) من بينهم (ليث) و(شهبور) وأنا يشتبكون مع
الحراس للدفاع عن (عمرو).: خشي (ابن لحي) أن تجد كلمة الحق صداها
في الرءوس المنكسة. او ان يثير مقتل (عمرو) الحمية والرغبة في الانتقام,
فنادى في الاحباش:
كفي هذا
لك تفلك الذفاء فلج حرج الكفية!
ثم أرعد في وعيد:
- ولكن حرمة هذا النصب من حرمة الكعبة!
ومن يمسه بسوء فقد أهدر دمه!
ثم نادى في الناس وقال:
- أيها الناسء, ما دعونا لعبادة (هبل) من دون الله وما ينبغي!
وما أجرى الله شفائي بشفاعته إلا بأمره. فمقدرة الله في يده يضعها حيث
شاء. حتى وإن كانت في حجر اصم!
رأى الاستنكار في العيون الكسيرة: فقال:
- لو لم يكرّم الله الحجر لما أمرنا بالطواف بالبيت ولا بتشريف الحجر الأسود!
تم قال:
- أرأيتم إن نزع رجل من بينكم الحجر الأسود وألقى به في البحرء ماذا يكون
من امركم؟!
طال الضصمة لحظات قم قال جل قلق اسعحاء:
- ما يكون لنا من منسك بعدة!
ثم قال آخر:
- والله نكون كمن نزع الشرف عنه!
لمعت عينا (ابن لحي) وقال:
- وهذا والله ما أبغيه!
أن أزيدكم شرقا إلى شرفكم!
ولو لم يكن لهذا النصب من شأن في أرض الله ما عبده أقوام في مشارق
الأرض ومغاربها!
ثم هتف في الأحباش بصوت جهوري:
- ارفعوا النصب بين الركن والمقام وادعوه كي يقربكم إلى الله زلفى!
ثم التفت إلى (عمرو) وقال:
- أما أنت يا ابن الطريدء فقسيمًا برب هذا البيتء لو رأيتك في «بكة» أو ما
حولها لأحرقتك حرا ولأقدمنك قُربانَا لهذا التمثال!
وبينما كنا نحمل (عمروًا) عائدين به إلى المنزلء ارتفع صوت الأحباش مرة
اخرى وهم يقولون:
- (هو بل) ... (هو بل).
والتفت خلفي لاحذ رانى التضفال الأحمر: تعلو :من .رقدتوا حون حا دزت :نيت
الرب!
وصوت (ابن لحي) يرتفع في السماء قائلًا:
- لبيك اللهم لبيك: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك ملكته وما ملك!
00 00 00 00 0
الورقة التاسعة وال_.خمسون
استقبلتنا (هوى) بالصراخ حين رأت (عمروًا) مضرجًا في دمائه؛ فنهرها
(عمرو) عن ذلك بصوت واهنء وضعناه علي اريكة في صحن الدارء وصرف
(ليث) الجموع من (بني يطور) التي تجمعت امام الدار برفق ثم اغلق الباب.
عاونني (شهبور) في إجلاسه كي ننزع قميصه الذي التصق بجروحه في
رفق2. وحين مسحت الدماء بخرقة مبللة عن جسده انفجرت الدموع من
مقلتيه؛ لا من الالم وإنما من القهر. قال في حرقة الهبت عيوننا بالبكاء:
+ لينتفي فت قبل آن ارك بيت الرت مدنا نالقة الكتهانيين]
ربت (شهبور) على كتفه قائلا:
- هؤن عليك يا (عمرو)ء لن يجدي موتك شيئا ولن يغير من الأمر شينًا!
قال (ليث) وقد امتزج خوفه بقلقه:
- لن يتركنا (عمرو بن لحي)!
ولن ينصرنا (بنو إسماعيل)!
قال (شهبور) مؤكدًا كلامه:
- نعمء أظن أنه لا مقام لنا في «بكة»!
قال (عمرو) وقد أوجعته الكلمة وأفجعته:
- أهرب من «بكة»!
أترك الأمانة التي أحملها وأهرب؟!
قال (ليث) مترددذا:
- نبتعد قليلًا يا (عمرو)؛ لا قِبَل لنا بجيش «خزاعة»!
وقد كنت تنوي السفر بعد الحج على أية حال!
جثمت الحقيقة على صدره حتى كادت أن تزهق أنفاسه: فقال بصوت واهن:
- الحج!
أي حج والبيت قد جاوره صنمء والنداء قد صار يدعو لشريك!
ثم أجهش في البكاء؛ وقال:
- أين أنت يا شيخ (عابر)؟
أين أنت يا شيخ (نابت)؟
أين أنك نا آبئ؟!
لماذا تركتموني أحمل ذلك العبء وحدي!
قلت مهونا عليه:
- ذلك يوم لا يحمل فيه إنسان عن إنسان يا (عمرو). بل يحمل كل إنسان
تبعة اختياره.
0 57 زابن لحي) ألسنة الناس بالنداء. ولن يلق في قلوبهم التوسل
إلى صنم. صدقني يا (عمرو) إذا أنكرت قلوبهم. ستخرس ألسنتهم!
قال:
- سيتبعه الجائع والمعتر!
قلت:
- لو كان إيمانهم لأجل الطعام والكساء فلا خير فيهم!
قال:
- سيغدق بالأموال على قبائل العرب وسادتها كي يتبعوه!
قلت:
- لو تبعوه فلا خير فيهم أيضّاء وأولى لك أن تغادرهم فارًا بدينك!
قال حزينا:
- أترك «بكة»؟!
قلت:
- خيرًا من أن تُقتل فيها.
قال:
- وبيت الرب؟!
قلت:
- الرب لا يسكن البيوت!
الرب يسكن القلوب!
قال:
- ودعوة أبينا (إبراهيم)!
قلت:
- تحملها في قلبك وتبلغها لمن لم تصل إليه!
قال مشدوها:
- أهكذا تكون شمس «بكة» قد أفلت؟!
قلت:
- تغرب الشمس من مكان وتشرق في مكان آخرء ولكن نورها يسطع على
الأرض كلها.
قال:
- وأين أجد شمس الإيمان الآن؟!
أسرع (شهبور) قائلًا:
- هي الآن في برية «سين»!
قال (عمرو) مشدوها:
- نتبع نبي العبرانيين (موسى)؟!
قال (شهبور):
- هو من يحمل شعلة الإيمان!
قال (عمرو):
- لم يرسله الرب ل_(بني إسماعيل).
قال (شهبور):
- يهتدي المرء بالنور اينما وجدة!
قال:
- وشريعتنا؟!
قال (شهبور):
- لا شيء يعدل السير على هدي نبي.
قال (عمرو):
- قلبي ينفطر على «بكة»!
قلت:
- لعل الرب يرسل إليها من يحمل شعلة الإيمان من جديد!
عاد يقوك:
- وبيت الرب. من يعمره؟
قلت مرة اخرف:
- الرب لا يسكن البيوت والقلوب العامرة خير من البيوت الخاوية.
ضيفت قليلاء وقبل أن تثور نفسه بسؤال آخرء سمعنا رعدة اهتزت معها
الأريكة التي نجلس عليهاء ولم تمض لحظات حتى سمعنا صوت زخات المطر
يهطل فوق عريش البيت.. فتح (ليث) الباب وأسرعت أنا و(شهبور) خلفه:
رأينا مطرًا غزيرّاء وبعض الأطفال تلهو تحت المطرء خرجت من الباب وأنا أقي
محيىي:من رحات المظر اللاسعة: رظرث: إلى الستماء: القائهة قرافت ينكان
مالت إلى الغروب!
قلت متعجبًا:
- كل هذا المطر ولا تزال المزن خُيْلى بالماء: كيف تبذلت السماء هكذا؟!
رعدة أخرى انخلعت لها قلوبناء واشتد معها المطر أكثر. هرول الأطفال
مذعورين لرؤية الصاعقة, واختباوا في حمى دورهم وقال (شهبور) بصوت
رين
- السماء غضبى على «بكة»!
رحماك يا رب العالمين!
ذكرني ذلك المطر بسيل كاد يقتلني أنا و(أروى) صغارًا في «رسة».
وتذكرت في تلك اللحظة (أروى).
شعرت بالخوف عليها وعلى (إبرام). فمنزلنا يقع في سفح البطحاء ولو انهمر
السيل لأطاح به.
إلى الطريق؛ ناداني (ليث):
- إلى أين يا (شمعون)؟
المطر يزداد!
قلت وأنا امه وحوؤي طرف القناك:
- أشعر بالخوف على (أروى): منزلنا أسفل السفح!
وقد يغمره السيل!
قال (ليث) وقد شعر بالوجل:
- انتظر سآتي معك!
قلت:
- كلاء اذهب أنت إلى دارك!
وخذ معك (عمرو) و(هوى) و(شهبور)!
فدار الشيخ (نابت) أبعد ما تكون عن مجرى السيل!
انطلقت في سرعة:؛ فقد شعرت أن هذا الصيب لن يأتي بخيرا!
رأيت الناس تحتمي بدورهم: ومن لم يملك منهم سقفا يؤويه. صعد إلى
أعالي الجبال كي يحتمي بالكهوف والمغارات. نظرت إلى الوادي فرأيت
البيت مهجورًا لأول مرة!
لاتيقف إلى زازه الاتذلك: التهدان الأحمى القنقة: #وعلى مقزية: فده تمقالفى
(إيساف) وز(نائلة).
دعوت الرب أن يُزيل السيل تلك الأصنام التي أحاطت ببيته. ثم انطلقت
مهرولا نحو السفح المنحدر, سقطت مرات ومرات ولكني كنت أقوم في كل
مرة وَاسَستاتف العدو غير عابئ بتيابي المتسخة., وبين لحظة وأخرى كنت
أنهلو الى تلك السبحت: الع تخظو كالخبال تخو ستماء «دركة»:
وصلت إلى البيتء. دفعت بابه بقوة. فوجدت (أروى) تقف مذعورة في الفناء
الذي غمرة الماء حتى وصل إلى منتصف ساقيهاء وهي تحتضن ولذنا (إنرام).
صرخت حين رأتني وقالت:
- الماء يغمر البيت يا (شمعون)!
قلت لها مسرعًا وأن أمسك يدها:
- لا تخافي!
هيا بنا!
تهون الدوا'
- أين (أم السعد)؟!
قالت:
- ذهبت عند أمي في دار (ليث) منذ الصباح.
قلت لها:
- حسنا فعلت!
هم في أمان الآن.
خرجحنا إلى مربط الدواب الذي غمره الماء أيضّاء فاستقبلنا قطرات البرّد التي
ارتطمت بوجوهنا كحبات الحصى. صرخت (أروى) وهي تحمي وجه (إبرام)
بيدهاء. خلعتٌ الشال عن رأسي وحميت به رأسها ووجه (إبرام). فككت عقال
البغلة التي كان تدور في قلق وأخذت أربط سرجها إلى العربة. وقد اشتدت
حدة المطر وصار الماء يتدفق من جدران المربط.
انتهيت من ربط السرج فوضعت (أروى) والطفل في العربة وقلت لها:
تشبتي حيذاء قفزت فوق العربة وجحذبت لجام البغلة وأنا أصفع ظهرها بقوة
كي تنطلق» وكان البغلة كانت تشعر بالخطر هي الأخرى فأطلقت لساقيها
العنان وانطلقت بعيدا عن السفح الذي أخذت حوافه تنحرف بالماء رويدا رويذا.
وبدا أن السيل سينومر في أية لحظة, 'وصلت إلى جبل «الحجون», فضريت
أخفف حولتها وجذبت العربة مع البغلة ولكن العربة علقت 0 أن تتحرك,
لاح لي ان اتخلص من العربة حتى لا تعيق البغلة. ْوَل (أروى) والطفل,
وأخذت أفك السرج في سرعة: فجأة جاءتني صرخة (أروى) في رعب وقالت:
- السيل!
نظرت فإذا بي أرى سفح البطحاء ينهار وقد علاه موج كالجبال. غمر في
طريقه كل شيء وسحق منزلناء ثم هبط نحو الوادي في سرعة محملا
بالصخور وبقايا دور صارت أثرًا بعد عين,» ألقيت سرج البغلة وحملت (أروى)
ووضعتها فوق ظهر البغلة مع (إبرام). لففت اللجام على يديها وقلت لها:
ثم ضربت ظهر البغلة بيدي في قوة فانطلقت تصعد الجبل وكأنها تفر من
الموت. صرخت (اروى):
- وأنت يا (شمعون)!
قلت لها وأنا أصرخ:
- لن تحتملنا البغلة جميعا!
لا تنظري خلفك ولا تتوقفي إلا فوق «الحجون».
ونظرت خلفي فوجدت السيل يقترب وقد فتحت أمواجه فكيها وأخذت تلتهم
في طريقها كل ما يعترضهاء دارت في رأسي ذكريات عدة متلاحقة, تذكرت
يوم انشق البحر بعصا (موسى). تذكرت أمي وهي تعصب عيني كي لكا أراها
تغرق. تذكرت قبعة الفارس المصري وهي تطفو فوق الماء. تذكرت (دعس)
وهو يحاول قتليء تذكرت كل ما مرّ بحياتي من مخاطر, في ذات اللحظة التي
رأيت فيها الماء يرتفع فوق رأسي كطود عظيم يصل إلى عنان السماء.
حينها قفزت فوق العربة الخشبية وأمسكت جانبيها بيدي وأنا أغمض عيني
بقوة, شعرت بالماء يرتطم بظطهري راسف في قوة ولكنه لم يفقدني وعيي»
غمر الماء أتفف وأذني, فتوقف الزمن :وانقطع صخب السماء الغاضبة من
حولي. مضت لحظات لا أدري مقدارها وأنا تحت الماء. أغلقت صدري على ما
بقي به من هواء حتى لا أفقده. فجأة اهتزت العربة. فتشبثئت يدي بجانبيها
أكثر. وفي اللحظة التالية تحركت العربة وبدأت تطفو. استسلمت لحركتها
وتحمد حسدي فوقها حتى صرت قطعة منهاء أفلتت زفرات من الهواء من
فمي رغما عني. فوجدت صدري يخلو من الهواء رويدًا رويدّاء شعرت
باتفابيىئ تزهق وودت لو أشفق: ولكني كنت أدرك ان الموت حينها سيكون
حليفيء, شعرت بقبضتي ترتخي فوق العربة. وفتحت عيني رغما عني..
فجأة شعرت بالعربة تسرع في طفوها حتى خرجت إلى السطح., سعلت
في 'قوة وأنا أطرد الماء من أنفي وفميء. شعرت ببرودة شديدة: ولكنني كنت
فَمتنا لأنئ ها رلت خراء طفكدبيى العرية مع محري السعيل: إلى أن توقفت
في موضع ضحل فيه الماء. فقفزت من فوقها وصعدت بجهد بالغ إلى ربوة
آمنة. ثم ألقيت ظهري إلى الأرض وقد بلغ بي الإعياء مبلغه.. نظرت بعين
زائغة إلى السماء التي انقشع غمامها رويدّاء وكأن جيوشها تنسحب بعد أن
أفنت أعداءهاء تم صرخت بأعلى صوت قبل أن أفقد وعيي:
(ارقف)...!
00 00 00 00 0
الورقكة الستونت
استيقظت على لسان رطب يلعقنيء وأنف تتشممنيء. فشعرت بقشعريرة
في جحسديء اعادت إلى عقلي وعيه سريعاء فانكمش جسدي دُعرًا ودفعته
بيدي رغما عني وقد ظننته ذثبًا من ذثئاب الصحراء. حين حين انتبهت وجدته كلباء
جفل لحركتي المفاجئة. ثم جرى مسرعًا إلى أعلى الربوة قبل أن يقف عليه
وينبح وكانه ينادي شخصا قادم من اسفل التل؛ ما هي إلا لحظات حتى
ظهرت امرأة تمتطي أتانًا هزيلة. ترتدي السواد وتحمل في يدها غصن زيتون.
أشتاركيه: إل الكلبه قينا إلى جوازها: تكرت (أزؤى): ففهت من مكادئ
آنا أرتقكن من ملاسفي الني:ظلت فيئلة رغهر ات الدفار قد اله وغاةت
الشمس إلى السطوع.؛ نظرت حولي فوجدت آثار مجرى السيل الذي شق
أخدوذ| طؤيلة من الول كول الويؤة. الفى نعف عليه فلك للها :
- هل رأيت امرأة تحمل طفلًا وتمتطي بغلة؟!
لم تجاوبني بل لكزت الأتان بكعبيها وتقدمت نحوي, هبطت من فوق الأتان
واقتربت متكأة على غصن الزيتون» ذكرتني أخاديد وجهها بوحه رأيته من
قبل؛ أخفي الظلام تفاصيله في المرة الأولى فبدا أبشع هذه المرة في ضوء
التمان: حين اقتريت وفتحخت فهها المظلم الخالي من الأستان تذكرت اسفها:
قلت لها:
- أنت (أم إياس) العرافة؟!
قالت وهي تتمعن في وجهي:
- تعرفني؟!
لم أجبهاء بل قلت:
- كيف أتيت إلى هنا؟!
قالت:
- سمعت النداء!
قلت:
- أي نداء؟!
قالت:
- نداء السيد الجديد!
قلت:
- لن يسود!
السماء قد غضبت عليه وظني أنها قتلته!
قالت:
- السماء غضبت على أهل «بكة»!
وأخذت وديعتها!
قلت:
- أي وديعة؟
قالت:
- البيت!
قلت:
- ماذا تقولين؟!
قالت:
- انهدم البيت في السيل!
قلت:
- بيت الرب؟!
قالت وكأنها سمعتني من قبل:
- الرب لا يسكن البيوت!
قلت:
- كنت تعلمين؟!
قالت:
+ اككوية رمن قدن!
قلت لها:
- أين زوجتي؟!
قالت ساخرة:
- أنا لا أرجم بالغيب!
قلت:
- أعطيك ذهبًا حين أعود إلى بيتي!
قالت ساخرة:
- صرت تملك الذهب والفضة إذن!
قلت:
- أين زوجتي؟
انستدارت :واشتارت: يفصن الريتون: إلى :ضخرة قلى :تل فيد تفحبت من أن
بصرها يحدوهاء وقالت:
ثم قالت وهي تعود إلى أتانها:
- لا حاجة لي بمالك أيها الطائر الغريب!
خذ وليفتك وارحل إلى أرضكء واستمع إلى (أم إياس). فلا خير في أرض
سكنتها (طريفة) العرافة!
0 00 00 00 00
أفرخ الحزن تعاسة, وأنحيث الخطوب حسرة لم نر مثلها في «بكة» طيلة
الاعوام السابقة.
لم تعد الأرض مثل الأرضء ولا النفوس كسابقتها؛ تهدمت البيوت والأسواق,
وتشردت احياء كاملة, ومات خلق كثير» ومع ذلك كان سقوط البيت هو
المصيبة الأكبر التي فاقت كل الخطوب مجتمعة.
أفاق التانتن رعذ السكيل خلى وو وورسيراث النيت ة اختقاء الحعجر الأسشوة كنا
عنه في كل مكان ولكنهم لم يجدوه!
ظنوا أن السيل قد جرفه إلى مكان مجهولء وادعى بعضهم أن صاعقة رفعته
إلى السماءء وترددت على الألسنة أحاديث عن اللعنة التي حلت على
«بكة» بصنم (ابن لحي).
ولم تفلح وعود (ابن لحي) بإعادة بناء البيت في الحد من تلك الأحاديث!
فما قيمة البيت بغير الحجر الأسود!
أيقن (عمرو بن دومة) أن الرحيل قد آن أواثه. قال له (ليث):
- هيا بنا يا (عمرو)ء فلن تكون تلك آخر الخطوب!
قال (عمرو) آسقا:
0 لق أخبرني أحدهم و 1 في «إدوم» أن «حرهم» ستطرد., وأن «(زمزم»
تطمرء وأن البيت سيهدمء وآن الحجر سيفقدء: لحكمت عليه بالجنون!
قال (ليث) حزينا:
- ولو أخبرني أحدهم حينها أني سأفقد أبي وجدي. ما تركتها!
- ولو أخبرني أحدهم أنني سأواجه السيل مرتين في حياتي لتعلمت
السباحة صغيرًا!
قال (شهبور) باسما:
- ولو أخبرني أحدهم أنني سأترك تجارتي وأتبعك يا (شمعون) لأزهقت روحه.
خففت مزحته من وطأة الهمء فتنهد (عمرو) وقال:
- أتدرون ما هي أكثر اليّعَم التي أحمد الله عليها؟!
وقبل أن نجيبء أردف قائلًا:
- أن الله قد جمعنا سويّاء فما كانت الحياة لتحلو بدونكم!
قلت له مستفسرا:
- ألديك أخبار عن الشيخ (دومة)؟!
تنهد في حزن ثم قاك:
- نعم!
لا يريد الرحيل!
يقول إنه لا يقوى على السفر والترحال!
شعرت بحزنه؛ فالتزمت الصمت ولكنه أردف في شيء من التهكم:
- ما دام أبي في رفقة أخوالي من «جرهم», فلا شيء ينقصه!
ثم قال ل_(ليث):
- مر الرّجال يا (ليث) بأن يعدُوا العُدّة للرحيل.
قبل أن ينصرف (ليث) قلت له:
- هل لي في طلب يا (ليث)؟!
قال:
- مَرْنِي يا (شمعون).
قلت:
- هناك شيء يخصني في منزل الشيخ (عابر)!
قال مستفسرا:
- ما هو؟
قلت:
- صندوق العروس!
فبه أوراقي التي كتبتها طيلة السنوات السابقة.
ضحك (شهبور) وقال:
- أما زلت تكتب تلك الأوراق حتى الآن!
قلت:
الم أكفنت الكثير في «بكة». كما أنني قد فقدثتٌ بعض اللفائف حين أطاح
السيل بداري, ولكني أحمد الرب أن حفظت باقي الأوراق في صندوق
العروس في دار الشيخ (عابر)!
قال (ليث) ضاحكا:
- لن أعطيك الصندوق حتى أقرأ ما كتبته عني!
قال (شهبور):
- لن تفهمها!
فقد كتبها ذلك الماكر بلغته المصرية حتى لا يطّلع عليها أحد.
ضحكنا وانصرف (ليث)؛ وبعد أن خرج قال (عمرو):
- أتدري يا (شمعون) أني أتعجب لأمرك: فأمك مصرية وأبوك عبراني وزوجتك
عربية, أتدري أنه لم يجمع أحد تلك الخصال سوى أبينا (إسماعيل)!
- أحمد الرب أن منحني خصلة من خصاله!
قال (شهبور) جادًا:
- ولكن لأي شعب يميل قلبك يا (شمعون)؟
لم يسألني أحد من قبل ذلك السؤال وما تفكرت به؛ فقلت بعد تفكير:
ويسعهم جنبًا إلى جنبا!
ثم أردفت بعد قليل من الصمت:
- أتدري يا (شهبور) أن أبي قد مات ولم يكن قلبه معلقًا بشيء سوى الأرض
المقدسة؟
أشعر أحيانًا أنه قد قسا على نفسه حين علّق كل بهجة في حياته علي
تحقيق ذلك الحلم فمات ولم يهنأ بشيء. أما أنا فأشعر أنني كنت أسعد حالا
: منه رغم ما مر بي من محن, منحتني الحياة فرصة كي أقترب وأعرف.
فعلمت أن الأرض تتقدس حين تسود فيها عدالة السماءء فإذا عم فيها الظلم
والجور فهي رضن ملعونة ولن يشفع لها بيت ولا حجر ٠ وعلمت أن الإننسان
هو اسحقى :ها على الأرض: :وات الرت: رسرة اث تحمن القلوت» بالايقات على أن
تعمر بيوته بقلوب خاوية.
أدركت أن الوطن هو أرض تشعر فيها بالطمأنينة: وأن الأهل هم صحبة تشعر
بينهم بال أمان!
انلق كلق مزه لاني م لخي ا وبرية «سين» التي عشت
فيها مع أن و«إدوم» التي رامخ فيها الشيخ (نابت), والحجر التي اقتربت
فيها أكثر من الشيخ (عابر). و«يثرب» التي جمعتني ب.ر(أروى)؛ و«يكة» التي
عرفت فيها الله تعلق قلبي بكل هذه الأماكن قبل أن يكون مُعلَقَا بالأرض
المقدسة.
وكأنما مست كلماتي شغاف قلب (شهبور)؛ فتنهد وهو يقوك:
00 00 00 00 0
بعد عدة إيام كانت عير (بني يطور) تستعد للرحيلء انضمت إليها النوق التي
كانت ترعى في الشعبء فامتلأت الساحة بين تل «أجياد» وجبل «أبي
قبيس».: بقافلة ضخمة لم يمتلك ب.(بنو يطور) مثلها من قبلء أدرك (عمرو)
أن شمس «بكة» قد غابت, وأن الرحيل قد أصبح حتمياء ولكن هذا لم يمنعه
من أن يقدم يد العون إلى أهل بلدته في أيامه الأخيرة بها. فتصدّق على
الفقراء الذين أصابهم السيل من أهل «بكة» بعشرات النوقء وأهدى أبناء
عمومته من (بني قيدار) مثلها وعاونهم في بناء دورهم التي حطمها السيل:
الشيء الوحيد الذي لم يشارك به (عمرو)ء ولم ينفق فيه درهما هو إعادة
بناء البيت, كان روؤمن: ان “هذا :البيث ليس.ءتيت و (إبرام) و(إسماعيل) حتى
وإن أقيم على نفس القواعد, فرح حين وجد الناس الحجر الأسود في بيت
امرأة من «خزاعة». حمل السيل الحجر إلى دارهاء لكن الحجر لا قيمة له إن
زيّن جدرانًا لطخها الشركء ويكفيها إثمَا أن بناها رجال من «خزاعة» وهم
يرددوت نداءهم الممقوت.
وقبيل رحيلنا بيومين,. استيقظ أهل «بكة» على نبأ ارتجت له قلوب «خزاعة»
واطمانت له قلوبنا. فقد ماتت (طريفة) العرافة في فراشها!
ماتت دون أن يتربص بها أحد ودون أن يدفع رئيسها من الجن عنها ملك
الموت!
ل 00 وحين كانت جيفتها محمولة
على بغلة تصعد بها نحو قبور (المعلاة)؛ رايت على طرف الآخر من الوادي
امرأة عجورًا تمتطي أتانًا ويهرول خلفها كلب: تيمم شطر الشمالء فأدركت
أنها :(أماياسى) القى انك إلى «دركة» رعدها ستمكت التداء الجحديد» ثفر حلت
عنها بعد ما قضت غايتها بطريقتها!
ولعل موت (طريفة) كان الغاية التي جاءت من أجلها!
وفي ليلتنا الأخيرة كانت (أروى) إلى جواري في الفراش في حجرتها بمنزل
الشية (نانت) طروت إلى المففه تم قالث:
- لم تجمعنا تلك الحجرة سويًا من قبل.
قلت وأنا أعقد يدي خلف رأسي:
- بثّ فيها أول ليلة لي في «بكة». وها أنذا أبيت فيها الليلة الأخيرة قبل
رحيلي!
قالت براييقا الف فهر قالك:
- سأفتقد «بكة» يا (شمعون)!
قبّلت شعرها وقلت:
- وأنا أيضًا سأفتقدهاء رزقني الرب فيها بالمال والزوجة والولد!
ابتسمت قائلة:
- ولولا تعجلك الرحيل لرزقك الرب فيها بولد آخر!
انتفضت جالساء. وقلت في سعادة:
ا
- حقا؟
قل انث تخبلف؟
- نعم؛ و(هوى) أيضًا خُبلى!
- وكيف عرفتما؟
قالت:
- انقطع عنا الطمث شهرين متتابعين: ورأت (أم السعد)؛ علامة الحمل علينا!
- أي علامة؟!
قرصتني في كتفي قائلة:
- لا شأن لك بأمور النساءء ثم قالت:
- أتدري أن (أم السعد) قد أخبرتني أنني سألد ذكرًا وأن (هوى) ستلد أنتى؟
انفجرت ضاحكًا وقلت:
- لا تكف (أم السعد) عن إفساد فرحة (هوى) بأي طريقة كانت؛ ثم سألتها:
- وكيف عرفت (أم السعد)؟
هل سألت (طريفة) العرافة قبل موتها؟
- كلا!
لقد ميزت بيننا بالحنطة والشعير.
رفعت حاجبي دهشة:, ولكنها تابعت في نفس الجدية بدون أن تأبه
لدهشتي:
- أهرتنا أن تتبوك غلى كيسين من الحنطة والشغير: فتبتت الختئطة مع بولى»:
ونبت الشعير مع بوك (هوى).
شعرت بالغتيان وقلت:
- يالخسارة الحنطة والشعير!
أما كان أطهر لها أن تأتي (طريفة) العرافة؟
قالت لاثمة:
- لقد قالت لي إنها طريقة مجربة يا (شمعون) وأن جارية كوشية قد علمتها
تلك الطريقة منذ عشرين عامًا!
قلت:
- وماذا لو نبتت الحنطة والشعير سويًا؟!
قالت متفكرة:
- أظن أن المرأة حينها تكن حبلي في طفلينء ذكر وأنثى!
قلت ساخرا:
- وإن لم ينبت أي منهما تكن حبلى في قردا!
أليس كذلك؟!
تصنعت الغضب وأولتني ظهرها وهي تقول:
- أنت تسخر مني يا (شمعون).
أحطت خصرها بذراعي وأنا أقول:
- أنا لا أسخر منكء؛ ولكني أرفع عنك عبء التفكير!
استدارت قائلة:
- أريد أن أُسْعد قلبك بإنجاب ذكر آخرا
قلت وأنا أمسك ذقنها بأناملي:
- لا يحزنني إن أنجبت لي فتاة فاتنة مثلك.
قالت في دلال:
- لن أنجب لك فتاة تشاركني تذليلك!
اقتربت بشفتي من أذنها ثم همست في رقة:
- لن تشاركك فتاة قلبي حتى وإن كانت ابنتنا!
هممت أن أآقيّلهاء فابتعدت بوجهها قليلاء وهي تضع أصبعها على فمي,
سالتها وقد ساورتني الشكوك:
- هل أدلت (أم السعد) إليك بنصائح الحمل؟
أغمضت عينيها حتى لا ترى ردة فعلي وهزت رأسها بالإيجاب!
زفرت في قوة وقلت:
+ كنك أدري أن حديتك معها لن ينتعي الى خيرا
ثم قلت في غضب وأنا أوليها ظهري:
- لا أدري لماذا ترك السيل (أم السعد) وراءه!
00 00 00 00 0
وأطلق الحادي صفيره:؛ فنادت الإبل بعضها بعضًا حتى امتلأت السماء بصوت
رغائهاء وسارت بنا نحو الشمال حاملة قبيلة الشيخ (عابر). إلى مستقرها
الأخير. حين وصلنا إلى «الحجون». تأخرنا أنا و(عمرو) و(ليث) و(شهبور) عن
المسيرء وقفنا فوق التلة التي وقف عليها (عمرو بن الحارث) من قبل ملقيا
رثاءة الأخيرء لنلق النظرة الاخيرة على «بكة» التي لا نعلم متى سنعود
إليهاء ودّعنا «الصفا» و«المروة» و«عرفة»., وبيتا كان عامرًا بالإيمان في يوم
من الأيام ثم صار أنرًا مهدماء يقف أمامه تمثال أحمر مبتور الساعد كي
يشهد أن الشيطان الذي هزمه أبونا (إبرام) في «أور» و«كنعان» و«مصر»
و«فاران» قد ظل يقتفي اثره في كل مكان حتى افسد الوصية التي اوصى
بها ابناءه.
لم يوص (إبرام) أبناءه ارصن ولا بملك. فقط أوصاهم بأن يسلموا قلوبهم لرب
واحد. فطمس الشيطان الوصية المقدسة: وجعلها وعدا باللبن والعسل تارة:
وعهذا بالسقاية والوفادة تارة أخرى.
نظر (عمرو) نحو المعلاة. ودعا لجده الشيخ (عابر). ثم نظر نحو سماء «بكة»
ونادى بصوت عالء وردّذناه خلفه:
- «لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك».
00 00 00 00 0
الكتاب الرابع
«أدركت أن السعادة في تحقيق الغايات وليس تحقيق الأحلام, فالحلم ما هو
إلا وسيلة للوصول إلى الغاية»
الورقة الحادية والستون
كثيرة هي المنازل التي يمر بها الإنسان في حياته. ولكن تبقى في الوجدان
الافاكق -<وات الذكريات مررنا "فى طريق. عؤدتنا على طرنى البخور يكل
الأماكن التي رايناها في رحلة ذهابنا ولكن شتان بين الرؤية الأولى والثانية:
ففي المرة الثانية. اختفت الدهشة وغاب الترقب, :وحل محلهما التامل
واستدعاء الذكريات. تداعت الصور والمشاهد إلى راتحي بحلوها ومرهاء
وكأن الأرض .تهمس في أذني بالذكريات. مررنا في طريق العودة ب«يثرب»,
مكثنا هناك أيامّاء ودّعنا فيها عائلة الشيخ (أواس).
استعدتث مع (أروى) ذكريات «سقيفة العنب». وتحينت فرصة اختليت بها
فوق الأريكة التي جلسنا عليها من قبل. وهممت يبأن أقتلقاء ولكنها دقعني
: 0000000 أحد.
قلت ضاحكا:
- أصبحت أكثر خوقا بعد أن تزوجنا!
قالت في خجل:
جذبتها وأنا أقترب منها بوجهي قائلًا في حنان:
- كم روادتني نفسي من قبل أن قبل فوق تلك الأريكة, وأريد أ أحقق
وكجنها الات ملعلا الا تجلين عليها قر أخرى.
لانت ملامحها وقالت:
#قلننها ذلت تحني تسن القدة؟
أحطت خديها بيدي ثم ضممتها إلى صدري قائلا:
- بل أكثر من ذي قبل.
قالت:
- وهل ستظل كذلك حتى بعد أن نعود إلى قومك؟!
قلت:
- ولماذا يقل حبي لك بعد أن نعود؟
قالت:
للشقاق بينك وبينهم!
منمتوا أكتى درام قات
لا شأت لنا يفم فانا وأنت لا نختاج اليقم: ويكفيني من الدنيا أتذني كنت
وحيدًا فصارت لي عائلة!
- عائلة (شمعون بن زخاري)!
يا لها من عائلة!
ثم أمسكت أصابعها وأخذت أعدد:
- أنا وأنت وأمي ورباتيا) و(إبرام).
ثم مسحت على بطنها بيدي وقلت:
- وهذا الذي يختبئ في جوفك الآن!
ضحكت وقالت:
- ونسيت (أم السعد) وعمتك (باتشيفا)!
قلت وأنا أشيح بوجهي عنها:
- أفسدت اللحظة كعادتك.
ضحكت,ء وقالت معتذرة:
- حسنا لا تبتئس!
ثم أمسكت ذقني وأعادت وجهي إليهاء أطالت النظر إلى عيني وقد انفرجت
شفتاهاء فاعادت إلي الرغبة التي تاهت وسط الكلام. فامسكت وجهها
وهممت بأن أقبّلها مرة أخرى: ولكننا سمعنا صوتي (لامار) و(ليث) يقتربان,
فأبعدت رأسها عني في سرعة, وانزوت في طرف الأريكة وهي تكتم
ضحكتهاء ولم تمرّ اللحظة حتى رأينا (ليث) و(لامار) وهما عائدان يترنحان من
الضحك من جهة معصرة الخمر, ويبدو أنهما قد قررا أن يتستعيدا بويا عض
الذكريات هناك!
وقبل أن نرحل أعاد (عمرو) و(ليث) إلى الشيخ (أواس) قدور الخمر التي
اهداها ل_(بني يطور). شكراه على نجدته لهم في اوقات الضيقء واهداه
(عمرو) عشر نوق إكرامًا له.. قبّلت يد الشيخ (أواس) أثناء رحيلنا لأمحو أي أثر
قد يكون علق في قلبه تجاهيء كنت احمل محبة كبيرة في قلبي للشيخ
(أواس) رغم الخلاف الذي وقع معهء فيكفي كرمه ولين طبعه ولسانه العف
الذي كان يغمر به كل من حوله.
وحين جاوزنا «وادي الجيف». واقتربنا من الحجر. طلب منا (شهبور) أن نتوقف
في الحجر لبضعة أيامء تعجَبّنا من طلبه: ولكنه قال لي:
والكو دين أرية أن أسدده.
واختفى (شهبور) لأيام ثم عاد ومعه جماعة من الفرسانء تربو على المائة
فارسء ساله (عمرو):
- من هؤلاء يا (شهبور)؟
قال (شهبور):
- هؤلاء من بقوا من فرسان «غرندل».
لم نعرف كيف عثر عليهمء ولا الغرض من جمعومء ولكنه أفصح عن ذلك
حريها النقت النكم دقال بضوت هال"
- يا فرسان «غرندل», قد كان ل_(دعيس) دين عندي: ولكن أهلكه طمعه قبل
أن أسددم اإليه. وإني قد جمعتكم لأسدّد ديني. وليشهد (بنو يطور) ورجالك
«غرندل» أن ن (شهبور) قد قضى دينه وأبراً ذمته.
ثم اتجه إلى راحلته ففك حزام تدلى من جانبها الراحلة والتفٌ حول صرة من
القماش. حمل الصّرّة وفتحهاء فإذا بسبائك الذهب التي بقيت من أمواله
تتلألأ أمام أعينناء حمل الذهب إلى قائد الفرسان ومدّ يده به وهو يقول:
- هذا حق ما بذلتموه من دماء لنصرتي ونصرة «إدوم»: وليغفر الرب لأخيكم
(دعس).
ثم أردف:
- عودوا إلى سابق كفاحكم ضد (هدد بن بدد)ء وحرروا «غرندل» من قبضته:
فانتم انقى من انجبت ارض «إدوم».
ترجّل قائد الغفرسان ثم وقف أمامه وقال باحترام:
- ستظل «غرندل» ورجالها شوكة في ظهر الإدوميين: ولن نهدأ حتى يرحل
(هدد) برحاله عن «إدوم»:. ويسعدنا ان تكون قائدنا يا شيخ (شهبور).
تنهد (شهبور) ثم قالك:
- فات أوان ذلك أيها الفارسء: ولكنني أعلم أن لي أسودًا في «غرندل»»,
وسأحتمي بهم كلما دارت على الأيام.
ودّعنا الفرسان وقطعنا طريق الحجر. وطافت بعقلي ذكرى (دعس), لم أَرَ
رجلا في جسارته وقوته, وما زلت أرتجف كلما تذكرت لحظاته الأخيرة, تعجل
(دعس) أقداره, فسحقته عجلة القدر. لو صبر حتى يعود (شهبور) لتحققت
كل امانيه.
قلت ل(شهبور) حين جاورني بفرسه في الطريق ورأيت على وجهه
الطمانينة:
- تخففت من كل أحمالك!
ابتسم ابتسامة الرضا وقال:
- ما أجمل السفر بلا أحمال!
قلت وقد انتبهت لأمر لم أسأله عنه من قبل:
- قل لي يا (شهبور) لماذا لم تتزوج حتى الآن؛ وقد وخط الشيب رأسك؟!
ضحك ضحكة قصيرة وقال:
- شغلني جمع المال في شبابيء. وشغلتني أحوال «إدوم» بعد ذلك.
ثم تنهد قائلًا:
- كنت أشعر بأنني لن أعيش طويلًا!
ولم أرغب في ترك أبناء يُعذّبون من بعدي في بلد ظالم!
قلت ضاحكا:
قل ف السدوكلة: مدال المجاءة
- كانت لي جوار في «إدوم»: وحين بلغت الأربعين بعتهن كلهن!
فلم تعد نفسي تطيق أحاديث النساء ولا ميوعتهن!
ثم قال جادًا:
- إن كنت أرغب في شيء الآن فهو أن أنجب ولدًَا مثلك أو مثل (عمرو).: فلا
شيء افضل من ان ترى بضعة منك تكبر امام عينيك!
أليس كذلك يا (أبا إبرام)؟
قلت:
- صدقت.
ثم قال لي:
- لماذا أسميت ولدك (إبرام). ولم تسمه (إبراهيم) بلسان العرب؟!
- لي قوم لا تزال في قلوب البعض منهم بغضًا نحو (بني إسماعيل): تزوج أبي
مصرية فظل منبوذا بينهم: ثم تزوجت انا عوبية من فى إسماعيل), ولا أدري
كيف سيكون حالي معهم حين يعرفون!
قال:
- ظني أن الأيام قد بدلتهم.
قلت:
- أرجو ذلك!
وحين اقتربنا من «إدوم». لم ندخل أرضهاء انعطفنا غربًا في الطريق إلى
«عصيون جابر». ورغم وحشة هذا الطريق؛ وقلة القوافل به إلا اننا آثرنا ذلك
تحسبا للقاء غير محمود مع (جندار) وجنوده: ولعلنا. أشفقنا على أنفسنا من
أن نستعيد ذكريات حزينة عشناها هناك, فيكفي أن نتذكر ما حدث للشيخ
زنايث اغلى أنواب يضرى كي نكرة الفروو فلك الأبؤات فرة أحرقة:
سارت القافلة ببْطء لوعورة الطريقء: ومرت أيام لا أدري عددهاء قبل أن تلوح
لنا مياه البحر في الأفق؛ انتبهت حواسيء وخفق قلبيء وتداعت الذكريات
إلى راسي تترًا ونحن نجتاز اول موضع اشتم فيه رائحة اهلي منذ خرجت من
«قادش برنيع».
هنا كانت قرية الصيادينء: التي عاش فيها (بنحاس) وأولادة, وتعرفت فيها
على (عامير) صديق الصباء وهناك على ذلك الشاطئ كنت أصطاد الأسماك
مع صبية «عضيوؤن»»: ويومها صفعني أبي على وحفي حين. غدت إلى النزك
بسبب كذبي, وخلف ذلك التل كانت القردة تفغر خائفة من هجمات بني
إسرائيل عليهاء بعد حادثة السبت التي أوجعت قلبي مكثنا في «عصيون
جابر» بضعة أيام تزودنا فيها بالماء. وكلعفنا من اسفاك البخره ثم استعدت
القافلة للرحيل إلى «رسة»: أرض (بني يطور) في برية «سين».
00 00 00 00 0
دخلنا إلى القرية التي صارت أطلالًا بعد أن غادرها (بنو يطور) لسنواتء لا
ىه تتير الاحراث فئ النفسسن: اكقن-من: متارل: كانت «غاهرة" تمر استتحالت
خرايّاء قضينا أيامًا أخرى من الشقاء في إعادة إعمار المنازل:. أعيد تسقيف
المنازل بالجريد والخشبء واستكملت الجدران التي تهدمت بفعل السيول:
والأمطار. ونظفت الحجرات من الزواحف والقوارض التي سكنتها بعد أن
اطمأنت لغياب ساكنيهاء ثم هدأ كل شيء وكأنما أخلد الجميع للراحة بعد
طول السفر والإجهاد. ومرّت أيام قبل أن تعود الحياة في البلدة الساكنة,
فاستهاد الناس نشاظهم : وأقاموا سوقهي وخرع الرعاة الى المراعي.:
ورأتني (أروى) بعد أن جمعتنا دارنا في «رسة» في حال من الوجوي
- ما بك يا (شمعون)؟
قلت:
- أنتظر عودة الدليل الذي أرسله (عمرو) إلى مجمع البحرين.
لذ تقلق!
قريبا سيعود إليك بالبشرى.
تنهدت وأنا أقول:
- ليتني رافقته؛ فأنا لا أطيق صبرًا.
- ترافقه وتتركنا؟
قلت وأنا أزفر في ضيق:
- أشق ما في الرحلة آخرهاء ويكاد الجزع يقتلني وقد اقتربت الرحلة من
نهايتها.
أحاطت رأسي بيدها ثم ضمتني إلى صدرها وقالت في حنو:
- لا تجزع؛. واشغل نفسك بالتفكر في حلاوة اللقاء.
ثم قالت مغيرة دفة الحديث:
- قل لي يا (شمعون): كيف تبدو (رومانا)؟
هل هي جميلة؟
- لا توحد أم غير جميلة, ولكن أمي هي أجمل النساء!
قالت باسمة:
- حذار يا (شمعون)!
سأغار منها هكذا!
لم ألتفت إلى مقاطعتهاء وقلت متابعًا:
- يصف المرء الشيء بالجمال إذا رأى منه جميلاء فكيف لا تكون (رومانا) هي
اجمل النساء وكل شيء بها جميل!
ثم أردفت في حزن:
- حين ترينها يا (أروى) ستدركين ما أقول.
قالت في تنوه
- أتمتئ أن يخبني (ابرام) كما تحبها أنت]
قلت وأنا أجاهد حزني:
- وأتمنى أن يكون هو أرفق بكِ منيء. فما جدوى الحب إذا فطر الإنسان قلب
من يحب!
ثم أفلتت الدموع رغما عني وقلت:
د اريكق اناتسا محدى أضى»
قالى:وهى تصمدي أكدر:
- ستسامحكء. وستفرح بعودتك وبأسرتنا يا (شمعون)!
وقضيت الأسابيع التالية. أحاول أن أتغلب على قلق الانتظارء بالخروج مع
الرعاة إلى المراعي لرعي الأغنام والإبلء أحمل معي دواتي وأقلامي
وأوراقي, وأقضي النهار في المرعى, أكتبٍ في أوراقي أخبار الأيام اليه
0 كنت كذلك, رابك (عمروًا) و«شهبور»: يقتربان تجاهي, 0000 من
ملامح تودويهها أذهما يحفلات أناء قير سارف :طويت الأوراف وضالكهما اف
لهفة:
- هل عاد الدليل؟!
قال (عمرو) وهو يتنهد:
- نعمء ولا أثر لهم في «مجمع البحرين» ولا في «حوريب»!
قذفتني خيبة الأمل إلى قاع اليأاس:. فقلت متشبتًا بالاستنكار:
- كيف لا يعثر الدليل على شعب من عشرات الآلاف في الصحراء؟
- للبرية وديان ودروب لا تحصى يا (شمعون)., وقد اقتفى الدليل أثرهم حتى
انقطع.
- بل انقطع عزمهء قبل أن ينقطع الأثر. لو كنت رافقته؛. لما عدت بدونهم!
قال (عمرو) مهدتا:
ع لآ تستوين نغفلةايا '(سهفون): ذهو خيز الأؤلاء فى. تلك الضخراء: ولو كاتها
في تلك الناحية لوجدهم لا محالة!
قال (شهبور):
- أليس من الممكن أن يكونوا قد ذهبوا إلى الشمال مرة أخرى؟!
قلت متحيرًا ورأسي تتخبط من الحزن:
- قد كانت «قادش» آخر منازلنا!
قال (شهبور):
- أرى يا (عمرو) أن نرسل دليلًا آخر إلى الشمالء فلعلهم توجهوا إلى
«قادش»!
قال (عمرو):
الا عاسن!
- أريد أن أرافق الدليل!
قال (عمرو):
- أرجوك لا تفعل!
قد يقتلك العدو وراء الأمل في الصحراء.
قلت منهيًا أي جدال:
- لن أطيق البقاء هنا!
سأذهب معه إلى «قادش»!
قال (عمرو) في استسلام:
سنا :سنا رافقك:
قال (شهبور):
- كلا. بل انتظر انت يا (عمرو)ء. وسارافقه انا!
نظرت إليهما بامتنان. ثم قمت واقفا وقلت:
- غدًا أرحل إلى «قادش».
00 00 00 00 0
الورقة الثانية والستون
ودّعتني (أروى) باكيةً وقالت:
- أخشى عليك الذهاب يا (شمعون). دع الدليل يذهب وانتظر هنا حتى يعودا!
- سيقتلني الانتظار إن بقيت.
- وماذا لو لم تجدهم هناك؟
- حينها ستقتلني خيبة الأمل!
- لا تفعل بي هذا يا (شمعون).
- الأيام هي من تفعل!
- عدني أن تعود سريعًا مهما حدث.
تنهدت.
قالت مرة أخرى:
- عدني!
- أعدك أن أبقى على عقلي سليمًا وأن أعود!
وقبل أن أتحرك سألتها:
- أين (إبرام)؟!
- أخذته (تيماء) لتلهو معه!
فلا وقت لدي, الدليل بانتظاري وسيتحرك الركب!
أن تمتلقي آنا يا
قبّلتهاء وأنا أهرب من عينيهاء ثم انصرفت.
وخرجنا من (رسّة) نقصد الشمالء كان الطريق إلى «قادش» مطروقًا من
البدو والرحالة. تمر به القوافل ويقطعه الرعاة في نهايات الشتاء من اجل
الوصوك إلى 00 الغناء قبل قدوم الربيع؛ فالربيع هو افضل مواسم الرعي
بتلك الأرضء ما زلت أذكر أشجار الواحة وعيون الماء الدافقة بهاء كما ما زلت
أذكر كوخنا الذي أقامه ابي بجوار «عين جديرات».. المسافة بين «رسة»
و«قادشس» تستغرق عشرة أيام ولكننا داومنا على السفر بدون راحة لعلنا
نصل إليها قبل ذلك؛ كنا نتحرك مع أول شعاع للشمس ونتوقف مع آخر ضوء
للشفقء وفي الليلء نريح النوقء وننام إلى جوارها بعد ان نشعل نارا لتزود
عنا برودة الليل.
في صبيحة اليوم السابع. خفق قلبي لمرأى سحابة من الغمام تظلل واديًا
على مقربة مناء ذكرتني تلك السحابة بسحابة الغمام التي كانت تظلل
نزلنا. صحت على الدليل و(شهبور) وانا اشير جهة الوادي:
- (شهبور) هناك!
نظرا طويلا نحو الوادي فلم يجدا شيئاء قال الدليل:
- لا أرى شيئًا!
قلت:
- انظرا إلى سحابة الغمام.
قال الدليل:
- هذا وادي «رثمة»!
السحاب يتكائف فوقه أواخر الشتاء!
قلت:
- كانت سحابة الغمام تظللنا كلما نزلنا منزلًا في برية «سين»!
لم يبدُ عليهما التصديقء فأردفت:
- لن تخطئ عيني سحابة ظللتني لعشر سنوات أو يزيد أشعر أنهم هناك
وظني أن الدليل لم يرهم في وادي «حوريب»؛ ؛ لأن السحابة كانت تحجبهم!
ولعل (شهبور) لم يشأ أن يطفأ في قلبي بريق الأمل فأدار راحلته وقال
للدليل:
- هيا بنا.
خرجنا من طريق القوافل وانحدرنا إلى الطريق الوعر جهة الواديء وكنا كلما
اقتربنا من الواديء بانت الرؤية من أسفل الغمام المتراكب أكثر فأكثر. حتى
ظهر المشهد جليًا واضحاء غ٠ شهقت حين رانك عشرات المئات من الخيام وقد
انتثرت بطول الوادي. وصرخ (شهبور) في فرح, وانهارت دموعنا في غبطة.
قلت:
- ذلك هو نزلنا وهؤلاء هم قومي.
اقتربنا حتى أصبحت قادرًا على تمييز رايات كل سبطء ورأيت من فوق السفح
خيمة الاجتماع وهي تتوسط الوادي وأمامها المبخرة العظيمة التي يتصاعد
منها البخور المقدس ليملا سماء النزل.. جال بصري في سماء النزلك تبحث
عن راية (سبط رأوبين) في شوقء رأيت الراية كما هي وكأن السنين لم تمر
عليهاء أنخت الراحلة ونزلت من فوقهاء ففعل (شهبور) مثلي؛ قلت للدليل وأنا
ارتحف:
- أعقل الناقة هنا!
فلن أدخل النزل راكبًا.
هبطت أواخر السفح بأقدام مرتعشة, ويد (شهبور) تمسك بمرفقي لتشد
من أزري». تعلق بصري براية (سبط رانين ): فسرت نحو خيام الحي كاندئ
مسحور:» أبسير بين الدروب وكأني أحفظها عن ظهر قلب, ٠ ويقودني فؤادي
نحو بيت رايته في احلامي مئات المرات. بيت من الحصير والخوصء ينزوي
في ركن الحي كما كان ينزوي طيلة عمره.
اقتربت من باب البيت وقلبي يرتجف ارتجافة شاة مذبوحة. لم أشعر بوطأة
اقدامي على الارض فتشبثت بذراع (شهبور) كي لا اسقط كحفنة من الرمال
على اعتاب بابها.
ورأيتها.. رأيتها تجلس في صحن البيت على أريكة الآراك.
تدنو برأسها من طبق البُّرّ وتبحث بعين مجهدة عن الحصى بين حباته.
فمعرها الأسة 5 الفاهم كما هون ها فها |الطورلة الخ الفا مدقف التاق
تدور في طبق البَرٌ بوداعة.
راقية أنت يا سيدة الدنياء ويا ربيبة القصورء حتى وأنت تنتقين الحصى بعين
أجهدها البكاء!
قلت بحروف تساقطت فرادى من الحزن والحنين. فخرجت هامسة لا تتجاوز
2
- (ر وم ان !)١
ورغم ذلك وصلتها حروفيء وكأنما شعر بها قلبها قبل أذنهاء رفعت رأسها ثم
نظرت نحوي, فالتقت .الأعينٍ في عناق يفترشس الشوق ويمحو الزمن, وكأنما
كنت أنام في حجرها متسل ألقيت بنفسي على قدمها أقبّلها وصرخة فؤادها
تعلو على صوتها وهي تقول:
- (شمعون) ولدي!
ألقيت برأسي في صدرها وأنا أجهش بالبكاء وصوتي يخرج من الأعماق
كغريق عاد إلى الحياة:
- سامحيني يا أغلى ما ملكت.
اعتصرت راسي في صدرها وتخللت أصابعها شعري وهي تقبض عليه في
قوة وكأنها ل ل 1 12
ثم تحسست وجهي وكأنها تملأ حواسها كلها بوحودي ولسانها
يردد:.
- (شمعون).. أنت (شمعون)!
- نعم » أنا (شمعون). (شمعون) التائه منذ فارق حضنكء (شمعون) الذي أتى
بخطيئة لا غفران لها يوم تركك وحيدة: (شمعون)... وضعت يدها على فمي,
ثم قالت في حنان باك اذاب اضطرابي:
- بل (شمعون) ولدي الذي لم آيس يومًا من عودته. (شمعون) الذي حدثني
عنه (زخاري) في احلامي وقال إنه فخور به (شمعون) الذي بشرني الرب
بقرب عودته على لسان كاهن خيمته!
(شمعون) الذي خرج وأنا على يقين بأنه سيعود.
أحطتها بذراعي وحملتها باكيا وأنا لا أدري هل أحتويها أم أستجير بحضنها!
وسعني حضنها الضئيل ووجحجدت فيه عالما فسيحا من الطمأنينة, أذهب قلق
العهز ومتحتي السلام الذي كنت أنشدة:طيلة سنوات الارتخال:
انتبهنا لوجود (شهبور) حين علا صوثت بكائه. فوضعت أمي خمارها فوق
راسها.ء مسحت دمعي وانا اقول لها:
- هذا رفيقي التاجر (شهبور). لم أقو على دخول الحي بدونه!
قال (شهبور) وهو يمسح دمعه:
مهدر باتنسيةة الذاوفلى امسا مي لقاء كم
قالت:
- مرحبًا بك أيها الشيخ!
تفضل!
ثم قالت لي:
قال (شهبور):
- أشكرك يا سيدة الدار. سأترككم وألحق بالدليل: ولكن لي طلب وددت أن
اعرفه!
أين أجد نبي الله (موسى)؟
قالت:
- ستجده في خيمته. بجوار خيمة الاجتماع.
قلت له:
- آتي معك؟!
قال:
كلا ابقّ إلى جوار أمك؛ فلكل منا شوق يناديه.
ثم استأذن وانصرف.
© مه مه مه مه
جلست قبالتها أملأ عيني بهاء ومنت هي إناملها 'تتحسنسن: وجحوي ولحيدن
الصغيرة الناعمة. ضممت يدها في راحتي تم قبلتهما كعاشق وقلت لها:
- تزوجت وأنجبت ولدا أسميته (إبرام) وزوجتي حُبْلى بآخر.
قالت في فرحء رغم لوم عينيها:
- كنث .ذائما اتمتى .آنا أزاك روجا وآبا: سشتفيذة لأنك لم تضع سنين الفياب هباء.
قلت معتذرا:
- سامحيني لهروبيء أفجعني ضياع حلم أبيء وأردت أن أبحث عن الرب
بعيدًا عن بني إسرائيل.
مسحت على رأسي ثم ضمتني إلى صدرها وقالت:
- كان الرب بيننا طيلة الوقتء ولكنك لم تبحث عنه بداخلك.
قلت:
- في القرب يتوه المرء في التفاصيلء أردت الابتعاد كي أرى الصورة كاملة.
قالت وهي تربت على ظهري:
د لآ باسن:. الممم انك رايدها!
قلت:
- تزوحت حفيدة الشيخ (عابر) الذي استضافنا في «رسّة», أتذكرينه؟!
قالت وقد قطبت حاجبيها وكأنها تتذكر الاسم:
- (أروى)؟!
- كيف تذكرين اسمها؟!
قالت:
- أستعيد أيام أبيك يومًا بيوم!
كانت ذكراه هي يي في وحدتي!
قلت وقد انتبهت إلى أنها وحيدة في المنزل:
- أين (باتيا) وعمتي (باتشيفا)!
أجابت عن الأولى وأغفلت الثانية, فقالت:
- قد تزوجت (باتيا)!
- (باتيا) الصغيرة تزوجت!
ضحكت تم قالت:
- لم تعد صغيرة يا (شمعون)!
جاوزت الحيض بأعوام!
قلت:
- ما زالت في نظري (باتيا) الصغيرة التي تجلس على صدريء. من زوجها؟
ابتسمت وقالت في هدوء:
- تزوجها أخوك.
نظرت إليها متعجبّاء فأردفت:
- (عامير)!
أفرغ نطق اسمه في قلبي بهجة لا توصفء قلت وأنا أردد اسمه:
- (عامير)!
ِ
قالت:
- نعمء عهدت إليه برعايتنا فأتم عهده إليك بزواج أختك!
تذكرت رسالتي التي تركتها لة: وكانها قرات:قا:في رأشي ققالت:
دجقا ولت احتتفظ يزسنالتك!
- سأظل مديئًا له بالفضلء أين هما؟
قالت:
- يرعى أغنام القرابين. وتخرج (باتيا) لتعليم أطفال بني إسرائيل القراءة
والكتابة!
- يربّي (موسى) و(يوشع) جيلًا جديدًا من أبناء بني إسرائيل.
شعرت بالسعادة لتلك الأنباء. وتذكرت كم عانى جيل أبي بسبب شيوخ بني
اشرائيل: قلت لها:
- وأين عمتي (باتشيفا)؟
لم تجب.. وعلا وجهها الأسفء فقلت حزينًا:
- ماتت؟
قالت في أسف:
- نعمء ادعٌ لها بالرحمة.
ثم تنهدت قائلة:
- فجعتنا نهايتها وهلكت أثناء الثورة.
شعرت بالألمء فقلت:
- ماذا حدث لها؟
وأي ثورة ؟!
تنهدت ثم قالت:
- كان ذلك بعد رحيلك بعام.ء حين قام (قورح) بثورة عارمة على (موسى)
و(هارون).
تذكرت اسم (قورح) قلت, لها:
- (قورح بن إليصهار)!
أومأت برأسها وقالت:
قلت:
- ما زلت أذكر نقمته على (موسى). هو والشقيقان (داثان) و(إيبرام)!
قالت:
- نعمء وكانا أعوانه في التورة!
قلت:
- وكيف وقع الأمر؟
قالت:
- عهد إليهم بتعليم الناس أمور الشريعة:؛ فامتنعوا إلا إذا صارت لهم الكهانة
بدلا من الكاهن (هارون).
- يا لصلفهم!
وماذا حدث؟
قالت:
- رفض (موسى) طلبهمء فدعوا سبط رأوبين إلى الانفصال عن (موسى)
واقاموا لهم خيمة كبيرة كخيمة الاجتماع.
قلت مذهولًا:
- وهل استجاب لهم سبط رأوبين؟!
تنهدت. ثم أومأت آسفة وقالت:
- استجاب له الكثير؛ ومنهم عمتك (باتشيفا)!
ثم قالت وهي تشعر بآلام الذكرى:
- ما زلت أتذكر يوم خروجهاء قلت لها:
لا تتبعيهم يا (باتشيفا). لو كان (زخاري) حيّا لقاتلهم على ذلك!
فقالت غاضبة:
«هؤلاء قومي!
ولن أخذلهم!
أضاع (زخاري) عمره ولم يشعر بمعنى الأهل ولا العشيرة».
- يومها 5 مائتان وخمسون من كبراء سبط رأوبين في خيمة (قورح),
أعلنوا العصيان على (موسى) ونصبوا (قورح بن إليصهار) كاهنًا أكبر لهم
وأقاموا مبخرة عنظيمة فاق ذخاتها :دخان ميخرة حيمة الاجتماع!
وفجأة انهارت بعم أرض الخيمة, وسقطوا جميعا في حفرة واحدة, أمسكت
نيران المبخرة في الخيمة وملأ صراخهم سماء النزك ولكن لم يستطع أحد
من بني إسرائيل أن يمد لهم يد العون. فماتوا محترقين!
أفقضف غيدى رونا أشهن لالم
1 ا أن نعم سادي] نلك الخائقة ا أدركت أن ليوات التي
غبتهاء. كانت سنوات فرز وتمحيص. كان (موسى) فيما سبق- يدعو جمهور
الشعب العاصي للدخول في حظيرة الإيمان, أما الآن فهو ينتقي العصاة من
بين جمهور الشعب ثم يلقي بهم بعيدًا عن الجيل الذي يُعدَّه لدخول الأرض
المقدسةء:تماما فتلها كانت أفيى ستقي الخضى من :طيق الث
أمستكة امي تيدف حييها رانتيئ واعمًا ؤقالت:
- دع عنك تلك الأخبار الحزينة. واحك لي عن أخبارك طيلة تلك السنوات!
ضحكت وقلت:
- بعضها أكثر حزنًا!
ولكني تعلمت أن الحزن لا يدوم.
ضحكت هي الأخرى وقالت:
- يكفيك من غربتك أن تتعلم ذلك الدرس
ثم قامت وهي تجذب يدي وقالت:
- هيا قَمُ لترافقنيء ولا تتوقف عن الحديث وأنا أعد لك الطعام!
فلعلك تشتاق إلى السلوى!
قلت وأنا أرفع يدها لأقبّلها:
- أشتاق إلى أي طعام تطهوه يداك!
ثم انطلقت في حديث لا يتوقف عن الذكريات.
00 00 00 00 0
الورقة الثالئة والستون
حين جلسنا جميعًا للطعام في المساء شعرت بأن السعادة تغمرنيء (باتيا)
الصغيرة أضفحة شابة فاتنة, وجهها المشرق شديد البياض .وعيناها
الزرقاوان, يذكراني بجمال العمة (سولاف).: أما (عامير) فقد صار عملاقًا أسمر
بديتاء تضاعف وزنه مرات ومراتء ربما لقلة الحركة في المراعي أو لكثرة الأكل
من لحوم القرابين» المفارقة بين ضخامته وضالة (باتيا) كانت تزداد حينما
تأمرة (باتيا) بشيء ماء فيسرع إلى إجابة طلبهاء الأمر الذي جعلني أشعر أن
(عامير) الأسمر الطي:يذوث عشيفا في الفثاة الصغيرة الفائية:
انضم إلينا (شعبور) في الطعام: ولكنه انصرف بعده مباشرة. شكر أمي على
طهيها ثم غادرنا حتى يترك لنا فسحة للسمر وحدناء وحين جمعنا البيت
الدافئ شعرت بان روح ابي بيننا.ء تضحك لضحكنا وتتطلع إلى الأسبرة التي
اجتمع شملها في حنان؛. سألتهم عن أصدقاء أب القدامى. فقالت أمي فى
أنتتقف:
- مات (بصلئيل بن حور)!
- رحمة الله عليه كنت أشتاق إلى الحديث إليه.
سألت (عامير):
- وماذا عن النقباء الاتني عشر؟!
قال:
- هلكوا جميعا وكان آخرهم (شموع بن ذكور): ثم قام واقفًا وقال:
- قد ترك لك (شموع بن ذكور) شيتا.
ذهب إلى صندوق كبير ارتكن على الحائط ففتحه. وغابت رأسه بداخله
لحظات قبل أن يخرج حاملا بعض لفائف البردي المرتبة. وقدمها إلي,
امسكتها بيدي فقرات صفتحها الاولى لاجد مكتوبا بها:
«شهادة شموع بن ذكور على رحلة النقباء الاثني عشر إلى الأرض
المقدسة».
تنهّدت وأنا أكتم بكائي بعدما تذكرت تلك الرحلة المشئومة. واحتفظت بتلك
الأوراق لإضافة ما بها إلى أوراقي لاحقاء. سألت أمي وأنا أشير إلى الصندوق:
مق ها لت مها بن وق لها سي
- نعم؛ هذا الصندوق يحوي كل ذكرياتناء ملابسك وملابس أبيكء والناي وأيضًا
أدوات النجارة التي كان يعمل بهاء يتشبث الإنسان بمقتنيات من يحب حتى
يشعر بوجوده حوله!
سألت (عامير):
- لماذا لم تعمل في النجارة يا (عامير) كما كنا نعمل؟
ضحك وقال:
- لم أكن أجيد الصنعة مثلك!
كما أن الشيخ (بصلئيل) دعاني كي التحق بالخدمة في بيت الرب بعدما
رحلت انت.
سألته:
- إلى متي ستمكثون في وادي «رثمة»؟
قال:
- أصبح البقاء في النزل يطولء وظني أننا سنمكث هنا شهورًا!
قلت:
- ظننتكم ستصعدون قريبًا إلى «قادش».
صمت قليلا ثم قال:
- أتدري يا (شمعون) أن شعب إسرائيل لم يطأ «قادش» منذ أن مات أبونا
(زخاري).؛ اقتربنا منها مرات ومراتء. ولكننا لم ندخلها.
قلت:
- إذن ما دام البقاء سيطول في «رثمة». لماذا لا تأتون معي إلى «رسة» كي
احضر (اروى) و(إبرام)؟!
قالت (باتيا) في فرح:
- حقاء أشتاق إلى رؤية بيتك وزوجتك يا (شمعون)!
رأيت الرفض على وجه (عامير) ولكنه لم يعارضهاء فقلت مشجعًا:
- ستفرحين هناك يا (باتيا). لي بيت من الحجرء وماشية ترعىء وتجارة و...
قاطعتني أمي قائلة:
- كلا يا (شمعون)!
لن نغادر نزلا فيه بيت الرب ونبيه.
قلت مستعطهًا.
- أشفق عليكم يا أمي من كثرة الترحال: والعيش في الخوص والخيام طيلة
هذه السنواتء ولا بأس من أن تنعموا ببعض الراحة قبل أن نعود إلى هنا.
قالت (باتيا) مستحتة إياها:
- أما تشعرين بالسأم يا أمي من حي «رأوبين»؟
ثم أردفت في ضيق:
- يكفي ما نراه من أبناء (عزرا) كي نهجره إلى الأبد.
قلت:
- من أبناء (عزرا)؟
قال (عامير):
- هم جيران لنا في حي «رأوبين» ينفثون حقدًا على كل ذي فضلء نالنا
شذرات من بغضهم بعدما أكرمنا الرب وأغنانا من فضله عنهم.
قلت باسما:
- هذا أدعى بأن تتركوا لهم الحي لبعض الوقت يا أمي.
قالت أمي في حسم:
- لن نفارق النزل يا ولديء. إن شئت ذهبت فأحضرت أهلكء وإن شئت أتى
بهم الدليلء أما أنا فلن أفارق صحبة نبي الله (موسى) حتى نتوفاتي: الرب.
اسكتتسلعت لرابها ولمر اتنا أث أغضبها: فقلت:وأنا قبل يدها:
- سأرسل إليهم الدليلء فأنا لا أستطيع فراقك مرة أخرى.
وقام (عامير) و(باتيا) ليبيتوا في دارهمء بينما قضيث أنا الليلة في فراش
اميء بعد سنوات وسنوات من الشوق إلى ليلة كهذه.
00 00 00 00 0
ذهبت أنا و(شهبور) إلى خيمة الاجتماع في ساعة مبكرة من الصباحء أخذ
(شهبور) ناقته وقد عزم أن يقدمها قربانا للرب.ء نظرت إلى وجهه الذي
اكتسنئى بالسنكيية ونتنالته:
: وكأنك قد عزمت ألا تعود ثانية إلى «رسة».
عقل (شهبور) الناقة في عمود الخيمة الخارجي بجوار المذيح,. ثم نظر إلي
وقال في صفاء:
- لن أفارق هذا النبي ما حييت يا (شمعون)!
رأيته أمس يجمع أطفال بني إسرائيل ويحكي لهم عن أبينا (إبراهيم)
تشم اغل ١) عادها نت الدموح عن عسي ها جلف كلا مةوها أعدقةا
مررنا من باب الخيمة فغمرنا البخور المقدس برائحة أعادت إلى قلبي ذكريات
فصنة: .وقفنا. اماف كاهن «صغين السن .نذا لى أنه من أحفاد زهاروث): كان
الكاهن الصغير يرش الماء المقدس الذي ثَلِيَت عليه الصلوات في أركان
الخيهة: كين .رابا نالنا:
- فيم تقدمان الذبيحة؟
هل هي للخطيئة؟
قلت:
- بل هي ذبيحة السلامة. نقدمها شكرا للرب!
كان (شهبور) يتلفت حوله وهو يتطلع إلى سقف الخيمة. والمذبح ومرحضة
الماء المقدسء ثم نظر إلى قدس الأقداس نظرة طويلة. وهمس في أذني:
- ما هذا؟
شعر الكاهن الصغير بما يدور في ذهنه: فقالك:
- هذا قدس الأقداس!
قال (شهبور):
- أهذا المكان الذي يتجلى فيه وحي الرب؟!
قال الكاهن مبتسما:
شعرت برعدة جسد (شهبور) كينها امتجك نيد وأراد أن يتحرك نحو قدس
الأقداسء ولكن الكاهن استوقفه وقال:
- لا يدخله إلا نبي أو كاهن!
ثم وضع إصبعه على صدر (شهبور):
- يتجلى الرب على كل شيء ويسكن في قلوب عبيده؛: ادعه وسيسمعك,:
وإن شئت دعوت لك.
جلس (شهبور) على ركبته وقالك:
- ادع لي!
وضع الكاهن يده على رأسهء ومسح رأسه بالماء المقدسء. ثم طاف بمجمرة
يفوح منها رائحة البخور والعنبر فوق رأسه وهو يتلو عليه بعض الصلوات, وبعد
أن فرغ سالنق الكاهن:
- أترغب في أن أصلي لأجلك أيها الشاب.
قلت شاكرًا:
غسلت يدي من الماء المقدس ووقفت معتدلا وقد أكوية وحهي جهة
المقدسء. كانت أول صلاة لي في خيمة الاجتماع منذ سنواتء لم احفظ
الكثير من الترانيم في حياتيء. ولكني ادركت ان خير الصلاة ما ينبع من
القلب, وكان قلبي حينها مفعما بالشكرء شكرته ان حفظ لي امي حتى
أراهاء وشكرته أن أعادني إلى قوميء. وشكرته على كل ما حدث لي في
حياتيء شكرته لأنه الحافظ والمُدبّر والمعزيء. وأن أقداره كانت ألطف بي مما
تمنيتنه لنفسي.
فرغنا من الصلاة ثم سيرنا في النزك نلتقط قطعا من المنء وضع (شهبور)
إحداها في فمه فذابت حلاوتها في فيه وامتلأت نفسه بالبهجة فقال:
- أتدري يا (شمعون) ما أكثر ما فضلكم به الرب!
- لعله ذلك المنّ الذي يذوب في فمك حلاوة!
ابتسم قائلًا:
- كلا. ولكنه ذلك الوحي الذي لا ينقطع عندكمء ما أجمل أن يحيا الإنسان
في مكان تتجلى فيه كلمات الرب!
قلت:
- صدقت.
تنهد ثم قال في حزن:
- أتظن أنه بنياتي يوم يرسل فيه الرب إلى (بني إسماعيل) من يجمعهم
ويعيدهم إلى ملة أبينا (إبراهيم) كما فعل (موسى)؟!
- أجل وذلك ليس ببعيدء. طالما من (بني إسماعيل) رجال مثلك ومثل (عمرو).
ودعنا الدليل الذي رافقنا في رحلتنا من «رسة».: بعد أن أمددته بالمال
والطعامء وطويت له رسالة أرسلتها إلى (عمرو بن دومة). طلبت من (عمرو)
في الرسالة أن يعيد (أروى) و(إبرام)؛ وأن يمنحني بضع نوق أجعلها لأخي
(عامير). حتى يكف عن الرعي في اموال الصدقة. وقضيت الأيام التالية كمن
يروي عطشه بعد طول الظماء كنت أمكث ساعات طويلة في المساء إلى
جوار اف وأحتي و(عامير) أرق لهم ما مر بي من أحداث في بقعة حرق
من تلك الأرض لا يعلم عنها بنو إسرائيل أي شيع رأيت الشغف في أعينهم
ورأيت الفخر في عيني أميء وكانت نظرة الفخر تلك كفيلة بأن تمحو من
نفسني احتماس الندم الدي راففتىاظيلة السيوات: الماضيةء قلا :شدي أكتر
برا من أن تجعل أهلك يفتخرون بك!
وفي كل صباح. كنت أنا و(شهبور) نلازم مجلس نبي الله (موسى). نستمع
إلى أحاديثه وتعاليمه التي يلقيها على الرجال في خيمة الاجتماع؛ فتمتلئ
فوييها تع بان الردميوعا نا مداق نيف الله بيتك ور ايت حماس فصن الشفان
في تدوين وصايا النبي (موسى) في رقاع من الجلدء يتداولونها فيما بينهم
بعد انقواء الدرس»؛ مفعلت متلهو وكنت افكت :يعات تعد اننهاء .الدرس:
أكتب ما أستطيع كتابته في أوراق البردي وأطلع على ما يكتبه الشبان
الآخرون: فتراودني رغبة في أن أجمع كل هذه التعاليم في سفر كبير
يحفظها من الضياع. حتى جاء يوم اختلف فيه بعض الشبان على مسألة
ذكرها (موسى) في درس سبقء فكتبها أحدهم بطريقة؛ وكتبها الآخر
بطريقة اخرى, فوقع خلاف بين التلميذين: ووجد كل واحد منهما فريقا ينصره:
فخرج إليهم الكاهن (هارون) وقال لهم:
إن الرب قد أمر نبيه (موسى) بأن يخبر التبعب يألا يختلفواء وأنهم يوم يعبرون
نهر الأردن سوف يقومون بنقش وصاياه الأخيرة على حجر كبير يشيدونه
وينقشون عليه كلمات الناموس نقشا جميلا.
ورغم أن بعض التلاميذ قد استمروا في تدوين الوصاياء إلا أندئ توقفت عن
كتابتها ووجدت أنه من الخير ألا أكتب شينًا يظنه الناس من بعدي من وصايا
النبي وهي مما فهمته أنا.
وفي صبيحة يوم أفسحت فيه الشمس لنفسها طريقا بين الغمام فأشرقت
على نزلنا وأثارت فيه الدفء. وصلت قافلة (أروى) إلى «رثمة», وكانت مفاجأة
عطيمة "«السفسة المح أن ضاء الدلدل) وهعة. نمف (فوقنان قن رقف يظور)
ترافقهم عشرات النوق المحملة بالبر والتمور والبخور.
أثارت القافلة التي اخترقت خيام النزل وأناخت رواحلها في حي «رأوبين»
فضول الناسء, وتساءلوا عن صاحب تلك القافلة القاطن في حي «رأوبين»,
هرولت إلى (أروى) و(إبرام) احتضنتهماء وخرجت (رومانا) وعيناها تفيض
بالبكاء والفرحة, وهي لا تصدق أن ولدها اليتيم قد صار له هذا الشأن
العظيم: احتضنتها (أروى) وقالت وهي تبكي:
- اشتقت لرؤيتك كثيرًا يا أماه. أنت أجمل مما حكاه (شمعون) عنك بكثير!
احتضنتها أمى وهي تقول:
- وأنت أجمل من رأت عيني يا (أروى): بارك الرب فيك يا قرة العين.
ثم هبطت على ركبتيها فحملت (إبرام) الذي كان يمسك جلباب أمه خائقاء
ولكنه استكان حين ضمته امي إلى صدرهاء وفاضت عين امي بالبكاء وفي
تقوك:
- ابن ولدي الحبيب (إبرام). حمدًا للرب. حمدًا للرب. ليتك حي يا (زخاري)
لثقر فبتلك كها قرف قيدى.
وجمعني الرب بأهلي أجمعين بعد سنوات من التيه والشقاء. ما كنت أظن
في أحلامي أن أنال ذلك الفضلء وما ظننت أن تتلطف بي الأقدار إلى هذا
القدر حتى تجمعني بكل من أحب في مكان واحدء امي وزوحتي واخنىئ
وأصدقائي وفوق كل ذلك صحبة نبيي ومعلمي.
ولم أدر وأنا أتمطع في نشوة الفأل أن الأقدار لا تزال تحمل لنا في جعبتها
ابتلاء: زلرل سكينتنا: وكاذ أن يعصف بحياتنا للأبد:
00 00 00 00 0
الورفقة الرابعة والستون
أثتارت القافلة في حي «رأوبين» أقاويل الناس؛ وأعادت إلى الأذهان ذكرى
(زخاري) النجار الذي مات في «قادش برنيع», تداولك الناس حكاية الصبي
الذي غادر بني إسرائيل صغيراء ثم غاب لسنوات ليعود بزوجة عربية وثروة
طائلة. لم تشعر امي بالراحة من تودد النساء في حي «راوبين إليها».
طرق الباب للمرة العاشرة في ذلك النهار ففتحته لتجد إحداهن تسألها أن
نفرضها ضاغا من الثر, اعطتها افي الصاع وهى :كلم انها لن'تردة: :نم أغلقة
الباب وقالت متبرمة:
- تركونا لسنوات بعد وفاة (زخاري) دون سؤالء وهاهم يتوددون إلينا الآن!
قلت باسما:
- الحمد لله الذي جعلهم بحاجة إلينا ولم يجعلنا بحاجة إليهم.
قالت باسمة:
- تتحدث مثتل أبيك!
كانت (إرؤق) تجلس على الأريكة. وقد انتفخت بطنها وبان حملها فقالت
د لونظل البات يظزق غلئ هذا المتوال لتفدثة أحولة الترقيل الضباخ.
- ومن يبقيها للصباح!
20 حتى يعود (عامير) و(شهبور) في المساء وسنهديها قربانًا لبيت
ب!
رفعت (أروى) حاجبيها دهشة:. وقالت:
- ألن تترك لنا منه شيئًا؟!
قلت:
- وما حاجتنا به يا (أروى)؟!
وهل هناك طعام أحلى من المن والسلوى؟!
صحكت أمى وفق تفول:
- ألم أقل أنك تتحدث مثل أبيك؟!
ثم التفتت إلى (أروى) وقالت:
- لا تيتضي :يا (أروق) كن علينا أنا'ؤأتت أت تذوق: تتنظف: العيشن تسعت
قلوبنا!
قالت (أروى) ضاحكة:
- لعلي أرحم حالًا منك يا (رومانا). فأهلي لا يزالون في «رسة», أما أنت فقد
قلت ل_(أروى) مؤنيًا:
2 أراك تنسحين خيوط الحديث معماء وقد وجدت من يعوضك عن غياب (أم
السعد)!
قالت أمي ضاحكة:
- انتظر حتى يجن الليل وسأعلمها كل أسرارك.
انطلقت الضحكات صافية من القلب. وشعرت بالسعادة لأن جسرًا من الود قد
امتد بين (رومانا) و(أروى) حتى وإن اتفقا عليّ. وقبل أن أتكلم, طرق الباب
طرقا عنيفاء ظننا أن إحداهن ستطلب قدحا من البر. ذهبت أمي لتفتح الباب
فإذا ب_(باتيا) تدخل صارخة وهي تقولك:
- أدرك (عامير) يا (شمعون), فقد تشاجر في المرعىء وتكاتر عليه الرجال
هناك.
00 00 00 00 0
هرولت خارج المنزل وراني (شهبور) الذي كان يقف بناصية الحي مع بعض
فرسان (بني يطور) اهرولكء فناداني قائلا:
- ماذا حدث يا (شمعون)؟
قلت دون أن التفت إليه:
- اتبعني إلى المرعى مع الرجالك!
وصلت إلى المرعى فوجدت صياحًا شديداء وقد بدا أن عراما قد حدث وبلغ
ذروته. نظرت فرايت جسد (عامير) الضخم قد تمدد أرضًا وبضعة رجال ينهالون
على حسدة وراسه بالعصي.
صرخت فيهم:
- كفى!
ثم ألقيت بنفسي بينهم, أحول بين عصيهم وبين جسد (عامير) الذي تخضب
بالدماء. نال جسدي ضربة من إحدى العصيء وحينما هم احدهم بأن يوي
بعصاه على راسي تلقفت عصاه يد احد الفرسان من (بني يطور). دفع
الفارس الرجل المعتدي بقدمه في بطنه فأسقطه أرضاء ثم انضم إليه
(شهبور) وباقي الفرسان وصنعوا حلقة حولي وحول (عامير)ء هم الرجالك
بالاشتباك معهمء فنزع الفرسان سيوفهم من غمدهاء تلألأت النصال في
اعين الخصوم فادركوا ان الامر جاد. تراجعوا وقد اسقط في إيديهم. فمن يجرؤ
على رفع السيوف في محلة الرب!
وقفوا مذهولين للحظات ثم قال كبيرهم في صوت أجش:
- أيرفع رجالك السيوف علينا يا بن النجار؟!
وحق الرب (إيل) لنقتصن منك عند (موسى).
ثم نظر إلى (عامير) الممدد في إعياء وقال:
- أما أنت يا بن الكوشية: يا شقيق القردة والخنازير. فبحق الرب إيل لتدفعن
ثمن ما فعلته ولتخرجن من حينا الذي أصابه الفقر منذ أتيته!
وحهه بالدماء. قال ببصوت واهن:
. «تكائروا علي يا (شمعون). ولو قابلوني رجل لرجل لصرعتهم الواحد تلو
خر»!
مسحت الدماء عن وجهه بيدي وقلت في لهفة:
- لا تتحدث يا (عامير). لا تتحدث يا صديقي.
هم أن يتحدث ولكنه لم يستطع, تهدلت جفونه؛ ثم غاب عن الوعيء ناديت
الرحاك كي تفاون على حفلة: جملا فبرجيد نال ثم عزنا نه إلى الذار:
صرخت النساء حين رأينه. وبكي (إبرام) خوقا من الصراخ, فحملته (أروى)
وانزوت به رعبًا في ركن البيت. نهرت النساء عن الصراخ ومدذدت جسد
(عامير) على الأرض؛ ثم قمت بمسح الدماء عن وجهه بخرقة مبللة,. كانت
حروحه عير غائرة ولكن وجحهه وجسدة كانا قد تورما من كثرة اللكمات
والضربات؛, تأوه من الألم حين كبست حروحه بالخرقة. فاطمأن قلبي أنه لا
يزال حياء فتح عينيه بصعوبة ثم نظر حوله, وحين رأى النساء. اعتدل جالسا
وكأنما شق عليه أن تراه زوحته ونساء الدار وهو على هذا الحال من الضعف.
خرج (شهبور) والفرسان من البيت الذي ضاق بهم بعد أن اطمأنوا على
سلامة (عامير), قدمت قدحا من الماء إليه كي يشرب» تناوله وقربه إلى
فمه. تم لم يلبث أن وضعه جانيًا دوت أن يشرب وقد اختنقت عيناه بالدموع,
ربّت على كتفه وسألته:
- ماذا حدث يا (عامير)؟!
قال:
- هؤلاء أبناء (عزرا)!
قلت:
- وما الذي جعلهم يتعاركون معك؟!
قال:
- خرجت بنوق القافلة وأغنام القرابين إلى المرعى. فوجدتهم يرعون ماشية
خاكلٍ لهم من سبط «يساكر». رغم أن اليوم هو يوم «راوبين» في الرعي
والسفيا!
قالت (باتيا) مقاطعة:
- ليتك تركتهم يرعون!
هذا ما فعلت, فقد وجدت المرعى قد ازدحمء وشعرت أن الكل لن يكفي كل
هذه الأنعام. فتركت أنعام القرابين ترعى وانصرفت قائلًا:
لا بأس أن ترعى الأغنام اليوم ثم ترعى الأبل غدّاء وأخذت الإبل إلى مسقى
الدواب. حتى تصدر بعد سفرها الطويل: وما ان وصلت إلى مسقى الدواب؛:
حتى تبعني اثنان منهمء ومعهم بعض الماشية.
قال لي أحدهما:
قا ينيقي لك ان قيفي تلك الابل من مشنقى :ذوابتنا؟!
سألته:
- لماذا؟
قال الآخر:
- لأن هذا المسقى لحي «رأوبين»!
قلت:
هي إبل (شمعون بن زخاري بن رأوبين)!
قال الأول في سخرية:
- وما لابن المصرية وحي رأوبين!
أما تكفينا أمه المصرية حتى بأتينا بابل امرأته العربية؟!
نهرته قائلًا:
- احذر يا هذاء حتى لا يثور غضبي عليك.
اقترب مني وقال:
- غضبك!
ومن أنت حتى يثور غضبك على يا بن الكوشية؟!
فلم أشعر إلا بجسدي ينحني إلى الأرضء ثم التقطت يداي حجرًا كبيرًاء
حملته في الهواء ثم قذفته نحوهماء لم يصبهما الحجر: ولكن الرعب اصابهما
من صوتي الذي زلزك الأرض من تحت أقدامهماء ففرًا كالجبناء تاركين
ماشيتهما.
سكت قليلًا ليلتقط أنفاسه اللاهثة؛ ثم قال:
- وبقيت مكاني حتى ارتوت الإبل. ثم عُدت إلى المرعى كي أعود بأغنام
القرابين» فوجدتهما وقد وقفا في انتظاري يحملان العصي في إيديهماء رايت
الشر في أعينهماء فشمرت عن ساعدي وتجحهزت للقائهماء ٠ صرعت الأول تم
الثاني ولكن فجأة ة. رأيت 7 ا خفت عليهاء ٠ وصرخت فيها كي تعود,
سكت وقد م صوته بالانكسارء تم قال:
- والله لولا هذا لجعلتهم خبرًا تلوكه أفواه نساء الحي الليلة!
هرولت (باتيا) نحوه تحتضنه وتُقبّل رأسه وقالت باكية:
- فداك نفسي يا (عامير)!
أما (رومانا) فقد جلست تنتحب في خفوت وقد غطت فمها وأنفها بكفها.
التفتت (باتيا) إلىيّ وقالت متحدية وهي لا تأبه ل.-(رومانا) الباكية:
- لم يعد لنا حياة هنا يا (شمعون)!
أريد أن أرحل!
أريد أن أغادر هؤلاء الناس الذين يكرهوننا.
نظرت بطرف عيني إلى (أروى) التي انكمشت في رعب, بينما كان جسد
(رومانا) يهتز مع لحن نحيبها الخافتء. قلت:
وأنا أشعر بهموم الدنيا تطبق على صدري:
- لن يرضى نبي الله (موسى) بما حدث!
قالت (باتيا) في حدة:
- كم من مرة شكونا ل-(بصلئيل بن حور) فكان يأمرنا بالصبر.
ثم قالت في جنون:
- إلى متى نذوق المذلة وُعيّر بأمهاتناء فهذه مصرية: وهذا أمه كوشية:
واليوم يقولون عن زوجتك إنها عربية. هل كتبت علينا المعرّة إلى الأبد؟!
كانت كلماتها حادة كضربات البرّد في ليلة ممطرة. فصرخت فيها غضبًا:
- اصمتي يا (باتيا)!
وكفي عن هذا!
بهتت حين صرخت فيهاء شهقت, ثم انهالت دموعها وقالت في حزن فطر
- سأكف يا (شمعون)!
سأكف كما كففت من قبل!
سيأتي أخي في يوم من الأيام ليرد عنا أذاكم» أما الآنء فلن أقولهاء فقد عاد
أخي.ولا زلنا لا تملك إلا الضبر على أذاهم.
ثم وضعت بيد (عامير) على كتفها وقالت:
- هيا بنا يا (عامير)!
فلنا بيت نرتاح فيه!
وقبل أن يتحرك. سمعنا طرقًا شديدًا على الباب. قمت ففتحت البابء, فإذا
بحارس من سبط «لاوي» يقول لي:
- هل أنت (شمعون بن زخاري)؟!
قلت له:
قال:
- يدعوك القائد (يوشع بن نون) إلى خيمته.
00 00 00 00 0
رافقني (شهبور) إلى الخيمة, أراد رجال «بني يطور» أن يصحبونا ولكني
منعتهم حتى لكا يثير وحودهم المشكلات, وصلنا إلى خيمة القائد, فوجحدت
أبناء (عزرا) الستة بانتظارنا أمام الخيمة. وقد بدا على وجوههم الغضبء وقد
جلس من بينهم اثنان على الأرضٍ أمسك احدهما بعينه وهو يصرخ من الألمء
بينما تورمت عين الآخر وشجت رأسه. فأدركت أنه مما فعله (عامير) بهما!
أمرنا الحارس بأن نقف خارج الخيمة؛ بينما دلف هو إلى داخلها ليعلم (يوشع)
بوصولنا. سمعت زمجرة أبناء (عزرا). والتقطت أذني بضع كلمات مثل:
00 الخنازير. ولم يتورع أحدهم عن تمثيل وجهه بشكل قرد حتى يثير
تناألتي (شتهبور) هامسا في أذنئ:"
- ما قصة القردة والخنازير؟
قلت وأنا أنخّي رأسي بعيدًا عنهم:
- عقوبةٌ عاقب بها الرب بعض العصاة.: فكانت كفارة لهم عن خطيئتهم!
قال:
- ولماذا يعيرونكم بها؟
قلت:
- كان إخوة (عامير) ممن شملهم العقاب!
خرج الحارس ودعاني أنا و[(شهبور) للدخول.
دخلت لأجد الفارس الذي فتن عقلي طيلة أيام الصباء يجلس غاضبًا على
أريكة من الخشب موسدة بفراء الغنم: ذكرتني بصنعة أبي أيام كنا في
«حضيروت».
قلت:
- سلام عليك أيها القائد.
قال في صرامة:
لان ايا القناب:
تم قال:
- هل أنت (شمعون بن زخاري) من سبط «رأوبين»؟
قلت:
قال:
- أتدري أنك قد أتيت بكبيرة. حين رفعت السيوف على إخوانك!
أتدري أنكم قد فقأتم عين أحدهم وأن الناموس يقول العين بالعين!
وحق له أن يفقأ عين من فعل به ذلك!
قلت في تبات:
- أدري أيها القائد.
قال في غضب:
- إذن فأنت تعلم بالناموس ومع ذلك خرقته!
قلت وأنا لا أزال على ثباتي:
- أعلم بالناموس يا سيدي القائد ولكني لم أخرقه.
قال:
- ومن فعل هذا بالرجل الذي يصرخ خارج الخيمة!
قلت:
- فعله رجل لا يقوى على الصراخ؛ لأن روحه كادت أن تزهقء ولكن الناموس ١
نظر إلى في دهشة, فأردفت غير هياب:
+ ليت الناموسن :ا عدف -يتظن الى الأمر اله حعين: اذمال :هؤلاء بالقصت
على جسد رجل أعزلء ليته ينظر إلى آلام النفس حينما عيره هؤلاء القوم
بأمه الكوشية, ووصفوة بشقيق القردة والخنازير, رغم أن الرب فد غفر لإخوته
بعقابهم!
ليته ينظر إلى آلام زوجته التي تُعيّر بأهلها رغم إيمانهم بالرب (إيل). ليت
الناموس يا سيدي ينظر إلى القلوب قبل أن ينظر إلى الأجساد.
فشعرت بطوله الفارع. وضع يده على كتفي ثم قال في ابتسام:
- تعجبني جرأتك في الحق أيها الشاب!
أنت ابن شارك الشجار: اليس كذلك؟©
قلت:
قال:
- لا يزال لأبيك محبة في قلبي.
ثم أشار إلى الأريكة وقال:
- هذه الأريكة صنعها لي!
ثم أشار إلى جراب للأسهم معلق في عمود الخيمة وقال:
- وتلك السهام هو من شذبها!
ثم اكتسى وجهه بالحسم مرة أخرى وقال:
نزك انا قائده!
ثم نظر إليّ وإلى (شهبور) وقال:
د مرا الفقرينان بان يرخلوا: ومن شاء متهم أن يمكث هفنا فليمكت بلا ببلاع:
ثم نادى على الحراس قائلًا:
- أدخلوا أبناء (عزرا).
دخل الأخوان الكبيران وفي عينيهما شماتة. جلس (يوشع) على الأريكة, ثم
قال في صرامة:
- قد استمعنا إليكم واليهماء ووجدنا أنكم من بدأتم بالعداء.
بعت الاثنان؛ فتابع (يوشع):
- ولكننا سنحكم لذلك الذي فقد عينه بدية مقدارها رأسين من الغنم.
قال الأخ الكبير مستنكرًا:
- رأسان من الغنم!
ليس هذا بحكم الرب يا قائد بني إسرائيل؟!
أليست العين بالعين والسن بالسن!
قال (يوشع):
- بلىء والجروح أيضًا قصاص!
فإند شئت جمعت عصبة من الرجال فانهالوا على رأس كل واحد منكم
وجسده بالعصي حتى توشك روحه أن تزهق!
صمت الرجلء وهو يكظم غيظه. فقال (يوشع) في حسم:
- تلك الدية كفارة لمن فقد عينه؛ وحذار أن تعودوا لمثلها!
ثم أشار إلينا جميعًا وهو يقول:
- هيا انصرفوا جميعا!
وبعد أن خرجنا من الخيمة, صرخ الرجل الذي فقد عينه قائلًا:
- واعيناة!
فقال أخوة الأكبر بصوت تعمّد أن يصل إلى مسامعي:
- لا تصرخ!
فقسمًا بالرب إيل لترين بعينك الثانية القصاص ممن فقأ الأولى!
00 00 00 00 0
الورقهة الحامسهةه والستوت
في المساء كنت أنام إلى جوار (أروى): أوليتها ظهريء وأغمضت عيني ولكن
عقلي لم ينمء. شعرث هي بأنفاسي المؤرقة في. غسق الليل: فاحاطت
جسدي بيدها في الظلام وقالت بصوت خافت حتى لا توقظ (إبرام):
- (شمعون)!
هل ما زلت متيقظًا؟!
قلت:
قالت وهي تربت على صدري:
- لا تحزن فقد انتهى الأمر!
قلت:
- لم ينته بعد!
اعتدلت قليلاء ثم قالت في وجل:
- قلبي يحدثني أن أبناء (عزرا) لن يكفوا عن الأذى.
قالت هي في وجل:
- (عامير) أيضًا يريد الثأر لكرامته.
استدرت لها وأضأت مصباح الزيت, سألتها في قلق:
- ماذا سمعت؟
قالت:
- أقسّم أن يرد لهم الصاع صاعين!
فقد شق عليه انكساره أمام (باتيا) وأمامنا!
تنهدت وقلت في وجوم:
- (باتيا) كانت محقة؛ يجب أن نغادر هذا الحي!
- نعود إلى «رسة»؟!
قلت:
- كلاء ولكننا سنفادر حي «رأوبين»: غدًا أستأذن القائد (يوشع) في أن أبني
لي دارا خارج النزل على غير الترتيب الذي فرضه علينا (موسى).
- افعل ما يرتاح له قلبك.
وفي الصباح ذهبت مع (شهبور) إلى خيمة القائد. قدمت له جوالق البر
والتمور كي يقسمها على بني إسرائيل. واهديت إلى خيمة الاجتماع
حمولة البخور كاملة, شكرني القائد ودعا لي الكاهن بالخير والبركة. ثم
استاذنت (يوشع) في بناء بيت خارج النزل, على أن ترعيى أغنام العراييي
وإبلنا مع سبط «لاوي».: تفهم (يوشع) غرضي وأدرك اف أريد أن أبتعد عن
المشكلاتء؛ ولكنه لم يمنحني الإذن مباشرة. قال:
- أستأذن لك نبي الله (موسى) أولا,. ثم أجيبك في المساء.
عرجت إلى دار (عامير) و(باتيا) كي أجبر كسريهماء وأخبرهما بما عزمت
عليه وحدت (عامير) افضل حالا:من أمس:ولكن نظرة عينية. كانتدلا تزاك
منكسرة, قلت له مازحًا كي أخفف عنه:
تراك رءوسا محطمة بين م 5 أمسء. حمدًا لله أن جعل (باتيا) تآني
اليك قبل أن تقضي عليهم جميقًا
ل
- كلفتنا عين واحدة رأسين من الغنمء فما بالك لو استمر العراك لأكثر من
ذلك.
ربت على كتفي شاكرا وقال:
- شكرًا لك يا («شمعون).: لولاك لقضوا عليّ في المرعى!
كانت (باتيا) تجلس في ركن الدار تفتل كومة من صوف الغنم بين يديها ولا
- كنت محقة يا (باتيا)» ينبغي أن نغادر ذلك الحي.
3
- حقا!
هل سنرافقك إلى «رسشة»؟
- كلاء ولكني استأذنت القائد (يوشع) في أن نبني دارًا خارج النزل بعيدًا عن
حي «راوبين».
شعرت بخيبة أمل وقالت:
- وما الفائدة يا (شمعون)؟
سنقابلهم في الأسواقء وسيقابلهم (عامير) في المرعى.
كلك الها
- لا بأس أن نحتمل يغض بعض الناس لنا ما دام هناك الكثيرون ممن يحبوننا
«لاوي» 00
تم قلت لها في حنان:
ت.ضدقيتف :نا (ناقا) هفاك العتيز من الغزى فى هذا التزلء :ريما لذ تسشتكويت
بقذرة الآن لأنك ها رلك ضفيزة. ,ولكناك. إذا قادرتية: سستدمين: ليها ظيلة
حياتك!
قال (عامير) موافقا رأيي:
- هذا ما أقوله لها دائمًا.
- اكتملت صحبتي بعودتك يا (شمعون), فسا نفئ في أي مكان تكون نت
قمت ؤة بُلتها تم قلت ل_(عامير):
-.اترح التضفة آيامن: وساتولئى. أنا ورحاك (بني يطور) امن الرفي تحدى
تستعيد قواك.
0 00 00 00 00
في المساء جاءني الإذن من (يوشع) بأن أبني لي بناءً خارج النزل. نقيم فيه
حتى يحين موعد الرحيلء. عاونني رجال (بني يطور) في بناء بيت فسيح
أقمناة- قوق السبفح: واستغرق جناؤه قراية الشهزء. كان ,المنرك: شرف من
ارتفاع على القلى قوت الجالس أمامة حهود النسانة الدك برمعد فق مكردة
حيقه الاحيناء جلا انفطاءع1. نينا اليف الكجو مجعلت .ف ثلات خحران
فسيحه وفناءً ومربطا للدوابء كما الحقنا به بيتَا من الخوص والخشب حتى
يقيم به (شهبور).
والحق أن (شهبور) في تلك الأيام كان لا يقيم بيننا إلا نادرّاء فقد كان يقضي
يومه كاملا في خيمة الاجتماع أو في خيمة نبي الله (موسى). يستمع إلى
احاديت النبي ووصاياه فيحفظها عن ظهْر قلب ثم يجلس إلى الكهان في
المساء فيناقشهم فيها ويبدي فهمًا يفوق فهم البعض منهم أحياناء حتى
ام ا ا الا ا ا ل 1 01
حور).
وفرحت (باتيا) بالبيت الجديد؛ لأنها ابتعدت عن أبناء (عزرا). وفرحت أمي به؛
لأنها أصبحت قادرة على رؤية خيمة الاجتماع ودخانها من نافذة حجرتهاء أما
(أروى) فقد فرحت به لأنه ذكرها ببيوت «بكة» في اتساع فنائه وحجراته
ومربط الدواب الملحق به.
ودّعنا رجال (بني يطور) بعد أن سكنا البيت الجديدء وأرسلت معهم رسالة
شكر ل(عمرو بن دومة): واصبحنا نقضي نهار اليوم في النزك ثم نعود مساء
إلى مسكتنا بأعلى السفخ: لتنعم يدفء الاجتماع وأحاديث السمر.
واقترب شهر (نيسان) من منتصفه. واستعد الناس في التُزك للاحتفال بعيد
الخروج, فامتلآت رائحة النزل بالخبز. خاصة بعدما وزع (يوشع) حبوب البر على
بيوت النزل جميعاء كانت أمي و(باتيا) يعدان فطيرًا غير مخمر لنأكله في الأيام
السبعة التي تسبق يوم العيد. بينما جلست (أروى) ممددة وقد فرجت
ساقيها اللتين أحاطتا ب.(إبرام) الصغير. ووضعت طبقًا من العوسج فوق بطنها
التي انتفخت أمامها حتى صارت كالمائدة؛ التقطت ثمرة عوسج من طبقهاء
أكلتها ثم سألت أمي:
- لماذا تخبزين العجين بغير خمير؟!
لنت أفي الفعحين بالماء ثم قالت:
- هكذا أمرنا الرب قبل الخروج من مصرا!
حينئذٍ ترنمت (باتيا) بأنشودة الخروج التي غنتها (مريم) أخت (موسى) من
- رَيُموا للربٌ فإنه قد تعظّم.. الفرس وراكبه قد تحطم.. الرب قوتي ونشيدي,
وقد صار غايتي وخلاصي.
قلت لها وأنا سعيد:
- ما زلت أذكر (مريم) وهي تتغنى بها!
كيف تحفظينها؟!
قالت (باتيا):
- أمرنا الكاهن (هارون) أن نحفظهاء وأن نرددها على الأطفال في خيمة
الاجتماع. حتى يتذكروا معجزة الخروج!
شعرت بغبطة شديدة؛ لأنني كنت ممن شهدوا تلك المعجزة!
- مهما رددتم من ترانيم فلن تشعروا بها كمن شاهدها بعينه!
ضحكت (أروى) وقالت:
#تتحدت:وكانك :كيف تفلك ها حدة؟
قلت:
- بالطبع؛ ويكفي أني كتبتها في أوراقي!
قالت (باتيا):
- أريد أن أقرأ تلك الأوراق يا (شمعون!)!
ثم صمتت قليلًا وقالت في صوت به مسحة حزن:
- كما أريد أن أعرف ماذا كتبت عن أمي (سولاف)!
قالت أمي وكأنها توحي إليّ بالإجابة:
- كتب ما حكيته لك!
كانت أمك» احفل: يتات نت إسترائيل» :وماتث ٠ بعد أن أصابقها حمى ف
«حوريب».
قالت (باتيا) حزينة:
- كنت أتمنى أن أتذكرها أو أعي ملامح وجهها!
قلت لها:
- انظري في المرآة وستجدين صورة منها!
ابتسمت وقالت:
- حقًا!
قلت مؤكذا:
- نعمء لم يكن (زخاري) النجار ليفتتن إلا بجمال مثل هذا الجمال!
لتت أمي العجين في قوة وكأنما أغاظها حديثي وقالت:
- أفلا كففت عن الثرثرة وخرجت لتحضر لنا حطبًا.
قلت باسما:
- الحطب خلف الفناء!
قالت:
- إذن فلتشعله حتى تحمي النار في الموقد.
ماتت (سولاف) ومات (زخاري) ولم تمت الغيرة في قلبها بعد!
درت حول المنزك وذهبت إلى الفناء الخلفي. جمعت كومة من الحطب
ووضعتها أسفل الموقد: أشعلت النار في كرة صوف مشبعة بالزيت, وألقيتها
في كومة الحطبء وأخذت أنفخ فيها حتى اشتعلت الكومة. وقفت قليلا
أقلبها بعصا طويلة حتى علا صوت طقصطقاتها.
فجأة طرق أذني من بين طقطقات الحطب صوت وكأنه ارتطام شيء يصدر
من مربط الدواب. ظننت أن (عامير) قد عاد, فناديت عليه ولكني لم أجد
إجابة. ذهبت إلى مربط الدواب الخالي من الأنعام فلم أجد أحدّاء ولكني
وجدت طاولة القش وقد سقطت أرضاء ظننت أن الهواء قد أسقطها وكدت
أعود أدراجي, لولا أن سمعت صوتا أسفل السفح كحفيف الأقدام وقفت
على الحافة, فرأيت رجلا يهرول أسفل السفح, ٠ وحين أحهدت بصري, خَيّل
إليّ أن الرجل كان يرتدي عصابة على إحدى عينيه!
00 00 00 00 0
اليوم هو يوم السبت الذي يسبق العيدء خيم السكون على النزك وامتد
حتى بلغ الفضاء. سكنت الريح فتوقفت اوراق الشجر عن الحفيف؛, وخرست
العصافير وكانما خلدت إلى الراحة في ذلك اليوم المقدسء. القي ذلك
السكون في قلبي بالسكينة؛. فتمتمت قائلا:
يا قدوسء يا مالك الكون؛ يا من قدستنا بوصاياك, قدس أعمالنا وطهرها من
كل شر.. الشيء الوحيد الذي عارض ذلك السكون هو رائحة الخبز الندي؛.
الذي فرغت أمي من طهيه أمسن: ورصته في صفوف فوق مائدة العيدء أثارت
الرائحة شهيتيء فتناولت رغيفًا منه؛ وأكلته وأنا أقف على حافة السفح.,
اترقب عمود الدخان الصاعد من خيمة الاجتماع: واشاهد خدام بيت الرب
وهم يزينون الخيمة بسعف النخيل استعدادًا لاستقبال المصلين؛ ورغم بعد
المسافة. استطعت أن أميز جسد (شهبور) من بين خدام الخيمة. فجأة
اخترق السكون صوت صراخ ملأ الفضاء. صراخ امرأة لم يحجب صوتها شيء
حتى وصل إلى كل ركن من أركان النزل وفاق صوت النفيرء استيقظ النائمون:
00 المستيقظون, ورايت (عامير) يخرج من المنزك والنوم لا يزال يداعب
حفانه!
لحظات وكنت أقف أنا و(عامير) وسط حشد غفير من الناس عند مصدر الصوت
في حي «يساكر». الأحاديث المتنائرة أثارت الرعب بين الناسء في البداية
قيل:
إن رجلا من سبط «يساكر» قد وجد مقتولًا في داره؛ ثم قيل:
إن رأنين الرحل قد وجحدت مفصولة عن جسدة:ء وأن الرأس غير موحجودة. ثم
ل ل ا م
فاحت رائحتها من داره التي تجاورهاء والحق أن الواقعة كانت بشعة بكل
تفاصيلها التي كانت تتكشف لحظة بلحظة: ولكن الأبشع منها أن قد وقعت
في أيام هي الأقدس عند الرب: :مما جعل النانين تتساءك عم أقدمر علق
قتل هذا الرحل؛ وهل هو من بني إسرائيل أم أنه لص قد جاء إلى النزد من
وجاء (يوشع) ومعه حراس من سبط «لاوي», أمر الناس بالابتعاد عن المكان
الذي تدنس بجنة القتيل. وحذر الناس من أن تمس ايديهم اي شيء حتى لا
ثم دعا المرأة التي اكتشفت الأمر وسألها عن الرجل:
- من يعيش معه؟!
قالت:
- لا أحدء هو عجوز وحيدء ماتت زوجته ولم ينجب!
قال (يوشع):
- ومن يقوم على أمره؟!
قالت:
- لا أحد؟
قال متعجبا:
- ومن أين يأكل؟
قالت:
- كانت له ماشية يرعاها له رجحل فقير من سبط «جاد». ثم طرده وترك
الماشية لأبناء أخته.
سألها:
: وات هم ؟!
قالت:
- لا أدريء فأنا لم أرهم من قبل!
ولكني أظن أنهم من سبط «رأوبين»!
سألقا:
هل تعرفين من أي البيوت هم؟
صمتت قليلا ثم نطقت باسم عصف بآخر ما تبقى من سكوني وهي تقول:
3 أظنهم أبناء (عزرا بن رأوبين)!
فنادى (يوشع) في الحراس قائلًا:
- أحضروا لي أولياء الدمء فأنا لا أدري كيف لم يعرفوا بمقتل وليهم حتى الآن!
00 00 00 00 0
الورقة السادسة والستون
وجاء أبناء (عزرا) يصرخون بكاؤهم الذي كان يشبه نباح كلبة تكلى على
00 جعل الناس يشفقون على فجيعتهمء رايت كبيرهم يحثو على راسه
وذرفت العين المفقوءة لأصغرهم دموعًا لم أدر ما مصدرها!
حتى (يوشع) نفسهء أشفق عليهم وترفق بهم وهو يقول:
- يا أولياء الدم!
هذا خالكم قد غدر به أحدهم!
ولكم الحق في القصاص ممن قتله؛ فإن كان عندكم بينة على قاتله فأتوا
بها!
قال كبيرهم:
- ومن أين نأتي بالبينة ونحن لم نعلم بمقتله إلا الآن؟!
قال (يوشع):
- إذن: فقد أرجأتم القصاص للآخرة!
قال أحدهم بعد أن جفت دموعه فجأة:
- نرجحئه إلى الآخرة!
!
ثم أردف في غضب:
- هل كتب علينا ظلمك في كل مرة أيها القائد؟
قال (يوشع) في صرامة:
- ماذا تقصد أيها الرجل؟
أفصح عما تريد!
قال الرجل في صوت مسموم:
- الأمر لا يحتاج إلى بينة أيها القائدء فالقرينة وحدها تكفي!
فمن قتله قد أخفى رأسه حتى يحرق قلوبنا عليه!
فغر الناس أفواههم, واقشعر جسديء في حين قال (يوشع):
- ومن يفعل ذلك؟!
قال كبيرهم وهو ينظر نحو (عامير) نظرة خفق لها قلبي:
- يفعلها رجل يكره أبناء (عزرا)ء ويتمنى لهم الفجيعة!
قال (يوشع) وقد نفد صبره:
- مثل من؟
اقترب كبيرهم مِنّا فأشار بإصبعه إليّ وقال:
- مثل هذا.
ثم اقترب أكثر من (عامير) وضغط بإصبعه في غل وقوة على صدره وهو يقول:
- أو هذا!
لم يحتمل (عامير) بهتانه فدفعه بيده وهو يقول:
- كذبت!
سقط الرجل أرضّاء فصرخ أخوه وهو يقول:
- أرأيت أيها القائد؟!
أرأيت كم يكرهنا هؤلاء الناس؟!
ثم استدار نحو الجمع الواقف من بني إسرائيل وهو يقوك:
- اشهدوا يا بني إسرائيل!
اشهدوا أن هؤلاء الناس قد اعتدوا علينا ثانية!
ثم قال الصغير أعور العين:
- بحق الرب إن لم يكن هؤلاء هم قتلته. فمن يكون قاتلوه؟!
اشتعل الغضب في العيون. ورأيت نظرة مقيته في عيون الناسء: لم أفهم
- ماذا تنتظر أيها القائد؟
الأمر جليّ ولا يحتاج إلى بينة!
وقال آخر ساخرًا من بين الصفوف:
قر أ الكو والووم تست فاق اوها ودك]
فرد عليه آخر بسخرية أشد:
- أظن أن من يتزوج عربيّة يكون خارج الناموس!
شعرت بالمقت في حلقي وودت أن أتقيأهء يا ربّاه!
لماذا تفتنني في قومي؟
لماذا تجعلني أسير على الدرب الذي سار عليه أبي حتى أوشك أن أهلك
قام (يوشع) من جلسته وصرخ في الناس:
- كفى!
إياكم وقذف الأبرياء!
فوالله لا نأخذن الناس بغير بينة!
فإذا بأعور العين يقول:
- أرسلوا من يبحث في دارهم عن البينة!
فلعلهم أخفوا شيئًا هناك.
أيد الناس كلامه فصمت القائد (يوشع) قليلًاء تم تنهد قائلًا:
+احنيًا!
يا حراس!
اذهبوا إلى دارهم أعلى السفح وفتشوا بها عن أي شيء مُريب.
ثم التفت إلى إخوة (عزرا) وقال:
- ولكن أقسم بالرب إيل لتكفرنٌ عن قذفكم لهما إذا لم يجد الحراس عندهما
وبينما كنا نصعد نحو السفح: ألقيت نظرة على أعور العين: فرأيت عينه
الوحيدة ترقص في شماتة. وتذكرت ليلة توهمت فيها أني رايته يحوم حول
البيت فانخلع قلبي حينئذ أو كاد!
00 00 00 00 0
خرن :قلا القند الدار تيضف النددوة بالدعو تقرفت أن ' قور كما وشم
الوجال 5م صرختة قائلة:
- ماذا حدث يا (شمعون)؟
قلت لها مطمئنا:
د لا فنئؤانا أمىي: اظطمتكيى]
صرخت (باتيا) في (بني عزرا) حين رأتهم وقالت:
- ماذا تريدون منا؟
تركنا لكم النزل وصعدنا إلى الجبلء فلماذا تتبعوننا؟!
قال (يوشع):
- اصمتي يا امرأة!
ثم نظر إليّ وقال:
- مر النساء أن يخرجن من الدار.
قلت:
- هؤلاء هن كل نساء الدار.
أشار إلى الحراس وقال:
- فتَشُوا الدار!
قال أخوهم الأكبر في غلظة:
- وأنا سأذهب معهم.
مت امي :نات تمتحدث ولكدي اشدرت اليها أن تضميه:
مكث الحراس و(بنو عزرا) في الدار لبعض الوقت؛ بحثوا في الفناء وفي
صناديق الملابسء. وقلبوا مائدة الخبز. فلم يجدوا شيئاء خرجوا وقالوا
ل_(يوشع):
- لم نجد شيئا.
أشار أحدهم إلى بيت الخوص الذي أقمته ل (شهبور) ثم إلى مربط الدواب
وقال:
- ابحثوا هناء وهناك!
لم يتحرك الحراس لأمره؛. ولكن (يوشع) أشار إليهم أن يفعلواء فساروا إلى
حجرة (شهبور) أولّا ففتشوها ولم يجدوا بها شيئاء ثم توجهوا إلى مربط
الدواب الذي امتلأ بالبعير. فاليوم يوم سبت ولم تخرج البعير للرعيء. قال
(يوشع):
- أخرجوا الخيل والبعير.
ساعدتهم أنا و(عامير) و(شهبور). في إخراج الدواب. ثم دخل (يوشع) و(بنو
عزرا). وتبعهم حشد من الناس حتى اكتظ المربط بالجميع: نظر الناس في
المربط الخالي إلا من روث الخيل والإيل وبعض القش والكلاً الجاف, فلم يجدوا
شيئاء كاد (يوشع) أن يأمر الجميع بالانصراف لولا أن صرخ أحد الناس وقال:
- انظروا!
نظرنا إلى حيث نا فإذا بنا نرى مقبضًا لسكين يبرز من داخل كومة الروث,
توجه (يوشع) نحو مقبض السكين. فأمسكه بحرص حتى لا يدنس يدهء جذب
السكين برفق فلم تخرج: وكأنها قد غرزت في شيء صلدء حذبها بقوة أكبر
فإذا بالسكين يخرج وقد غرز نصله بين عيني رأس مقطوعة ححظت عيناها
جفل (يوشع): وجفل الحراس معه وصرخ الناس في رعب:
وصرخ أحد أبناء (عزرا) وقال:
- واخالاه!
لقد قتله السفلة ودنّسوا رأسه في روث البهائم.
ثم استل سيفًا من جانب أحد الحراس واندفع به إليّ أنا و(عامير) قائلا في
جنون:
: له لأقتصن لدمه منكما!
الى 7 القوى: أتقباً خب العيد الدذى أكلته في الصا
صرخ أبناء (عزرا).ء ومعهم العشرات من بني إسرائيل:
د الخضاض ا
القصاص من القتلة!
الفقل لفن فلو الهو المسكين.
وانطلق حجر لم أدر مصدره: فأصاب كتفي,. وشعرت به وكأنه قد انخلع من
0 دفع الحراس الناس بعيدًا عني وعن (عامير) وصرخ (يوشع) في
حراسه.
- قيدوا القاتليّن وادفعوهما إلى خيمة الاجتماع, فوالله لا يحكم في أمرهما إلا
نبي الله (موسى).
لم أشعر بما يدور حوليء. لم تشعر يدي بحبال الحراس التي قيدتها خلف
طيركة نلعم اتشتعن كنم بالجرة الذي ذمق بعد إن حت: الكارسن الحلا
الحسن" الملتفه حولة: عامت عيني عن الرؤية تحتى اسحال: .من حولي
أشياتا. رافص :ظلالها تين فقام كنيف خَيّل إل انق آرت زارقى) تتسقط
على الأرض و(ابرام) ابني يمسك صدرها ويبكي في هلعء. امي تجلس على
ركبتيها وتدفن وجهها بين يديهاء و(شهبور) يحجز (باتيا) بذراعه حتى لا تلقي
بنفسها بين الرجالء. رائحة الروث ملات انفي واحسست بطعمه في فمي
بعد أن سقطت على وحعيمي عشرات المرات, ضربات الحجارة المصحوبة
باللعنات والتي أصابت وجعي وجحسديء لم تؤلمني رعم الدماء التي سالت,
وكأنما أصاب جحسدي الخدر, أو انفصلت روحي عنه: فجأة افتلات أذني بقرع
الطبول مرة أخرى؛ وددت لو فككت يدي كي أصم لذن عنها. تلوي عنقي
ودارت راسي التي كادت أن تنسحق تحت وطأة الصوت الرهيب. سمعت وقع
خطواته مرة أخرى؛ وشممت رائحته التي فاقت رائحة الروث قذارة, صغيرة
الحاد المنغم شعرت به كشفرة سكين حادة تمر فوق عنقي ولكنه حين بدأ
في ترنيمته الأثيرة رددتها معه بعد أن حفظتها عن ظهر قلب.
أطفئوا الثُورَ بظلام القلوب أحرقوا الأرض بحقد التُفوس العنوا مُحبّيكم ومَجَّدوا
لاعنيكور ... ذقيل اف يكمل: تورهنة ب فطية مقشم ا 2ل"
00 00 00 00 0
الورقة السابعة والستون
أفقت لأجد نفسي في خيمة صغيرة, مُقيدًا ومُلقَى على وجهي على
الأرض: وإلي جواري يجلس (عامير) منكس الراس وقد تلطخ وجهه بالدماء:
تاوهت وانا اعتدلء تم سالته بجهد بالغ:
- (عامير). هل أنت بخير؟
رفع رأسه المنكسة وقال في جهد:
- لست بحالٍ أفضل منك!
ثم بكى قَهرًا وقال:
- لم أقتله يا (شمعون).
قلت:
- أعلم يا (عامير).
ثم قلت في جهد بالغ:
- لن يضيعنا الرب!
سمعنا جلبة شديدة خارج الباب. نظرت إلى فرجة الخيمة. فوجدت الحراس
وقد وقفوا أمامها يمنعون الناس الذين تعالت صيحاتهم من الدخول إليهاء قلت
وأنا اجتهد حتى لا ينفطر قلبي من الحزن:
- لماذا يكرهنا هؤلاء؟!
حينئز سمعنا صوت القائد (يوشع) يهتف في الحراس:
- أحضروا القاتلين وأولياء الدم إلى خيمة الاجتماع. فقد نزل الوحي بحكم
الرب فيهما.
- تبارك مجد الرب؛ تبارك مجد الرب!
دخل الحراس فأعانونا على النهوضء ثم خرجوا بنا لتستقبلنا البصقات
والشتائمء رايت اقدام (عامير) ترتجف ونظر إليّ في خوفء قلت له بشفتاي
وانا احاول ان اربط على قلبي وقلبه:
- لن يضيعنا الرب!
وصلنا إلى خيمة الاجتماع. وجدت (شهبور) يقف إلى جوار خدام البيت ينظر
إلينا في إشفاق وعينه تنفطر بالبكاء. أغلق الحراس مدخل الخيمة وجعلونا
في صفين متقابلينء أنا و(عامير) في جهة. وأبناء (عزرا) في الجهة المقابلة,
كان (يوشع) يقف إلى جوار الكاهن (هارون) أمام قدس الأقداس بينما كان
نبي الله (موسى) بداخله؛ قال الكاهن (هارون) لأبناء (عزرا):
- يا أولياء الدم!
أتدرون أن ملاك الرب في وسطكم الآن؟
شعرت بالطمأنينة حين قال (هارون) ذلكء بينما ارتعش صوت أخيهم الأكبر
وهو يقوك:
- نعم؛ وننتظر حكم الرب.
قال (هارون):
- أتدرون أيضًا أن الرب لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟!
ازدادت رعشة صوت الرجلء رغم تظاهره بالثبات وهو يقوك:
- نعمء ولهذا أتيناه!
هرٍّ (هارون) رأسه ثم التفت إلى أنا و(عامير) وقال:
- هل ارتكبتم تلك الخطيئة؟!
قلنا في صق وفي صوت واحد:
- كلا.
هتف أحد أبناء (عزرا) في غضب وقال:
- وهل يسأل الجاني عن فعلته بعد أن وجدنا رأس القتيل عنده أيها الكاهن؟!
أشار (يوشع) نحو الرجل في صرامة وقال:
- يا هذا!
حذار أن يعلو صوتك هنا!
ابتلع الرجل لسانه: ولم يجبه (هارون): بل دخل (هارون) إلى قدس الأقداس
للحظات ثم عاد ونظر إلى أبناء (عزرا) قائلًا:
- إن السيد الرب يأمركم أن تذبحوا بقرة!
قالوا في صوت واحد:
- بقرة!
١
ثم ارتفع صوت كبيرهم مرة أخرى وهو يقول:
- بقرة!
أيسخر منا (موسى]؟!
نطالبه بالقصاص فيامرنا بقربان!
رفع (يوشع) إصبعه نحو الرجل وكأنه يحذره من ارتفاع صوته مرة أخرى.
فقال الرجل في صوت حانق ولكنه أخفض:
- بقرة!
|
أي بقرة؟!
قال (هارون):
- بقرة تحبونها أكثر مما تحبون أنفسكم!
بقرة سجد لها أبوكم ولا تزال تسكن في قلوبكم.
صمت الجميعء وطافت بعقلي ذكرى أبيهم (عذرا) الذي كان يجادل (هارون)
في أمر العجل أيام فتنة (السامري).: فأدركت أن هذه النبتة الفاسدة لا يمكن
أن نان إلا من أصل فاسدء وتعجبت من أن أبناء (عزرا) كانوا يعيرون (عامير)
بمعصية إخوته؛ بينما كان أبوهم أحد الذين سجدوا للعجل!
قال أحدهم في تبرم:
- لا نفهم ما تقول أيها الكاهن, قل لنا أي بقرة تريد؟!
صفها لنا فإن البقر كثير!
نظر (هارون) في عيني الرجل وقاك:
- بقرة صفراء لامعة؛ تثير البهجة في النفس والنشوة في القلب!
شعر الرجل باضطراب ولم يعجبه كلام الكاهن (هارون) الذي يحمل أكثر من
معنى.
- أهذا ما أمر به السيد الرب؟
قال الكاهن (هارون):
- نعمء هذا ما أمر به السيد الرب!
تذبحون بقرة صفراء لامعة؛ بقرة يُعَظْمها أهلهاء فلا تسقي الحرثء ولا تثير
الأرضء وحينئذ يخبركم الرب بمن قتل خالكم!
فاض الكيل بالرجل فقال في غضب,. غير مباكِ بتحذيرات (يوشع) السابقة:
- ما لهذا أتينا أيها الكاهن!
نحن نعلم القتلة!
وما أتينا إلا لطلب القصاص!
فإما أن يقتص لنا نبيك منهما أو نقتلهما بأيدينا!
استل (يوشع) سيفه وتأهب به؛ بينما قال (هارون) ناهرًا:
- أتعصي أمر الرب يا (بن عذرا)؟!
أسرع أوسطهم في تهدئة الأمر؛ فقال مدافعًا عن أخيه:
- معاذ الله أن نعصي أمر الرب أيها الكاهنء: وما جئت به هو الحق!
ثم أردف:
- 9 لكننا لا ندري من أين نأتي ببقرة كهذه في برية «سين» حتى نحقق أمر
الرب!
حينئذ قال (شهبور) الذي يقف بين خدام الخيمة بصوت عال:
- أنا آتيكم بها أيها الكاهن!
بهت أبناء (عزرا) ونظر الجميع نحو (شهبور) الذي تلألأت الفرحة في عينيه:
قال الكاهن (هارون):
- أين هي أيها الخادم؟
قال (شهبور):
- أتيكم بها من «رسة»!
تذكرت البقرة الصفراء التي كانت ترعى في «رسة». والتي اشتراها (عمرو)
و(شهبور) من اسواق «بكة», تعجبت حينها من شراء (عمرو) لهاء ولكن يبدو
ان نجاتي اليوم معلقة بهاء وتمنيت من قلبي الا يكون (عمرو) قد ذبحها!
قال أبناء (عزرا):
- إنهم يماطلون في القصاص أيها الكاهن!
لا توجد بقرة كهذه في برية «سين» كلها!
قال الكاهن ل_(شهبور):
- هل أنت قادر على ذلك أيها الخادم؟!
قال (شهبور):
- نعم يا سيدي.
قال (هارون):
دجسيًا!
اذهب أيها الخادم فأت بها قبل أن ينقضي الأربعون يومًا على وفاة القتيل!
قال (شهبور):
- بل آتيكم بها قبلها ذلك أيها الكاهن.
أشار الكاهن (هارون) إلى أبناء (عزرا) وقال:
- انصرفوا.
ثم أشار إليّ أنا و(عامير) وقال للحراس:
- ضعوا هذين في محبسيهما واعزلوا بينهما.
فتمتمت وأنا أسير بجوار (عامير) بالحمد وقلت:
- ألم أقل لك إن الرب لن يضيعنا؟!
0 00 00 00 00
مكثت في محبسي في الخيمة أيامًاء أنتظر عودة (شهبور). فصل (يوشع)
بيني وبين (عامير) ووضع كلا منا في خيمة: ورغم ذلك لم اشعر بالجزع: فقد
كان أكثر شيء أتمناه في تلك الأيام هو العزلة. وضعت (أروى) طفلنا الثاني
بعد أيام من تلك الحادثة.. مكثت أمي إلى جوارها بينما أخذت (باتيا) الطفل
في قماط من القماشء وأتت به إلي محبسيء أذن لها الحارس بالدخولء بعد
ان تذكرهاء فقد كانت هي من علمت ابنته القراءة والكتابة. بكيت في فرح
حين رايت الطفل وقلت ل اباتيا):
- صدقت (أم السعد) في نبوءتها وأنجبت (أروى) ذكرًا.
قالت (باتيا):
- تريد (أروى) أن تسميه (نابت)!
قلت لها:
- بل أسميه (إسماعيل)!
نظرت إلىّ متشككة وقالت:
- (إبرام) و(إسماعيل)؟
أتريد أن تثير بني إسرائيل أكثر؟!
قلت:
- لا يوجد أكثر مما حدث!
كيف حال (أروى)؟
قالت:
- بخير قلت لها باسما:
- قولي لها أن تبرأ سريعاء فأنا أريد أن أنجب اتني عشر طفلًا!
- أصابك الحبس بالجنون!
قلت ضاحكا:
- بل أصابني بالعقل!
هل رأيت (عامير)؟
قالت في حزن:
- نعم!
لذ نال يشتعو بالا كنار أضافى!
قلت:
- إذا نجونا من تلك المحنة فسنعود إلى «رسة».
ا
- حقا!
ليتك طاوعتني من قبل!
قلت:
- أخطأت التقدير وكنت أنت المحقة!
قالت:
- وأمي (رومانا)؟!
قلت:
- لن أتركهاء وأظنها لن تتمسك بالبقاء بعد الآن!
قالت:
- وبيت الرب؟
قلت:
- الرب يحيا في قلبي.
قالت:
- ونبي الله (موسى)؟
والشريعة؟
قلت:
- سأروي وصاياه وأعلمها لأولادي.
قالت:
- والأرض المقدسة: وحلم أبي!
قلت:
- كل أرض تخلو من الشرور هي أرضي المقدسة!
قالت وهي تربت على كتفي:
- بدلتك تلك المحنة كثيرًا!
قلت:
- لم أعد تائهًا. أصبحت أختار طريقي!
قبل أن تنصرف ناديتها قائلًا:
- أحضري لي دواتي وقلمي وأوراقيء, فأنا أشتاق للكتابة!
00 00 00 00 0
انطلقت الأبواق في النزك في وقت غير وقت الارتحال فعلم الناس أن أمرًا
حلا ميقع كل الحارين- الدفى رافش طيلة الديامر القافية ويك اث ييتى
وبينه صداقة ومودة ثم قال في فرح:
- لقد عاد (شهبور) يا (شمعون): عاد ومعه البقرة الصفراء!
أسرعت إلى باب الخيمة ونظرت منها نحو الجبل الذي يطل على الوادي,
رايت القافلة الصغيرة القادمة من «رسة» تهبط من فوق الجبل وتقترب من
ساحة النزك وفي وسطها تسير بقرة صفراء يتلألأً جحجسدها في ضوء
الشمسء, شهقت حين رايت القافلة يتقدمها ثلاث نوق عليها (شهبور)
و[عمرو بن وا و(ليث بن اه كيت وأنا أرى أصدقاء العمر قد هبوا
أهرول . وهم بعدما أناخوا وعَالهم في سناخة النزل, نادى على الجاونسه
فلم التفت إليه؛ التقينا انا و(عمرو) و(ليث) و(شهبور) في عناق باك وسط
دهشة الجموع التي ملات الساحة من بني إسرائيل. نفخ حارس خيمة
الاجتماع في البوق مرة اخرىء. فخرج النبي (موسى) والكاهن (هارون)
و(يوشع بن نون) من الخيمة. وصمت الجميع احتراما لهم.ء حمل بعض الرجاك
صندوقا من الخشب به راس القتيل وحثته التي فاحت منها رائحة مقيتة لم
تستطع ان تخفيها رائحة الصندل والبخور ثم وضعوا الصندوق في منتصف
الساحة. نادى (يوشع) على اولياء الدم فوقفوا عن يمين الساحة. تم نادى
عليّ وعلى (عامير) فوقفنا عن يسارها.
أشار الكاهن (هارون) إلى (شهبور) وخدام المعبد كي يصعدوا بالبقرة إلى
المذبح: طاوعت البقرة ساحبيها وكأنها تعلم أنها قد جاءت لأجل تلك المهمة
فحسبء» وعلا بعض الهمس من حولي» فطرقت أذني عبارات منه. قال احد
الحراس لزميل له:
- اليسنت هذه:هي نقرة المصريين الففديينة؟!
قال الرجل:
- بلىء؛ لا أدري كيف أتوا بها إلى هنا وكيف يجرءون على ذبحها؟!
وقفت البقرة شامخة فوق المذبح تتطلع في هدوء إلى بني إسرائيل الذين
خفقت قلوبهم في رعبء بينما وقف إلى جوارها (شهبور) وهو يحمل في يده
سكينًا عظيمة.
قال (موسى):
- يا بني إسرائيلء ما قولكم في هذه البقرة؟
جاء صوت مرتجف من بين الجموع يقول:
- تلك هي بقرة المصريين المقدسة!
قال (موسى):
- بل هي البقرة التي سجد آباؤكم لتمثالها في يوم من الأيام. أليس كذلك؟
لم ينطق أحد.. فأردف متهكمًا:
- ما لي أرى قلوبكم لا تزال تخفق لها!
أتظنون أنها تضر أو تنفع؟
لم يجرؤ أحد على الردء وإن أفصحت العيون بخوفهم منها.
صمت ثم قال في أسف وهو ينظر إلى الرءوس المنكسة:
- أتدرون لماذا لم يرفع الرب التيه عنكم؟
تعلقت العيون به.. فتايع:
- لأن العجل لم يرحل من قلوبكم!
ثم اردف:
- ولكنه اليوم قد آنَ له أن يرحل!
ثم صاح في الخدام:
- اذبحوا البقرة؛ وقدموها قربانًا للرب حتى يعلم بنو إسرائيل أن الرب إله بني
إسرائيل هو من يأتي بالمعجزات.
ولم يضيع (شهبور) لحظة.
قال بضوة عان:
رق بعلن ا ينا فكت الا وق لشفا
ثم مرٌ بسكينه على رقبة البقرة فانبجث منها الدم فوق المذبح. وسقطت
البقرة على جانبها في استسلام وهي تصدر خوارًا ذكرهم بخوار عجل
(السامري).
0 (موسى) إلى (شهبور) كي يفصل ذيل البقرة. ففصلهء ثم التفت إلى
بني (عزرا) وقال:
- أما أنتم يا أولياء الدمء يا من تطلبون القصاصء فلتعلموا أن الرب لا يخفى
عليه شبيء في الأرض ولا في السماء, وأنه قادر على أن يحيي الموتى.
ثم قال للابن الأكبر:
- اضربه بذيلها.
أفسك الرجل بالذيل وهو يرتجف.. تقدم نحو جثة خاله ثم ضربها بذيل البقرة,
فإذا بالجيسد ينتفض » ٠ وإذا به يجلس في صندوقه الخشبي وكأنما بعث بعد
مونه.
صرخ الناس في رعبء. وأغشي على أعور العين من الخوف.
تقدم الكاهن (هارون) من القتيل وسأله:
- من قتلك أيها الرجل؟
خفقت القلوب إلا قلبي, وارتعدت الفرائص إلا فرائصيء فقد كنت على يقين
بأن الرب ما أجرى تلك المعجزة إلا لينصرني.. أشار الرجل القتيل الى أ ا
(عزرا) وقال:
- طعنني هذاء ثم أجهز على هذاء ثم قطع رأسي هذا.
ثم سقط الرجل مينا مرة أخرى.
جحثا الناس على الأرض ونكسوا رءوسهم أمام معجزة الربء بينما صرخ أبناء
(عزرا) في رعب,. وقالوا:
- الرحمة أيها النبي؛ الرحمة أيها الكاهنء ادعوا الرب أن يغفر لنا!
ولكن (موسى) أشار إلى (يوشع) وقال:
- اقتلوا هؤلاء قصاصًا لفعلتهم, وليعلم بنو إسرائيل منذ اليوم أن من قتل
نفسًا.فكانها قثل الناس حميعا.
00 00 00 00 0
الورقة الثامنة والستون
اليوم ساترك بني إسرائيل, ولكني أعرف وحهيتي هذه المرة, لن أخرج بليل
ولن اخرج وحيدًا هاربًا كما خرجت في أول مرةء بل سأخرج آمنا مطمئنا في
وضح النهار وفعي أهلي 0 أحبائي, فككت أسري من كل الأغلال التي
وكاد ا يسحقني 0 أدركت أن السعادة في تحقيق الغايات 9
تحقيق الأحلامء فالحلم ما هو إلا وسيلة للوصول إلى الغاية!
هلك أبي من أجل الوصول إلى الأرض المقدسة: ولكنه لم يسأل نفسه وماذا
بعد؟
ماذا لو بلغ الأرض التي حلم بهاء ولم يجد السلام الذي ينشده؟!
الحب والسلام لا ينبتان من الأرض وحدهما!
ولكن يزرعهما الإنسان ويرعاهما حتى يثمراء وتلك القلوب التي أراها بين
بني إسرائيل لا تملك بذور الخير حتى تزرعه. . قلت لأمي:
لن أنتظر ربعي عاما لأحقق غايتي؛ فغايتي أعرفها وسأحققها وحدي,
سأنشر السلام والخير في كل أرض أحط بهاء وسأدعو الناس إلى عبادة الرب
الواحد وسأعلم أبنائي وصايا النبي الأعظمء الذي تحمّل في حياته ما لم
صليت آخر صلاة لي في_خيمة الاجتماع؛ إلى جوار (شهبور)ء وبعد أن فرغنا
من الضلاة 'اختضتني طويلاء تريكى :قائلا:
- أهذه نهاية الرفقة؟
قلت له:
- الغاية واحدة ولكن الطريق المختلف!
قال:
ألا تخشئ من أن تسيودفي الطريق وبحدك!
قلت:
- لم أعد وحدي!
معي كل ما أحتاجه إليه في الدنيا!
قال:
- سأشتاق إليك!
أدركت أن السعادة في تحقيق الغايات وليس تحقيق الأحلامء فالحلم ما هو
إلا وسيلة للوصول إلى الغاية!
قلت:
- وأنا أيضًا.. لن أكف عن تتبع أخباركم.
ثم أشرت إلى صندوق كبير إلى جواري وقلت:
- أريد أن أعطيك شيئا.
قال:
- ما هذا؟
قلت له:
- هذه أوراقي؛ اجعلها معك؛: فتلك شهادتي على بني إسرائيل.
نظر إليّ في دهشة. ثم قال في جزع:
- أذلك فراق بلا رجعة يا (شمعون)؟!
قلت له:
- كلا. ولكن احفظها معك حتى تدخلوا الأرض المقدسة!
قال:
- وبعد ذلك؟!
قلت:وأنا أمستخ دمعة قرت من عيدئ:
- ادفنها في ثراها!
فيكفيني أن تكون ذكرى (بني زخاري) حاضرة في الأرض المقدسة؛. حتى
وإن لم يدخلوها!
00 00 00 00 0
00 (زخاري بن شمعون بن راوبين) في الشهر الثامن لسنة ستين بعد
خروج.
وصلت القافلة الصغيرة القادمة من «رسة» إلى جبل «نبو»., أناخ أخي
(إاسماعيل) الناقة تم جذب يد أبي ختى يعاوتة علئ النزولك» استند ابي إلى
عصاه ووقف يتطلع إلى الجبل الأحمر الذي انتثرت فوقه خيام بني إسرائيل,
ثم نادى على قائلا:
- (زخاري)!
قلت له:
- نعم يا أبتاه!
قال:
- تعالك لأستند إليك!
استند إلى كتفي بيد وأتكأ بالأخرى على عصاه كعادته التي يداوم عليها أثناء
سيرة حتى يشعر بقربي منه.
رةه أخي (إسماعيل) ليخبر باقي إخوتي بوصولناء حين اقتربنا من خيمة
الاجتماع رايا أخي الأكبر (ابرام) يهرول تجاهنا فرحا ومعه باقي إخوتي,
انحنى (إبرام) ليُقيّل يد أبيء. وهو يقول:
- حمدًا للرب على الوصول سالمًا يا أبتاه!
ثم تبعه إخوتي الواحد يتبع الآخر:
نظر أبي إليهم معاتبًّاء ثم قال لأخي الأكبر:
- ألم أقل لكم لا تجتمعوا في مكان واحد يا (إبرام)!
قال (إبرام) معتذرًا:
- جمعنا نبي الله (موسى) ليلقي وصيته على شعب إسرائيل!
جاء صوت من خلفنا يقوك:
- أتخشى الحسد على أبنائك منا يا (شمعون)!
التفت لأجد شيخًا طاعنًا في السن يقف متكأ على عصاه وقد امتدت لحيته
البيضاء حتى دنت من ركبته؛ وقد انفرجت شفتاه عن ابتسامة واسعة.
العجيب أن أبي قد ميز الصوت قبل أن يستدير إليه. ابتسم وهو يستدير في
بطء ثم قال:
- يا الله!
(شهبور) العجوز لا يزال حيًا.
ضحك خادم الخيمة وقال:
- عجوز!
انظر إلى نفسك أيها الشيخ الهرم.
ثم خطا في سرعة لا تتناسب مع عمره واحتضن أبي في قوة وهو يقول:
- مرحبًا بك يا (آبا إبرام).
تشابك مرفقاهما وسارا جنبًا إلى جنبء قال الشيخ:
يسنت :من أت أراك"ثانزة!
كم من مرة أرسلت إليك رسولًا كي تعود وكنت تأبى!
قال أبي في حزن:
- لم أستطع فراق أرض بها رفات (أروى)!
قال الشيخ:
- رحمة الله عليها!
كانت زوجة صالحة وأحسنت تربية أبنائها!
تمر أشاز الى إخوتي الذين ساروا خلفنا وقال:
- حفظ الله أبناءك يا (رشمعون).: قد أكتر الله في نسلك وبارك لك فيه!
ورزقك اثتني عشر ابنا مثل (إسماعيل) و(يعقوب).
قال أبي:
- وهذا هو (زخاري).: أصغر أبنائي وأحبهم إلى قلبي.. تم همس في حزن:
- ماتت (أروىك) وهي تنجبه.
مسح الشيخ (شهبور) على رأسي في رفق وقال:
- ألهذا السبب لا تفارقه؟!
- ربما.
لمح الشيخ (شهبور) لفافة ورق تتدلى من نطاقيء. أمسك بها وفتحها وقال
في دهشة:
- إنه يهوى الكتابة مثلك!
قال أبي:
ابتسم الشيخ (شهبور) ثم ربت على كتفي وقال:
- ما زلت أحتفظ بأمانة أعطاها لي أبوك منذ أكثر من ثلاثين عامًا قلت
مشدوها:
- حقًا!
قال:
- نعم, وفي المساء سنجلس سويًا وأخبرك بالكثير من الحكايات عنها.
سأله أبي في شوق:
- كيف حال نبي اللّه؟
قال في أسف:
- ليس بخيرء اشتد به الحزن بعد وفاة (مريم) و(هارون).
وجاءه ملاك الرب أمس!
ثم تقدم نحوه وهمس قائلا:
- أراة الرب الأرض المقدسة من فوق الجبل الأحمر أمسء وبعدها أخبره ملاك
الرب بانه لن يدخلها!
رأيت الألم على وجه أبي الذي صمت قليلًا ثم قال:
- أريد أن أراه!
هل هو في خيمة الاجتماع؟
قال الشيخ (شهبور):
- كلاء ألقى وصيته الأخيرة على الشعب ثم صعد إلى الجبل مع (يوشع بن
نون)ء وسيمكث هناك في الغار في انتظار ما يأمر به السيد الرب.
تنهد أبي في حزن وقال:
- يبدو أن نهاية الرحلة قد أوشكت!
هرّ (شهبور) رأسه ثم قال في أسف:
ثم قال مغيرًا الحديث:
- هيا يا (شمعون)!
فلعلك تشتاق إلى السلوى.
قال (شمعون):
- بل أشتاق إلى صلاة معك في خيمة الاجتماع.
م مه مه مه مه
ارتفع صوت البوق ورأيت حركة دائبة عند خيمة الاجتماع: توافد الناس أمام
الساحة الواسعة؛ ثم وقف رجل فارع الطول. أشيب الشعر يرتدي زي
الفرسانء وتبدو عليه علامات القوة رغم سنوات عمره التي تفوق عمر أبي
بكثير. وعلمت من أن أن اسمه (يوشع بن نون). كان (يوشع) يقف أمام
خيمة الاجتماع. وخلفه يقف عدد كبير من الكهنة وخدام المعبد يبكون وكان
من بينهم الشيخ العجوز (شهبور). تحدث (يوشع) في حزن وقاك:
الها للها
ارتفع صراخ الناس,» حتى شعرت بالأرض ترتجف تحتي ورأيت أبي يترنح وقد
خارت ساقاه. فاستند الى كتفي وقال:
- أجلسني على الأرض يا (زخاري).
أجلسته وأنا أبعد عنه دهسات الناس الغافلة التي كانت تتساقط باكية,
وهي لا تصدق أنها ستفارق معلمها ومربيها إلى الأبد.
قال أحد الشبان:
- نريد أن نلقي النظرة الأخيرة على معلمنا أيها القائد.
قال (يوشع):
- لقد أمرنا بألا يعرف مكان قبره أحدء وألا يوضع على قبره شاهد!
قال شاب آخر وهو يبكي في حرقة:
- لماذا تركنا وحدنا بعد أن اقتربت الرحلة من نهايتها؟
قال (يوشع):
- هكذا أراد السيد الرب!
أن تقوموا أنتم يا تلاميذ (موسى) بما لم يقم به آباؤكم!
أن تدخلوا الأرض المقدسة, فتعملوا بها بوصية آبائكم (إبراهيم) و(إسماعيل)
و(اسحاق) و(يعقوب), أن تحفظوا الناموس كما أتاكم به (موسى).ء وأن
تنشروا السلام وعبادة الرب الواحد الأحد في كل الممالكء تلك هي الغاية,
وتلك هي الوصية يا بني إسرائيل.
تم قال:
- غذا يتحرك الركب فتعبرون نهر الأردن. وتنقشون وصاياه على حجر نقشًا
جميلًا. ثم تصعدون إلى الأرض المقدسة.
وبعد أن انصرف الناس قال أبي:
- خُذْنِي إلى الجبل الأحمر يا (زخاري).
قلت له:
- لماذا يا أبي؟
لا يوجد أحد هناك!
قال:
- سأمكث في الغار الذي مكث فيه (موسى) حتى يحين موعد الرحيل!
00 00 00 00 0
رددت جنبات الوادي أصوات الأبواق التي انطلقت من خيمة الاجتماع فوق
جبل «نبو», تدعو الناس لاستئناف الرحيل. تحركت جموع الشعب لتقطع
الشوط الأخير في الرحلة إلى الأرض المقدسة:, الرجلة التي استغرقت ما
يقرب من خمسين عامًا ولم يتبقّ منها سوى بضعة أيام يعبرون بعدها النهر
إلى أرض الميعاد. حمل زعيم كل سبط من الأسباط رايته وساروا في
ترتيبرهم المعهود: تقدم بنو «هارون» الركب يحملون تابوت العهد على الأكتاف
وينفخوت الأبواق بين الفينة والفينة, وقد انسل من ورائعم مئات الألوف من
شعب بني إسرائيلء يثيرون خلفهم سحابة من الرمال هي كل ما تبقى من
ذكريات عاشوها فوق حبل الأخرات: اختلط: حنين التوق: مكوار الأنقان بتكاة
الرجال والنساءء: فلأول مرة يتحرك الركب بدون المعلم والمخلصء بعد أن مات
نبي الله (موسى).
ذانك تحار" الرماة ”عت ظيات: العمامر المتزاكبة أسفل التسفه :وفيددت
أضوات الجموغ أمام ضغير الرياحخ العتسارعة فوق الجبل الموحش» ولم تعض
دقائق حتى مالت الشمس إلى الغروب, توكاً على عصاه ثم قام من جلسته
واتجه إلى باب الغار الذي أوى إليه طوال الأيام الماضية. سار في وهن بظهر
أحنتة السنوتن إلى خارخ: الغارء خاملًا .بيديه المعرقتين كومة. من. الحطب»
ارد أن أساعده في حملها ولكنه أن أشتعل كومة الحطب بصعوبة. ثم
جلس يستضيء بنورها ويستدفئىْ بنارهاء امتدت يده إلى صرّة من القماش,»
فتحها ليخرج منها أنيسيه في عمره الذي مضى:
الدواة والقلم.. تناول لفائفه المصنوعة من أوراق البردي بجهد يشي بحجمها
الضحم: تحسسشت يذاة السجل الذي أفتى عقودًا من عمره في كتابته في
حنان؛, ثم فتحه برفق على صفحته الاخيرة. غمس قلمه في الدواة وشرع
يكتب بيد أرعشتها سنوات العمر وبرودة الجو:
- «وبعدء فهذا ختام ما كتبه (شمعون بن زخاري): والملقب ب_(شمعون
المصري). عن أخبار بني إسرائيل في أرض «انسينة)»4: وما كانكمق امرهم قندذ
عبور البحر وحتى وفاة نبي الله (موسى بن عمران).
وأعلم أنى ما كتيك فى هذا الرقاع إلا أحد أمرين: أمر شنهدنه بعييف أو أفر
ستمعنة: من :ركل قن الرجالة! الشات» وأشتهة' الرهة: زال): انيع قا" بفبيك دود
الكتاب مجذا ولا شرقاء وإنما إظهار شهادتي على جيل من شعب بني
إسرائيل, اصطفاه الله .وأنجاه بمعجزة من عدوه, تم غضب عليه وأهلكه في
تلك البرية القفراء بعد أن أذاقه شقاء الارتحال ومرارة التيه.. هذا كتاب لا أدري
من سيكون قارثه, فأيًا من تكون أرجو أن تتذكر كاتب هذه الأبواب بالرحمة وأن
تدعو له بالغفران».
(شمعون بن 58 بن رأونيقة) الملقب ب_(شمعون المصري), طوى السجل
وهو زلعث» وكاتما أرهفته الكتابة: تعر أعطاة لى: وقال:
- احفظ هذا يا (زخاري). وانقله لأبنائك واجعلهم يورثونه لأبنائهم جيلا بعد
جيل!
قلت له:
: أمرك يا أب!
ثم قلت وقد شعرت ببرودة الجو تزداد.
- ألن نلحق ببني إسرائيل أسفل الجبل.. لقد أطبق الليل؟
قال:
- نلحق بهم في الصباح: فلن يسيروا بليل!
تم تنهد قائلا:
- أريد أن أقضي ليلة أخيرة في غار به ريح (موسى).
ثم تمدد فوق الحصير على الأرضء فدثرته بغطاء من وبر الإبل.
جذبني إليه ثم قبّلني في رأسي وهو يقول باسما:
- أتدري أن أمك قد وضعت فيك كل حنانها ثم رحلت!
قلت له:
- أتمنى أن أراها!
أغمض عينيه وقال:
- وأنا أيضًا.
تمت في القاهرة ه يناير 5٠7١
00 00 00 00 0
21
شكل )١( اماكن التيه التي وردت في الرواية في برية سين
شكل (؟) أسماء الأماكن في وادي «بكة»
5 ب
: ارك مؤلتضيك
الله 11 عنا؟ عن 87وناة 511 الها
11 مقع [اانا10 7
1055 : 0 ظ
أافياة .]إن
شكل )١( مقام النبي موسى - جبل نيبو - الأردن
أسماء الأماكن التاريخية في الرواية وموفعها الحالي
|
اس | سه | مسيم 0
م
تاف تق[ 1تنامانا جبل إسوسي) سانت كاترين
كانات تتتناعتانا قلق | حخليج السويس
ئة بصيرا - محافظة الطقيلة الأرون |
اس ]اسه إسمية ا
هب ]| سه إدسايت
ولد لهاك - شعال عنفتلام
كوش فكع جنوي مصير والسودان
الشخصيات الحقيقية في الرواية بحسب الظهور
١.موسى
”.هارون
".يوشع بن نون (هوشع - يشوع)
5.مريم أخت موسى
6.الشامري (السامري)
1".داثان
/ا.قورح بن إليصهار
/.أبيرام أخو داثان
9.العماليق
٠.بني يطور
0.بصلئيل بن حور
7١.كالب بن يفنه
.قلطي (الجاسوس)
5.شموع بن ذكور (الجاسوس)
.شافاط بن حوري (الجاسوس)
1١.يجال بن يوسف (الجاسوس)
/١١.بني عناق
.برام (النبي إبراهيم)
يه اندها ياك
.هلد بن بدد
١1.الملك هوشام
يدانه برك يها عل
”.عيسو بن إسحاق
5 .يبنو عبيل
1 ”.عمرو بن لحي
/ال.طريفة العرافة
الولنهنة الات
89.لحارث بن المضاض
".جرهم
"١ خزاعة
المصادر والمراجع
مص_ادر دي نية:
-١ القرآن الكريم.
7- الكتاب المقدس - سفر الخروج/ سفر العدد.
"- تفسير ابن كثير - طبعة دار ابن الجوزي - السعودية - .١ ٠١١
5- الجامع لأحكام القرآن - للقرطبي - طبعة مؤسسة الرسالة - .5٠١6
”"- يوسف رياض:
شرح أسفار (موسى) الخمسة من التكوين إلى الرؤيا - دار الإخوة /ا١٠5.
الطبعة الثالتة .١1/1/
موسوعات ومصادر تاريخية:
60- دكتور رشدي البدراوي:
موسوعة قصص الأنبياء والتاريخ - الجزء الرايع - طبعة .١99/
1 - دكتور عبد الوهاب المسيري:
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية الموجزة - دار الشروق - الطبعة
السادسة - .[٠١[(.
/ا- جوستاف لوبون:
اليهود في تاريخ الحضارات الأولى - ترحمة عادل زعيتر - مؤسسة هنداوي
للتقافة - .١١١7
كا ريق |رمستتروزة:
تاريخ الكتاب المقدس - ترجمة د.
محمد صفار - مكتبة الشروق الدولية - .١١١١
- دكتور جواد علي:
المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ٠١ أجزاء - الطبعة الثانية .١995
الإنجيل العبري ومصر القديمة - دار الثقافة الجديدة - .5١1/
-٠ إسماعيل حامد:
تاريخ اليهود - العالمية للكتب والنشر - الطبعة الأولي .5١١5
(0- دكتور شريف حامد سالم:
والسمات اللغوية - مكتبة مدبولي - .١1١١١
7٠17 - أسطورة توراتية - ترجمة دينا إمام - دار العين ٠١١ جاري جرينبرج: -١7
(تم الكتاب بحمد الله)
"وبعد...
فهذا ختام ما كتبة ' اشمعون بن زخاري" : والملقب بشمعون المصري. عن
أخبار بني إسرائيل في برية سينء وما كان من أمرهم منذ عبور ل
وفاة موسى بن عمران. وأعلم أني ما كتبت في هذه الرقاع إلا أَحَدَ أمزية:
أمر شهدته بعيني أو أمر سمعته من رجل من الرجال اليّقات. وأشيهد الربّ
(إيل)؛ أني ما بغيْتُ بهذا الكتاب مجدًا ولا شرفاء وإنما إظهار شهادتي على
جيل من شعب بني إسرائيل, اصطفاه الله وأنجاه بمعجزة من عدؤة, ثم
غضب عليه وأهلكه في تلك البرية القفراء. مكتبة١١ الثقافية بعد أن أذاقه
شقاء الارتحال ومرارة التيه. هذا كتاب لا أدري من سيكون قارئه؛ فأيًّا من تكن
أرجو أن تتذكر كانت هذة.الأيوات باليحمة وان تدعو له بالعفران"
«شمعون بن زخاري بن أوقين الملقب بشمعوت المصري»
تم في الليلة الأخيرة من الشهر التثامن لسنة ستين بعد الخروج
الورقة الحادية والعشرون
الورقة الثانية والعشرون
الورقة الأريعون
لا
الورقة الرايعة والأريعون
الورقة الخامسة والأريعون
الورقة السادسة والأريعون
الورقة السابعة والأريعون
الورقة الثامنة والأريعون
الورقة التاسعة والأريعون
الورقة ال_< ن
الورقة الحادية كيه
الورقة الرائعة وال_< ن
الورقة الخامسة وال_< ن
الورقة السادسة وال .خمسون
الورقة السارعة والالسصييدت
الورقة التاسعة وال_< ن
الورقة الستون
الورقة الرايعة والستون
الورقة الخامسة والستون
الورقة السادسة والستون